تمهيد
عندما نتأمل خريطة القوّة العالمية اليوم، نجد الولايات المتّحدة الأمريكية والصين في المقدّمة قوّتين عظميين تهيمنان على المشهد الدولي. لكن هذا التوزّع للقوّة ليس وليد اليوم أو حتّى القرون الأخيرة، بل هو نتاج تحوّلات تاريخية عميقة امتدّت لقرون طويلة. فهم هذه التحوّلات يساعدنا على إدراك كيف تشكّلت موازين القوى الحالية، وكيف كانت مراكز الهيمنة العالمية موزّعة بطريقة مختلفة تماماً في الماضي.
تكتسب دراسة القوى العظمى في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر أهمّية خاصّة لأنّها تكشف لنا عالماً متعدّد الأقطاب كان فيه العالم الإسلامي والحضارات الآسيوية والأفريقية هي المهيمنة، في حين كانت أوروپا لا تزال في مراحل مبكّرة من تطوير قدراتها البحرية والاستعمارية. تمثّل هذه الفترة آخر عصور التوازن الجيوسياسي قبل أن تبدأ الثورة البحرية الأوروپية في تغيير وجه العالم.

فيا ترى ما هي الدول التي كانت دول عظمى تسيطر على عالم ومحيطات القرن 13 والقرن 14 والقرن 15؟

في القرن 13:
- المملكة العربية الأيّوبية في مصر والشام.
- إمبراطورية مالي في غرب أفريقيا.
- الإمبراطورية المغولية في الصين.
- إلخانية مغول فارس.
في القرن 14:
- الخلافة العباسية في القاهرة (المماليك).
- إمبراطورية مالي في غرب أفريقيا.
- المملكة المرينية في المغرب العربي.
- الإمبراطورية المغولية في الصين.
- إلخانية مغول فارس.
في القرن 15:
- سلطنة الروم العثمانية.
- مملكة الپرتغال.
- مملكة قشتالة.
- امبراطورية مينگ في الصين.

القرن 13: عصر التنوّع الحضاري
شهد القرن الثالث عشر تنوّعاً حضاريّاً مذهلاً في مراكز القوّة العالمية، إذ برزت المملكة العربية الأيّوبية في مصر والشام قوّة عظمى في المنطقة العربية والإسلامية. أسّس صلاح الدين الأيّوبي هذه المملكة عام 1171 بعد إلغاء الخلافة الفاطمية والمملكة الزنگية ودمج أملاكهم، وامتدّت سيطرتها لتشمل مصر والشام وحلب والجزيرة العليا واليمن والحجاز والنوبة. انتصار صلاح الدين الحاسم في معركة حطّين عام 1187 أدّى إلى استرداد القدس وسقوط معظم الإمارات الصليبية، ممّا جعل المملكة الأيّوبية القوّة المهيمنة في المشرق العربي والبحر المتوسّط.
في الوقت نفسه، كانت إمبراطورية مالي في غرب أفريقيا تشكّل نموذجاً مثاليّاً للقوّة العظمى في العصور الوسطى. سيطرت مالي على شبكات التجارة العابرة للصحراء التي ربطت بين شمال أفريقيا وجنوبها، وأصبحت بحلول بداية القرن الرابع عشر مصدر ما يقارب نصف الذهب المُصدَّر في العالم القديم. هذه السيطرة على أحد أهمّ الموارد الاستراتيجية في عصرها منحت مالي نفوذاً اقتصاديّاً هائلاً امتدّ تأثيره إلى أقاصي العالم المعروف آنذاك.
أمّا في الشرق الأقصى، فكانت الإمبراطورية المغولية في الصين تمثّل القوّة العظمى العابرة للقارّات. تحت قيادة قوبلاي خان، حفيد جنگيز خان، تأسّست أسرة يوان عام 1271، وحقّق قوبلاي توحيد الصين بالقضاء على أسرة سونگ الجنوبية عام 1279. امتدّ نفوذ هذه الإمبراطورية عبر معظم آسيا وأوروپا الشرقية، وشهد عهدها ازدهاراً في التجارة الخارجية والتبادل الحضاري لم يسبق له مثيل قبل العصر الحديث.
في المنطقة الإيرانية، كانت إلخانية مغول فارس تغطّي ما يُعرف اليوم بإيران وأجزاء من تركمانستان وتركيا والعراق وأرمينيا وأفغانستان وپاكستان. أُسّست هذه الإلخانية على يد القائد المغولي هولاكو، وشهدت إنجازات حضارية واقتصادية مهمّة نتيجة للسلام المغولي الذي سمح بحركة البضائع والأشخاص والأفكار بحرّية على طول طريق الحرير.

القرن 14: استمرار الهيمنة الإسلامية-الآسيوية
استمرّ القرن الرابع عشر في إظهار هيمنة العالم الإسلامي والحضارات الآسيوية على المشهد العالمي.
في مصر والشام وحلب، ورث المماليك السلطة من الأيّوبيّين وأعادوا تأسيس الخلافة العباسية في القاهرة عام 1261، ممّا جعل من مصر المركز السياسي والاقتصادي والحضاري للعالم العربي الإسلامي الشرقي. نجح المماليك تحت قيادة قطز وبيبرس في هزيمة المغول عام 1260 في معركة عين جالوت، وهي المعركة التي أوقفت التوسّع المغولي جنوباً وحمت أغلب المنطقة العربية من الغزو المغولي.
في المغرب العربي، كانت المملكة العربية-البربرية المرينية القوّة المهيمنة خلال هذا القرن. وصلت زناتة إلى أوج قوّتها في منتصف القرن الرابع عشر تحت حكم أبو الحسن وابنه أبو عنان، عندما سيطرت فترة وجيزة على معظم المغرب العربي. دعمت المملكة المرينية إمارة غرناطة في الأندلس وحاولت الحصول على موطئ قدم في الجانب الأوروپي من مضيق جبل طارق، ممّا يدلّ على امتداد نفوذها عبر القارّات.
ظلّت إمبراطورية مالي في غرب أفريقيا قوّة عظمى خلال هذا القرن، ووصلت إلى ذروة مجدها تحت حكم منسا موسى الأول (1312-1337). رحلة حجّه الأسطورية عام 1324 لم تكن مجرّد رحلة دينية، بل كانت عرضاً للقوّة الاقتصادية والسياسية لمالي. إذ سافر منسا موسى بقافلة ضخمة تضمّ 60,000 شخص و80 جملاً يحمل كل منها مئات الأرطال من غبار الذهب، وكان إنفاقه السخي في القاهرة سبباً في انهيار أسعار الذهب بنسبة 10-25% وأثّر على اقتصاد مصر 12 عاماً.
استمرّت الإمبراطورية المغولية في الصين وإلخانية مغول فارس في الهيمنة على المشهد الآسيوي. واعتنق محمود غازان (1295-1304) الإسلام على الخلافة العبّاسية، وهو الحاكم السابع للإلخانية في إيران، ممّا أعاد تأهيل صورة المغول في أعين رعاياهم المسلمين وجعل حكمهم مقبولاً أكثر، ومهّد الطريق للازدهار الحضاري وجعل إيران مركزاً حيويّاً للتجارة الدولية.

القرن 15: بداية التحوّل نحو القوى البحرية
شهد القرن الخامس عشر تحوّلاً جذريّاً في طبيعة القوّة العالمية مع بروز القوى البحرية.
برزت سلطنة الروم العثمانية قوّة عظمى جديدة تحت قيادة السلطان محمّد الثاني، الذي حقّق الإنجاز التاريخي بفتح القسطنطينية في 29 أيّار مايو 1453، منهياً بذلك الإمبراطورية البيزنطية التي استمرّت لقرابة 1500 عام. لم يكن هذا الفتح مجرّد انتصار عسكري، بل نقطة تحوّل حاسمة حوّلت القسطنطينية من مركز للمسيحية الشرقية وحدها إلى العاصمة النابضة بالحياة التي أصبحت المركز السياسي والتجاري والحضاري للعالم الإسلامي الغربي والمسيحية الشرقية.
في الوقت نفسه، بدأت أوروپا في إظهار قدراتها البحرية مع مملكة الپرتغال ومملكة قشتالة. مستفيدة من التراث البحري الأندلسي، بدأت الاستكشافات البحرية الپرتغالية بشكل منهجي عام 1419 تحت رعاية الأمير هنري الملاح، ووصل بارتولوميو دياس إلى رأس الرجاء الصالح عام 1488، وبعد عشر سنوات قاد ڤاسكو دا گاما أوّل أسطول مسيحي حول أفريقيا إلى شبه القارة الهندية. أطلقت هذه المملكة الصغيرة عصر الاستكشاف البحري الأوروپي الذي غيّر العالم، واحتكرت تجارة العبيد الأفريقية البحرية لأكثر من قرن.
أمّا مملكة قشتالة، فكانت تمثّل القوّة القائدة في الحروب المسيحية الشمالية ضدّ الحكّام المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية. وفي عام 1492، تحت حكم الملوك الكاثوليك إيزابيلا وفرناندو، أشرفا على المراحل الأخيرة ممّا يسمّونه الـ”ريكونكيستا” مع غزو غرناطة التي حالفت العثمانيّين، ممّا أنهى وجود الإسلام في الأندلس وشكّل اتّحادهما الشخصي مملكة قوية أصبحت إسپانيا.
لم يقتصر الأمر على مجرّد الاستكشاف البحري، بل شكّل اكتشاف القارّات الجديدة نقطة تحوّل حاسمة في موازين القوى العالمية خلال القرن السادس عشر. إذ فتح اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد عام 1492 “فيضاناً من الاستكشاف الإسپاني” وأدّى إلى تأسيس إمبراطورية امتدّت عبر معظم الأمريكتين، ممّا جعل إسپانيا “واحدة من أقوى الإمبراطوريّات في العصر الحديث المبكّر”.

أدّى اكتشاف رواسب الفضة الهائلة في الأمريكتين إلى ثورة اقتصادية حقيقية غيّرت وجه العالم. إذ شكّلت مناجم پوتوسي في بوليڤيا الحالية، المُكتشفة عام 1545، “مصدر 60% من فضّة العالم” خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، وأنتجت ما بين 1545 و1810 “ما يقارب 20% من جميع الفضة المُنتجة في العالم عبر 265 عاماً”. كانت پوتوسي تُلقّب بـ”خزانة العالم”، وأصبحت مدينة يزيد عدد سكّانها على 200,000 نسمة
لم يُثر هذا التدفّق الهائل للفضّة إسپانيا فحسب، بل أحدث تحوّلاً جذريّاً في الاقتصاد العالمي. إذ خلقت الفضّة الإسپانية “بداية اقتصاد عالمي حقيقي”، وأصبحت “تدور حول العالم وتجعل العالم يدور”. أدّى هذا التدفّق إلى “ثورات أسعار” في أوروپا، وساهم في تحوّل إسپانيا إلى قوّة عالمية مهيمنة، غير أنّه جعلها في ذات الوقت تعتمد بشكل مفرط على هذا المورد الواحد.
في الوقت نفسه، كانت الپرتغال تؤسّس نموذجاً اقتصاديّاً مختلفاً في البرازيل اعتماداً على مزارع قصب السكّر. ابتداءً من الثلاثينيّات من القرن السادس عشر، طوّرت الپرتغال نظام المزارع الكبيرة (الإنچنيوس) التي اعتمدت على العمالة المستعبدة من أفريقيا، وأصبحت البرازيل “أكبر منتج للسكّر في العالم” بحلول منتصف القرن السادس عشر . استوردت البرازيل “أكثر من 4.9 مليون عبد أفريقي من 1501 إلى 1866″، أكثر من أي دولة أخرى في الأمريكتين، وكان “العامل المستعبد القوّة المحرّكة وراء نموّ اقتصاد السكّر”
في الصين، كانت إمبراطورية مينگ تمثّل ظاهرة فريدة في التاريخ البحري العالمي. بين عامي 1405 و1433، أطلقت الصين سبع رحلات استكشافية بحرية بقيادة أمير الماء تشنگ خه، وضمّت الرحلة الواحدة أكثر من 300 سفينة مع أكثر من 28,000 شخص. كانت هذه الرحلات أسطولاً فريداً في تاريخ العالم لم يُضاه حتى أساطيل الغزو في الحرب العالمية الأولى، لكن في عام 1433، توقّفت الرحلات وانسحبت الصين من المسرح العالمي قبل عقود قليلة فقط من دخول المستكشفين الأوروپيين أعالي البحار.
وبهذا نلاحظ أنّ اكتشاف العالم الجديد واستغلال موارده لم يكن مجرّد حدث جغرافي، بل كان بداية تحوّل جذري في موازين القوى العالمية. في حين كانت إمبراطوريّات العالم القديم – من المماليك إلى العثمانيّين إلى مالي – تعتمد على شبكات تجارية قائمة ومراكز حضارية مستقرّة، نجحت إسپانيا والپرتغال في خلق مصادر ثروة جديدة تماماً من القارّات المُكتشفة حديثاً. هذه الثروة الجديدة – الفضة من الأمريكتين والسكّر من البرازيل والجزر الأطلسية – منحت القوى الإيبيرية ميزة تنافسية هائلة مقابل القوى التقليدية في آسيا وأفريقيا، وبدأت تدريجيّاً في تغيير موازين القوّة من الشرق نحو الغرب الأوروپي.

أنماط التفاعل بين القوى العظمى
ما يميّز هذه الفترة التاريخية هو طبيعة العلاقات بين القوى العظمى، التي كانت تتّسم بالتعاون أكثر من الصراع المستمر. خلق توزّع هذه القوى الجغرافي مناطق نفوذ طبيعية قلّلت من الاحتكاك المباشر والصراع المستمر. مالي في غرب أفريقيا، ومماليك مصر في شرق المتوسّط والبحر الأحمر، والمغول في آسيا الوسطى والشرقية، والمرينيّون في المغرب العربي – سمح هذا التوزّع بتعايش هذه القوى وتفاعلها التجاري والحضاري.
أدّى الإسلام دوراً توحيديّاً قويّاً بين معظم هذه القوى. ربط الحجّ السنوي بين مالي ومماليك مصر والمغرب، وكانت رحلة منسا موسى عام 1324 نموذجاً للدبلوماسية الاقتصادية التي عزّزت العلاقات بين القوى الإسلامية. وخلق التجّار المسلمون شبكة تجارية عابرة للقارّات، وكانت العملة الذهبية والفضية الإسلامية مقبولة من الأندلس إلى جنوب شرق آسيا، وكانت اللّغة العربية لغة التجارة والدبلوماسية.
خلق «السلام المغولي» بيئة تعاون فريدة، فالمغول لم يكونوا مجرّد فاتحين، بل منظّمين لشبكة تجارية عالمية. فازدهر طريق الحرير تحت حمايتهم، وتسارع التبادل التكنولوجي والحضاري بين الصين والعالم الإسلامي. حوّل تحوّل المغول التدريجي للإسلام، خاصّة في إلخانية فارس، الصراع إلى تعاون مع بقية العالم الإسلامي.

العوامل الجيوسياسية لاستقرار النظام متعدّد الأقطاب
سمحت عدّة عوامل بتعدّد القوى العظمى واستقرار النظام الدولي خلال هذه القرون. أدّت الجغرافيا الطبيعية دوراً محوريّاً، فالمحيطات والصحاري والجبال خلقت حواجز طبيعية منعت الصدام المباشر المستمرّ بين القوى العظمى. وكان التكامل الاقتصادي عاملاً آخر، إذ تخصّصت كلّ قوّة في موارد معيّنة – ذهب مالي، وتوابل آسيا، وحرير الصين – ممّا خلق شبكة من التبادل التجاري المفيد للجميع.
وفّرت الشبكة الحضارية الإسلامية إطاراً للتعاون والتنسيق بين معظم هذه القوى. سهّل تشارك العقيدة والشريعة واللّغة والتقاليد التجارية التفاعل وقلّل من احتمالات الصراع. دفعت التهديدات المشتركة، مثل الصليبيّين في المتوسّط والتوسّع المغولي في بداياته، هذه القوى للتنسيق والتعاون في مواجهة التحدّيات الخارجية.

نموذج التوازن التعاوني
ما نلاحظه من هذا الاستعراض التاريخي أنّ القوى العظمى في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر كانت في معظمها إسلامية؛ آسيوية-أفريقية، وأنّ أوروپا المسيحية لم تبدأ في البروز قوّة بحرية مهيمنة إلّا في أواخر القرن الخامس عشر. يظهر هذا التحوّل التدريجي في موازين القوى العالمية من الشرق إلى الغرب، ويؤكّد أنّ الهيمنة الأوروپية اللّاحقة لم تكن حتمية أو طبيعية، بل نتيجة تحوّلات تكنولوجية وجيوسياسية محدّدة.
النموذج السائد خلال هذه الفترة لم يكن «توازن رعب» كما في الحرب الباردة، بل «توازن تعاوني» حيث خلقت التجارة والروابط الحضارية المشتركة شبكة من المصالح المتبادلة. كانت الصراعات محدودة وانتقائية، في حين كان التعاون القاعدة العامّة. انهار هذا النموذج مع ظهور القوى البحرية المسيحية الأوروپية التي كسرت الاحتكارات التجارية التقليدية وأدخلت ديناميكية جديدة من المنافسة الاستعمارية غيّرت وجه العالم إلى اليوم.
لكن هذا النموذج التعاوني بدأ يتصدّع مع دخول الثروات الأمريكية الجديدة إلى المعادلة العالمية. فالفضّة الإسپانية والسكّر الپرتغالي لم يكونا مجرّد إضافة كمّية للاقتصاد العالمي، بل شكّلا تحوّلاً نوعيّاً في طبيعة القوّة الاقتصادية. أدّت الفضة الأمريكية إلى “تضخّم الأسعار” في أوروپا وآسيا، وأضعفت القيمة النسبية للذهب الأفريقي الذي كان أساس قوّة إمبراطورية مالي، كما غيّرت أنماط التجارة العالمية لتصبّ في صالح الطرق البحرية الأطلسية بدلاً من الطرق التجارية العابرة للصحراء والبحر الأحمر. هكذا، لم تكن الثروات الأمريكية مجرّد إضافة للقوى الموجودة، بل كانت عاملاً ثوريّاً أعاد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للعالم بأسره.

من التعاون إلى الهيمنة البحرية
لفهم عمق هذا التحوّل، يجب النظر في كيفية بناء الپرتغال لريادتها العالمية من طريق الاستيلاء على شبكات تجارية راسخة كانت تهيمن عليها قوى إسلامية وشرق آسيوية منذ قرون.
كانت سلطنة كلوة أعظم مثال على هذا، إذ هيمنت على الساحل السواحلي (الساحل الأوساني) شرق أفريقيا منذ القرن الثاني عشر وأصبحت تحت الحكم المهادلة التعزيّين “القوّة المهيمنة على جزء كبير من الساحل الهندي الغربي” خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وصلت كلوة إلى ذروة مجدها بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، عندما كان “تجّار كلوة يتّجرون بالذهب والفضّة واللّؤلؤ والعطور والخزف الصيني”، وكانت “تحتكر جزءاً كبيراً من تجارة المحيط الهندي”. امتدّ نفوذ سلطنة كلوة ليشمل “مدن مالندي وموييتا (مومباسا) وپمبا وزنجبار والجزر القُمر وموزامبيق”، ممّا جعلها تسيطر فعليّاً على معظم شرق وجنوب أفريقيا.
كانت كلوة جزءاً من شبكة تجارية عالمية معقّدة ربطت أفريقيا بآسيا والعالم الإسلامي. ازدهرت التجارة بين كلوة والصين لدرجة أنّه “بحلول القرن الخامس عشر، كان يُستورد خزف صيني إلى كلوة أكثر من الخزف العربي” ويتوزّع منها عبر أفريقيا كلّها. زار الرحّالة الصيني الشهير تشنگ خه سلطنة كلوة والساحل السواحلي بين 1405 و1433 في رحلاته السبع الشهيرة، ممّا يؤكّد المكانة العالمية لهذه السلطنة.
لكن التحوّل الجذري جاء مع وصول الپرتغاليّين. في عام 1502، أجبر ڤاسكو دا گاما سلطنة كلوة على دفع جزية سنوية للپرتغال، وعندما توقّفت كلوة عن الدفع، أرسل الملك مانويل الأوّل دوم فرانشيسكو دي ألميدا عام 1505 ليستولي على المدينة بالقوّة. هبط ألميدا مع 500 رجل وطرد السلطان من الجزيرة، وأقام حصناً، وترك حامية من 150 رجلاً للدفاع عنه، وأجبر السلطان الجديد على توقيع معاهدة “تعلن خضوع كلوة إلى الأبد لملك الپرتغال”.
لم يكن هذا الاستيلاء على كلوة مجرّد احتلال عسكري، بل كان استحواذاً استراتيجيّاً على شبكة تجارية عالمية راسخة. كانت كلوة “تهيمن على الساحل الأفريقي الشرقي” و”سيّد للساحل الهندي على بحر العرب، كان بإمكان كلوة إغلاق جميع نقاط التوقّف الپرتغالية في بحر العرب”، بما في ذلك “جزيرة موزامبيق المهمّة للغاية” و”ميناء سُفالة الجذّاب الذي يخدم تجارة الذهب”. بالسيطرة على كلوة، لم يكسب الپرتغاليّون مجرّد ميناء، بل ورثوا إمبراطورية تجارية كاملة.

الهيمنة بالقرصنة وقطّاع الطرق
نجح الپرتغاليّون بهذه الطريقة في “إعادة توجيه” التجارة العالمية لمصلحتهم. وفرضت الپرتغال “نظام المرور الآمن المسمّى كارتاز على تجارة المحيط الهندي”، وجمعت “رسوماً جمركية عالية في غوا وهرمز وملقا”. تحت قيادة أفونسو دي ألبوكيرك، نجحت هذه “الأمّة الأطلسية الصغيرة والمعزولة والهامشية في تحقيق سيطرة خانقة على التجارة البحرية الآسيوية”.
لكنّ هذا النموذج الپرتغالي للهيمنة البحرية لم يدم طويلاً، إذ واجه تحدّيات من قوى أوروپية أخرى. بدأت الحرب البرتغالية-الهولاندية عام 1598، وخلال الاتّحاد الإيبيري (1580-1640)، “وجدت الپرتغال نفسها غير قادرة على الدفاع بفعّالية عن شبكتها المترامية من المراكز التجارية”. وبحلول القرن الثامن عشر، “أزاحت القوّة البحرية والتجارية البريطانية والفرنسية القوّة الپرتغالية”، وإن بقيت الپرتغال في غوا.
في محاولتها للحفاظ على نظام الكارتاز في وجه التحديات المتزايدة، لجأت الپرتغال أحياناً إلى تكتيكات بحرية غير تقليدية شملت التسامح مع بعض الأنشطة “شبه القانونية” من قبل حلفائها التقليديّين.
برغم أنّ التحالف الأنگلو-پرتغالي عام 1373 كان معلّقاً رسميّاً خلال حقبة الاتّحاد الأيبيري (1580-1640)، إلّا أنّ القراصنة الإنگليز استطاعوا أسر 299 سفينة پرتغالية في رحلات عودتها من الهند بين عامي 1589 و1591. يرى بعض المؤرّخين أنّ هذه العمليّات العدائية كانت في الواقع عمليّات مقبولة سرّاً من الأطراف التجارية الپرتغالية، لتمويل التحالف الأنگلو-پرتغالي المستمرّ سرّاً بعد 1580.
هذا التفاعل العدائي-التعاوني المبكّر، برغم طبيعته المؤذية للپرتغال، منح البريطانيّين خبرة قيّمة في المياه الآسيوية وفهماً عميقاً لطرق التجارة والنظم البحرية الپرتغالية. وعندما استعادت الپرتغال استقلالها عام 1640 وتجدّد التحالف، كانت بريطانيا قد اكتسبت بالفعل المعرفة والخبرة اللّازمة لتحدّي الهيمنة الپرتغالية في المحيط الهندي، ممّا مهّد الطريق للمنافسة البريطانية-الپرتغالية اللّاحقة التي انتهت بالهيمنة البريطانية على شبكات التجارة الآسيوية.
كان الحدث المفصلي هو “الانتصار البريطاني عام 1757 في الهند، الذي منح البريطانيّين السيطرة على البنغال ونفوذاً أكبر في الداخل”. انتقلت الهيمنة هكذا على شبكات المحيط الهندي من الپرتغال إلى بريطانيا، التي ورثت النظام التجاري الپرتغالي وطوّرته ليصبح أساس الإمبراطورية البريطانية العالمية في القرن التاسع عشر.
بهذا الشكل، نشهد تحوّلاً تدريجيّاً في مراكز القوّة العالمية: من النموذج التعاوني متعدّد الأقطاب الذي هيمنت عليه القوى الإسلامية والآسيوية في القرون الوسطى المتأخّرة، إلى النموذج الپرتغالي القائم على السيطرة البحرية والاستيلاء على الشبكات التجارية القائمة، وصولاً إلى الهيمنة البريطانية التي بنت إمبراطورية عالمية على أنقاض الشبكات السابقة. كان كلّ تحوّل يمثّل تطوّراً في أساليب القوّة، من التعاون التجاري إلى الهيمنة البحرية إلى الاستعمار المباشر.
المراجع والمصادر
- Ehrenkreutz, Andrew S. Saladin. Albany: State University of New York Press, 1972.
- Gibb, H.A.R. “The Rise of Saladin, 1169-1189.” In A History of the Crusades, Volume 1: The First Hundred Years, edited by Marshall W. Baldwin. Madison: University of Wisconsin Press, 1969.
- Lyons, Malcolm Cameron, and D.E.P. Jackson. Saladin: The Politics of the Holy War. Cambridge: Cambridge University Press, 1982.
- Möhring, Hannes. Saladin: The Sultan and His Times, 1138-1193. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2008.
- Holt, P.M. The Age of the Crusades: The Near East from the Eleventh Century to 1517. London: Longman, 1986.
- Irwin, Robert. The Middle East in the Middle Ages: The Early Mamluk Sultanate 1250-1382. London: Croom Helm, 1986.
- Northrup, Linda S. From Slave to Sultan: The Career of al-Mansur Qalawun and the Consolidation of Mamluk Rule in Egypt and Syria (678-689 A.H./1279-1290 A.D.). Stuttgart: Franz Steiner Verlag, 1998.
- İnalcık, Halil. The Ottoman Empire: The Classical Age 1300-1600. London: Weidenfeld and Nicolson, 1973.
- Kafadar, Cemal. Between Two Worlds: The Construction of the Ottoman State. Berkeley: University of California Press, 1995.
- Pitcher, Donald Edgar. An Historical Geography of the Ottoman Empire. Leiden: E.J. Brill, 1972.
- Conrad, David C. Empires of Medieval West Africa: Ghana, Mali, and Songhay. New York: Facts on File, 2010.
- Levtzion, Nehemia, and J.F.P. Hopkins, eds. Corpus of Early Arabic Sources for West African History. Princeton: Markus Wiener Publishers, 2000.
- Niane, Djibril Tamsir. Sundiata: An Epic of Old Mali. London: Longman, 1965.
- François-Xavier Fauvelle. The Golden Rhinoceros: Histories of the African Middle Ages. Princeton: Princeton University Press, 2018.
- Bell, Nawal Morcos. “The Age of Mansa Musa of Mali: Problems in Succession and Chronology.” International Journal of African Historical Studies 5, no. 2 (1972): 221-234.
- Goodwin, A.J.H. “The Medieval Empire of Ghana.” South African Archaeological Bulletin 12, no. 47 (1957): 108-112.
- Allsen, Thomas T. Culture and Conquest in Mongol Eurasia. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.
- Jackson, Peter. The Mongols and the West, 1221-1410. Harlow: Pearson Longman, 2005.
- Morgan, David. The Mongols. Oxford: Blackwell Publishers, 1986.
- Rossabi, Morris. Khubilai Khan: His Life and Times. Berkeley: University of California Press, 1988.
- Chan, Hok-lam. Legitimation in Imperial China: Discussions under the Jurchen-Chin Dynasty (1115-1234). Seattle: University of Washington Press, 1984.
- Endicott-West, Elizabeth. Mongolian Rule in China: Local Administration in the Yuan Dynasty. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989.
- Sen, Tansen. “The Formation of Chinese Maritime Empire from Guangzhou to Quanzhou, 1200-1500.” Honolulu: University of Hawai’i Press, 2009.
- Boxer, Charles R. The Portuguese Seaborne Empire 1415-1825. London: Hutchinson, 1969.
- Diffie, Bailey W., and George D. Winius. Foundations of the Portuguese Empire, 1415-1580. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1977.
- Ptak, Roderich. “The Northern Trade Route to the Spice Islands: South China Sea-Java-Maluku, 14th to Early 16th Century.” Archipel 43 (1992): 27-56.
- Russell, Peter. Prince Henry ‘the Navigator’: A Life. New Haven: Yale University Press, 2000.
- Levathes, Louise. When China Ruled the Seas. New York: Oxford University Press, 1994.
- Pearson, Michael N. The Indian Ocean. London: Routledge, 2003.
- Subrahmanyam, Sanjay. The Career and Legend of Vasco da Gama. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
- Baldwin, Marshall W., ed. A History of the Crusades, Volume 1: The First Hundred Years. Madison: University of Wisconsin Press, 1969.
- Edbury, Peter W., ed. and trans. The Conquest of Jerusalem and the Third Crusade: Sources in Translation. Aldershot: Ashgate, 1998.
- Hillenbrand, Carole. The Crusades: Islamic Perspectives. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999.
- Kedar, Benjamin Z. “The Battle of Hattin Revisited.” In The Horns of Hattin, edited by Benjamin Z. Kedar. Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi, 1992.
- ابن الأثير، عز الدين. الكامل في التاريخ. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
- العماري، شهاب الدين أحمد بن يحيى. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. أبو ظبي: المجمع الثقافي، 2001.
- ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق عبد الله محمد الدرويش. دمشق: دار يعرب، 2004.
- Guillaume de Tyr. Historia rerum in partibus transmarinis gestarum. In Recueil des historiens des croisades, Historiens occidentaux, vol. 1. Paris: Imprimerie Royale, 1844.
- Joinville, Jean de. Histoire de saint Louis. Edited by Noël L. Corbett. Sherbrooke: Naaman, 1977.
- Bosworth, C.E., et al., eds. The Encyclopedia of Islam. 2nd ed. Leiden: E.J. Brill, 1960-2009.
- Strayer, Joseph R., ed. Dictionary of the Middle Ages. New York: Charles Scribner’s Sons, 1982-1989.
- Jackson, Peter, and Lawrence Lockhart, eds. The Cambridge History of Iran, Volume 5: The Saljuq and Mongol Periods. Cambridge: Cambridge University Press, 1968.
- Abu-Lughod, Janet L. Before European Hegemony: The World System A.D. 1250-1350. New York: Oxford University Press, 1989.
- Chaudhuri, Kirti N. Trade and Civilization in the Indian Ocean: An Economic History from the Rise of Islam to 1750. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.
- Lopez, Robert S. The Commercial Revolution of the Middle Ages, 950-1350. Cambridge: Cambridge University Press, 1976.
- Encyclopædia Britannica Online: https://www.britannica.com
- Oxford Islamic Studies Online: http://www.oxfordislamicstudies.com
- World History Encyclopedia: https://www.worldhistory.org
- Cambridge Histories Online: https://www.cambridge.org/core





اترك رد