يتناول هذا المقال تاريخ تسمية المنطقة المعروفة بـ “عرب إستان” أو “أروى إستان” في العصور القديمة، وخاصة خلال فترات حكم الأشكانيين والساسانيين. يستكشف المقال أصول هذه التسميات وتطورها عبر الزمن، مع التركيز على الدلالات اللغوية والثقافية المرتبطة بها. كما يسلط الضوء على أهمية الوعل في الثقافة العربية القديمة وعلاقته بهذه التسميات.
في الماضي أطلق الأشكان الپارنيّون على منطقة الجزيرة الفراتية تسمية {عرب إستان} وشملوا معها بهذه التسمية كلّ المنطقة إلى الغرب من الفرات، حتّى ساحل البحر المتوسط وفلسطين وشرق مصر. وبقيت هذه التسمية مستعملة تالياً في العهد الساساني. لكن، مع تراجع مساحة {عرب إستان} أمام التوسّع الروماني ثمّ البيزنطي.
وفي هذه الخارطة نرى أستانات الشاهنشاهية الساسانية في آخر عهدها، وهي الأستانات الموروثة عن عهد الأشكان، وقبلهم السلوقيين، ونلاحظ فيها أستان أروى أو عرب إستان، مع بقيّته التي كان قد أخذها الرومان والبيزنطيون

لكن، في الوقت الذي قال فيه الأشكان عن هذه المنطقة {عرب إستان} سمّاها أهلها من العرب أنفسهم {أروى إستان} وقالوا عن أنفسهم {آرا} والجمع {أران}. وهي التسمية القديمة التي استعملها الأخمينيّون وصفاً لبعض العرب.
في معجمه {مقاييس اللّغة} يقول أحمد بن فارس الرازي أنّ {الأَرْوَى} هي صيغة جمع معناها إناث الوعول. مفردها {الأرْوِيَّة} وهي أنثى الوعل. وجمعها من ثلاث إلى عشر هو {أرَاوِيّ} وجمعها إذا زادت عن عشرة: {الأَرْوَى}… ومع ذلك يقول أنّ سمة الذكر والأنثى من الوعل هي {أُرْوِية}.
هكذا، وطالمَا عبد قدامى العرب الوعل فقدّسوه، وطالمَا تكثر تماثيله ومنحوتاته في مقدّسات كُنس العرب القديمة. فالغالب أنّ تسمية بلاد العرب باسم {أروى إستان} قديماً كانت تعني بلاد الوعول. وهذا يفسّر لماذا حمل الكثير من ملوك العرب المؤسّسين القدامى لقب آرى و أريو و أريُى و آرا.

في العديد من الثقافات القديمة، بما فيها بعض الثقافات العربية، كانت الحيوانات والطيور البرية تُعدّ رموزًا للإلهة أو الآلهة. هذه الأساطير والأيقونات الدينية كانت طريقة للبشر لفهم وتفسير العالم من حولهم. والوعل، بفضل قوّته وجماله وسرعته وعزلته وغرابة البيئة التي يعيش فيها، كان يُرى كتجسيد للقوّة والجمال والحرّية وهي صفات يمكن أن تكون مرغوبة في الإله أو الإلهة. ولذا، قد تكون هذه الصفات الأسباب التي أدت إلى تقديس الوعل عند العرب.
والوعل كان في الواقع من مقدّسات ممالك اليمن وممالك الشام والعراق على السواء، فالكثير من منقوشاته ومنحوتاته موجودة في هذه البلاد.

أمّا بخصوص كلمة {إستان} أو {أستان} فأصلها التركيب القديم ōstān من تركيب ósta + -án التي تعني: الثابت في مكانه. حيث ósta تعني ينتظر ومنها الكلمة العربية المعاصرة يستنّى أو استنّى بمعنى انتظر أو توقّف. ولهذه الكلمة ارتباط كذلك بكلمة {عش} العربية.
وكانت التسمية ōstān في البداية تسمية لمقر الحاكم المؤقّت (أي النائب)، ثمّ صارت تسمية للمحافظة (أو الوحدة الإدارية) بصيغة {إستان}، ثم صارت في العهد الأشكاني تسمية للمملكة الجزء من الإمبراطورية، أي الجزء الثابت أو الدائم من البلد.
وكلمة أوستان تعود في أصلها إلى ذات الأصل الذي خرجت عنه كلمة أستاذ العربية. فكلمة أستاذ أصلها إستا 𐡀𐡎𐡕𐡀 الآرامية، وكانت في الأساس تعني القاعدة والأساس… وصارت تعني المعلّم، لأنّه الأساس والقاعدة. فهي تطبيق بلاغة حوّر المقصود دون تغيير المعنى. و إستا 𐡀𐡎𐡕𐡀 الآرامية أصلها إشدُ 𒅆𒂗 الأگّدية بمعنى الأساس والتأسيس والقاعدة.
من معاني إستا الآرامية كذلك: معلّم أو مرشد (في التعليم). سيّد أو رئيس (في السُلطة). خبير أو ماهر (في الحِرفة والمهنة). حاكم أو قائد (في العسكرة)… وهذا كلّه من قبل الإسلام بقرون.
عن إستا 𐡀𐡎𐡕𐡀 الآرامية خرجت كلمة إستاج ܐܝܣܬܓ السريانية بمعنى سقف وصقل، وكلمة اوسطه 𐰆𐰽𐱃𐰀 التركية بمعنى معلّم، وكلمة إستان 𐭮𐭲𐭠𐭭 الپهلوية التركية بمعنى حكومة (وحدة إدارية)، وكلمة إيشتو אֶשְׁתּٌ العبرية بمعنى الأصل. وأخيراً، في العهد البويهي كلمة استاذ الفارسية بنفس المعنى العربي.
الكلمة العربية أُستاذ \ إستاذ هي تحوير نبطي عن الآرامية السريانية (الكوفية) إستاء \ إستاگ ܐܝܣܬܓ التي تحوّلت إلى إستاد ثمّ صارت إستاذ بإبدال الدال ذال، على عادة الأنباط.
يبقى أن أضيف أنّ العصرين الأشكاني والساساني، كان في اللّغة الپهلوية عدّة أسماء مستخدمة للإشارة إلى العرب. منها
- تَازِيگ 𐭲𐭦𐭩𐭪𐭩𐭪: أحد أشهر الأسماء المستخدمة للإشارة إلى العرب، واستمر استخدامه خلال العهد الساساني.
- حَتَرَاك 𐭧𐭲𐭥𐭪𐭪: يشير إلى القبائل العربية في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية.
- مَكَرَك 𐭬𐭪𐭥𐭪𐭪: يُستخدم للإشارة إلى سكان المنطقة المعروفة حاليًا بعُمان.
- تَگَارَك 𐭲𐭪𐭠𐭪𐭪: يُستخدم للإشارة إلى القبائل العربية في المنطقة الشمالية الشرقية من شبه الجزيرة العربية.
- نَبَاتِي 𐭭𐭠𐭯𐭲𐭩: يُستخدم للإشارة إلى الأنباط الذين كانوا يسكنون شمال غرب شبه الجزيرة العربية.
- خُرَسَانِي 𐭧𐭲𐭣𐭠𐭭𐭩: رغم أن هذا الاسم يشير إلى منطقة خراسان، إلا أنه كان يُستخدم للإشارة إلى القبائل العربية التي تعيش في تلك المنطقة أو بالقرب منها.
في الختام، يتضح أن تسمية “عرب إستان” أو “أروى إستان” تحمل في طياتها تاريخًا غنيًا يعكس التفاعلات الثقافية واللغوية في المنطقة. إن دراسة هذه التسميات وأصولها تكشف عن العلاقات المعقّدة بين الحضارات القديمة في الشرق الأوسط، وتبرز أهمية الرموز الدينية والثقافية مثل الوعل في تشكيل الهوية العربية القديمة. كما أن تتبّع تطوّر كلمات مثل “إستان” و”أستاذ” يوضح الروابط اللغوية العميقة بين اللّغات العروبية (السامية) والإيرانية القديمة، ممّا يؤكّد على الترابط الحضاري في المنطقة عبر العصور.
المراجع
Curtis, V.S., Hillenbrand, R., and Rogers, J.M. (Eds.). (1998). “The Art and Archaeology of Ancient Persia: New Light on the Parthian and Sasanian Empires”: I.B. Tauris.
Daryaee, Touraj. (2010). “Sasanian Persia: The Rise and Fall of an Empire”: I.B. Tauris.
The Cambridge History of Iran, Volume 3: The Seleucid, Parthian, and Sasanian Periods: Cambridge University Press.
Gignoux, Philippe. (1984). “Iran under the Sasanians”: Academic Publishing.
Shahbazi, A. Shapur. (2003). “The History of the Sassanian Empire”: The University of Chicago.
The Cambridge History of Iran 1
The Cambridge History of Iran 2





اترك رد