في كلّ مرّة أقول فيها إنّ الفصحى المعاصرة مختلفة جدّاً عن فصحى التراث، يصرّ البعض على أنّني مخطئ ولا أعرف عمّ أتحدّث. وحين أشير إلى أنّ لغة الجاحظ ليست لغة الصحف اليوم، يُقال لي إنّها “فصحى واحدة” وإنّ ما تغيّر هو فقط بعض المفردات. لكنّ من يقرأ كتاباً واحداً من التراث يلمس فوراً أنّ اللّغة تغيّرت في عمقها، في بنيتها، في روحها، وما عادت نفسها.
هذه ليست مسألة “تطوّر طبيعي” أو “تحديث المفردات” فحسب. هذا تحوّل جذري في طريقة التفكير اللّغوي نفسها: من جملة اسميّة مركّبة إلى جملة فعلية مباشرة، من إطناب محسوب إلى إيجاز صحفي، من تراكيب عربية أصيلة إلى ترجمات حرفية عن لغات غرب أوروپية. والأخطر من ذلك، أنّ كثيرين يظنّون أنّهم يكتبون “فصحى تراثية” في حين هم في الحقيقة يكتبون فصحى صحفية حديثة ركيكة لا تتجاوز بعمرها المئة عام.
حين نتحدّث عن “الفصحى”، نفترض أنّنا نتحدّث عن لغة واحدة متّصلة عبر الزمن، من الجاحظ إلى الجرائد اليوم. لكنّ الحقيقة أنّ ما نسمّيه “الفصحى المعاصرة” هو في جوهره لغة جديدة، صُنعت على أيدي جيل لم يتعلّم الفصحى من كتب التراث أصلاً.
بدأت المشكلة في مطلع القرن العشرين، حين تولّى الصحافة المصرية جيل درس في پاريس ولندن، لا في الأزهر ولا عند شيوخ العربية. هؤلاء تعلّموا العربية لغة ثانية أو عامّيّة في أحسن الأحوال، أو ترجموا إليها من الفرنسية والإنگليزية مباشرة. وفي بلاد الشام وحلب، كانت المدارس الأميركية تُدرّس بالعربية على يد أساتذة أميركيّين تعلّموا العربية بأنفسهم، فخرج جيل يكتب عربية مصطنعة، مبنية على قواعد مُبسّطة ومفردات مترجَمة وتراكيب إنگليزية وفرنسية مُعرّبة. لم يقرأ هؤلاء الجاحظ ولا ابن خلدون ولا حتّى رسائل الدواوين العثمانية. تعلّموا “عربية” من معلّمين أجانب أو من كتب مدرسية مُبسّطة، ثمّ صاروا هم من يكتب في الصحف ويضع المناهج ويُنشئ المعجمات.
وحين احتاجت هذه الصحافة إلى لغة سريعة مباشرة، استعارت تراكيب ركيكة مثل “قام بـ” و”تمّ” و”يعتبر”، وأدخلت مفردات مولّدة لا أصل لها في المعجمات القديمة، ورسّخت أساليب الترجمة الحرفية. ثمّ جاء مجمع اللّغة العربية في القاهرة فباركَ هذه التغييرات، وصارت هي “المعيار”. وفي عهد الجمهورية المصرية، تسرّبت المفردات العامّية عبر الإذاعة والتلفزيون والسينما، حتّى صار ما يُكتب اليوم في الصحف والمواقع أقرب إلى لغة هجينة منه إلى فصحى الأوائل.
المشكلة ليست في التطوّر الطبيعي للّغة، فكلّ اللّغات تتطوّر. المشكلة في أنّنا نتوهّم أنّ ما نكتبه اليوم هو امتداد طبيعي لفصحى التراث، في حين أنّه في الحقيقة قطيعة معها، صنعها جيل لم يعرف تلك الفصحى أصلاً. لأثبت هذا، لن أتحدّث نظريّاً. سأعرض عليك نصّاً واحداً، مكتوباً بخمس طرق مختلفة، كلّ واحدة تمثّل حقبة من تاريخ العربية. النصّ نفسه، المعلومات نفسها، لكنّ اللّغة ستتغيّر أمام عينيك، جملة جملة، حتّى تصل من فصحى القرن العاشر الميلادي إلى فصحى الصحافة المعاصرة. وحين تقرأ الأمثلة الخمس، لن تحتاج إلى أن أقنعك بشيء. ستعرف بنفسك أنّ الفصحى ليست واحدة، وأنّ ما نكتبه اليوم ليس ما كتبه الأوائل.
فانظر معي في هذه الأمثلة الخمس:
النص الأوّل: عربية القرن العاشر الميلادي
إنَّ اللِّفْتَ الحُلْوَ الذي نَعْرِفُهُ اليومَ يَرْجِعُ أَصْلُهُ إلى نِصْفِ المِائَةِ الثامنة عَشْرَةَ بعدَ الأَلْفِ مِنْ سِنِي المَسِيحِ في بِلادِ سِلِيزْيَا، حيثُ أَمَرَ مَلِكُ البُرُوسِيَا بِإِنْفَاقِ المالِ على التَّجَارِبِ التي تَرُومُ اسْتِخْرَاجَ الحَلاوَةِ. وفي سَنَةِ ١٧٤٧ عَزَلَ أَنْدِرْيَاسُ مَرْجْرَافُ الحَلاوَةَ مِنْ جُذُورِ اللِّفْتِ فَوَجَدَهَا في قَدْرِ جُزْءٍ وثَلاثَةِ أَعْشَارِ الجُزْءِ إلى جُزْءٍ وسِتَّةِ أَعْشَارِ الجُزْءِ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ. وأَثْبَتَ أَيْضًا أَنَّ الحَلاوَةَ المُسْتَخْرَجَةَ مِنَ اللِّفْتِ هِيَ بِعَيْنِهَا الحَلاوَةُ المُسْتَخْرَجَةُ مِنَ القَصَبِ الحُلْوِ. ثُمَّ إنَّ تِلْمِيذَهُ فْرَانْتْسُ كَارْلُ آخَارْدُ اخْتَبَرَ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ المَنْجَلْوُرْتْسِل لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ الحَلاوَةِ فِيهَا، فَاخْتَارَ صِنْفًا مَحَلِّيًّا مِنْ هَالْبَرْشْتَاتَ في بِلادِ سَكْسُونِيَا-أَنْهَالْتَ اليَومَ في أَلْمَانِيَا. وزَادَ في انْتِخَابِ الصِّنْفِ مُورِيتْسُ بَارُونُ فُونْ كُوبِّي وابْنُهُ، فَاخْتَارَا الدَّرَانِيَّ الأَبْيَضَ المُخْرُوطِيَّ الشَّكْلِ. وسُمِّيَ هَذَا الصِّنْفُ “فَايْسَه شْلِيزِشَه تْسُوكَرْرُوبَه” أَيْ لِفْتُ سِلِيزْيَا الأَبْيَضُ الحُلْوُ، وكَانَتْ فِيهِ الحَلاوَةُ نَحْوَ سِتَّةِ أَجْزَاءٍ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ. وهَذَا الصِّنْفُ هُوَ أَصْلُ كُلِّ اللِّفْتِ الحُلْوِ المَعْرُوفِ اليَومَ.
هذا على النحو المستقرّ الذي توارثته المدارس بعد اندماج البصرية والكوفية، وهو ما نجده في كتب تلك الفترة مثل أعمال ابن جنّي والفارسي.
نلاحظ هنا مثلاً أن النسب المئوية كانت تكتب «قَدْر جُزْءٍ وثَلاثَةِ أَعْشَارِ الجُزْءِ… مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ»، وأنّ الأفعال متنوّعة أكثر، مع بعض المصطلحات التركيبية نادرة الاستعمال اليوم.
النص الثاني: عربية القرن الرابع عشر الميلادي
إنَّ الشَّوَنْدَرَ السُّكَّرِيَّ الذي في عَصْرِنَا يَعُودُ في أَصْلِهِ إلى مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثامِنِ عَشَرَ لِلْمِيلادِ في نَاحِيَةِ سِلِيزْيَا، إِذْ أَنْفَقَ مَلِكُ البُرُوسِيَا الأَمْوَالَ على التَّجَارِبِ التي تَهْدِفُ إلى طُرُقِ اسْتِخْرَاجِ السُّكَّرِ. وفي سَنَةِ ١٧٤٧ مِنَ المِيلادِ أَفْرَدَ أَنْدِرْيَاسُ مَرْجْرَافُ السُّكَّرَ مِنْ جُذُورِ الشَّوَنْدَرِ فَوَجَدَهُ بِنِسْبَةِ واحِدٍ وثَلاثَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ إلى واحِدٍ وسِتَّةٍ مِنْ عَشَرَةٍ في المِائَةِ. وبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ السُّكَّرَ المُسْتَخْرَجَ مِنَ الشَّوَنْدَرِ هُوَ نَفْسُ السُّكَّرِ المُسْتَخْرَجِ مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ. ثُمَّ إنَّ تِلْمِيذَهُ فْرَانْتْسُ كَارْلُ آخَارْدُ قَيَّمَ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ صِنْفًا مِنْ أَصْنَافِ المَنْجَلْوُرْتْسِل لِمَعْرِفَةِ مَا فِيهَا مِنَ السُّكَّرِ، فَانْتَقَى سُلالَةً مَحَلِّيَّةً مِنْ هَالْبَرْشْتَاتَ في سَكْسُونِيَا-أَنْهَالْتَ التي هِيَ اليَومَ في بِلادِ أَلْمَانِيَا. وزَادَ في هَذَا الانْتِقَاءِ مُورِيتْسُ بَارُونُ فُونْ كُوبِّي وابْنُهُ، فَانْتَقَيَا الدَّرَنَاتِ البَيْضَاءَ المَخْرُوطِيَّةَ. وسُمِّيَ هَذَا الانْتِقَاءُ “فَايْسَه شْلِيزِشَه تْسُوكَرْرُوبَه” وتَعْنِي شَوَنْدَرَ سِلِيزْيَا الأَبْيَضَ السُّكَّرِيَّ، وكَانَ يَحْتَوِي على نَحْوِ سِتَّةٍ في المِائَةِ مِنَ السُّكَّرِ. وهَذَا الانْتِقَاءُ هُوَ الجَدُّ الأَوَّلُ لِكُلِّ الشَّوَنْدَرِ السُّكَّرِيِّ الحَدِيثِ.
هذه على النحو كما استقرّ في القاهرة في العصر المملوكي، متأثّراً بابن مالك وشُرّاح الألفية.
نلاحظ هنا مثلاً أنّ النسب المئوية كانت تكتب «واحِدٍ وثَلاثَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ إلى واحِدٍ وسِتَّةٍ مِنْ عَشَرَةٍ في المِائَةِ»، مع اقتراب اللّغة من طريقتنا المعتادة في الحديث في المشرق حتّى اليوم.
النص الثالث: عربية القرن الثامن عشر الميلادي
إنَّ الشَّمَنْدَرَ السُّكَّرِيَّ الحَدِيثَ يَرْجِعُ في تَارِيخِهِ إلى مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثامِنِ عَشَرَ في إِقْلِيمِ سِلِيزْيَا حَيْثُ قَامَ مَلِكُ بْرُوسِيَا بِدَعْمِ التَّجَارِبِ الهَادِفَةِ إلى عَمَلِيَّاتِ اسْتِخْلاصِ السُّكَّرِ. وفي عَامِ ١٧٤٧ نَجَحَ أَنْدْرِيَاسُ مَارْجْرَافُ في عَزْلِ السُّكَّرِ مِنْ جُذُورِ الشَّمَنْدَرِ وَوَجَدَهُ بِتَرْكِيزَاتٍ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ ١,٣ و١,٦ في المِائَةِ. كَمَا بَرْهَنَ أَيْضًا على أَنَّ السُّكَّرَ يُمْكِنُ اسْتِخْلاصُهُ مِنَ الشَّمَنْدَرِ وهُوَ نَفْسُ السُّكَّرِ المُنْتَجِ مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ. وقَامَ تِلْمِيذُهُ فْرَانْتْسُ كَارْلُ آخَارْدُ بِتَقْيِيمِ ٢٣ صِنْفًا مِنْ أَصْنَافِ المَانْجَلْوُورْتْسِل لِمَعْرِفَةِ مَا تَحْتَوِيهِ مِنَ السُّكَّرِ، فَاخْتَارَ سُلالَةً مَحَلِّيَّةً مِنْ هَالْبَرْشْتَاتَ في سَكْسُونِيَا-أَنْهَالْتَ التي هِيَ حَالِيًّا في أَلْمَانِيَا. ثُمَّ قَامَ مُورِيتْسُ بَارُونُ فُونْ كُوبِّي وابْنُهُ بِالاخْتِيَارِ مِنْ هَذِهِ السُّلالَةِ لِلْحُصُولِ على الدَّرَنَاتِ البَيْضَاءِ المَخْرُوطِيَّةِ. وقَدْ سُمِّيَ هَذَا الاخْتِيَارُ “فَايْسَه شْلِيزِشَه تْسُوكَرْرُوبَه” أَيْ شَمَنْدَرُ سِلِيزْيَا الأَبْيَضُ السُّكَّرِيُّ، وكَانَ يَحْتَوِي على نَحْوِ ٦٪ مِنَ السُّكَّرِ. وهَذَا الاخْتِيَارُ هُوَ السَّلَفُ الأَوَّلُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّمَنْدَرِ السُّكَّرِيِّ الحَدِيثَةِ.
هذه على النحو العثماني المتأخّر في مدرسة الأزهر في القاهرة، مع بعض التساهل في التراكيب.
نلاحظ هنا مثلاً بدء استعمال تراكيب «١,٣ و١,٦ في المِائَةِ»، مع بداية ظهور الأفعال المساعدة كمثل «قام بـ» «وقَدْ»، مع صفات وكُنى كما التي نستعملها اليوم.
النص الرابع: عربية القرن العشرين الميلادي
يَعُودُ تَارِيخُ البَنْجَرِ السُّكَّرِيِّ الحَدِيثِ إلى مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثَّامِنِ عَشَرَ في مِنْطَقَةِ سِيلِيزْيَا حَيْثُ دَعَمَ مَلِكُ بْرُوسْيَا مَالِيًّا التَّجَارِبَ التي تَهْدِفُ إلى تَطْوِيرِ عَمَلِيَّاتِ اسْتِخْلاصِ السُّكَّرِ. في عَامِ ١٧٤٧ تَمَكَّنَ أَنْدْرِيَاسُ مَارْجْرَافُ مِنْ عَزْلِ السُّكَّرِ مِنْ جُذُورِ البَنْجَرِ وَوَجَدَهُ بِتَرْكِيزَاتٍ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ ١,٣-١,٦٪. كَمَا أَثْبَتَ أَيْضًا أَنَّ السُّكَّرَ يُمْكِنُ اسْتِخْلاصُهُ مِنَ البَنْجَرِ وَهُوَ مُمَاثِلٌ لِلسُّكَّرِ المُنْتَجِ مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ. قَامَ تِلْمِيذُهُ فْرَانْتْسُ كَارْلُ آخَارْدُ بِتَقْيِيمِ ٢٣ صِنْفًا مِنْ أَصْنَافِ المَانْجَلْوُورْتْسِل لِمَعْرِفَةِ مُحْتَوَاهَا مِنَ السُّكَّرِ وَاخْتَارَ سُلالَةً مَحَلِّيَّةً مِنْ هَالْبَرْشْتَاتَ في سَكْسُونْيَا-أَنْهَالْتَ الوَاقِعَةِ حَالِيًّا في أَلْمَانْيَا. ثُمَّ قَامَ مُورِيتْسُ بَارُونُ فُونْ كُوبِّي وَابْنُهُ بِإِجْرَاءِ مَزِيدٍ مِنَ الانْتِقَاءِ مِنْ هَذِهِ السُّلالَةِ لِلْحُصُولِ على الدَّرَنَاتِ البَيْضَاءِ المَخْرُوطِيَّةِ الشَّكْلِ. أُطْلِقَ على هَذَا الانْتِقَاءِ اسْمُ “فَايْسَه شْلِيزِشَه تْسُوكَرْرُوبَه” أَيْ بَنْجَرُ سِيلِيزْيَا الأَبْيَضُ السُّكَّرِيُّ، وَكَانَ يَتَمَيَّزُ بِمُحْتَوًى سُكَّرِيٍّ يَبْلُغُ حَوَالَيْ ٦٪. هَذَا الانْتِقَاءُ هُوَ السَّلَفُ الأَوَّلُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ البَنْجَرِ السُّكَّرِيِّ الحَدِيثَةِ.
هذه على النحو الحديث المُبسّط مع تأثيرات من حركة التجديد اللّغوي في دمشق وبيروت.
نلاحظ هنا مثلاً بدء استعمال الرموز «١,٣-١,٦٪»، و استخدام الموصولات، مع بقاء البنية النحوية والتركيبية.
النص الخامس: عربية الصحافة (الفصحى الحديثة – أوائل القرن العشرين)
يرجع تاريخ بنجر السكر الحديث إلى منتصف القرن الثامن عشر في إقليم سيليزيا، حيث قام ملك بروسيا بتمويل التجارب التي كانت تهدف إلى استخلاص السكر من هذا النبات. وفي عام 1747 نجح العالم أندرياس مارجراف في عزل السكر من جذور البنجر ووجد أن نسبته تتراوح بين 1.3% و1.6%. كما أثبت أن السكر المستخرج من البنجر مماثل تمامًا للسكر المنتج من قصب السكر. وقد قام تلميذه فرانتس كارل أخارد بدراسة 23 صنفًا من نبات المانجلوورتسل لتحديد محتواها من السكر، فاختار سلالة محلية من منطقة هالبرشتات الواقعة اليوم في ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية. ثم واصل موريتس بارون فون كوبي وابنه عملية الانتقاء من هذه السلالة للحصول على درنات بيضاء مخروطية الشكل. وقد أطلق على هذا الصنف المنتقى اسم “فايسه شليزشه تسوكرروبه”، أي بنجر سيليزيا الأبيض السكري، وكان يحتوي على حوالي 6% من السكر. ويعتبر هذا الصنف الأصل الذي انحدرت منه جميع أصناف بنجر السكر الحديثة.
هذه على عربية الصحافية المبسّطة، التي انتعلت تراكيب أجنبية وتطوّرت في الصحافة المصرية مطلع القرن العشرين، ثمّ رسّخها مجمع اللّغة العربية في القاهرة.
نلاحظ هنا مثلاً تقليل استخدام “إنَّ” و”أنَّ”، مع مصطلحات حديثة، و استخدام “قام بـ” بكثرة، وحذف بعض أدوات الربط التقليدية، والجمل الفعلية أكثر من الاسمية، واستخدام “يعتبر” – وهي صيغة شائعة في الصحافة برغم أنّها غير صحيحة نحويّاً.
نلاحظ كذلك عبر القرون العشر تغيّر في المفردات والمصطلحات، مثلاً تطوّر أسماء النبات نفسه: لفت حلو ← شوندر ← شمندر ← بنجر (وهذا تطوّر لافت في حدّ ذاته)، وتطوّر كلمة “الحلاوة” إلى “السكّر». إلى جانب تغيّر الوصوف العلمية.
كذلك تغيّرت البنية النحوية، بالانتقال مثلاً من الجمل الاسمية المركّبة إلى الجمل الفعلية الأبسط، إلى جانب ظهور الأفعال المساعدة “قام بـ” و”تمكّن من” في النصوص الحديثة. ونلاحظ كذلك غياب علامات الترقيم في النصوص القديمة، وظهورها تدريجيّاً في النصوص الحديثة.
ونلاحظ زيادة التأثيرات الأجنبية بالترجمة الحرفية من لغات غرب أوروپية في النصّ الأخير. تراكيب مثل “يعتبر” و”قام بـ” (calques من الإنگليزية والفرنسية)، واستخدام “حيث” و”الذي/التي” بطريقة أكثر شيوعاً. في الواقع، أضافت التأثيرات الأجنبية الكثير من التراكيب غير العربية إلى فصحى الصحافة، وحذفها من أيّ نصّ حديث يعيده إلى النسج التراثي، مثل هذه الكلمات: ثقافات، مجرّد، يعكس، بينما حيث، يعتبر، يلعب، تمّ، يتمّ، تمّت، قام بـ، يقوم بـ، وقد، لقد، فقد، من خلال… وغيرها.
ونلاحظ أنّ النصوص القديمة أكثر إطناباً في وصف النسب، أمّا النصوص الحديثة أكثر اقتصاداً في التعبير. كذلك تغيّر الصوت والإيقاع، لكنّ هذه اختلافات لا تمكن كتابتها. ربّما القراءة بصوت عالٍ على لسان خطيب مسجد تكشف الفروق الإيقاعية بين العصور.
هل تحتاج إلى المزيد من الأمثلة؟
هذا نص أصله بالإنگليزية، انظر الفرق بين ترجمته بفصحى التراث، والفصحى المعاصر.
النص الأصلي
Psychology shows that people with high emotional intelligence often feel more lonely, not because they lack connection, but because they carry too much awareness. It’s what’s called the curse of knowledge. They don’t just feel things, they see them. They sense changes in tone, a delayed reply, or a glance that feels colder than usual. Long after a conversation ends, they replay it, not because they’re insecure, but because they noticed what wasn’t said. They predict outcomes before they happen. And when something goes wrong, They already know why and still feel responsible. That’s not overthinking. That’s hypervigilance, a trauma response. Often rooted in childhood, it forms in environments where emotions were unpredictable. Noticing tiny shifts wasn’t optional. It was survival. As adults, they’re always scanning, always decoding, never fully relaxing. The loneliness doesn’t come from being alone. It comes from never feeling safe enough to just be. And when your brain is wired to stay ahead of pain, even joy starts to feel dangerous. If this sounds like you, you’re not too much. You’re just deeply tuned in and you deserve to feel safe too.
ترجمة بلغة عربية تراثية، فصحى التراث
يُبيّن علم النفس أن ذوي الفطنة الوجدانية العالية كثيرًا ما يعتريهم شعور بالوحشة أشد، لا لنقص في صلاتهم بالخلق، بل لحملهم من الوعي ما يثقل كاهلهم. وهذا ما يُسمّى لعنة المعرفة. فهم لا يكتفون بالإحساس بالأمور، بل يبصرونها. يستشعرون التبدّل في نبرة الصوت، أو إبطاء الرد، أو نظرة جفاء تأتيهم أبرد من المعهود. وبعد انقضاء الحديث بزمان، يعيدون استحضاره، لا لقلة يقين في أنفسهم، بل لأنهم تفطّنوا لما لم يُقَل. يستبقون النتائج قبل وقوعها، فإذا وقع مكروه، كانوا قد عرفوا سببه سلفًا، ومع ذلك يحملون وزره في صدورهم. ليس هذا من فرط التفكير، بل هو يقظة مفرطة، استجابة نفسية للأذى. وغالبًا ما تضرب جذورها في الطفولة، إذ تتكوّن في بيئات كانت فيها العواطف متقلبة لا يُؤمَن جانبها. فلم يكن التنبّه لأدقّ التحوّلات اختيارًا، بل كان سبيلًا للبقاء والنجاة.
وحين يبلغون الرشد، يظلون أبدًا في ترقّب، أبدًا في تفسير الإشارات، لا يهنأون براحة تامّة قط. والوحشة التي تلمّ بهم لا تنبع من الانفراد، بل من عدم شعورهم بالأمان الكافي ليكونوا على سجيّتهم. وحين يُبرمَج العقل على استباق الألم، يغدو حتى الفرح محفوفًا بالخوف.
فإن كنت ممن ينطبق عليه هذا الوصف، فاعلم أنك لست بمفرط في شيء. إنما أنت شديد الحسّ، عميق الإدراك، وأنت أهل لأن تشعر بالأمان أيضًا.
ترجمة بلغة عربية معاصرة
توضح الدراسات النفسية أن الأشخاص ذوي الذكاء العاطفي العالي يشعرون بالوحدة أكثر من غيرهم، ليس لأنهم يفتقرون إلى العلاقات، لكن لأنهم يحملون وعياً أكبر بكثير. هذا ما يسمى لعنة المعرفة. هؤلاء لا يكتفون بالشعور بالأمور، بل يرونها. يلتقطون التغيرات في نبرة الصوت، أو الرد المتأخر، أو النظرة الأبرد من المعتاد.
بعد انتهاء أي حوار، يعيدون تشغيله في أذهانهم، ليس لأنهم يعانون من انعدام الثقة، لكن لأنهم لاحظوا ما لم يُقَل. يتوقعون النتائج قبل حدوثها. وعندما يحصل خطأ ما، يعرفون السبب مسبقاً، ورغم ذلك يشعرون بالمسؤولية.
هذا ليس تفكيراً زائداً. هذا يقظة مفرطة، استجابة لصدمة نفسية. غالباً ما تتشكل في الطفولة، في بيئات كانت المشاعر فيها غير متوقعة. ملاحظة أصغر التحولات لم تكن اختياراً. كانت ضرورة للبقاء.
كبالغين، يظلون دائماً في حالة مراقبة، دائماً يفكّون الرموز، لا يسترخون بشكل كامل أبداً. الوحدة لا تأتي من العزلة. تأتي من عدم الشعور بالأمان الكافي لمجرد أن يكونوا على طبيعتهم. وعندما يُبرمَج الدماغ على تجنب الألم قبل وقوعه، حتى الفرح يبدأ بالظهور خطيراً.
إذا كان هذا يبدو مثلك، فأنت لست ثقيلاً ولا زيادة. أنت فقط شديد التناغم والحساسية، وتستحق أن تشعر بالأمان أيضاً.
نلاحظ فوراً اختلافاً بين الترجمتين في المفردات والمصطلحات؛ الفطنة الوجدانية (للذكاء العاطفي)، الوحشة (للوحدة)، يعتريهم (يصيبهم)، صلاتهم بالخلق (علاقاتهم بالناس)، جفاء (برودة)، المعهود (المعتاد)، مكروه (شيء سيء)، يحملون وزره (يشعرون بمسؤوليته)
وفي التراكيب النحوية كذلك، ففي التراثية: استعمال النفي بـ “لا” مع المصدر: “لا لنقص في صلاتهم”، والجمل الاسمية المطوّلة: “ليس هذا من فرط التفكير”، واستخدام “إذ” الظرفية: “إذ تتكوّن في بيئات”، “فإن كنت ممن ينطبق عليه” (أسلوب شرطي تراثي). أمّا في المعاصرة: “ليس لأنهم يفتقرون” (تركيب مباشر)، جمل أقصر من لغة العوام، “تتشكّل في بيئات” (مباشرة دون إذ)، “إذا كان هذا يبدو مثلك” (شرط معاصر مبسط).
وأبرز الاختلاف نراه في الأساليب البلاغية التراثية؛ مثل السجع والموازنة: “أبداً في ترقّب، أبداً في تفسير”، والاستعارات المركبة: “تضرب جذورها”، “يغدو حتى الفرح محفوفاً بالخوف” لغة أدبية مكثّفة. أمّا في المعاصرة؛ تكرار بسيط: “دائماً في حالة مسح، دائماً يفكّون”، استعارات مباشرة “حتى الفرح يبدأ بالشعور خطيراً” لغة واضحة ومباشرة.
نلاحظ كذلك تبدّلاً في الضمائر والإشارات التراثية؛ تنويع في الضمائر: “يعتريهم… حملهم… كاهلهم”، استخدام الموصولات: “ذوي… ممن” “على سجيّتهم” (تعبير تراثي). التي صارت في المعاصرة ضمائر مباشرة ومتكرّرة، “الأشخاص ذوي” (صيغة معاصرة)، “على طبيعتهم” أو “أنفسهم”.
تغيّرت الأفعال والأزمنة التراثية كذلك؛ من الأفعال التراثية: “يعتريهم، يستشعرون، يستبقون، يهنأون”، “تلمّ بهم” (فعل قديم)، “يُبرمَج” (بصيغة المبني للمجهول الفصيحة). وصارت في المعاصرة أفعال شائعة: “يشعرون، يلتقطون، يتوقعون”، “تأتي من”، “يُبرمَج” (بنفس الصيغة لكن في سياق أبسط).
وتغيّر الربط والانتقال. في التراثية مثلاً روابط فصيحة: “فإذا وقع مكروه”، “ومع ذلك”، “فاعلم أنّك”، “وحين يبلغون الرشد”. لكن في المعاصرة؛ روابط بسيطة: “وعندما”، “ورغم ذلك”، “فأنت”، “كبالغين” (مباشرة)، واستعمال كـ في تقليد الإنگليزية as a مع إهمال “كمثل” القرآنية، دون إسناد حقيقي إلى قاعدة عربية.
تعتمد الترجمة التراثية على ثراء المفردات التراثية، وجمال الأسلوب، والموسيقى اللّغوية، والبلاغة المركّبة. في حين تركّز المعاصرة على تقليد الإنگليزية والفرنسية، والمباشرة، ولغة العوام مع إهمال الجمالية، مع الحفاظ على بعض الفصاحة دون تعقيد.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد