فجر الثالث من كانون الثاني يناير 2026م 3 رجب 1447هـ، اهتزّت العاصمة الڤنزويلية كراكاس Caracas على وقع انفجارات متتالية وأعمدة دخان أسود تصاعدت فوق مجمّع فويرتي تيونا Fuerte Tiuna العسكري. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمپ Donald Trump تنفيذ ضربات واسعة النطاق استهدفت مواقع عسكرية ومدنية مرتبطة بنظام نيكولاس مادورو Nicolás Maduro، وادّعى أسر الرئيس الڤنزويلي وزوجته ونقلهما خارج البلاد. ردّت كراكاس بإعلان حالة طوارئ وطنية ونفي قاطع لرواية الأسر، ودعت أنصارها للنزول إلى الشوارع ومواجهة ما وصفته بـ”العدوان الإمپريالي”.
تحوّل البحر الكاريبي، بمياهه الفيروزية وشواطئه البيضاء، إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وكراكاس. التصعيد العسكري المباشر جاء بعد أسابيع من توتّرات متصاعدة شملت اعتراض سفن أمريكية لقوارب ڤنزويلية، وضربات على زوارق اتُّهمت بتهريب المخدّرات، بل وصعود قوّات أمريكية على متن قارب صيد ڤنزويلي في مياه متنازع عليها. ردّ مادورو بنشر قوّاته ومليشياته عبر 284 منطقة وصفها بـ”جبهات القتال” داخل البلاد.
تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك أبعاد المواجهة الدائرة اليوم، وتحليل العوامل الجغرافية والاقتصادية والتاريخية التي دفعت الولايات المتّحدة إلى اتّخاذ خطوة عسكرية مباشرة ضدّ دولة في نصف الكرة الغربي، فضلاً عن استشراف مآلات الصراع وتداعياته على موازين القوى الإقليمية والعالمية.

تمهيد: جذور الأزمة ومساراتها
لا يمكن فهم التصعيد الراهن دون الرجوع إلى السياق التاريخي الذي أفضى إليه. فڤنزويلا، التي كانت ذات يوم واحدة من أغنى دول أمريكا اللّاتينية، غرقت في أزمة اقتصادية وسياسية طاحنة منذ انهيار أسعار النفط في منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة. وبعد وفاة الرئيس هوگو چاڤيز Hugo Chávez عام 2013م 1434هـ، ورث خلفه مادورو اقتصاداً منهاراً واعتماداً خطيراً على النفط مصدر وحيد للدخل.
ارتفع التضخّم إلى ثلاثة أرقام، واندلعت الاحتجاجات في أنحاء البلاد. وفي عام 2015م 1436هـ، سيطرت المعارضة على الجمعية الوطنية، فشدّد مادورو قبضته على السلطة، وهمّش المؤسّسات، واستخدم الأجهزة الأمنية لسحق المعارضة. كانت هذه نقطة التحوّل بالنسبة لواشنطن، التي أعلنت رسميّاً أنّ ڤنزويلا تشكّل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، ممهّدة بذلك لحملة عقوبات واسعة.
منذ ذلك الحين، فرضت واشنطن أكثر من 900 قيد على ڤنزويلا، استهدفت شركة النفط الحكومية والمصارف والشحن وصادرات الذهب وكبار المسؤولين. أدّت هذه العقوبات إلى انهيار إنتاج النفط ودفعت البلاد نحو أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، إذ فرّ أكثر من 7 ملايين ڤنزويلي إلى كولومبيا Colombia والبرازيل Brasil وغيرهما، فيما بات يُعرف بأكبر أزمة لجوء في نصف الكرة الغربي.

الأهمّية الجيوستراتيجية للبحر الكاريبي
الموقع الجغرافي الحاسم
قد يبدو البحر الكاريبي صغيراً على خريطة العالم، لكنّ موقعه يمنحه ثقلاً هائلاً في السياسة الدولية. فهو يمتدّ على بُعد 150 كيلومتراً فحسب من الطرف الجنوبي لولاية فلوريدا عبر مضيق فلوريدا، ممّا يجعله فعليّاً “الفناء الخلفي” للولايات المتّحدة. يشكّل هذا البحر البوّابة الرابطة بين أمريكا الشمالية والجنوبية، ويصل المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ عبر قناة پنما Panama Canal، إحدى أهمّ الممرّات التجارية وأكثرها ازدحاماً على وجه الأرض.
تعبر القناة سنوياً أكثر من 14,000 سفينة تحمل ما يزيد على 330 مليون طنّ من البضائع. وبذلك، فإنّ أيّ قوّة تستطيع السيطرة على البحر الكاريبي تتحكّم فعلياً في البوّابة الواصلة بين أكبر محيطين في العالم. وتقع ڤنزويلا في قلب هذه الجغرافيا تماماً، إذ يمتدّ ساحلها الكاريبي لأكثر من 2,800 كيلومتر، ممّا يجعلها صاحبة أحد أطول السواحل المتّصلة على البرّ الرئيس لأمريكا الجنوبية.
القرب من الأراضي الأمريكية
يضع موقع ڤنزويلا البلاد على مسافة قريبة من الأراضي والحلفاء الأمريكيين، فهي تبعد أقلّ من 800 كيلومتر عن پويرتو ريكو Puerto Rico، وأقلّ من 30 كيلومتراً عن جزيرتي أروبا Aruba وكوراساو Curaçao الهولانديتين، ورحلة جوّية قصيرة عن القواعد الأمريكية في فلوريدا. هذا يعني أنّ أيّ صدام بحري أو عسكري هنا لا يبقى إقليميّاً، بل يجرّ الولايات المتّحدة إليه فوراً.

النفط الڤنزويلي: مصدر القوّة واللّعنة
أكبر احتياطي نفطي في العالم
تمتلك ڤنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم، يُقدَّر بأكثر من 304 مليار برميل. وللمقارنة، يبلغ احتياطي المملكة العربية السعودية 267 مليار برميل، فيما لا يتجاوز الاحتياطي الأمريكي 70 مليار برميل تقريباً. يتركّز معظم هذا الكنز في حزام أورينوكو Orinoco Belt، وهو شريط أرضي يمتدّ على طول حوض نهر أورينوكو. والاحتياطيات هنا في معظمها من النفط الثقيل، الذي يصعب تكريره، لكنّ الكمّية الهائلة تمنح ڤنزويلا نفوذاً لا مثيل له في سوق الطاقة العالمية.
من الازدهار إلى الانهيار
بفضل هذا النفط، كانت ڤنزويلا ذات يوم من أغنى دول أمريكا اللّاتينية. ففي سبعينيّات القرن العشرين، كانت تضخّ أكثر من 3 ملايين برميل يوميّاً، وتصدّر معظمها إلى الولايات المتّحدة. لم تكن كراكاس حينها عاصمة لاتينية عادية، بل كانت قوّة عظمى في مجال الطاقة، موّل نفطها ناطحات السحاب والطرق السريعة الحديثة والمدن المزدهرة، حتّى أنّها في مرحلة ما كانت أغنى من إسپانيا أو اليونان حَسَبَ نصيب الفرد من الدخل.
غير أنّ هذا الاعتماد على النفط تحوّل إلى نقطة ضعف قاتلة. فحين انهارت أسعار النفط في أواخر الثمانينيّات، تداعى الاقتصاد الڤنزويلي، وتفاقم الفساد وسوء الإدارة والاضطراب السياسي. وشهدت التسعينيات أزمات اقتصادية متكرّرة مهّدت الطريق لصعود هوگو چاڤيز إلى السلطة عام 1999م 1419هـ. ازدهرت سياساته الاشتراكية في البداية خلال طفرة النفط في العقد الأوّل من الألفية الثالثة، لكن حين هبطت الأسعار مجدّداً في العقد الثاني، غرقت ڤنزويلا في الفوضى.

البعد الجيوسياسي: تحدّي الهيمنة الأمريكية
مبدأ مونرو والنفوذ الأمريكي
لماذا لا تستطيع الولايات المتّحدة ببساطة تجاهل ڤنزويلا؟
للوهلة الأولى، تبدو الإجابة واضحة: الموقع الاستراتيجي والاحتياطيات النفطية الضخمة. لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فڤنزويلا تمثّل بالنسبة لواشنطن تحدّياً مباشراً للهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. منذ مبدأ مونرو Monroe Doctrine عام 1823م 1239هـ، تعاملت أمريكا مع أمريكا اللّاتينية باعتبارها منطقة نفوذ حصرية لا ينبغي لأيّ قوّة أجنبية التدخّل فيها.
لكنّ ڤنزويلا، أوّلاً في عهد چاڤيز ثمّ في عهد مادورو، تحدّت هذا المبدأ علانية. فالمستشارون العسكريون الروس، والقروض الصينية، بل وحتّى الطائرات المسيّرة الإيرانية باتت جزءاً من منظومة الدفاع الڤنزويلية. البحر الكاريبي، الذي كان يُعتقد أنّه منطقة أمريكية آمنة، بات فجأة مزدحماً بقوى متنافسة.
الصلة بالشرق الأوسط
الرهانات لا تقف عند هذا الحدّ. فبرغم أنّ ڤنزويلا تقع في أمريكا الجنوبية، إلّا أنّ ثروتها النفطية تربطها مباشرة بالشرق الأوسط. فبامتلاكها أكثر من 304 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكّدة، تُعدّ ڤنزويلا من الأماكن القليلة القادرة على إعادة تشكيل توازن الطاقة العالمي. لعقود، اعتمدت الولايات المتّحدة على نفط الشرق الأوسط، ممّا منح دولاً مثل السعودية والعراق وإيران نفوذاً هائلاً. وباتت نقاط الاختناق في الخليج، مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، بؤراً للتوتّر تحديداً لأنّ العالم يعتمد بشدّة على صادراتها.
لكن إذا ضمنت واشنطن وصولاً موثوقاً إلى النفط الڤنزويلي، الذي لا يبعد سوى أربعة أيّام إبحاراً عن مصافي ساحل الخليج الأمريكي، فإنّها قد تقلّص اعتمادها على الشرق الأوسط. سيُضعف ذلك هيمنة السعودية داخل أوپيك OPEC، ويقلّص قدرة إيران على استخدام الطاقة سلاحاً في الأزمات، بل ويقوّض قبضة روسيا على إمدادات الطاقة الأوروپية. بعبارة أبسط، السيطرة على ڤنزويلا لا تهمّ فقط بالنسبة للفناء الخلفي الأمريكي، بل قد تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وما وراءه.

التحالفات الدولية: خطوط الإمداد البديلة
برغم العقوبات القاسية، نجت ڤنزويلا ببيع نفط مخفّض السعر لدول مثل الصين والهند وروسيا. وضخّت الصين مليارات الدولارات في حقول النفط الڤنزويلية عبر القروض ومشاريع البنية التحتية. والهند تشتري النفط الخام المخفّض من كراكاس لتكريره محلّيّاً بكمّيات كبيرة. أمّا روسيا فقدّمت دعماً مالياً وتعاوناً عسكرياً مقابل الوصول إلى الطاقة الڤنزويلية.
حتّى شركات أمريكية مثل شيڤرون Chevron تواصل العمل بموجب تراخيص خاصّة، لأنّ الحصار الكامل للنفط الڤنزويلي سيُضيّق العرض العالمي ويرفع أسعار الوقود للمستهلكين الأمريكيّين. بعبارة أخرى، أضعفت العقوبات الاقتصاد الڤنزويلي لكنّها أخفقت في تحقيق هدفها النهائي: تغيير النظام.

العلاقة بنظام الأسد والشبكات الإجرامية العابرة للقارات
لم تقتصر تحالفات ڤنزويلا الدولية على القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، بل امتدّت لتشمل شبكة معقّدة من العلاقات مع أنظمة شرق أوسطية، وعلى رأسها نظام بشار الأسد السفّاح السوري. منذ اندلاع الثورة السورية في آذار مارس 2011م 1432هـ، وقف الرئيسان هوگو چاڤيز ثمّ نيكولاس مادورو بقوّة إلى جانب الأسد، في موقف تجاوز الدعم السياسي الخطابي ليصل إلى روابط أعمق تشمل الجريمة المنظّمة والاتّجار بالمخدّرات والأسلحة.
تبادل چاڤيز والأسد الزيارات الرسمية، وأصدرا بيانات مشتركة تدين “الإرهاب” وتتّهم الغرب بالتدخّل في الشؤون الداخلية. استمرّ مادورو على النهج ذاته، مدعوماً بجالية سورية-لبنانية كبيرة في ڤنزويلا تضمّ أكبر تجمّع درزي خارج الشرق الأوسط، إلى جانب مسيحيّين من مختلف الطوائف، وتشكّل هذه الجالية جزءاً من النسيج الاجتماعي والتجاري منذ عقود. غير أنّ الأخطر في هذه العلاقة ظهر عبر كارتيل “الشموس” Cártel de Los Soles، وهو شبكة إجرامية تضمّ مسؤولين عسكريين ڤنزويليين كباراً متورّطين في تهريب المخدّرات والأسلحة.
تجدر الإشارة إلى أنّ أكثر من 200,000 شخص في محافظة السويداء السورية يحملون الجنسية الڤنزويلية، بما فيهم حكمت الهجري، وجميعهم من الطائفة الدرزية.
برز اسم عادل الزبيار Adel El Zabayar، عضو سابق في الجمعية الوطنية الڤنزويلية، حلقة وصل فاضحة بين كراكاس ودمشق. عمل الزبيار وسيطاً لشحن أسلحة من الشرق الأوسط مقابل كوكايين ڤنزويلي، وقاتل شخصيّاً في صفوف قوّات الأسد المدعومة من حزب الله في عام 2013م 1434هـ. ساعد في تجنيد عناصر من حزب الله وحماس للتدريب في ڤنزويلا، في شبكة معقّدة تربط بين كارتيلات أمريكا اللّاتينية وميلشيّات الشرق الأوسط. اتّهمته إدارة مكافحة المخدّرات الأمريكية DEA رسمياً بالإرهاب النّاركو narco-terrorism وتهريب المخدّرات عام 2020م 1441هـ.
مع سقوط نظام الأسد في كانون الأول ديسمبر 2024م 1446هـ وتولّي أحمد الشرع رئاسة سوريا، دافع مادورو عن الأسد حتّى اللّحظة الأخيرة، محذّراً ممّا سمّاه “الإرهاب الرقمي”. لم تظهر حتّى الآن أدلّة على استقبال ڤنزويلا لفلول النظام السوري أو هاربيه، برغم أنّ كراكاس توفّر تاريخياً ملاذاً لمطلوبين دوليّين. تركّز حكومة الشرع على محاسبة “فلول النظام السابق” داخل سوريا دون ذكر ڤنزويلا وجهة للّجوء، لكنّ الشبكات الإجرامية المشتركة التي بُنيت على مدى سنوات لا تتلاشى بين ليلة وضحاها.
هذه العلاقة الڤنزويلية-السورية تكشف بُعداً إضافيّاً لاستراتيجية مادورو في بناء محور مناهض للولايات المتّحدة، محور لا يقتصر على القوى الكبرى بل يشمل دولاً وميلشيات وكارتيلات تشترك في معاداة واشنطن (ولو أنّها تحالف تل أبيب سرّاً وعلانية). وفي سياق التصعيد الراهن في البحر الكاريبي، تشير هذه الروابط إلى أنّ المواجهة مع ڤنزويلا ليست محض صراع إقليمي، بل جزء من معركة أوسع تمتدّ من كراكاس إلى دمشق، ومن الكوكايين إلى الكلاشنكوڤ.
السويداء: فنزويلا الصغيرة وشبكة النفوذ العابرة للمحيطات
لا تقتصر الصلات بين ڤنزويلا وسوريا على العلاقات الرسمية بين نظامي تشاڤيز-مادورو والأسد، بل تمتدّ إلى نسيج اجتماعي واقتصادي وسياسي أعمق بكثير يربط السويداء الدرزية بكراكاس في شبكة معقّدة من المصالح والولاءات والنفوذ. هذا البُعد، الذي طالما بقي بعيداً عن الأضواء، بات اليوم في صلب المعادلة الجيوسياسية بعد اعتقال مادورو.
“ڤنزويلا الصغيرة”: ديموغرافيا الشتات والعودة
تُعرف السويداء، عاصمة الدروز الروحية في جنوب غرب سوريا، باسم “ڤنزويلا الصغيرة” Little Venezuela. ليس هذا مجرّد لقب عاطفي، بل وصف دقيق لواقع ديموغرافي واقتصادي فريد. يُقدّر أن ما بين 300 إلى 500 ألف من سكان المحافظة يحملون روابط عائلية مباشرة مع ڤنزويلا، كثير منهم يحملون الجنسية المزدوجة، ممّا يجعلهم يشكّلون ما يقرب من ثلثي سكان المحافظة ذات الأغلبية الدرزية.
بدأت موجات الهجرة الدرزية من السويداء إلى ڤنزويلا في أواخر القرن التاسع عشر، هرباً من الاضطهاد العثماني والفقر. لكنّ الموجة الكبرى جاءت في خمسينيّات وستّينيّات القرن العشرين، خلال طفرة النفط الڤنزويلية، عندما هاجر عشرات الآلاف بحثاً عن الرزق. استقرّوا في البداية في مدن ساحلية مثل پويرتو لا كروز Puerto La Cruz وماراكايبو Maracaibo ولا گوايرا La Guaira، ثمّ انتشروا في أنحاء البلاد. لم يكتفوا بالاندماج الاقتصادي، بل تسلّقوا سلّم النفوذ السياسي حتّى وصلوا إلى قلب السلطة البوليفارية.
في عام 2009م 1430هـ، زار الرئيس هوگو تشاڤيز السويداء شخصيّاً، ووضع حجر الأساس للنادي الڤنزويلي في المدينة، وألقى خطاباً في ملعب كرة القدم المحلّي قائلاً: “أشعر أنّ دمشق هي بيتي، والسويداء هي منزلي”. لم تكن هذه مجرّد بلاغة سياسية، بل اعتراف بحقيقة أنّ الجالية الدرزية الڤنزويلية باتت جسراً حيّاً بين كراكاس ودمشق، جسراً لا ينقل المال والأشخاص فحسب، بل النفوذ السياسي والولاءات الاستراتيجية أيضاً.
الدروز في قلب السلطة البوليفارية
لم يكن الدروز السوريون مجرّد مهاجرين عاديّين في ڤنزويلا، بل أصبحوا جزءاً من النخبة السياسية في عهد تشاڤيز ومادورو. أبرز هذه الأمثلة طارق العيسمي Tareck El Aissami، ابن زيدان الأمين العيسمي، المهاجر الدرزي من جبل الدروز. شغل طارق العيسمي مناصب حسّاسة متعاقبة: وزير الداخلية والعدل من 2008م إلى 2012م، حاكم ولاية أراگوا Aragua من 2012م إلى 2017م، ثمّ نائب رئيس الجمهورية من 2017م إلى 2018م، وأخيراً رئيس شركة النفط الحكومية الضخمة PDVSA ونائب الرئيس للشؤون الاقتصادية.
منحه الرئيس مادورو صلاحيّات استثنائية لم يُمنح مثلها لنائب رئيس من قبل، شملت السيطرة على السياسات الاقتصادية والضريبية وتخصيص العملات الأجنبية للشركات الحكومية، ممّا جعله فعليّاً الرجل الثاني الأقوى في البلاد. غير أنّ نفوذه الهائل انقلب عليه: في آذار مارس 2023م 1444هـ، اعتُقل بتهم الخيانة وغسل الأموال والارتباط بالجريمة المنظّمة، بعد تحقيقات كشفت عن فساد بمليارات الدولارات في شركة النفط. وضعته الولايات المتّحدة على قائمة المطلوبين الدوليّين منذ عام 2017م 1438هـ بتهم الاتّجار بالمخدّرات وغسل الأموال وعلاقته بكارتيل “الشموس” وحزب الله.
لم يكن العيسمي الدرزي الوحيد في السلطة، فقد شغل آخرون مناصب رفيعة، منهم هيمان الترودي Haiman El Troudi وزير النقل السابق، وسريّا الأشقر Soraya El Achkar رئيسة الشرطة الوطنية السابقة، وعادل الزبيار Adel El Zabayar عضو الجمعية الوطنية، الذي سبق الحديث عن دوره في الارتباط بنظام الأسد وحزب الله. هذا التمثيل الدرزي الكثيف في قمّة الهرم البوليفاري لا مثيل له لأيّ جالية شرق أوسطية أخرى في أمريكا اللّاتينية، ممّا منح الدروز نفوذاً سياسيّاً عابراً للقارّات.
الجوازات الڤنزويلية: أداة بقاء وحركة
في سياق الحرب السورية منذ عام 2011م 1432هـ، تحوّلت الجنسية الڤنزويلية من امتياز اقتصادي إلى أداة بقاء حيوية للدروز في السويداء. استخدم آلاف الشبّان الدروز جوازات سفرهم الڤنزويلية للهروب من التجنيد الإجباري في جيش الأسد، أو للسفر إلى ڤنزويلا أو دول أخرى عندما اشتدّت المعارك. كما وفّرت الشبكات الڤنزويلية قنوات لتحويل الأموال والمساعدات الإنسانية إلى السويداء، وسهّلت إقامة مشاريع تجارية عابرة للحدود تخفّف من وطأة الحصار الاقتصادي.
هذا “التعايش العابر للقارّات” لم يكن محلّ ترحيب من نظام الأسد المتحالف مع روسيا وإيران. نظرت دمشق بحذر متزايد إلى ما سمّته “العامل الأمريكي اللّاتيني” في السويداء، خاصّة في ضوء الخطاب المتصاعد للشيخ حكمت الهجري، الذي يحمل جواز سفر ڤنزويليّاً ووُلد في كراكاس، وتشكّل وعيه السياسي بقدر ما تشكّل في دمشق في كراكاس. بالنسبة لدمشق، كان الهجري رمزاً لازدواجية ولاء محتملة: زعيم روحي سوري بجذور لاتينية، يملك خيارات وشبكات خارج سيطرة النظام.
الشبكات المالية المظلمة: من حزب الله إلى كارتيل الشموس
وراء واجهة العلاقات الرسمية والجاليات المهاجرة، كشفت تحقيقات أمريكية ودولية عن شبكة معقّدة من الأنشطة غير المشروعة تربط بين دروز ڤنزويليّين وحزب الله والكارتيلات المكسيكية ونظام الأسد. عشائر الرضا والصالح والنصر الدين، حَسَبَ وزارة الخزانة الأمريكية، تشكّل جزءاً من شبكة عالمية من الوسطاء والممولين والميسّرين لحزب الله، يعملون من ڤنزويلا بحماية نظام مادورو. تدير هذه العشائر جوانب من اقتصادات المخدّرات والأسلحة والبضائع المهرّبة وغسل الأموال بين ڤنزويلا ولبنان وسوريا.
وُضع غازي نصر الدين Ghazi Nasr al Din على قائمة الإرهاب العالمي في حزيران يونيو 2008م 1429هـ، وعلي محمّد صالح Ali Mohamad Saleh في حزيران يونيو 2012م 1433هـ. لكن لم يُدرج أيّ من عشيرة الرضا حتّى الآن على قوائم العقوبات الأمريكية، برغم الاتّهامات المماثلة. تشير تقارير المجلس الأطلسي Atlantic Council إلى أنّ السويداء، التي تحتلّها قوّات روسية وفيلق القدس الإيراني ومقاتلو حزب الله، باتت مركزاً لوجستيّاً لـ٦٠٪ من المجموعات المسلّحة في المحافظة المدافعة عن الأسد.
هذا التشابك بين السياسة والجريمة المنظّمة والولاءات الطائفية يجعل من سقوط مادورو ليس مجرّد حدث ڤنزويلي بعيد، بل زلزالاً قد يهزّ أركان شبكات معقّدة تمتدّ من كراكاس إلى بيروت مروراً بالسويداء.
التداعيات المحتملة على السويداء وحكمت الهجري
سقوط نظام مادورو، في حال تأكّده واستقراره، سيحمل تداعيات مباشرة على دروز السويداء ودائرة نفوذ حكمت الهجري:
أوّلاً: انقطاع الممرّات المالية. آلاف العائلات في السويداء تعتمد على تحويلات مالية من أقاربها في ڤنزويلا. سقوط مادورو، خاصّة في سياق تدخّل أمريكي مباشر، قد يُعطّل هذه القنوات أو يُخضعها لرقابة صارمة، ممّا يزيد من معاناة اقتصادية أصلاً طاحنة في السويداء.
ثانياً: فقدان أداة الحركة. الجوازات الڤنزويلية، التي وفّرت لعقود ملاذاً وحرّية حركة للدروز السوريّين، قد تفقد قيمتها أو يصعب تجديدها في ظلّ فوضى سياسية أو حكومة جديدة موالية لواشنطن تُراجع سجلّات المواطنة المزدوجة.
ثالثاً: الضغط الأمريكي على الشبكات. واشنطن، التي تتعقّب منذ سنوات شبكات تمويل حزب الله والاتّجار بالمخدّرات المرتبطة بالدروز الڤنزويليّين، قد تُشدّد قبضتها في مرحلة ما بعد مادورو. هذا يعني مزيداً من الملاحقات والعقوبات والتجميد للأصول، ممّا يُضعف شبكات الدعم المالي والسياسي التي استفادت منها السويداء.
رابعاً: إعادة حساب الموقف السياسي. حكمت الهجري، الذي تحوّل تدريجيّاً من مؤيّد للأسد إلى معارض له ثمّ إلى ناقد للحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، يجد نفسه اليوم في وضع حرج. فمن جهة، سقوط مادورو يُضعف حلفاء إيران وروسيا في المنطقة، ممّا قد يُتيح مساحة أكبر للتأثير الأمريكي أو الإسرائيلي في السويداء. ومن جهة أخرى، فإنّ أيّ تقارب مع واشنطن، خاصّة في ظلّ اتّهامات بالارتباط بشبكات مشبوهة، قد يُعرّضه لضغوط أو تحقيقات أو حتّى عقوبات.
خامساً: إعادة رسم خريطة النفوذ. الدروز، الذين طالما اعتمدوا على استراتيجية “التوازن” بين القوى المتصارعة (الأسد، المعارضة، إسرائيل، أمريكا، روسيا، إيران)، يجدون اليوم أنّ إحدى أوراقهم الرابحة—الارتباط بڤنزويلا—قد سُحبت من تحت أقدامهم. هذا يعني أنّ عليهم إعادة تقييم تحالفاتهم، وقد يدفعهم إلى الاقتراب أكثر من إسرائيل (التي تُعلن “حماية إخوانها الدروز”) أو من أمريكا (التي التقى مسؤولوها بالهجري في أيلول سبتمبر 2023م)، أو البحث عن حلفاء إقليميّين جُدد.
“سويداسويلا”: هويّة عابرة للحدود في مفترق طرق
لا تُعبّر عبارة “سويداسويلا” Suwaydasuela—المزج بين السويداء وڤنزويلا—عن مجرّد لعب بالكلمات، بل عن واقع سياسي واجتماعي جديد: شعب يملك هويّة مزدوجة، يعيش في عالمين، ويحمل نفوذاً سياسيّاً في كليهما. الشيخ حكمت الهجري يجسّد هذه الازدواجية: زعيم روحي وُلد في كراكاس، تعلّم في دمشق، عاد للعمل في كراكاس، ثمّ استقرّ في السويداء ليقود طائفته في أعتى أزمة تمرّ بها منذ عقود.
اليوم، مع سقوط مادورو، تواجه “سويداسويلا” لحظة حاسمة. فإمّا أن تفقد إحدى ركائزها الأساسية وتنكفئ إلى الداخل السوري، أو أن تعيد اختراع نفسها في ظلّ نظام ڤنزويلي جديد قد لا يكون ودوداً بالقدر نفسه. وفي كلتا الحالتين، فإنّ ما يجري اليوم في كراكاس لن يبقى في كراكاس—بل سينعكس مباشرة على جبال السويداء السوداء، حيث ترفرف الأعلام الڤنزويلية على الشرفات، مهترئة بفعل الحرب، شاهدة على تاريخ معقّد من الهجرة والعودة والنفوذ والبقاء.

السويداء: ڤنزويلا الصغيرة
لا تقتصر الصلات بين ڤنزويلا وسوريا على العلاقات الرسمية بين نظامي چاڤيز-مادورو والأسد، بل تمتدّ إلى نسيج اجتماعي واقتصادي وسياسي أعمق بكثير يربط السويداء الدرزية بكراكاس في شبكة معقّدة من المصالح والولاءات والنفوذ. هذا البُعد، الذي طالما بقي بعيداً من الأضواء، بات اليوم في صلب المعادلة الجيوسياسية بعد اعتقال مادورو.
“ڤنزويلا الصغيرة”: ديموغرافيا الشتات والعودة
تُعرف السويداء، عاصمة الدروز الروحية في جنوب غرب سوريا، باسم “ڤنزويلا الصغيرة”. ليس هذا مجرّد لقب عاطفي، بل وصف دقيق لواقع ديموغرافي واقتصادي فريد. يُقدّر أنّ ما بين 300 إلى 500 ألف من سكّان المحافظة يحملون روابط عائلية مباشرة مع ڤنزويلا، كثير منهم يحملون الجنسية المزدوجة، فيشكّلون ما يقرب من ثلثي سكان المحافظة ذات الأغلبية الدرزية.
بدأت موجات الهجرة الدرزية من السويداء إلى ڤنزويلا في أواخر القرن التاسع عشر، هرباً من تهجير دروز جبل لبنان إلى جبل حوران والفقر. لكنّ الموجة الكبرى جاءت في خمسينيّات وستّينيّات القرن العشرين، خلال طفرة النفط الڤنزويلية، عندما هاجر عشرات الآلاف بحثاً عن الرزق. استقرّوا في البداية في مدن ساحلية مثل پويرتو لا كروز Puerto La Cruz وماراكايبو Maracaibo ولا گوايرا La Guaira، ثمّ انتشروا في أنحاء البلاد. لم يكتفوا بالاندماج الاقتصادي، بل تسلّقوا سلّم النفوذ السياسي حتّى وصلوا إلى قلب السلطة البوليفارية.
في عام 2009م 1430هـ، زار الرئيس هوگو چاڤيز السويداء شخصيّاً، ووضع حجر الأساس للنادي الڤنزويلي في المدينة، وألقى خطاباً في ملعب كرة القدم المحلّي: “أشعر أنّ دمشق هي بيتي، والسويداء هي منزلي”. لم تكن هذه مجرّد بلاغة سياسية، بل اعتراف بحقيقة أنّ الجالية الدرزية الڤنزويلية باتت جسراً حيّاً بين كراكاس ودمشق، جسراً لا ينقل المال والأشخاص فحسب، بل النفوذ السياسي والولاءات الاستراتيجية أيضاً.
الدروز في قلب السلطة البوليفارية
لم يكن الدروز السوريون مجرّد مهاجرين عاديّين في ڤنزويلا، بل أصبحوا جزءاً من النخبة السياسية في عهد چاڤيز ومادورو. أبرز هذه الأمثلة طارق العيسمي Tareck El Aissami، ابن زيدان الأمين العيسمي، المهاجر الدرزي من جبل الدروز. شغل طارق العيسمي مناصب حسّاسة متعاقبة: وزير الداخلية والعدل من 2008م إلى 2012م، حاكم ولاية أراگوا Aragua من 2012م إلى 2017م، ثمّ نائب رئيس الجمهورية من 2017م إلى 2018م، وأخيراً رئيس شركة النفط الحكومية الضخمة PDVSA ونائب الرئيس للشؤون الاقتصادية.
منحه الرئيس مادورو صلاحيّات استثنائية لم يُمنح مثلها لنائب رئيس من قبل، شملت السيطرة على السياسات الاقتصادية والضريبية وتخصيص العملات الأجنبية للشركات الحكومية، فجعله فعليّاً الرجل الثاني الأقوى في البلاد. غير أنّ نفوذه الهائل انقلب عليه: في آذار مارس 2023م 1444هـ، اعتُقل بتهم الخيانة وغسل الأموال والارتباط بالجريمة المنظّمة، بعد تحقيقات كشفت عن فساد بمليارات الدولارات في شركة النفط. وضعته الولايات المتّحدة على قائمة المطلوبين الدوليّين منذ عام 2017م 1438هـ بتهم الاتّجار بالمخدّرات وغسل الأموال وعلاقته بكارتيل “الشموس” وحزب الله.
لم يكن العيسمي الدرزي الوحيد في السلطة، فشغل آخرون مناصب رفيعة: هيمان الطرودي Haiman El Troudi وزير النقل السابق، ثريّا الأشقر Soraya El Achkar رئيسة الشرطة الوطنية السابقة، عادل الزبيار Adel El Zabayar عضو الجمعية الوطنية، الذي سبق الحديث عن دوره في الارتباط بنظام الأسد وحزب الله. هذا التمثيل الدرزي الكثيف في قمّة الهرم البوليفاري لا مثيل له لأيّ جالية شرق أوسطية أخرى في أمريكا اللّاتينية، فمنح الدروز نفوذاً سياسيّاً عابراً للقارّات.

الجوازات الڤنزويلية: أداة بقاء وحركة
في سياق الحرب السورية منذ عام 2011م 1432هـ، تحوّلت الجنسية الڤنزويلية من امتياز اقتصادي إلى أداة بقاء حيوية للدروز في السويداء. استخدم آلاف الشبّان الدروز جوازات سفرهم الڤنزويلية للهروب من التجنيد الإجباري في جيش الأسد، أو للسفر إلى ڤنزويلا أو دول أخرى عندما اشتدّت المعارك. وفّرت الشبكات الڤنزويلية قنوات لتحويل الأموال والمساعدات الإنسانية إلى السويداء، وسهّلت إقامة مشاريع تجارية عابرة للحدود تخفّف من وطأة الحصار الاقتصادي.
هذا “التعايش العابر للقارّات” لم يكن محلّ ترحيب من نظام الأسد المتحالف مع روسيا وإيران. نظرت دمشق بحذر متزايد إلى ما سمّته “العامل الأمريكي اللّاتيني” في السويداء، خاصّة في ضوء الخطاب المتصاعد للشيخ حكمت الهجري، الذي يحمل جواز سفر ڤنزويليّاً ووُلد في كراكاس، وتشكّل وعيه السياسي في كراكاس بقدر ما تشكّل في دمشق. بالنسبة لدمشق، كان الهجري رمزاً لازدواجية ولاء محتملة: زعيم روحي سوري بجذور لاتينية، يملك خيارات وشبكات خارج سيطرة النظام.
الشبكات المالية المظلمة: من حزب الله إلى كارتيل الشموس
وراء واجهة العلاقات الرسمية والجاليات المهاجرة، كشفت تحقيقات أمريكية ودولية عن شبكة معقّدة من الأنشطة غير المشروعة تربط بين دروز ڤنزويليّين وحزب الله والكارتيلات المكسيكية ونظام الأسد. عشائر الرضا والصالح والنصر الدين، حَسَبَ وزارة الخزانة الأمريكية، جزء من شبكة عالمية من الوسطاء والممولين والميسّرين لحزب الله، يعملون من ڤنزويلا بحماية نظام مادورو. تدير هذه العشائر جوانب من اقتصادات المخدّرات والأسلحة والبضائع المهرّبة وغسل الأموال بين ڤنزويلا ولبنان وسوريا.
وُضع غازي نصر الدين Ghazi Nasr al Din على قائمة الإرهاب العالمي في حزيران يونيو 2008م 1429هـ، وعلي محمّد صالح Ali Mohamad Saleh في حزيران يونيو 2012م 1433هـ. لكن لم يُدرج أيّ من عشيرة الرضا حتّى الآن على قوائم العقوبات الأمريكية، برغم الاتّهامات المماثلة. تشير تقارير المجلس الأطلسي إلى أنّ السويداء، التي تحتلّها قوّات روسية وفيلق القدس الإيراني ومقاتلو حزب الله، باتت مركزاً لوجستيّاً لـ60٪ من المجموعات المسلّحة في المحافظة المدافعة عن الأسد.
هذا التشابك بين السياسة والجريمة المنظّمة والولاءات الطائفية يجعل من سقوط مادورو ليس مجرّد حدث ڤنزويلي بعيد، بل زلزالاً قد يهزّ أركان شبكات معقّدة تمتدّ من كراكاس إلى بيروت مروراً بالسويداء.
التداعيات المحتملة على السويداء وحكمت الهجري
سقوط نظام مادورو، في حال تأكّده واستقراره، سيحمل تداعيات مباشرة على دروز السويداء ودائرة نفوذ حكمت الهجري. آلاف العائلات في السويداء تعتمد على تحويلات مالية من أقاربها في ڤنزويلا، وسقوط مادورو، خاصّة في سياق تدخّل أمريكي مباشر، قد يُعطّل هذه القنوات أو يُخضعها لرقابة صارمة، فيزيد من معاناة اقتصادية أصلاً طاحنة في السويداء.
الجوازات الڤنزويلية، التي وفّرت لعقود ملاذاً وحرّية حركة للدروز السوريّين، قد تفقد قيمتها أو يصعب تجديدها في ظلّ فوضى سياسية أو حكومة جديدة موالية لواشنطن تُراجع سجلّات المواطنة المزدوجة. واشنطن، التي تتعقّب منذ سنوات شبكات تمويل حزب الله والاتّجار بالمخدّرات المرتبطة بالدروز الڤنزويليّين، قد تُشدّد قبضتها في مرحلة ما بعد مادورو، فتطلق مزيداً من الملاحقات والعقوبات وتجميد الأصول، وتُضعف شبكات الدعم المالي والسياسي التي استفادت منها السويداء.
حكمت الهجري، الذي تحوّل تدريجيّاً من مؤيّد للأسد إلى معارض له ثمّ إلى ناقد للحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع ثم إلى حليف انفصالي يطالب بالإنضمام إلى إسرائيل، يجد نفسه اليوم في وضع حرج. سقوط مادورو يُضعف حلفاء إيران وروسيا في المنطقة، فقد يُتيح مساحة أكبر للتأثير الأمريكي في السويداء. لكنّ أيّ تقارب مع واشنطن، خاصّة في ظلّ اتّهامات بالارتباط بشبكات مشبوهة، قد يُعرّضه لضغوط أو تحقيقات أو حتّى عقوبات.
الدروز، الذين طالما اعتمدوا على استراتيجية “التوازن” بين القوى المتصارعة (الأسد، المعارضة، إسرائيل، أمريكا، روسيا، إيران)، يجدون اليوم أنّ إحدى أوراقهم الرابحة—الارتباط بڤنزويلا—قد سُحبت من تحت أقدامهم. هذا يعني أنّ عليهم إعادة تقييم تحالفاتهم، وقد يدفعهم إلى الاقتراب أكثر من إسرائيل (التي تُعلن “حماية إخوانها الدروز”) أو من الشرع وأمريكا (التي التقى مسؤولوها بالهجري في أيلول سبتمبر 2023م)، أو البحث عن حلفاء إقليميّين جُدد.
“سويداسويلا”: هويّة عابرة للحدود في مفترق طرق
لا تُعبّر عبارة “سويداسويلا” Sueidasuela —المزج بين السويداء وڤنزويلا—عن مجرّد لعب بالكلمات، بل عن واقع سياسي واجتماعي جديد: شعب يملك هويّة مزدوجة، يعيش في عالمين، ويحمل نفوذاً سياسيّاً في كليهما. الشيخ حكمت الهجري يجسّد هذه الازدواجية: زعيم روحي وُلد في كراكاس، تعلّم في دمشق، عاد للعمل في كراكاس، ثمّ استقرّ في السويداء ليجرّ طائفته إلى أعتى أزمة تمرّ بها منذ عقود.
اليوم، مع سقوط مادورو، تواجه “سويداسويلا” لحظة حاسمة. فإمّا أن تفقد إحدى ركائزها الأساسية وتنكفئ إلى الداخل السوري، أو أن تعيد اختراع نفسها في ظلّ نظام ڤنزويلي جديد قد لا يكون ودوداً بالقدر نفسه. وفي كلتا الحالتين، فإنّ ما يجري اليوم في كراكاس لن يبقى في كراكاس—بل سينعكس مباشرة على جبال حوران السوداء، حيث ترفرف الأعلام الڤنزويلية على الشرفات، مهترئة بفعل الحرب، شاهدة على تاريخ معقّد من الهجرة والعودة والنفوذ والبقاء.

يوم رمت واشنطن الحربة
الضربات الأمريكية المعلنة
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمپ Donald Trump أنّ القوّات الأمريكية نفّذت ما وصفه بـ”ضربة واسعة النطاق” استهدفت مواقع عسكرية ومدنية مرتبطة بنظام مادورو في شمال ڤنزويلا، وخصوصاً في كراكاس. كما صرّح بأنّ الولايات المتّحدة “أسرت” الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلتهما إلى خارج البلاد، مقدّماً ذلك بوصفه تتويجاً لحملة طويلة من الضغوط على الحكومة الڤنزويلية. وكان ترمپ قد لمّح سابقاً إلى إمكانية تنفيذ عمليات برّية في ڤنزويلا، وعدّ أنّ مغادرة مادورو للسلطة طوعاً ستكون “الخيار الذكي”.
المشهد الميداني في كراكاس
تشير التقارير إلى أنّ انفجارات عدّة هزّت العاصمة كراكاس فجر اليوم، مع تصاعد أعمدة من الدخان الأسود فوق مناطق قريبة من مجمّع فويرتي تيونا Fuerte Tiuna، أكبر المجمّعات العسكرية في البلاد. نقلت وسائل الإعلام وشهود العيان سماع أصوات طائرات وتحليق عسكري، إضافة إلى انقطاع واسع للكهرباء في الجزء الجنوبي من العاصمة بالقرب من قاعدة عسكرية رئيسة. وأظهرت صور حرارية التقطتها أنظمة مراقبة الحرائق العالمية بؤر حرارة كبيرة في محيط فويرتي تيونا، ممّا يعزّز روايات وقوع ضربات أو حرائق واسعة في تلك المنطقة.
الموقف الڤنزويلي الرسمي
نفت الحكومة الڤنزويلية، عبر نائب الرئيس ومسؤولين آخرين، رواية أسر مادورو وطالبت بتقديم “دليل حياة” للرئيس، مؤكّدة أنّه لا يزال قائداً شرعياً للبلاد. وأعلنت كراكاس حالة طوارئ وطنية، متّهمة الولايات المتّحدة بارتكاب “عدوان عسكري خطير جدّاً” استهدف مواقع مدنية وعسكرية في العاصمة وولايات ميراندا Miranda وأراگوا Aragua ولا گوايرا La Guaira، واصفة ما جرى بأنّه اعتداء إمپريالي يهدف إلى تغيير النظام بالقوّة. ودعت الحكومة أنصارها و”كلّ القوى الاجتماعية والسياسية” للنزول إلى الشوارع وتنفيذ خطط تعبئة شعبية.
الخلفية السياسية القريبة
تأتي هذه الأحداث بعد أسابيع من توتّر حادّ أعقب الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، التي أعلن مادورو الفوز فيها وسط اتّهامات واسعة بالتزوير وحملة قمع عنيفة ضدّ المتظاهرين. تحت ضغط دولي، لا سيّما من الولايات المتّحدة ومنظّمات حقوقية، أفرجت السلطات الڤنزويلية قبل أيّام عن 88 معتقلاً شاركوا في احتجاجات ما بعد الانتخابات. ووثّقت تقارير سابقة اعتقال آلاف الأشخاص خلال موجات الاحتجاج في الأعوام الأخيرة، مع تزايد الاتّهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
حاولت المعارضة، ممثّلة بشخصيات مثل ماريا كورينا ماچادو María Corina Machado وحلفائها، تحويل الاحتجاجات إلى ضغط داخلي وخارجي متزامن، في حين استند النظام إلى الأجهزة الأمنية والمؤسّسة العسكرية للحفاظ على قبضته.

الوضع الاقتصادي المتدهور
يتزامن التصعيد العسكري مع اقتصاد يعيش على حافّة الانهيار، برغم إعلان مادورو مؤخّراً أنّ الاقتصاد سجّل نموّاً بنسبة 9% في عام 2025م 1447هـ، مع توقّعات رسمية باستمرار النموّ بنسبة 7% في عام 2026م. غير أنّ تقديرات صحفية واقتصادية مستقلّة تشير إلى تضخّم مرتفع وتآكل مستمرّ في قيمة العملة، وتوقّعات قاتمة للنموّ في العام الجديد يغذّيها التوتّر مع الولايات المتّحدة.
ردود الفعل الدولية
بدأت دول ومنظّمات إقليمية ودولية بإصدار مواقف متباينة حيال الضربات، فبعضها يدين التصعيد العسكري ويدعو لاحترام السيادة، وبعضها يحمّل مادورو مسؤولية ما آلت إليه البلاد ويطالب بانتقال سياسي منظّم. والمشهد في ڤنزويلا اليوم يتقاطع فيه البُعد الاقتصادي المتدهور مع الاستقطاب السياسي الداخلي والتجاذب الجيوسياسي، ممّا يجعل صوغ تسوية سلمية أمراً أكثر تعقيداً في ظلّ القصف وحالة الطوارئ.

دروس من التاريخ: شبح أزمة الصواريخ الكوبية
يُظهر التاريخ مدى خطورة هذا النوع من المواجهات. ففي عام 1962م 1382هـ، كادت أزمة الصواريخ الكوبية أن تدفع العالم نحو حرب نووية بسبب الأسلحة الأجنبية في البحر الكاريبي. والجغرافيا لم تتغيّر اليوم، فلا تزال فلوريدا قريبة جدّاً من هذه المياه، ولا تزال قناة پنما نقطة اختناق عالمية، ولا تزال الجزر نقاط انطلاق ضعيفة.
ما تغيّر هو اللّاعبون. فبدلاً من كوبا والاتّحاد السوڤييتي، باتت ڤنزويلا اليوم، بدعم من موسكو وپكّين وطهران، تختبر عزيمة أمريكا. والسؤال لم يعد ما إذا كان البحر الكاريبي مهمّاً، بل إلى أيّ مدى سيذهب الطرفان.

خاتمة واستشراف
على خلاف الحروب البعيدة في أوكرانيا أو الشرق الأوسط، يقع البحر الكاريبي على عتبة أمريكا مباشرة. تعتمد موانئ الجنوب الأمريكي ومصافي نفط الخليج وقناة پنما جميعها على طرق شحن آمنة تمرّ عبر هذه المياه. وأيّ اضطراب هنا يضرب التجارة الأمريكية وأمن الطاقة والقدرة على الحركة العسكرية على الفور تقريباً.
وها قد حسمت واشنطن تردّدها وأقدمت على ما كان كثيرون يستبعدونه: ضربات عسكرية مباشرة على الأراضي الڤنزويلية، مع ادّعاء أسر رأس النظام نفسه. تجاوز الأمر مرحلة العقوبات والضغوط الدبلوماسية إلى المواجهة المسلّحة الصريحة. غير أنّ الغموض لا يزال يكتنف مصير مادورو الحقيقي، في ظلّ نفي كراكاس القاطع وإعلانها حالة الطوارئ ودعوتها إلى المقاومة الشعبية.
تتشابك الآن عدّة سيناريوهات محتملة: فإمّا أن تنجح واشنطن في فرض تغيير سريع للنظام وتنصيب حكومة موالية، أو أن تتحوّل ڤنزويلا إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد تستقطب تدخّلات روسية وصينية وإيرانية مضادّة. وفي كلتا الحالتين، فإنّ ما يجري اليوم في البحر الكاريبي سيُعيد رسم خريطة النفوذ في نصف الكرة الغربي، وربّما في العالم بأسره.
المصادر
- Al Jazeera. “Explosions heard over Venezuelan capital Caracas amid US tensions”. 3 January 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/1/3/explosions-heard-over-venezuelan-capital-caracas-amid-us-tensions
- Reuters. “Loud noises heard in Venezuela capital, southern area without electricity”. 3 January 2026. https://www.reuters.com/world/americas/loud-noises-heard-venezuela-capital-southern-area-without-electricity-2026-01-03/
- CNN. “Venezuela explosions: Multiple explosions in Caracas”. 3 January 2026. https://www.cnn.com/world/live-news/venezuela-explosions-caracas-intl-hnk-01-03-26
- Al Jazeera. “Live: Loud noises heard in Venezuela’s capital amid US tensions”. 3 January 2026. https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2026/1/3/live-loud-noises-heard-in-venezuelas-capital-amid-us-tensions
- CBS News. “Venezuela US military strikes Maduro Trump”. 3 January 2026. https://www.cbsnews.com/live-updates/venezuela-us-military-strikes-maduro-trump/
- Reuters. “World reacts to US strikes on Venezuela”. 3 January 2026. https://www.reuters.com/world/americas/world-reacts-us-strikes-venezuela-2026-01-03/
- ABC News. “Explosions heard in Venezuela’s capital city Caracas”. 3 January 2026. https://abcnews.go.com/International/explosions-heard-venezuelas-capital-city-caracas/story?id=128861598
- Ada Derana (Sri Lanka). “Multiple explosions rock Venezuela’s Caracas amid US tensions”. 3 January 2026. https://www.adaderana.lk/news.php?nid=116714
- NPR. “U.S. hit Venezuela with ‘large-scale strike,’ captured Nicolás Maduro, Trump says”. 3 January 2026. https://www.npr.org/2026/01/03/g-s1-104329/explosions-caracas-venezuela
- France 24. “Trump says Venezuela’s Maduro has been captured after large-scale strikes”. 3 January 2026. https://www.france24.com/en/americas/20260103-multiple-explosions-aircraft-sounds-reported-in-venezuela-caracas-maduro-trump
- DW (Deutsche Welle). “Venezuela releases 88 jailed after post-election protests”. 1 January 2026. https://www.dw.com/en/venezuela-releases-88-jailed-after-post-election-protests/a-75362835
- Al Jazeera. “Venezuela releases more prisoners amid US pressure campaign: Rights groups”. 1 January 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/1/1/venezuela-releases-more-prisoners-amid-us-pressure-campaign-rights-groups
- Reuters. “Venezuela frees 88 more prisoners detained after post-election protests”. 1 January 2026. https://www.reuters.com/world/americas/venezuela-frees-88-more-prisoners-detained-after-post-election-protests-2026-01-01/
- CNN. “Venezuela protests: Maduro inauguration”. 9 January 2025. https://www.cnn.com/2025/01/09/americas/venezuela-protests-maduro-inauguration-intl-latam
- Wikipedia. “2024 Venezuelan protests”. https://en.wikipedia.org/wiki/2024_Venezuelan_protests
- Wikipedia. “2026 United States strikes in Venezuela”. https://en.wikipedia.org/wiki/2026_United_States_strikes_in_Venezuela
- Caracas Chronicles. “Venezuela’s 2025: Finally over, but here comes the joropo of 2026”. 31 December 2025. https://www.caracaschronicles.com/2025/12/31/venezuelas-2025-finally-over-but-here-comes-the-joropo-of-2026/
- El País (English). “Prices soar and Venezuela’s economy struggles under Trump’s pressure: People are living day to day”. 27 December 2025. https://english.elpais.com/international/2025-12-27/prices-soar-and-venezuelas-economy-struggles-under-trumps-pressure-people-are-living-day-to-day.html
- Reuters. “Venezuela’s Maduro says economy grew 9% in 2025, will grow 7% in 2026”. 10 December 2025. https://www.reuters.com/world/americas/venezuelas-maduro-says-economy-grew-9-2025-will-grow-7-2026-2025-12-10/
- CNN. “Amid tensions with US, high inflation is back on Venezuela’s streets”. 11 November 2025. https://www.cnn.com/2025/11/11/americas/venezuela-inflation-us-tension-intl-latam
- Malay Mail. “Maduro projects growth but Venezuela reels from soaring inflation, currency collapse and US sanctions”. 1 January 2026. https://www.malaymail.com/news/money/2026/01/01/maduro-projects-growth-but-venezuela-reels-from-soaring-inflation-currency-collapse-and-us-sanctions/203909
- Euronews. “Venezuelan bolívar–dollar rate jumps to nearly 480% as sanctions bite deepens”. 1 January 2026. https://www.euronews.com/business/2026/01/01/venezuelan-bolivardollar-rate-jumps-nearly-480-as-sanctions-bite-deepens
- Al Jazeera (Interactive). “Venezuela explained in 10 maps and charts”. 28 November 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/11/28/venezuela-explained-in-10-maps-and-charts
- Americas Quarterly. “Venezuela: A 2025 Snapshot”. 16 January 2025. https://www.americasquarterly.org/article/venezuela-a-2025-snapshot/
- Wikipedia. “Economy of Venezuela”. https://en.wikipedia.org/wiki/Economy_of_Venezuela
- Moody’s Analytics. “Economic Indicators for Venezuela”. https://www.economy.com/venezuela/indicators
- Reuters. “Venezuela asks lawmakers to approve 2026 budget at $19.9 billion”. 4 December 2025. https://www.reuters.com/world/americas/venezuela-asks-lawmakers-approve-2026-budget-199-billion-2025-12-04/
- Wikipedia. “Protests in Venezuela”. https://en.wikipedia.org/wiki/Protests_in_Venezuela
- BakuNetwork. “Who Is Sheikh Hikmat al-Hijri, Syria’s Most Defiant Druze Leader?”. 22 July 2025. https://www.bakunetwork.org/en/news/analytics/14198
- Guacamaya. “As-Suwayda: The Little Venezuela in Syria under the Shadows of War”. 21 July 2025. https://guacamayave.com/en/as-suwayda-the-little-venezuela-in-syria-under-the-shadows-of-war/
- Atlantic Council. “The Maduro-Hezbollah Nexus: How Iran-backed Networks Prop up the Venezuelan Regime”. 7 October 2020. https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/the-maduro-hezbollah-nexus-how-iran-backed-networks-prop-up-the-venezuelan-regime/
- Atalayar. “Druze, Israel’s powerful ally”. 21 July 2025. https://www.atalayar.com/en/opinion/pedro-gonzalez/druze-israels-powerful-ally/20250721110000216917.html
- Wikipedia. “Syrian Venezuelans”. 12 October 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Syrian_Venezuelans
- Wikipedia. “Tareck El Aissami”. 12 November 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Tareck_El_Aissami
- Middle East Eye. “Powerful and prosperous: Inside Venezuela’s Syrian community”. https://www.middleeasteye.net/discover/syria-venezuela-inside-divided-community
- Wikipedia. “Sweida”. https://en.wikipedia.org/wiki/Suwayda
- Wikipedia. “Syria–Venezuela relations”. https://en.wikipedia.org/wiki/Syria–Venezuela_relations
- Wikipedia. “Druze in Syria”. https://en.wikipedia.org/wiki/Druze_in_Syria
- U.S. Immigration and Customs Enforcement. “15 current, former Venezuelan officials charged with narco-terrorism, corruption, drug trafficking and other criminal charges”. 23 June 2025. https://www.ice.gov/news/releases/15-current-former-venezuelan-officials-charged-narco-terrorism-corruption-drug
- Bloomberg. “Venezuela PDVSA Probe: Ex-Ministers Tareck El Aissami, Simón Zerpa Arrested”. 9 April 2024. https://www.bloomberg.com/news/articles/2024-04-09/venezuela-detains-two-former-maduro-confidantes-in-pdvsa-probe





اترك رد