قبل أيّام امتطى شريكي الألماني في السكن جرأته وقال لي “أشكّ بأنّك عربيّ”. استغربت منه هذا الانطباع واستفسرت، “كيف لا تتأكّد أنّني عربيّ؟”. فقال أنّه لا يحضرني أحضر على التلفاز مسلسلاً أو فيلماً عربيّاً، لا يسمع من غرفتي أغانٍ عربيّة إلّا ما ندر، لا أتابع الأخبار، ولا أطبخ في مطبخنا أكلات عربيّة باستمرار، ولا يزورني في البيت عرب.
مذ ذاك وكلامه يشغل بالي، ماذا يعني أنّني عربيّ؟ ما هي الصفات التي تدلّ على أنّني عربيّ؟
جيناتي عربيّة… على الأقل هذه واحدة تأكّدت منها بالتحليل مرّتين. لكنّ الجينات ليست دليلاً على هويّتي الثقافية، إذ لا يجمع المسلمين جميعاً مثلاً جين إسلاميّ، ولا يميّز المسيحيّين جين مسيحي، فالهُوِيَّة لا تقرّرها الجينات بل الأفعال والاختيارات والعروبة بالتالي غير موروثة… فكيف أكون عربيّ؟
في ذاك المساء تركت صديقي إلى السرير وفتحت گوگل وكتبت:
what it means to be an Arab?
ثمّ انتبهت… حتّى في البحث لم أستخدم اللّغة العربيّة. هل هي العادة؟ أم هي الهويّة؟
بالفعل، لا ألتزم على مائدتي مطبخاً عربيّاً، لكنّني مع ذلك أحبّ الطبخ العربيّ، وأستمتع به بين حين وآخر، إلى جانب الكثير من الأكلات من كلّ مطابخ العالم… أحبّ التنويع. فهل تنفي محبّة التنويع عنّي عروبتي؟ أحبّ شرب القهوة؛ مشروب العرب، فهل في القهوة دليل على عروبتي؟ وهل حبّ القهوة الشائع حول العالم ميل عربي؟
ماذا يعني أن أكون عربيّاً؟
أهلي عرب، نوعاً ما. أتحدّث العربيّة بطلاقة. أيعني هذا أنّني عربي؟
بالفعل، لا أستمع إلى الموسيقى العربيّة باستمرار، قد تكون دراستي للموسيقى هي السبب. عرّفتني على تاريخ الموسيقى وأدواتها وأغلب أنماطها من حول العالم. لكنّني أرتكن إلى الكلاسيكيّات العربيّة متى استرهقتني الأيّام… ألتجئ إليها، إن جاز السبب. أحبّ الميتال، ويساعدني على التركيز، الپوست روك والپوست ميتال. ونادرٌ جداً بين العرب من يشتغل على هذه المدارس النورسيّة. هل يعني انطرابي بالميتال أنّني من غير العرب؟
بعد أيّام من القراءة والمراجعة خلصتُ إلى نتيجة وجدت فيها راحة نفسي. لإجابة سؤال نفسي؛ ماذا يعني أن أكون من العرب؟
ذلك يعني أنّني أهتمّ لحال العرب. يهمّني حاضر ومستقبل العرب. وأدرس باستمرار ماضي تاريخ العرب. وأحبّ استعمال ونشر لغة العرب. وأكترث تعاطفاً مع قضايا العرب… أعتقد أنّ هذه هنا هي القيم الحقيقيّة لهويّة العرب.
وفي زمن يتكاثر فيه من يُسقطون هذه القيم من ورثة جينات العرب أنفسهم، لا يهمّ أنّ تبدو بهيأتك ومأكلك عربيّاً أبداً، المهمّ أن تهتمّ لأحوال العرب.
قد تتحدّث الإنگليّزية والألمانية والفرنسية وألف لغة غيرها. لكن، ينبض قلبك نبضات عربيّة.
كان هِيگل على حقّ عندما قال أنّنا نتعلّم من التاريخ أنّه يستحيل على البشر التعلّم من التاريخ.
~ جورج برنارد شو
فهم التاريخ من منظور فلسفي يتطلّب منّا التفكير في كيفية تعامل الحضارات والأفراد مع الذاكرة والتجربة والمعنى. فلاسفة مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا تناولوا أيضاً مفاهيم مثل السلطة والخطاب والتفكيك في تحليلاتهم للتاريخ، مشيرين إلى أن تفسير التاريخ ليس محايداً، بل يتأثر بمن يروي القصة والغرض من روايتها.
نظرية هيگل، التي تعدّ من أهمّ النظريات في هذا السياق، ترى أن التاريخ عملية ضرورية لتطوّر الروح العالمية أو العقل العالمي. فكلّ مرحلة من مراحل التاريخ تحمل في طيّاتها تناقضات وصراعات، وهذه التناقضات هي ما يدفع التاريخ نحو مزيد من التطوّر والإدراك العقلاني.
أمّا المقولة الساخرة لجورج برنارد شو، فهي تشير إلى نزعتنا كبشر إلى تكرار أخطاء الماضي، برغم توافر الدروس التاريخيّة لنا لنتعلّم منها. وكأنّنا نميل إلى تجاهل حكمة التجارِب السابقة، فنقع في نفس المطبّات مراراً وتكراراً. ولأبو حامد الغزالي، الفيلسوف والمتصوّف، مقولة مشهورة في هذا: “من لم يتعلّم من تجارِب الماضي فهو محكوم عليه بأن يعيشها من جديد”. وهذا يتوافق مع فكرة تكرار الأخطاء التاريخيّة التي أشار إليها شو. ولا ننس ممارسة تغييب التاريخ التي تمارسها الأنظمة السياسيّة باستمرار لتزوير روايات الماضي بما يتناسب مع پروپاگاندا النظام.
الكندي، أحد أوائل الفلاسفة المسلمين، له رؤية شاملة عن دور الفلسفة وفهم التاريخ، إذ قال: “ينبغي لنا ألّا نستحي من استحسان الحقّ واقتناء الحقّ من أين أتى، ولو من الأجناس القاصية عنّا والأمم المباينة لنا”. وهذا يدعو إلى الانفتاح على الأفكار والتجارب المختلفة عبر التاريخ والثقافات. وبرأيي، هذه هي النظرية الأسمى لفهم التاريخ وإدارة المجتمع وبناء الهُوِيَّة.
في النهاية، التاريخ من منظور فلسفي هو مجال يظهر سعي الإنسانية لفهم نفسها ومعرفتها وتحقيق ذاتها. ويتطلب البحث فيه تقصي الأسباب والعوامل الكامنة وراء الأحداث، مع التأمل في كيفية تأثير الماضي على الحاضر والمستقبل.





اترك رد