قراءة تحليليّة تفرّق بوضوح بين الاعتزاز بالهويّة العربيّة كانتماء وجدانيّ وتاريخيّ متجذّر، وبين الآيديولوجيا القوميّة بصفة حركة سياسيّة تسعى لاحتكار العروبة وفرض الانغلاق.
في زحام الأفكار السّياسيّة والصّراعات الّتي تعصف بالعرب، يغيب عن أذهان الكثيرين الفارق الجوهريّ بين العيش بسلام داخل هويّة رحبة، والوقوع في أسر آيديولوجيا سياسيّة ضيّقة.
طوال عقود مضت، سعت تيّارات فكريّة محدّدة إلى دمج مفهوم العروبة بمشاريع السّلطة والدّولة، حتّى باتت التّفرقة بين أن تكون عربيّاً وأن تكون قوميّاً أمراً بالغ الصّعوبة. وألزم هذا الخلط أبناء اللّغة العربيّة بالدّفاع عن قوالب سياسيّة لا تعبّر بالضّرورة عن جوهر انتمائهم، وجعلهم في حالة توتّر دائم مع محيطهم ومع العالم.
أطرح في هذا المقال محاولةً جادّةً لتفكيك هذا الاشتباك العميق. فأنطلق من تجربة شخصيّة خالصة، وأستند إلى رؤىً فلسفيّة وتاريخيّة، لأعيد رسم الحدود بين الهويّة العربيّة بوصفها جذوراً حيّةً تتنفّس وتتطوّر، والقوميّة العربيّة بوصفها أداةً حزبيّةً تسعى لفرض لون واحد ونسق إجباريّ. وغايتي هنا تحرير الانتماء من قيود السّياسة، وإعادته إلى فضائه الطّبيعيّ جسر للتّواصل البشريّ الخلّاق والحرّيّة الإنسانيّة.

ما بين رحابة الهويّة وقيود القوميّة
ما الفرق بين أن نعتزّ بهويّتنا العربيّة ونفخر بانتمائنا إليها، وبين أن نعتنق الفكر القوميّ العربيّ وندعو إليه؟ يكمن الاختلاف الأساسيّ في طبيعة كلّ منهما وهدفه.
الانتماء إلى الهويّة إحساس داخليّ ورابطة تاريخيّة ولغويّة وحضاريّة تجمع النّاطقين باللّغة العربيّة. وينبع هذا الشّعور من تقديرنا للفنون والآداب والتّاريخ المشترك، ويبني علاقات إنسانيّة واجتماعيّة متينة. الاعتزاز بهذا الانتماء يرحّب بالتّنوّع والاختلاف داخل المحيط العربيّ، ولا يُلزم الدّول بقالب سياسيّ واحد، بل يهتمّ بصون الإرث واللّغة وتوريثهما للأجيال القادمة.
في المقابل، نجد القوميّة حركة سياسيّة وفكريّة ظهرت ونمت في العصر الحديث مع تهاوي الإمبراطوريّات القديمة. تنطلق هذه الحركة من فكرة واضحة؛ العرب أمّة واحدة ويجب توحيدهم في كيان سياسيّ أو دولة واحدة. تتجاوز الدّعوة القوميّة المشاعر العاطفيّة لتطالب بإزالة الحدود السّياسيّة وتأسيس مشروع وحدويّ شامل. يسعى أصحاب هذا النّهج إلى توحيد الأنظمة وتقريب القوانين والسّياسات بين الدّول، لظنّهم بوحدة السّياسة حلّ أمثل لمواجهة التّحدّيات الخارجيّة.
يشبه الاعتزاز بالانتماء العربيّ جذوراً عميقةً تغذّي شجرةً وارفة الأغصان، فهو يسمح للأفراد بالتّمسّك بأصولهم بالتّزامن مع الانفتاح على العالم واحترام الهويّات المختلفة. أمّا القوميّة، فتتّخذ مساراً سياسيّاً وفكريّاً يطمح إلى تحويل هذا الانتماء إلى سلطة حاكمة ومشروع دولة. بوسع أيّ شخص أن يحبّ عروبته ويصون لغته وتاريخه دون الدّخول في أيّ حراك سياسيّ، لكنّ القوميّة العربيّة تلزم أتباعها بالسّعي وراء أهداف سياسيّة واضحة لدمج البلدان وتوحيدها.
هكذا يظهر الفارق الجوهريّ في الهدف والوسيلة. الانتماء إلى الهويّة حالة فرديّة ومجتمعيّة تزدهر بالمعرفة والفنون واللّغة، وتبقى حيّة ببقاء النّاطقين بها. أمّا القوميّة فهي مسار فكريّ يعلو ويهبط تبعاً للظّروف السّياسيّة، ويرتبط مصيره بنجاح مشاريع التّوحيد أو إخفاقها.

في معنى الانتماء
ذات شتاء، امتطى شريكي الألمانيّ في السّكن جرأته وقال لي: {أشكّ بأنّك عربيّ}. استغربت منه هذا الانطباع واستفسرت: {كيف لا تتأكّد أنّني عربيّ؟}. فبرّر ذلك بعدم رؤيته لي أتابع على التّلفاز مسلسلاً أو فيلماً عربيّاً، ولا يسمع من غرفتي أغانٍ عربيّة إلّا ما ندر، ولا أتابع الأخبار، ولا أطبخ في مطبخنا أكلات عربيّة باستمرار، ولا يزورني في البيت عرب.
مذ ذاك وكلامه يشغل بالي، ماذا يعني أنّني عربيّ؟ ما هي الصّفات الّتي تدلّ على أنّني عربيّ؟
جيناتي عربيّة… على الأقلّ هذه واحدة تأكّدت منها بالتّحليل مرّتين. لكنّ الجينات ليست دليلاً على هويّتي الحضاريّة، إذ لا يجمع المسلمين جميعاً مثلاً جين إسلاميّ، ولا يميّز المسيحيّين جين مسيحيّ، فالهويّة لا تقرّرها الجينات بل الأفعال والاختيارات، والعروبة بالتّالي غير موروثة… فكيف أكون عربيّاً؟
في ذاك المساء تركت صديقي إلى السّرير وفتحت گوگل وكتبت:
what it means to be an Arab?
ثمّ انتبهت … حتّى في البحث لم أستخدم اللّغة العربيّة. هل هي العادة؟ أم هي الهويّة؟
بالفعل، لا ألتزم على مائدتي مطبخاً عربيّاً، لكنّني مع ذلك أحبّ الطّبخ العربيّ، وأستمتع به بين حين وآخر، إلى جانب الكثير من الأكلات من كلّ مطابخ العالم… أحبّ التّنويع. فهل تنفي محبّة التّنويع عنّي عروبتي؟ أحبّ شرب القهوة؛ مشروب العرب، فهل في القهوة دليل على عروبتي؟ وهل حبّ القهوة الشّائع حول العالم ميل عربيّ؟

في الانتماء إلى العروبة
أهلي عرب، نوعاً ما. أتحدّث العربيّة بطلاقة. أيعني هذا أنّني عربيّ؟
بالفعل، لا أستمع إلى الموسيقى العربيّة باستمرار، لعلّ دراستي للموسيقى هي السّبب. عرّفتني على تاريخ الموسيقى وأدواتها وأغلب أنماطها من حول العالم. لكنّني أرتكن إلى الكلاسيكيّات العربيّة متى استرهقتني الأيّام … ألتجئ إليها، إذا جاز السّبب. أحبّ الميتال، ويساعدني على التّركيز، الپوست روك والپوست ميتال. ونادرٌ جدّاً بين العرب من يشتغل على هذه المدارس النّورسيّة. هل يعني انطرابي بالميتال أنّني من غير العرب؟
بعد أيّام من القراءة والمراجعة خلصتُ إلى نتيجة وجدت فيها راحة نفسي. لإجابة سؤال نفسي؛ ماذا يعني أن أكون من العرب؟
ذلك يعني أنّني أهتمّ لحال العرب. يهمّني حاضر ومستقبل العرب. وأدرس باستمرار ماضي تاريخ العرب. وأحبّ استعمال ونشر لغة العرب. وأكترث تعاطفاً مع قضايا العرب… أعتقد أنّ هذه هنا هي القيم الحقيقيّة لهويّة العرب.
وفي زمن يتكاثر فيه من يُسقطون هذه القيم من ورثة جينات العرب أنفسهم، لا يهمّ أن تبدو بهيأتك ومأكلك عربيّاً أبداً، المهمّ أن تهتمّ لأحوال العرب.
ربّما تتحدّث الإنگليزيّة والألمانيّة والفرنسيّة وألف لغة غيرها. لكن، ينبض قلبك نبضات عربيّة.

الهويّة ووعي التّاريخ
{كان هِيگل على حقّ عندما قال: نحن نتعلّم من التّاريخ استحالة تعلّم البشر من التّاريخ.}
~ جورج برنارد شو
يتطلّب فهم التّاريخ رؤية فلسفيّة تتأمّل في تعامل الأمم والأفراد مع الذّاكرة والتّجارب والمعاني. ففي قراءات فلاسفة من أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا، نجد تفكيكاً لمفاهيم السّلطة والخطاب، لتأكيد حقيقة بالغة الأهميّة؛ كتابة التّاريخ ليست عملاً محايداً أبداً، بل تتأثّر دوماً بمن يروي القصّة والغايات الكامنة وراء روايتها.
في هذا السّياق، تتجلّى نظريّة هِيگل بوصفها من أهمّ الرّؤى، لترى التّاريخ مساراً حتميّاً لتطوّر العقل البشريّ، تحرّكه الصّراعات والتّناقضات في كلّ مرحلة لتدفع به نحو مزيد من الوعي والإدراك. لكنّ المقولة السّاخرة لجورج برنارد شو تسلّط الضّوء على جانب آخر، ألا وهو ميلنا البشريّ العجيب إلى تكرار أخطاء الماضي. فعلى الرّغم من وفرة الدّروس التّاريخيّة، نمضي متجاهلين حكمة التّجارب السّابقة، لنقع في المطبّات ذاتها مراراً وتكراراً.
ينسجم هذا المعنى تماماً مع تحذير الفيلسوف والمتصوّف أبي حامد الغزاليّ حين قال: {من لم يتعلّم من تجارب الماضي فهو محكوم عليه بأن يعيشها من جديد}. فدفع ضريبة الأخطاء التّاريخيّة لا يتوقّف عند التّجاهل العفويّ، بل يتعدّاه إلى تغييب منهجيّ للتّاريخ تمارسه الأنظمة السّياسيّة بانتظام، بغية تزوير أحداث الماضي وتطويعها لخدمة دعايتها السياسيّة.
وللخروج من دائرة التّكرار والانغلاق، يقدّم الكنديّ، وهو من أوائل الفلاسفة المسلمين من بين العرب، دعوة صريحة للانفتاح على التّجارب الإنسانيّة كافّة، يقول فيها: {ينبغي لنا ألّا نستحي من استحسان الحقّ واقتناء الحقّ من أين أتى، ولو من الأجناس القاصية عنّا والأمم المباينة لنا}. هذه الرّؤية الواسعة لتقبّل الأفكار باختلاف مصادرها هي النّظريّة الأسمى برأيي لقراءة التّاريخ بحكمة، وإدارة المجتمعات، وبناء هويّة متماسكة قادرة على التّجدّد.
في المحصّلة، ليس التّاريخ سوى ميدان يجلّي سعي الإنسانيّة العميق لمعرفة ذاتها وتحقيق غاياتها. والخوض في هذا الميدان يوجب علينا الغوص في الأسباب العميقة للأحداث، والتّأمّل المتواصل في أثر الماضي على حاضرنا ومستقبلنا.

في القوميّة العربيّة
{التّنوّع هو التّنظيم، والتّماثل هو الآلة. التّنوّع هو الحياة، والتّماثل هو الموت.}
~ بنجامان كونستان (معارضاً نزعة التّماثل القسريّ للإمبراطوريّة النّاپليونيّة)
يلخّص بنجامان كونستان بهذه الكلمات العميقة جوهر المأزق النّاتج عن مساعي التّوحيد القوميّ القسريّ للشّعوب. ففي خضمّ معارضته لنهج الإمبراطوريّة النّاپليونيّة، التي ابتدعت الفكر القوميّ الحديث، أدرك كونستان بدقّة بالغة الفارق الفاصل بين حيويّة المجتمعات الطّبيعيّة وجمود الكيانات المصطنعة، محذّراً من طمس تنوّع النّاس وتطويعهم تروس متشابهة داخل آلة سياسيّة صمّاء. وينطبق هذا التّوصيف تماماً على طبيعة الأفكار التّوحيديّة الصّارمة؛ إذ تسعى الآيديولوجيا القوميّة في جوهرها لتأطير المشاعر الإنسانيّة في قوالب سياسيّة صارمة.
وفي نسختها العربيّة، الّتي وُلدت في دمشق وبيروت مطلع القرن العشرين الميلاديّ / الرابع عشر الهجريّ، متأثّرة بالنّماذج الفرنسيّة والألمانيّة والإيطاليّة الدّاعية إلى توحيد الأمم في دول مركزيّة. أخذ المفكّرون الأوائل، الّذين نادوا بالقوميّة، مشاعر الانتماء الطّبيعيّة واللّغة المشتركة، وحوّلوها إلى مشروع دولة. ولم يكن هذا التّحوّل يسيراً، بسبب تطلّب صياغة عقيدة سياسيّة تفرض على الأفراد التزاماً مطلقاً للكيان السّياسيّ المتخيّل، متجاوزة الرّوابط العضويّة التّلقائيّة الّتي تجمع النّاس في حياتهم اليوميّة.

هنا يظهر التّعارض الفجّ بين الانتماء المريح للهويّة، وبين تبنّي الآيديولوجيا القوميّة. فالهويّة رحبة، تتّسع للتّناقضات، ترحّب بالتّطوّر، وتسمح للفرد بأن يكون عربيّاً ومحبّاً لموسيقى غير عربيّة، تسمح بالاقتباس والتّعريب، وتسمح للفرد بأن يكون شغوفاً بالفلسفة أنّى جاءت، أو طاهياً يفضّل خبزاً غير معتاد في بلاد العرب. الهويّة لا تحاكم تفضيلات الفرد الشّخصيّة، بل تمنحه جذوراً ينمو منها بأيّ اتّجاه يختاره.
في المقابل، تضيق الآيديولوجيا القوميّة بهذا التّنوّع. تتطلّب طاعة ونسقاً واحداً، وتصنّف النّاس وفقاً لمدى ولائهم للمشروع السّياسيّ. فالآيديولوجيّ القوميّ زنزانة انغلاق يرى الانفتاح على الآخر تهديداً، ويقرأ التّاريخ بعين الانتقاء، باحثاً عمّا يبرّر طموحاته السّياسيّة ويغذّي دعايته السّياسيّة، متجاهلاً فترات العيش المشترك والتّمازج البشريّ. وينبع التّعارض من كون الهويّة حالة وجوديّة متدفّقة عتيقة التّاريخ، بالمقابل تقف الآيديولوجيا قالباً جامداً يحاول صبّ هذا التّدفّق في مسار واحد إجباريّ.

مأزق احتكار العروبة
في نقاشاتي الطّويلة هنا في ألمانيا، أدركت أنّ الكثير من التّشوّهات الّتي لحقت بصورتنا الذّاتيّة نحن العرب، نتجت عن الخلط بين هذين المفهومين. أرادت القوميّة العربيّة، كحركة سياسيّة، أن تحتكر حقّ تعريف العربيّ، فحوّلت الانتماء إلى بطاقة ولاء حزبيّ، وجعلت من اللّغة والتّاريخ أدوات تعبئة بدلاً من أن تكون جسور تواصل.
الآيديولوجيا تخاف من السّؤال، وترتعب من الفرديّة، وتطالب الجماهير بالتّضحية في سبيل الوهم السّياسيّ. لذلك، نجد القوميّين غالباً يعيشون في حالة صراع مستمرّ مع واقعهم، يرفضون التّغيير، ويخوّنون من يخرج عن النّصّ. في حين أنّ الانتماء للهويّة، على النّقيض تماماً، يمنح الفرد سلاماً داخليّاً، يجعله متصالحاً مع ماضيه، ومنفتحاً على مستقبله، قادراً على الإسهام في الحضارة الإنسانيّة دون أن يفقد بوصلته.

هويّة متعدّدة الوصلات
{أَعقَلُ النّاسِ مَن جَمَعَ عُقولَ النّاسِ إِلى عَقلِهِ.}
~ أبو حيّان التّوحيديّ
كأنّه عرف مهوانا القوميّ فسجّل هذه الكلمات، وصاغ أبو حيّان التّوحيديّ قاعدة ذهبيّة للانفتاح الفكريّ، ليوضح للمرء استحالة نضوج الذّات بمعزل عن محيطها. فجمع عقول النّاس وتجاربهم لا ينتقص من الأصل، بل يمدّه بأسباب البقاء ويوسّع مداركه. وتنسحب هذه الرّؤية تماماً على طبيعة الانتماء الأصيل.
إذ يتيح الانتماء للهويّة العربيّة للإنسان أن يكون متعدّد الوصلات بالعالم، قادراً على منح أجزاء من ذاته لانتماءات متنوّعة، لتستقطب روحه كلّ مفيد يصبّ في تغذية هويّته العربيّة. في المقابل، تبتر القوميّة هذه الوصلات الحيويّة، وتحدّها بِوَصلة واحدة يتيمة متّصلة بانتماء ضيّق يتكفّل الحزب القوميّ بتحديده. هكذا، تتوقّف شرايين التّغذية، ليؤسر النّاس في قيود الانغلاق، ممتنعين عن ممارسة أيّ تواصل حيّ ومثمر مع العالم الخارجيّ.
وقبل ابتداع فكرة القوميّة، عاش الإنسان العربيّ متعدّداً في لغاته منذ الطّفولة. فالبيت المتنوّع أتاح له استيعاب الألسن المختلفة، ولم يرفض يوماً النّطق باللّغات غير العربيّة، مع حرصه الشّديد على إجادة لغته الأمّ وصونها. كذلك، لم يرفض التّنوّع الإثنيّ في مجتمعه، بل عاش بتناغم مع كلّ الإثنيّات، ولم يخف على هويّته من الزّوال. هذا التّخويف المستمرّ، وافتعال رهاب الاندثار، هو صنيعة الفكر القوميّ المتوتّر، الّذي اختلق خصوماً وهميّين ليبرّر انغلاقه وجموده.

الانتماء فضاء للحرّيّة
ختاماً، يمكن استحضار أفكار الكثير من فلاسفة العصر الحديث الّذين حذّروا من خطورة تحويل الانتماءات الطّبيعيّة إلى آيديولوجيّات سياسيّة شاملة. الآيديولوجيا تعمي البصيرة وتغلق العقل، وتدفع الإنسان إلى معاداة جاره لسبب بسيط وهو اختلاف الرّؤية. أن أكون عربيّاً، يعني أن أعيش هذه الهويّة بسلام وحرّيّة، لا أن أجعل منها سيفاً أشهره في وجه العالم، أو سجناً أغلق أبوابه على نفسي.
العروبة الصّافية رحبة كما الأراضي الخصبة التي تنتج وتُحرث وتنتج من جديد، وليدة مجتمع عريق ابتكر الزّراعة ومارسها باستمرار، لتضرب بجذورها في الأرض كما أشجار الزّيتون والنّخيل والتين. العروبة انتماء وجدانيّ يربطنا بأصولنا العميقة في التّاريخ، وتمدّ أغصانها لتعانق سماء الإنسانيّة جمعاء.
متى أدركنا هذا المعنى العميق، سنتوقّف فوراً عن استجداء صكوك الانتماء أو محاولة إثبات عروبتنا أمام الآخرين، وننطلق نحو ممارسة هويّتنا الحيّة؛ ممارسة تتّسع للحوار، وتقبل الاختلاف، وتسعى إلى بناء جسور التّواصل الإنسانيّ الخلّاق. هكذا فقط نكون عرباً بحقّ، متصالحين مع ذواتنا وتاريخنا، قادرين على الإسهام في صياغة مستقبل البشريّة بقلب مفتوح وعقل متّقد، متحرّرين تماماً من ضيق الآيديولوجيا وعقم الانغلاق.





اترك رد