يمثّل استيطان الفليفلة السريع في البلدان العربية باكراً واحدة من أقدم صور العولمة الزّراعيّة والتّجاريّة الموثّقة. إذ لقرون طويلة، احتكرت قوى قليلة تجارة الفلفل الأسود وجعلته التّابل الأغلى ثمناً في العالم. ومع اكتشاف الأمريكيتين أواخر القرن 15 م / 9 هـ، حُصدت الفليفلة الحارّة من أراضي قلب العالم القديم، فاستوطنت بسرعة مذهلة في المنطقة العربيّة.
يُرجع كثيرون أسباب انتشار هذه النّبتة السريع في البلدان العربية إلى محض الصّدفة، أو إلى تجارة الإسپان والپُرتغاليّين العابرة. لكنّ هذا التّفسير يتجاهل واقعاً منظوراً: كيف تزامن ظهور زراعة الفليفلة وتوطينها في مناطق متباعدة جغرافيّاً مثل حلب في سوريا وتركيا، والوطن القبليّ في تونس، ومرتفعات اليمن؟ فالنّباتات لا تعبر القارّات لتُزرع على نطاق تجاريّ واسع عشوائيّاً.
يطرح هذا المقال تساؤلات جوهرها الدّوافع الحقيقيّة الّتي قادت إلى تبنّي هذه النّبتة الغريبة في الإمبراطوريّة العثمانيّة فور قدومها من العالم الجديد. مَن وقف وراء هذا المشروع الزّراعيّ الضّخم؟ ولماذا اختاروا هذه المناطق تحديداً؟ وما هو الدّافع الاقتصاديّ والسّياسيّ الّذي غيّر وجه الطبيخ العربيّ للأبد؟

الدّيناميكيّات المعقّدة لانتشار الفليفلة الحوليّة
كان بدء زراعة الفليفلة الحوليّة Capsicum annuum في مناطق محدّدة ومتباعدة جدّاً عن بعضها، من أكثر ظواهر التّاريخ الحديث المبكّر إثارة للفضول. إذ حدث هذا التّزامن أواخر القرن 15 م / 9 هـ وبدايات القرن 16 م / 10 هـ، وشمل حلب جنوب تركيا وشمال سوريا، وشمال تونس في الوطن القبليّ، وغرب اليمن.
ربطُ هذا الانتشار السّريع بالصّدفة البحتة أو بتناقل العادات التّلقائيّ، أو حتّى حصره بشبكات التّجارة الپُرتغاليّة والإسپانيّة، تبسيط مخلّ يتجاهل ديناميكيّات الاقتصاد السّياسيّ المعقّدة آنذاك. فالنّباتات لا تعبر القارّات لتُزرع تجاريّاً بمحض الصّدفة، إذ إنّ تأسيس دورة زراعيّة متكاملة لأيّ نبات يتطلّب 3 عناصر أساسيّة: رأس مال استثماريّ يبحث عن أقصى ربح، وتقييم مناخيّ وبيئيّ دقيق يضمن نجاح الزّراعة، وسوق استهلاكيّة متعطّشة لمنتج نهائيّ بمواصفات قياسيّة قابلة للتّداول والتّخزين.
يبرهن التّحليل المعمّق للأدلّة التّاريخيّة والمناخيّة والاقتصاديّة على كون توطين الفليفلة الحوليّة في حوض البحر الأبيض المتوسّط والشّرق الأوسط مشروعاً زراعيّاً وتجاريّاً بالغ الدّقّة ومدروس العواقب. ومن الواضح أنّ هذا المشروع سار بقيادة خطّطت ونفّذت عن سبق وعي وإصرار.
قاد هذا المشروع شبكات من التّجّار والخبراء الزّراعيّين المجبرين على النّزوح من شبه الجزيرة الإيبيريّة. وتكوّنت النّواة الصّلبة لهؤلاء من النّخب الماليّة اليهوديّة السّفارديّة والخبراء الزّراعيّين المسلمين الأندلسيّين. إذ وجد هؤلاء النّازحون في الإمبراطوريّة العثمانيّة الواسعة ملاذاً آمناً وبيئة استثماريّة خصبة، فجلبوا معهم بذور العالم الجديد، ورؤوس الأموال السّائلة، والمعرفة العميقة بمسارات تجارة التّوابل العالميّة، مضافاً إليها الدّافع الاقتصاديّ الأهمّ لكسر الاحتكار الجيوسياسيّ المفروض على تجارة الفلفل الأسود التّقليديّة.

الأصول البيولوجيّة وبداية التّدجين في الأمريكيتين
تنحدر الأصول البيولوجيّة البرّيّة لجميع أنواع الفليفلة (كاپسيكوم Capsicum) من حوض الأمازون، وتحديداً عند الحدود الفاصلة بين جنوب البرازيل وبوليڤيا. وكانت تطوّرت هذه النّباتات قبل ملايين السّنين لتكوّن آليّة دفاعيّة تردع الثّدييّات الّتي تهضم بذورها وتدمّرها، وتجذب الطّيور الّتي لا تتأثّر بمركّب الكاپسيسين وتستطيع نشر البذور السّليمة.
تبيّن الدّراسات الأثريّة، بالاعتماد على حبيبات النّشا والأحافير الدّقيقة، بدء تدجين هذه النّبتة في وادي تيواكان Tehuacán في المكسيك ومناطق بوليڤيّة بين 6000 و 8000 عام قبل الميلاد. كما استعملت حضارات المايا والآزتيك والإنكا هذه الثّمار لتحضير تغميسات تدمجها مع الذّرة والكاكاو.
دوّن كريستوفر كولومبوس في يوميّاته عام 1493 م / 898 هـ، إثر وصوله إلى الكاريبيّ، اكتشاف نوع من التّوابل يفوق الفلفل الأسود قيمةً، وأشار إلى استعمال قبائل الأراواك والتّاينو لهذه الثّمار. لكنّ إسپانيا لم تكن المحرّك الأسرع في نشر هذا المحصول عالميّاً. بل قادت الإمبراطوريّة الپُرتغاليّة أضخم عمليّة إعادة هيكلة للمطبخ العالميّ وأسرعها عبر شبكاتها البحريّة الواسعة.
أدرك البحّارة الپُرتغاليّون القيمة العالية للفليفلة في الوقاية من داء الإسقربوط خلال رحلاتهم الطّويلة، بفضل محتواها الهائل من ڤيتامين سي. وجلب الپُرتغاليّون الفليفلة ذات الأصول البرازيليّة عبر طريق الهند الپُرتغاليّ، المنطلق من لشبونة مروراً بسواحل غرب إفريقيا في أنگولا، ورأس الرّجاء الصّالح، وشرق إفريقيا في موزمبيق، وصولاً إلى غوا في الهند ومضيق ملقا. ووطّنوا هذا النّبات في مستعمراتهم ليشكّل بديلاً رخيصاً سهل الزّراعة مقارنةً بالفلفل الأسود المكلّف.
وتطوّرت من هذه النّبتة 5 أنواع مدجّنة رئيسيّة، أوّلها الفليفلة الحوليّة Capsicum annuum، وهي الأكثر انتشاراً عالميّاً وتضمّ معظم الأصناف المعروفة كالفلفل الحلو والهلاپينو والفليفلة الحلبيّة. وثانيها الفليفلة الصّينيّة Capsicum chinense الّتي تشمل الأصناف شديدة الحرارة مثل الهابانيرو والسگوچ بونيه. ثالثها الفليفلة الشّجريّة Capsicum baccatum. رابعها الفليفلة الشّجيريّة Capsicum frutescens وتضمّ التّاباسكو والپيري پيري. وخامسها الفليفلة الوبريّة Capsicum pubescens المعروفة في جبال الأنديز باسم الروكوتو.

السّياق الجيوسياسيّ والبحث عن بديل للفلفل الأسود
لفهم الدّوافع الحقيقيّة لإدخال الفليفلة الحوليّة الأمريكيّة إلى الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا، نحتاج إلى وضع هذا الحدث ضمن سياقه الاقتصاديّ والجيوسياسيّ العالميّ.
إذ عُرِف الفلفل الأسود Piper nigrum طوال العصور الوسطى وحتّى أواخر القرن 15 م / 9 هـ باسم الذّهب الأسود. وشكّل السّلعة الأهمّ والأغلى في التّجارة الدّوليّة، لدرجة استعماله عملةً لدفع الإيجارات والضّرائب والفديات. ويُزرع الفلفل الأسود زراعةً شبه حصريّة في المناطق الاستوائيّة الرّطبة، خصوصاً في ساحل مالابار الهنديّ. وهو كرمة معمّرة تحتاج سنوات لتثمر إنتاجاً اقتصاديّاً مستداماً غنيّاً بالمركّب الكيميائيّ الفعّال الپيپرين Piperine، وتستحيل زراعته في مناخ الشّرق الأوسط.
كانت طرق وصوله إلى الأسواق الأوروپّيّة والمتوسّطيّة تمرّ عبر سلسلة طويلة ومعقّدة من الوسطاء، تبدأ من التّجّار الهنود، والتّجّار العرب في اليمن ثمّ مصر وسوريا تحت سيطرة حكومة مماليك مصر، لتنتهي عند تجّار الجمهوريّات الإيطاليّة مثل البندقيّة وجينوڤا. وأدّى هذا المسار الطّويل إلى رفع أسعار الفلفل الأسود لمستويات خياليّة، فصار حكراً على النّخب الحاكمة والأثرياء.
واجهت الإمبراطوريّة العثمانيّة وشبكات التّجارة المتوسّطيّة المستقلّة تهديداً استراتيجيّاً واقتصاديّاً بالغاً مطلع القرن 16 م / 10 هـ، إثر اكتشاف الپُرتغاليّين طريق رأس الرّجاء الصّالح واحتكارهم التّجارة البحريّة المباشرة مع الهند عبر حملات ڤاسكو دا گاما وما تلاها. وردّ العثمانيّون بالسّيطرة على مصر والشّام والحجاز عامي 1516 م / 922 هـ و 1517 م / 923 هـ لتأمين طرق التّجارة القديمة. ووجّهوا حملة بحريّة ضخمة بقيادة سليمان باشا الخادم عام 1538 م / 945 هـ للسيطرة على أجزاء واسعة من اليمن لحمايتها من الپُرتغاليّين. وتلا ذلك حملات عسكريّة كبرى قادها سنان باشا بين عامي 1569 م / 977 هـ و 1570 م / 978 هـ في عهد السّلطان سليم الثّاني لتثبيت الإدارة المركزيّة هناك.
برغم هذه الجهود العسكريّة، بقيت التّكلفة المرتفعة للفلفل الأسود عائقاً يحول دون توفيره للطّبقات المتوسّعة. وظلّت الحاجة ماسّة لمنتج بديل يمتلك الخصائص الحرّيفة ذاتها، ليوفّر النّكهة والقدرة على حفظ الأطعمة، متجاوزاً العوائق الجيوسياسيّة المتمثّلة في سيطرة الپُرتغاليّين على المحيط الهنديّ واحتكار البندقيّة للأسواق الأوروپيّة.

دور الشّتات الأندلسي في توطين الفليفلة
ظهرت الفليفلة الحوليّة حلّاً زراعيّاً واقتصاديّاً استثنائيّاً. إذ هي نبتة سريعة النّموّ، تنتج ثمارها خلال أشهر قليلة تتراوح بين 70 و 90 يوماً، وتملك قابليّة مذهلة للتّكيّف مع المناخات المعتدلة وشبه الجافّة. ووفّرت هذه الصفات فرصة استراتيجيّة لإنتاج توابل محلّيّة داخل الحدود الآمنة للإمبراطوريّة العثمانيّة، وألغى الحاجة للاستيراد الخارجيّ المحفوف بالمخاطر، محوّلاً هذه التّوابل الجديدة إلى «فلفل الفقراء» الّذي يسهل إنتاجه بكميّات تجاريّة ضخمة وتكلفة زهيدة جدّاً.
لم يسر انتقال المحصول وتأسيسه نظاماً إنتاجيّاً جديداً بمحض المصادفة، بل استوجب وجود مُيسِّر مؤسّساتيّ يمتلك المعرفة الزّراعيّة، والقدرة الماليّة، وقنوات التّوزيع لتصريف المنتج. ونهضت بهذا الدّور هجرات الشّتات الأندلسي من التّجّار والمموّلين اليهود السّفارديّين والمزارعين المسلمين الأندلسيّين المُكرهين على الخروج من إسپانيا والپُرتغال. وجاء هذا النّزوح نتيجة ملاحقات محاكم التّفتيش وقرارات الطّرد القسريّة، كمرسوم قصر الحمراء عام 1492 م / 897 هـ.
لفهم ظاهرة المزامنة الدّقيقة لبدء زراعة الفليفلة في مدن ومراكز تجاريّة كبرى، مثل حلب وجنوب تركيا، نحتاج إلى تسليط الضّوء على الإمبراطوريّة الماليّة لعائلة منديس. إذ ظهرت هنا الشّخصيّة التّاريخيّة دونا گراسيا منديس ناسي Gracia Mendes Nasi وابن أخيها جوزيف ناسي Joseph Nasi. وكانت حازت هذه العائلة إحدى أضخم المؤسّسات المصرفيّة والتّجاريّة في عصر النّهضة، وتحكّمت فعليّاً في تمويل احتكار استيراد الفلفل الأسود والتّوابل وتوزيعها في أوروپّا عبر وكالاتها ومكاتبها في لشبونة وأنتويرپ، واشترت المحاصيل الكاملة من التّاج الپُرتغاليّ.
إثر تصاعد ملاحقات محاكم التّفتيش لليهود المتخفّين، فرّت دونا گراسيا عام 1553 م / 960 هـ بثروتها وشبكاتها التّجاريّة المعقّدة لتستقرّ في عاصمة الإمبراطوريّة العثمانيّة، القسطنطينية، تحت الحماية المباشرة للسّلطان سليمان القانونيّ. ونقلت معها وعياً استراتيجيّاً بمسارات التّجارة، وبذور العالم الجديد المجلوبة مع الإسپان والپُرتغاليّين من أمريكا إلى شبه الجزيرة الإيبيريّة، إضافة إلى استراتيجيّات زراعيّة وتجاريّة متطوّرة.
شكّلت حلب في تلك الحقبة العصب التّجاريّ ومحطّة طريق الحرير الأهمّ للإمبراطوريّة العثمانيّة. واستقبل تجّارها العرب والتركمان والبخاريّون البضائع القادمة من الشّرق والغرب. واستقرّت فيها مجتمعات يهوديّة سفارديّة مؤثّرة ربطت تجارة الشّرق بالغرب وأسّست أسواق التّوابل الكبرى. وأدركت هذه العائلات قيمة الفليفلة الأمريكيّة بديلاً تجاريّاً رخيصاً، ممّا حفّز تمويل زراعتها وتشجيعها في مناطق استقرارهم أو مسارات تجاراتهم.
من أبرز الأمثلة الموثّقة، حصول دونا گراسيا وجوزيف ناسي عام 1558 م / 965 هـ على امتياز استئجار مدينة طبريّا والقرى المحيطة بها من السّلطان العثمانيّ. وهدف هذا الامتياز إلى إقامة مشاريع زراعيّة وصناعيّة لتوطين اللّاجئين اليهود الفارّين ممّا هو اليوم إيطاليا وإسپانيا، واستغلال الأراضي الخصبة لزراعة محاصيل تلبّي حاجة السّوق وتدرّ أرباحاً سريعة.
كان السّبب الأساسيّ لاختيار أراضي حلب ومدينة طبريّا لتوطين زراعة الفليفلة وصناعة منتجاتها، هو تخصّص هذه المناطق تاريخيّاً بصناعة وتجارة أصباغ (صلصات) قديمة ومكثّفات حمضيّة طلبتها أسواق حوض البحر الأبيض المتوسّط بشدّة واحتكرت تجارتها حلب. إذ أتقنت هذه الحواضر إنتاج معجون الوشنة، والوشنة المخمّرة، ودبس الرمّان، وماء الحصرم، ودبس السّماق، ودبس الخرّوب، ودبس العنب … وهو نفس السبب الذي دفع بريطانيا القرن 19 م / 13 هـ لتجربة زراعة البندورة في أراضي حلب.
وفّرت هذه البنية التّحتيّة الصّناعيّة العريقة، بما شملته من معاصر وتقنيّات تجفيف وتخمير متوارثة، بيئة مثاليّة لدمج الفليفلة الحوليّة ضمن خطوط إنتاج الصبغات الغذائية العربيّة. وهكذا أمكن تحويل ثمار الفليفلة الطّازجة إلى معاجين حرّيفة مجفّفة ومطبوخة، قابلة للتّخزين والتّصدير لمسافات طويلة دون أن تفسد، ممّا ضاعف قيمتها التّجاريّة وجعلها سلعة استراتيجيّة تندمج بسلاسة مع الصّادرات التّقليديّة الّتي اعتادت هذه المناطق على توريدها إلى العالم.

المواءمة المناخيّة وهندسة الزّراعة في شمال إفريقيا واليمن
على الضّفّة الأخرى من البحر الأبيض المتوسّط، تزامنت زراعة الفليفلة الحوليّة في شمال إفريقيا مع وصول موجات اللّاجئين الأندلسيّين المطرودين ممّا هو اليوم إسپانيا وإيطاليا. إذ وجد هؤلاء ترحيباً كبيراً في الإيالة التّونسيّة العثمانيّة، لا سيّما في عهد عثمان داي الّذي استقبل عشرات الآلاف منهم أوائل القرن 17 م / 11 هـ.
استقرّ هؤلاء المهجّرون في مناطق زراعيّة خصبة تناسب خبراتهم، مثل مدينة نابل وشبه جزيرة الوطن القبليّ (الرأس الطيّب). وجلبوا معهم تقنيّات زراعيّة وهندسة ريّ متقدّمة، وبذور نباتات أمريكيّة مثل البندورة والفليفلة الحوليّة الّتي بدأ اختبار زراعتها في الحدائق الإسپانيّة.
سعوا من إدخال الفليفلة إلى تحقيق استدامة زراعيّة واقتصاديّة ضمن بيئة تشابه بيئتهم المتوسّطيّة الأصليّة جنوب إسپانيا. ولذلك ابتكروا طرقاً لتحويل هذا المحصول الطّازج إلى منتجات غذائيّة تجاريّة تقبل الحفظ والتّخزين لفترات طويلة، وظهر هذا جليّاً في ابتكار معجون الهريسة التّونسيّة الأصيلة.
ارتبط هذا النّجاح الزّراعيّ الباهر بإدراك علميّ وتطبيقيّ متقدّم لمفهوم المواءمة المناخيّة. فنقل صنف نباتيّ غريب من بيئته الأصليّة في المكسيك، وتحديداً المرتفعات والوديان شبه الجافّة مثل وادي تيواكان Tehuacán، يتطلّب تطابقاً دقيقاً في درجات الحرارة، وفترات التّشميس، ومستويات الرّطوبة، وطبيعة التّربة.
تبيّن التّصنيفات المناخيّة الحديثة ازدهار الفليفلة الحوليّة بقوّة في المناخ المتوسّطيّ ذي الصّيف الحارّ Csa والمناخ شبه الجافّ السّاخن BSh. ويفسّر هذا التّطابق المناخيّ اختيار تلك المواقع المحدّدة للزّراعة. إذ تتمتّع مناطق حلب: غازي عنتاب ومرعش وأورفا المقسّمة اليوم بين سوريا وتركيا، بصيف حارّ وجافّ ومشمس جدّاً. هي شروط مثاليّة لنموّ النّبتة بقوّة، وإنتاج مستويات معتدلة من مركّب الكاپسيسين، وتوفير الأجواء المثاليّة لعمليّة التّجفيف الشّمسيّ بوصفها خطوة حاسمة لمعالجة المنتج التّجاريّ وحمايته من العفن.
وفي تونس، يشابه مناخ الوطن القبليّ مناخ إقليم الأندلس جنوب إسپانيا، فأتاح ذلك للأندلسيّين تطبيق الممارسات الزّراعيّة المعتادة وضمان النّموّ بكفاءة عالية. أمّا في غرب اليمن، فتمتلك مرتفعات تهامة وزبيد مناخاً شبه جافّ مع هطول مطريّ معتدل ومدرّجات زراعيّة تلائم المحاصيل النّقديّة. كما أنّ اليمن شكّلت عقدة الوصل الاستراتيجيّة في تجارة البحر الأحمر العثمانيّة، ومقرّاً لتجّار يهود ومسلمين نقلوا المحاصيل بين الهند وإفريقيا والشّام، فأمّن ذلك بيئة حاضنة لتجريب المحاصيل الوافدة.

التّوثيق العثمانيّ والتّجارب الزّراعيّة
يؤكّد التّوثيق التّاريخيّ تنامي كتابة الرّسائل الزّراعيّة وعلم النّبات وترجمتها في الإمبراطوريّة العثمانيّة خلال القرنين 15 م / 9 هـ و 16 م / 10 هـ. إذ ظهر هذا الاهتمام جليّاً في ترجمة كتب تراثيّة إلى اللّغة التّركيّة العثمانيّة، مثل كتاب {الفلاحة النّبطيّة}، لِفهم طبيعة التّربة المشرقيّة. كما استوعب العثمانيّون علوم العالم الجديد عبر مخطوطات جغرافيّة مبكّرة مهمّة، أبرزها مخطوطة {تاريخ هند غربي} Batı Hindistan Tarihi المكتوبة قرابة عام 1580 م / 988 هـ. فأظهرت هذه المخطوطة وعياً عثمانيّاً مبكّراً باكتشافات الأمريكيتين ونباتاتها.
ظهرت في القرن 17 م / 11 هـ أدبيّات زراعيّة متخصّصة وضعها خبراء زراعيّون عثمانيّون، وعُرِفت باسم {شُكوفهنامه} (كتاب الأزهار). ومثّلت هذه المؤلّفات أدلّة هندسيّة زراعيّة دقيقة توثّق طرق فحص التّربة المعروفة بتجربة الأرض، وتقنيّات التّهجين والانتقاء، وأساليب استزراع النّباتات الأجنبيّة وتكييفها مع البيئة المحلّيّة. ويبرهن هذا التّوثيق العلميّ على خضوع زراعة الفليفلة لفترات طويلة من التّجريب والتّقييم قبل انتقالها إلى مرحلة الإنتاج الكمّيّ الواسع.
أمّا في اليمن، فيثبت الدّليل الإرشاديّ لزراعة الفليفلة الحارّة حاجة نبتة البسباس إلى مناخ معتدل يميل إلى الحرارة، بدرجات تتراوح بين 18 و 35 درجة مئويّة. إذ يبدأ المزارعون اليمنيّون تجهيز التّربة خلال فصل الرّبيع، الممتدّ عبر أشهر آذار مارس ونيسان أبريل وأيّار مايو، أو مطلع الصّيف في شهر حزيران يونيو. ويفضّل هؤلاء المزارعون التّربة الطّينيّة الرّمليّة جيّدة التّصريف والغنيّة بالموادّ العضويّة.
تُزرع البذور في الداخل على عمق ضئيل يبلغ 0.5 إلى 1 سنتيمتر، وتُنقل الشّتلات إلى الخارج متى بلغ طولها 10 إلى 15 سنتيمتراً. وتستلزم العناية بها ريّاً معتدلاً ومنتظماً يتجنّب غمر الجذور بالماء لتفادي تعفّنها. ثمّ تُحصد الثّمار يدويّاً بعد 70 إلى 95 يوماً من الزّراعة، وتشتدّ حرارتها اللّاذعة كلّما طالت فترة بقائها على الشّجيرات. وتحقّق هذه الزّراعة عوائد اقتصاديّة مجزية للمزارعين في اليمن، لضخامة الطّلب عليها في الأسواق المحلّيّة لتسويقها طازجة أو مجفّفة أو مطحونة.

التّأصيل اللّغويّ والمفارقة في تسمية البسباس
يطرح التّأصيل اللّغويّ لتسمية اليمنيّين للفليفلة الحارّة باسم البسباس (مثل البسباس الحيميّ والبسباس العدنيّ) مفارقة لغويّة ونباتيّة لافتة. ففي المعجمات العربيّة القديمة، وكما هو شائع في بلاد الشّام والمغرب العربيّ، يُطلق اسم البسباس على نبتة الشّمر الحلوة ذات الرّائحة العطريّة، المنتمية إلى الفصيلة الخيميّة Apiaceae مثل الكرفس والبقدونس والشّبت. ويُطلق أيضاً على البسباسة Mace، وهي القشرة الشّبكيّة المحيطة بجوزة الطّيب.
كيف ولماذا استعار اليمنيّون هذا الاسم وأطلقوه على الفليفلة الحوليّة المنتمية إلى فصيلة الباذنجانيّات Solanaceae الوافدة من البرازيل وأمريكا الوسطى؟
نجد الإجابة في تتبّع تاريخ التّوابل في الجزيرة العربيّة. فقبل اكتشاف الأمريكيتين، كان التّابل الحارّ الأهمّ في الطّبّ والمطبخ العربيّ هو الفلفل الطّويل الهنديّ، الّذي عرفه العرب باسم دار فلفل. وتبيّن المعجمات والمصادر الطّبّيّة القديمة إطلاق أهل اليمن اسم البسباس في لهجتهم على هذا الفلفل الطّويل تحديداً.
امتلك هذا الفلفل خصائص حراريّة عالية ناتجة عن مركّب الپيپرين Piperine بنسبة تصل إلى 7.7 بالمئة. واستُعمل بكثافة في الطّبّ الآيورفيديّ والطّبّ العربيّ عقاراً مجفّفاً للرّطوبات، ومنشّطاً للدّورة الدّمويّة، ومسكّناً لآلام المفاصل، وعلاجاً لأمراض الجهازين التّنفّسيّ والهضميّ.
إثر وصول الفليفلة الحوليّة Capsicum إلى موانئ اليمن في القرن 16 م / 10 هـ بخصائصها الحراريّة النّاتجة عن مركّب الكاپسيسين Capsaicin، وجد اليمنيّون أثرها الطّبّيّ والفسيولوجيّ مشابهاً تماماً لأثر البسباس القديم (الفلفل الطّويل). بل تفوّقت الفليفلة في استيطانها بسهولة زراعتها محلّيّاً، وغزارة إنتاجها، ورخص ثمنها.
نقل اليمنيّون الاسم المحلّيّ للتّابل الحارّ القديم (البسباس) وأطلقوه على التّابل الحارّ الجديد الوافد، جرياً على عادة الشّعوب في الاستعارة الدّلاليّة عند استيعاب نباتات جديدة. وجاء هذا النّقل اعترافاً بفاعليّة الفليفلة الحارّة مضادّاً حيويّاً ومضادّاً للأكسدة وداعماً للمناعة، ليدمجوها بذلك في نسقهم المحلّيّ.
أمّا كلمة فلفل، فتعود في أصلها إلى الكلمة الآراميّة پِلپُول الّتي تعني كرات صغيرة، وفصيحها پُلپُل. وكانت دخلت هذه الكلمة من اللّغات جنوب الآسيوية مثل السّنسكريتيّة بصيغة پِپّالِ. لذا، عند قراءة كلمة فلفل في كتب الطّبخ البغداديّة أو الأندلسيّة التّاريخيّة المؤلّفة بين القرنين 9 و 13 م / 2 و 7 هـ، يكون المقصود بها حصراً الدار فلفل، وليس الفليفلة الأمريكيّة على الإطلاق.

هندسة التّصنيع الغذائيّ وتطوّر المنتجات الإقليميّة
تحوّلت ثمرة الفليفلة الطّازجة بفضل هندسة التّصنيع والتّجفيف العربية إلى سلعة استراتيجيّة تقبل التّداول. وتطوّرت منتجات إقليميّة موحّدة صُمّمت خصّيصاً لتلبّي رغبات الأسواق. فابتكر المزارعون والتّجّار في مناطق شمال سوريا وجنوب تركيا تقنيّة معالجة فريدة ومعقّدة للفليفلة الحلبيّة.
شملت هذه التّقنيّة قطف الثّمار متى بلغت اللّون العنّابيّ الغامق الدّالّ على نضجها التّامّ، ثمّ إزالة البذور والأغشية الدّاخليّة البيضاء بعناية فائقة. وهدف هذا الإجراء إلى ضمان بلوغ مستوى حرارة معتدل يُقدّر بحوالي 10000 وحدة على مقياس سكوفيل، ليرضي أذواق سكّان المدن ولا يطغى على نكهة الطّعام.
تُجفّف الثّمار جزئيّاً تحت أشعّة الشّمس، ثمّ تُطحن بخشونة لتشكّل رقائق. وتُفرك هذه الرّقائق بالملح وزيت الزّيتون في تدخّل كيميائيّ يحافظ على رطوبتها الدّقيقة، ويثبّت لونها الزّاهي، ويمنع تأكسد زيوتها الطّيّارة وفسادها خلال الرّحلات التّجاريّة الطّويلة عبر طريق القوافل. وهكذا غدا “فلفل حلب”، أو “پول بيبر” التّركيّ، أو “السوط” (إيسوت)، البديل المباشر والأكثر غنى للفلفل الأسود في المطبخ العثمانيّ والشّاميّ. وحرص التّجّار الحلبيّون على تعبئة هذا المنتج المبتكر في أوعية فخّاريّة محكمة الإغلاق أو أكياس قماشيّة سميكة.
صارت هذه الرّقائق المائلة للرّطوبة، والمشبعة بالزّيت والملح، عنصراً لا غنى عنه في المطبخ الشّاميّ. إذ تُرشّ على أطباق المزّة مثل الحمّص المطحون والمتبّل والبابا غنّوج، وتدخل في تتبيل الكفتة والشّاورما. وتشكّل أساساً لتحضير المحمّرة، وهي تغميسة الفليفلة والجوز الشّهيرة، ودبس الفليفلة الّذي ينفرد به مطبخ شمال سوريا وجنوب تركيا. وتملك الفليفلة الحلبيّة نكهة فاكهيّة غنيّة تحمل إيحاءات تشبه الكمّون، والكرز المجفّف، والبندورة المجفّفة تحت الشّمس.
دمج الأندلسيّون في الوطن القبليّ التّونسيّ الفليفلة الأمريكيّة مع قاعدة التّوابل القديمة السّائدة في المنطقة قبل عام 1492 م / 897 هـ، وشملت الثّوم، وزيت الزّيتون، والكزبرة، والكراوية، والكمّون. وتضمّنت عمليّة الإنتاج التّقليديّة في مدينة نابل تجفيف الفليفلة بالكامل تحت الشّمس على الأسطح، ثمّ إزالة بذورها وطحنها يدويّاً في المهراز وسحقها لإنتاج معجون الهريسة التّونسيّة الكثيف.
احتمى هذا المعجون من التّأكسد والتّلف بفضل خواصّ الكاپسيسين المضادّة للميكروبات وعزله بزيت الزّيتون. وتحوّلت الهريسة إلى مؤونة أساسيّة قابلة للتّخزين طوال العام دون حاجة للتّبريد. وتُستعمل الهريسة تغميسةً يوميّةً مع الخبز وزيت الزّيتون، ومكوّناً أساسيّاً لتتبيل الكسكس، واليخنات، وأطباق الأسماك، وعجّة المرقاز، وهي البيض المسلوق بصلصة البندورة الحارّة والنّقانق.
ارتبط ظهور معجون السّحاوق في اليمن بالتّجّار اليهود اليمنيّين، وبموقع البلاد الاستراتيجيّ على طريق التّوابل في البحر الأحمر. إذ سُحِقت الثّمار الطّازجة أو المجفّفة مباشرة مع الثّوم، والكزبرة، والكمّون، والملح، وأحياناً البندورة وعصير اللّيمون باستعمال الهاون التّقليديّ أو الساحوق. ويُقدّم السّحاوق صباغاً حارّاً يضاف إلى السّلتة، وهي الطّبق الوطنيّ اليمنيّ، ويزيّن اللّحوم المشويّة وتتبيلات الدّواجن.
يُصنّف البسباس الحيميّ أجود الأنواع وأكثرها شهرة، ويسمّيه الأهل هناك “الجهنّميّ” لشدّة حرارته وطعمه اللّاذع الّذي يُقاس بملايين وحدات سكوفيل. ويُخلط هذا البسباس مطحوناً في بعض الأحيان مع بزورات مثل الكاجو والفول السّودانيّ واللّوز، وتُضاف إليه بذور الكمّون المحمّصة والزّعتر الأخضر المجفّف لإنتاج خلطة توابل تفتح الشّهيّة. أمّا البسباس العدنيّ، فيتميّز بلون أحمر عميق وحرارة أقلّ حدّة، ويُعالج تقليديّاً بنقعه في الماء ساعات أو غليه حتّى يطرى، ثمّ يُعصر ويُستعمل معجوناً أساسيّاً يضفي لوناً ونكهة عميقة على أطباق الأرزّ واليخنات.
أدخل العثمانيّون الفليفلة إلى قلب إمبراطوريّتهم في أوروپّا، المجر والبلقان. وسُمّيت النّبتة في القواميس المجريّة القديمة بداية القرن 17 م / 11 هـ باسم فلفل الأتراك Török-bors. وخضع النّبات لانتخاب سلالات زراعيّة غير حرّيفة عبر الأجيال، لإزالة الحرارة اللّاذعة بالكامل واستخلاص اللّون الأحمر الزّاهي والحلاوة، لتلبية ذائقة المستهلك الأوروپّيّ غير المعتاد على الحرارة العالية. وأنتج التطوير توابل الپاپريكا Paprika الحلوة الّتي طُحِنت مسحوقاً ناعماً، ودخلت في صميم الأمن الغذائيّ والوجبات القوميّة المجريّة مثل مرق الگولاش، لتضفي لوناً ونكهة غنيّة تغني عن التّوابل المستوردة.

محرّكات الطّلب العضويّ في الإمبراطوريّة العثمانيّة
يبرهن التّحليل التّاريخيّ والاقتصاديّ المعمّق ولادة التّحوّل الزّراعيّ والغذائيّ الهائل في القرن 16 م / 10 هـ من رحم تحالف استراتيجيّ دمج بين الإمبراطوريّة الماليّة لآل ناسي وشبكات الشّتات الأندلسي، وبين الآلة العسكريّة واللّوجستيّة للإمبراطوريّة العثمانيّة. إذ وفّر هذا التّحالف طرق المرور الآمنة لتستوطن الفليفلة في أراضٍ متباعدة، مثل حلب واليمن وتونس، في وقت متزامن. ودعم الرغبة بمنافسة الإمبراطوريّات الإسپانية والپُرتغالية بدعم منتجات الاكتفاء الذاتي.
تضافرت ثلاث محرّكات أساسيّة لخلق هذا النّجاح الزّراعيّ:
شكّلت الآلة العسكريّة واللّوجستيّة العثمانيّة المحرّك الأوّل، لاحتياجها الدّائم إلى مؤن عسكريّة رخيصة لا تفسد، لتسيير جيوش جرّارة وأساطيل بحريّة ضخمة امتدّت عمليّاتها من المحيط الهنديّ والخليج العربيّ إلى وسط أوروپّا وشرقها.
التقت هذه الحاجة الاستراتيجيّة مباشرة مع المحرّك الثّاني، المتمثّل في طموحات عائلة ناسي والنّخب الاستثماريّة السّفارديّة الّتي موّلت مشاريع زراعيّة ضخمة. إذ أدرك آل ناسي، بالتّعاون مع الخبراء الأندلسيّين، استحالة زراعة كرمة الفلفل الأسود في أراضي السّلطنة لأسباب مناخيّة، فوجّهوا أموالهم نحو الفليفلة الحوليّة بوصفها استثماراً زراعيّاً سريع العائد يُزرع ويُحصد في الموسم نفسه خلال 90 يوماً، ويعطي غلّة وفيرة من الأراضي شبه الجافّة.
أنتجت مزارع آل ناسي فليفلة معالجة شكّلت حلّاً مثاليّاً لجيوش السّلطنة، لامتلاك مركّب الكاپسيسين Capsaicin خصائص مضادّة للبكتيريا والميكروبات. فجعلت هذه الخصائص الفليفلة مادّة ممتازة لحفظ اللّحوم وصناعة النّقانق المجفّفة، مثل المرقاز في المغرب العربي، والسّجق والبسطرمة في الأناضول، لتتحمّل رحلات الجيوش الطّويلة دون تلف.
شكّل القادة العسكريّون والولاة العثمانيّون شبكة التّوزيع الفاعلة لمنتجات الشّتات الأندلسيّ بين الإيالات\الولايات. ومن أمثلة ذلك شخصيّة سنان باشا الّذي قاد حملات اليمن وتولّى ولاية دمشق، فأسّس بتنقّلاته الكثيفة بيئة خصبة لتبادل المحاصيل استناداً إلى تحرّكات الجيوش اللّوجستيّة الّتي استهلكت هذا الإنتاج بكميّات هائلة.
تزامن هذا التّكامل العسكريّ الماليّ مع المحرّك الثّالث، وهو حاجة الطّبقات الكادحة إثر النّموّ الدّيموغرافيّ الحضريّ المرافق لدخول المنطقة مرحلة العصر الجليديّ الصّغير LIA أواخر القرن 16 م / 10 هـ. إذ جلب هذا العصر فترات من الجفاف الشّديد والبرد القارس، وسبّب مجاعات وتمرّدات مثل تمرّدات الجلاليّين في الأناضول.
اعتمد الأمن الغذائيّ حينها كلّيّاً على أطباق الحبوب الرّخيصة والنّشويّات، مثل جريش القمح والبرغل والسميد والبقوليّات. واحتاج النّاس إلى محسّنات نكهة قويّة تجعل هذا الطّعام مستساغاً ومُشبعاً، فعوّضت الفليفلة الارتفاع الفاحش في أسعار الفلفل الأسود والبهارات المستوردة.
صارت الفليفلة منقذاً غذائيّاً يمنح إحساساً زائفاً بحرارة اللّحوم الدّسمة، أو ما سُمّي لحم الفقراء. ويحدُث هذا بفضل خداع مستقبلات الألم TRPV1 في الفم، وتحفيز إفراز الإندورفين في الدّماغ لتعزيز الشّعور بالسّعادة ومقاومة الاكتئاب، إلى جانب المساعدة في تحسين الهضم. وتحقّق كلّ ذلك بتكلفة إنتاج محلّيّة رخيصة، وفّرتها رعاية التّجّار الأندلسيّون لزراعة الفليفلة ومعالجتها داخل أراضي السّلطنة، وتجاوزهم الحصارات البحريّة الّتي فرضها الأسطول الپُرتغاليّ في المحيط الهنديّ.

العولمة الزّراعيّة وإرث المواءمة المناخيّة
يثبت التّحليل الدّقيق للمناخ والتّاريخ والاقتصاد، تجاوز مسألة جلب الفليفلة إلى البلدان العربيّة فكرة النّقل البسيط لنبتة جديدة، ليشكّل استيراداً لتقنيّة تصنيع واستدامة متكاملة.
تفسد الفليفلة الطّازجة بسرعة، ولن تصمد في القوافل التّجاريّة أو تجد سوقاً لولا المعالجة الذّكيّة الّتي ابتكرت الطّلب عليها. معالجة بُنيت على تقنيات ميراث قرون من المنتجات الغذائية المماثلة في المنطقة العربية. وحوّلت هذه المعالجة ثمرة سريعة التّلف إلى سلع تجاريّة عابرة للحدود، مثل فلفل حلب، والهريسة التّونسيّة، والپاپريكا المجريّة.
أدّت الإمبراطوريّة العثمانيّة دور الحاضنة الاستثماريّة للأموال المهاجرة. ووفّرت ملاذاً آمناً لعائلات ماليّة كبرى، ممّا أنقذ الدّولة من الانهيار الاقتصاديّ إثر سيطرة الپُرتغاليّين على طرق التّوابل الشّرقية. وعمل هؤلاء المهجّرون وسطاء معرفة (سماسرة معرفة)، فنقلوا أسرار الزّراعة وبذور العالم الجديد ليطبّقوها محلّيّاً، في واحدة من أقدم صور العولمة الزّراعيّة والتّجاريّة الموثّقة.
أدرك المزارعون العثمانيّون والأندلسيّون أهمّيّة المناخ لنجاح زراعتهم، فأجروا مسحاً مناخيّاً مدروساً قبل استزراع الفليفلة. واعتمدوا في ذلك على علوم زراعيّة قيّمة، لترشدهم إلى طرق فحص التّربة واختيار البذور الملائمة. ونتج عن هذا التّخطيط الدّقيق تطابق مناخيّ مذهل بين موطن النّبتة الأصليّ في وادي تيواكان Tehuacán بالمكسيك، والمناطق الجديدة الّتي استوطنتها في تونس سوريا وتركيا واليمن.
ينسف هذا التّسلسل الخرافة القائلة بتغيّر الطبيخ المشرقيّ بمحض الصّدفة. فما حدث كان تخطيطاً استراتيجيّاً دقيقاً، جمع بين دراسة المناخ، ورغبة المستثمرين في إنتاج سلع تلبّي حاجة النّاس والجيش المتصاعدة، وتنافس الاحتمار الهسپاني. هكذا، وبفضل هذا التّخطيط، تحوّلت نبتة أجنبيّة غريبة إلى ركيزة أساسيّة في الهويّة الغذائيّة والاقتصاديّة العربية.
مصادر ومراجع
- Multiple lines of evidence for the origin of domesticated chili pepper, Capsicum annuum, in Mexico — https://pnas.org/doi/10.1073/pnas.1308933111
- Interdisciplinary insights into the cultural and chronological context of chili pepper domestication in Mexico — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11588045/
- Tracing Back the History of Pepper (Capsicum annuum) in the Iberian Peninsula from a Phenomics Point of View — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9699223/
- Precolumbian use of chili peppers in the Valley of Oaxaca, Mexico — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC1924538/
- Prehispanic Use of Chili Peppers in Chiapas, Mexico — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3827288/
- Capsaicin (TRPV1 Agonist) therapy for pain relief: farewell or revival? — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/18209521/
- Capsaicin: TRPV1-independent mechanisms and novel therapeutic possibilities — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32763303/
- Capsaicin and TRPV1 Channels in the Cardiovascular System: The Role of Inflammation — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/35011580/
- Capsaicin, The Vanilloid Receptor TRPV1 Agonist in Neuroprotection: Mechanisms Involved and Significance — https://link.springer.com/article/10.1007/s11064-023-03983-z
- Integrating TRPV1 Receptor Function with Capsaicin Psychophysics — https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1155/2016/1512457
- TRPV1: A Potential Drug Target for Treating Various Diseases — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4092862/
- Activity-dependent targeting of TRPV1 with a pore-permeating capsaicin analog — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3100990/
- Capsaicin, Nociception and Pain — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/27322240/
- Transient receptor potential vanilloid 1 as a therapeutic target — https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/23421411/
- Hot genes and hot tropics — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4861191/
- The Origin and Evolution of Cultivated Capsicum — https://link.springer.com/book/10.1007/978-1-4615-1545-0%5B^3]
- Chiles: History, cultivation and uses — https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/B9780080408282500168





اترك رد