زراعة تتحدّى الجفاف والتّربة المنهكة، و أمن غذائيّ بأقلّ التّكاليف، و مرونة الاستخدام في المطبخ العربيّ! أتمنّى رؤية هذه النبتة تنمو وتنتشر في الأراضي السّوريّة وعموم الشرق الأوسط.
سبب أمنيّتي برؤية هذه النبتة تملأ الأراضي السّوريّة وعموم الشّرق الأوسط، ينبع من حاجة ملحّة لإنقاذ أمننا الغذائيّ. إذ نختبر اليوم واقعاً زراعيّاً ومعيشيّاً قاسيّاً، تتوالى فيه مواسم الجفاف، وتشحّ المياه، وتتراجع خصوبة التّربة، وتغلو أسعار الطّعام لتثقل كاهل المواطن السّوريّ.
تأتي هذه النّبتة لتطرح حلّاً جذريّاً وضروريّاً يضمن طعاماً غنيّاً ومجّانيّاً لكلّ أسرة. نبتة تنمو بسهولة في الصحراء وفي أفقرة تربة. وما يميّز هذه النّبتة هو عطاؤها المطلق الّذي نستهلكه بالكامل دون أيّ هدر؛ نطبخ أوراقها الخضراء خضار طازجة، ونجمع بذورها الوفيرة لنصنع منها دقيقاً نخبز به خبزنا اليوميّ أو نأكلها شُربة أو معجّنات.

والأجمل من ذلك كلّه هو استدامتها الذّاتيّة، فزراعتها مرّةً واحدة تكفي لجعلها تعيد إنبات نفسها موسماً تلو الآخر من بذورها المتساقطة، دون الحاجة لشراء بذور جديدة أو دفع تكاليف إضافيّة. نبتة كريمة تنجو في أقسى الظّروف، ويمكن زراعتها بسهولة حتّى في حديقة المنزل الخارجيّة وتأمين احتياجها المائيّ عبر نظام ريّ بسيط كالتّنقيط، لتكون درعاً غذائيّاً يحمي موائدنا من صدمات الغلاء ونقص الغذاء.
هذه النبتة هي القُطَيفة Amaranth. وزراعتها ستضمن للأسرة السّوريّة طعاماً يوميّاً غنيّاً بالبروتين والمعادن بتكلفة بسيطة جدّاً، وتحمي مائدتها من صدمات الغلاء ونقص الغذاء، وتمنح في الوقت نفسه الفلّاح خياراً زراعيّاً مريحاً لا يكبّده مصاريف ماليّةً ضخمةً ليبدأ به.

غذاء الفضاء وتاريخ عريق من الصّمود
حبوب القُطَيفة Amaranth متكاملة غذائيّاً لدرجة أنّ الإدارة الوطنيّة للملاحة الجوّيّة والفضاء NASA اختارتها لتكون واحدةً من بين محاصيل قليلة قادرة على استدامة حياة البشر في الفضاء. تحوي هذه الحبوب بروتيناً لكلّ غرام أكثر ممّا يحويه لحم البقر، وكالسيوم أكثر من الحليب، وحديداً أكثر من السّبانخ.
وهي الحبوب الوحيدة على كوكب الأرض الّتي توفّر جميع الأحماض الأمينيّة الأساسيّة الـ 9 في بذرة واحدة. كما أنّ منظّمة الأغذية والزّراعة للأمم المتّحدة FAO راجعت كلّ محصول حبوب في العالم، واستنتجت تفوّقها في محتواها البروتينيّ وجودتها على كلّ الحبوب التّقليديّة الموجودة.
أطعمت هذه الحبوب إمبراطوريّات طوال 6500 عام. وزوّدت محاربي أعرق الحضارات في الأمريكتين بالطّاقة. واعتمد عليها ملايين الأشخاص في اثنتين من القارّات مصدر غذائيّ رئيس. بعد ذلك، وفي عام 1521 م \ 927 هـ، أمر جنرال إسبانيّ بحرق كلّ حقل يزرعها. وفرض عقوبة الإعدام على أيّ شخص يُقبض عليه زارعاً لها، أو حائزاً عليها، أو حتّى حافظاً لبذورها. وحُرمنا منها منذ ذلك الحين.

النّجاة في أقسى الظّروف الطّبيعيّة
تبدأ قصّتنا في وادي تيواكان كويكاتلان Valle de Tehuacán-Cuicatlán في المكسيك، قبل ولادة إيرنان كورتيس Hernán Cortés بستّ ألفيّات ونصف الألفية. كان أسلاف شعب پوپولوكا Popoloca يدجّنون المحاصيل في تربة رقيقة وجافّة تراها الزّراعة الحديثة عديمة القيمة تماماً. كانوا يزرعون الصحراء!
كانوا يختارون بين ما ينجو وما يهلك. وفي تلك الطّبيعة القاسية، فعلت نبتة واحدة شيئاً عجز عنه أيّ محصول آخر. إذ نمت في الجفاف. ونمت في الحرارة. ونمت في تربة فقيرة جدّاً لدرجة أنّها تقتل القمح. استطاعت نبتة واحدة إنتاج ما يصل إلى 60 ألف بذرة.
ويمكن طحن تلك البذور لتصبح دقيقاً، أو فرقعتها، أو غليها لتصبح عصيدةً، أو ضغطها في كعكات، أو تخميرها لتصبح مشروباً، أو أكلها نيّئةً بملء اليد. ويمكن طبخ الأوراق خضروات بين مواسم الحصاد. لا شيء يضيع هباءً. ولا شيء يتطلّب إعادة زراعة. موسماً تلو الآخر، يعطي الحقل ذاته غلّته.

إرث عالميّ عبر الحضارات
أطلق عليها شعب پوپولوكا اسم هواوتلي Huautli. وبحلول وقت صعود إمبراطوريّة الآزتيك للسّيطرة على أمريكا الوسطى، احتلّت هواوتلي مكانةً إلى جانب الذّرة والفاصولياء واحدة من الرّكائز الأساسيّة الثلاث للحضارة. ليست مكمّلاً، وليست محصولاً فاخراً، بل متن الأساس.
في لغة ناواتل Nahuatl، لا يمكن تتبّع الاسم إلى أيّ كلمة جذر أخرى. تقف الكلمة منفردةً تماماً لأنّ النّبتة وقفت منفردةً. ولم يوجد شيء آخر لمقارنتها به. استقبلت عاصمة الآزتيك ما يقارب 20 ألف طنّ منها سنويّاً جزية من 17 مقاطعةً مهزومةً. ومشى الحمّالون مسافةً تصل إلى 30 ميلاً في اليوم على طول طرق حجريّة مرتفعة لتسليمها. ومن حيث الحجم الصّافي، ساوت الجزية تقريباً جزية الذّرة. استهلكها 200 ألف شخص خلال مهرجان پانكيتزاليستلي Pánquetzaliztli السّنويّ وحده.
وفي الحقبة ذاتها تماماً، وعبر جبال الأنديز في ما يعرف الآن باسم پيرو، زرعت الإنكا صنفها الخاصّ. وأطلقوا عليه اسم كيويچا Kiwicha. قارّة مختلفة، وحضارة مختلفة، وزراعة مستقلّة تماماً. ووصلوا إلى النّبتة ذاتها تماماً عبر مسارات مختلفة كليّاً.
واليوم، في مناطق جبال الهيمالايا في الهند، أطلقت المجتمعات الّتي تزرعها على ارتفاعات شاهقة عليها اسم رامدانا रामदाना. ليكون المعنى الحرفيّ “حبّة الإله”. لم يسمّها قسم تسويق. بل سمّاها النّاس الّذين أكلوها لأجيال وفهموا تماماً ما تفعله لأجسادهم. وفي منطقة الكاريبي، طُبخت أوراقها وأُكلت لقرون تحت اسم يعيش في المطابخ من جامايكا إلى ترينيداد حتّى يومنا هذا. يسمّونها كالالو Callaloo.
تغيّر الاسم مع عبورها المحيطات. لكنّ المعرفة داخل الورقة لم تتغيّر.أربع حضارات، تفصل بينها محيطات وسلاسل جبليّة، تلتقي بشكل مستقلّ على النّباتة ذاتها تماماً. وكانوا جميعاً على صواب. واليوم أتمنّى أن تنضمّ الحضارة العربية إلى هذه الأربع لتكون الخامسة، استفادة من ذات القيمة العليا.

التّركيبة الغذائيّة الفريدة ومركّب السّكوالين
القيمة الغذائيّة لنبات القُطَيفة واضحة ومثبتة. إذ يمنح كوب واحد من القُطَيفة المطبوخ 9 غرامات من البروتين الكامل، وهو البروتين الّذي يضمّ جميع الأحماض الأمينيّة الّتي لا يستطيع الجسم تصنيعها بمفرده. في المقابل، يعطي لحم البقر الكميّة ذاتها تقريباً، لكن بتكلفة إنتاج تزيد 10 أضعاف استهلاكاً للأرض والمياه والطّاقة.
تتفوّق القُطَيفة على معظم الحبوب باحتوائها على 3 أضعاف الكالسيوم للغرام الواحد، وتضمّ حديداً يفوق ما يحويه السّبانخ، وهي الحبوب الوحيدة الّتي تقدّم كمّيّةً ملموسةً من ڤيتامين Vitamin C. وتتوازن تركيبتها البروتينيّة تماماً لدرجة دفعت الباحثين لوصفها بأقرب بروتين نباتيّ يماثل حليب الأمّ البشريّ. وحين أقرّت الأمم المتّحدة بتفوّقها على جميع الحبوب التّقليديّة، كان ذلك تصنيفاً علميّاً رسميّاً وليس مجاملةً لغويّةً.
تنفرد القُطَيفة بمركّب غائب عن بقيّة الحبوب يدعى سكوالين Squalene. وهو دهن يفرزه الكبد طبيعيّاً لتنظيم الكوليسترول وحماية أغشية الخلايا، ويتراجع هذا الإنتاج مع التّقدّم في العمر. تبيعه شركات المكمّلات الغذائيّة في كبسولات مستخرجة غالباً من كبد أسماك القرش بأسعار تتراوح بين 30 و 60 دولاراً للزّجاجة الواحدة. وتوظّف شركات التّجميل سكوالين أسماك القرش مرطّب فاخر، ممّا يدفع أساطيل الصّيد لاصطياد هذه الأسماك في أعماق البحار لاستخراجه خصّيصاً.
وهنا تتجلّى أهمّيّة بذور القُطَيفة، فهي تختزن أعلى تركيز من السّكوالين بين جميع النّباتات البرّيّة على وجه الأرض، وتستخلصه من الأرض مباشرةً، دون الحاجة لاصطياد سمكة قرش واحدة أو دفع دولار واحد. لم يعرف شعب الآزتيك مصطلح سكوالين Squalene، لكنّهم أدركوا منافع النّبتة، وبنوا عليها حضارةً كاملةً.

الحظر الإسبانيّ ومحاولات طمس التّاريخ
لعلّك تتساءل الآن عن السّبب الّذي حرمنا من هذه النّبتة ومنع وصولها إلى موائدنا قبل اليوم، في حين وصلتنا محاصيل أميركا الأخرى، مثل البندورة والبطاطا والفليفلة والذرة الصفراء. الإجابة تكمن في التّاريخ.
لم يرَ شعب الآزتيك في نبتة القُطَيفة طعاماً يملأ البطون فحسب، بل رفعوها إلى مرتبة التّقديس. ففي مهرجان پانكيتزاليستلي Pánquetzaliztli السّنويّ، اعتاد الكهنة طحن بذورها ومزجها بالعسل، وأحياناً بدماء الأضاحي، ليصنعوا عجينةً سمّوها تسوالي tsowali، وشكّلوا منها تماثيل لآلهتهم. كانوا يطوفون بهذه التّماثيل في شوارع العاصمة، ويعرضونها في المعابد الكبرى، ليكسروها بعدها ويتقاسمها عشرات الآلاف من المصلّين في مشهد جماعيّ لأكل طعام مقدّس.
وحين وطئت قدما إيرنان كورتيس Hernán Cortés مدينة تينوچتيتلان Tenochtitlan عام 1519 م \ 925 هـ، راقب هذه المراسم بعين الرّجل الكاثوليكيّ الّذي نشأ على سرّ الإفخارستيّا Eucharist، وهو السّرّ الأعظم في عقيدته الّذي يتناول فيه المؤمنون الخبز والخمر رمزيّاً جسد ودم المسيح. أزعجه التّشابه الكبير؛ فهنا أيضاً عجينة من الحبوب تُشكّل على هيئة إله، وتُؤكل جماعيّاً تعبّداً لإله ترفضه كنيسته، وفوق ذلك كلّه ممزوجة بالدّماء.

دوّن الرّاهب الإسبانيّ بيرناردينو دي ساهاگون Bernardino de Sahagún تفاصيل هذه المراسم بدقّة في مخطوطة فلورنسا Florentine Codex، الّتي توثّق حضارة الآزتيك، لكنّه لم يكن محايداً أبداً. رأى في هذه الشّعيرة سخريةً واضحةً من الإفخارستيّا، وشاركته قياداته الرّأي بوصفها تقليداً شيطانيّاً. ووثّقوا هذا التّهديد الرّوحيّ صراحةً بخطّ أيديهم في نصوص ما تزال محفوظةً في مكتبة في فلورنسا حتّى اليوم.
كتب الغزاة سبب قرارهم بوضوح: يجب أن تزول هذه الحبوب لأنّها تمثّل الشّعيرة، والشّعيرة تعني المقاومة. ولهذا، وبعد الفتح عام 1521 م \ 927 هـ، منعت السّلطات الاستعماريّة الإسبانيّة زراعة القُطَيفة واستخدامها الشّعائريّ منعاً باتّاً. أضرموا النّار في الحقول، وصادروا البذور وأتلفوها، وأنزلوا أشدّ العقوبات بالمزارعين.
لم يصدر هذا المنع لتنظيم الزّراعة أو حرصاً على سلامة الغذاء، بل كان خطّةً متعمّدةً لمحو الهويّة الفكريّة، وعزل شعب الآزتيك عن الجذور المادّيّة لممارساتهم الرّوحيّة. لم يكتفوا بقتل النّبتة، بل أرادوا قتل الرّمز الّذي تمثّله. وبهذا التّصرّف، حرموا العالم من أكثر الحبوب قيمةً غذائيّةً في الأمريكتين. كورتيس لم يسقط إمبراطوريّة الآزتيك عسكريّاً فحسب، بل أحرق طعامها، والذّنب الوحيد لهذه الحبّة أنّها ذكّرته بسرّ التّناول المسيحيّ.

البقاء في الظّلّ وملاذ الفقراء
لكنّ هذا المنع لم يدم للأبد. ففي القرى الجبليّة النّائيّة في پويبلا Puebla، وموريلوس Morelos، وواهاكا Oaxaca، خبّأت العائلات بذورها، وزرعوها في مساحات صغيرة مخفيّة عن الأعين. وتناقلوا أسرار زراعتها بهدوء بين الأجيال، تماماً كما يتناقل النّاس الأشياء الممنوعة خفيةً خوفاً من الرّقابة.
وأخيراً، أنهى قادة الاستقلال في المكسيك هذا المنع الرّسميّ عام 1810 م \ 1225 هـ، بعد مرور 300 عام تقريباً على قرار كورتيس. 300 عام بالتمام والكمال! وخلال هذه القرون الثلاث، غيّرت الزّراعة الأوروبّيّة وجه الأمريكتين بالكامل، لتدور عجلة الحياة حول القمح، والأرزّ، والماشية المستوردة. وتأسّست بنية الغذاء التّحتيّة، من أسواق، ومطاحن، وطرق تجارة، لتخدم هذه المحاصيل الدّخيلة حصراً.
لهذا السّبب، لم تجد نبتة القُطَيفة، حتّى بعد أن أصبح زرعها مسموحاً، أيّ نظام زراعيّ يحتضنها لتعود إليه. فنجت في بقع زراعيّة معزولة، وأطعمت الفقراء في قرى لا تملك خياراً غيرها. ولم ينظر إليها أحد وقتها طعام خارق، بل طعام للفقراء، وطعام الفقراء لا يغري أصحاب الأموال بالاستثمار.
ومع حلول القرن 20، غابت نبتة القُطَيفة تماماً عن واجهة علوم التّغذية الحديثة. وبقيت تنمو بصمت في المكسيك، وجبال الأنديز، وجبال الهيمالايا، وأجزاء من إفريقيا وصلتها قبل قرون، لكنّها اختفت من موائد أيّ شخص يملك مالاً يكفي ليختار طعاماً آخر.

إعادة الاكتشاف العلميّ وتناقضات التّسويق الحديث
تغيّر الحال في سبعينيّات القرن 20، حين قرّر عالم نبات في جامعة ميشيگان Michigan يُدعى جون روبسون John Robson أخذ حفنة من هذه البذور لتحليلها غذائيّاً. جاءت النّتائج مذهلةً لدرجة صدمت فريق بحثه؛ إذ وجدوا بروتيناً كاملاً، ومحتوى معدنيّاً استثنائيّاً، ونسباً من مركّب سكوالين Squalene لا يُتوقّع وجودها في أيّ نبتة برّيّة، إلى جانب تركيبة من الأحماض الأمينيّة تتفوّق على ما يحويه القمح والأرزّ والذّرة مجتمعةً.
سارع روبسون لنشر هذه النّتائج، ليبدأ معهد روديل Rodale Institute بتجارب زراعيّة عليها. ومع أوائل ثمانينيّات القرن 20، عاد العلم الغربيّ ليكتشف نبتة القُطَيفة بهدوء، لتُصنّف في الأبحاث العلميّة الموثّقة واحدة من أكثر المحاصيل الواعدة والّتي لم تُستغلّ كما يجب في العالم. ووصل الأمر إلى أن ضمّتها الإدارة الوطنيّة للملاحة الجوّيّة والفضاء NASA إلى قائمتها القصيرة جدّاً للمحاصيل المخصّصة لرحلات الفضاء الطّويلة.
برغم كلّ هذا الزّخم، لم تأخذ هذه النّبتة مكانها الطّبيعيّ طعام يوميّ متاح للجميع. فالحبوب الّتي ساندت الحضارات في نهوضها بعد كلّ كارثة على مدار ست ألفيّات، أصبحت فجأةً تُباع في أكياس صغيرة داخل متاجر الأغذية الصّحّيّة، واستهدفت تسويقيّاً طبقةً تتناول طعاماً جيّداً في الأساس، ليبلغ سعر الرّطل الواحد منها 12 دولاراً بوصفها منتجاً نادراً وخاصّاً. هكذا، وفي الوقت الّذي كان فيه سكّان القرى الجبليّة يدفعون بنسات قليلةً لشرائها طوال 3 قرون، كان من أعادوا اكتشافها في بروكلين Brooklyn يدفعون مبالغ حوّلتها إلى سلعة فاخرة.
في الحقيقة، لم ينتهِ التّهميش الّذي بدأ عام 1521 م \ 927 هـ، بل أخذ شكلاً مختلفاً. فالزّراعة الصّناعيّة الحديثة لا تملك البنية التّحتيّة اللّازمة للتّعامل مع نبتة القُطَيفة؛ فبذورها متناهية الصّغر وتحتاج إلى معدّات حصاد خاصّة، ونضوجها لا يحدث في وقت واحد ضمن المحصول الواحد، كما أنّ مطاحن الحبوب التّقليديّة تعجز عن طحنها دون تعديلات مكلفة. أضف إلى ذلك غياب نظام تسعير عالميّ لها سلعة أساسيّة، وانعدام برامج الدّعم الحكوميّ، وعدم وجود سلسلة موحّدة لتوريد بذورها. لتكون النّتيجة القاسية: ما أحرقه كورتيس Cortés بالنّار قديماً، يقتله النّظام الغذائيّ الحديث اليوم باللّامبالاة.

زراعة القُطَيفة اليوم: دعوة لإحياء المعرفة
لكنّ زراعة نبتة القُطَيفة اليوم لا تجلب عقوبة الإعدام لأحد. بوسعك شراء كيس من بذورها من أيّ مشتل، وزراعتها ببساطة في حوض صغير على شرفة منزلك. ستمنحك نبتة واحدة بذوراً تفوق ما تستطيع أكله في موسم واحد، وتحمل كلّ حبّة منها التّركيبة الغذائيّة المتكاملة الّتي صنّفتها الأمم المتّحدة غذاء يتفوّق على كلّ حبوب تأكلها حاليّاً. نبتة تنجو في التّربة الفقيرة، وتصمد في وجه الجفاف، ولا تطلب أسمدةً، لتعود إلى الحياة من اللّاشيء تقريباً.
أطلق عليها شعب الآزتيك اسم هواوتلي، وعرَفها شعب الإنكا باسم كيويچا. أمّا في جبال الهيمالايا، فسمّوها الحبوب الإلهية. وفي منطقة الكاريبي، ما زالت أوراقها تُطبخ في الأواني باسم قاوم خمس قرون من النّسيان. وبرغم هذا التّاريخ العريق، ما زال معظم العالم اليوم يصنّفها عشبة ضارّة.
في عام 1521 م \ 927 هـ، وقف إيرنان كورتيس أمام طعام ساند حضارةً كاملةً طوال 6.5 ألفيّة، ورأى فيه خطراً يهدّد وجوده، فأمر بإحراقه. وبعد مرور 5 قرون، تُباع أكثر الحبوب تغذيةً على كوكب الأرض بالأوقيّة لأشخاص يملكون ثروةً تكفي لشرائها، تاركين النّظام الزّراعيّ عاجزاً عن توفيرها للجميع.
نجح ذلك المنع التّاريخيّ، لا في إخفاء النّبتة ذاتها، بل في طمس المعرفة بها. لكنّ هذه المعرفة يجب ألّا تبقى مدفونةً بعد اليوم. فكيس البذور الّذي يكلّف أقلّ من ثمن كوب قهوة، سينمو في أفقر بقعة من حديقتك، ليقدّم لك بروتيناً في كلّ قدم مربّعة يفوق أيّ محصول آخر يمكن زراعته. فهي نبتة تغذّي نفسها بنفسها، وتعود للحياة موسماً تلو الآخر من بذورها المتساقطة. كلّ حضارة اكتشفتها بَنَتْ مجدها بواسطتها، والحضارات الّتي أضاعتها كانت الضّحيّة الّتي سُلبت منها.

التّكيّف مع التّغيّرات المناخيّة في المنطقة العربيّة
تشهد منطقتنا العربيّة تراجعاً ملحوظاً في معدّلات الأمطار وارتفاعاً مستمرّاً في درجات الحرارة. وهنا تتدخّل نبتة القُطَيفة Amaranth، المعروفة محليّاً أيضاً باسم سالف العروس، لتقدّم طوق النّجاة. تنمو هذه النّبتة وتزدهر في أفقر أنواع التّربة، وتتحمّل العطش الشّديد، ممّا يسمح للمزارعين باستثمار أراض واسعة تُترك عادةً دون زراعة لنقص المياه.
تُزرع النّبتة اليوم على نطاق ضيّق جدّاً في مصر وبلاد الشّام والخليج العربيّ، لكنّها تقتصر غالباً على الزّينة أو زراعة ثانويّة محدودة. وبسبب تحمّلها الفائق للحرارة، يُنصح بنثر بذورها أواخر شهر أيّار مايو وبداية حزيران يونيو. وفي عامنا 2026 م \ 1448 هـ، يطرح الباحثون الزّراعيّون في المنطقة هذا المحصول بديل استراتيجيّ واعد للمحاصيل التّقليديّة المتعطّشة للمياه، أملاً في تحقيق أمن غذائيّ حقيقيّ بعيداً عن صدمات المناخ.
مع غلاء اللّحوم والمنتجات الحيوانيّة، تعاني أسر كثيرة لتأمين طعام متكامل وغنيّ بالبروتين. ويكمن الحلّ في نبتة القُطَيفة الواحدة منها قادرة على إنتاج 60 ألف بذرة تقريباً. وتمنحنا هذه الغلّة الوفيرة مخزوناً غذائيّاً استراتيجيّاً، وتتكاثر النّبتة ذاتيّاً موسماً تلو الآخر من بذورها المتساقطة، لتعفي المزارع من شراء بذور جديدة أو أسمدة كيميائيّة. ويضمن هذا النّمط المستدام للفلّاح استقلاليّته، ويضع على مائدة الأسرة السّوريّة طعاماً عالي الجودة بتكلفة تكاد تكون معدومةً.
ولا يقف كرم هذه النّبتة عند حدود الحقل، بل يمتدّ بمرونة مطلقة إلى المطبخ التّقليديّ. إذ نستهلكها بالكامل دون هدر؛ فنطبخ أوراقها الخضراء خضار طازجة بين مواسم الحصاد، ونطحن بذورها لنخبز دقيقاً خالياً من الگلوتين، أو نغليها لنصنع عصيدةً مغذّيةً، أو نسلقها لتحضير شُربة لذيذة، لتدخل بسهولة في وصفاتنا اليوميّة وتعوّض أيّ نقص غذائيّ بكلّ سلاسة.
تخيّل البوادي الشامية مكسوّة بغطاء من هذه النبتة الجبّارة، لا تنتظر عناية من أحد! ستكون أعظم الهبات لشعوب المنطقة.
المصادر والمراجع
- Nutritional content of the Amaranthus spp. – ResearchGate https://www.researchgate.net/figure/Nutritional-content-of-the-Amaranthus-spp-USDA-2010_tbl2_331832812
- Amaranth and quinoa as potential nutraceuticals: A review of anti-nutritional factors, health benefits and their applications in food, medicinal and cosmetic sectors – PMC. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10314148/
- Amaranth grain: the Cereal of the future – INKANAT. https://inkanat.com/en/amaranth-grain-the-cereal-of-the-future/
- NASA inspired tech designed for outer space triples crop yields on Earth – 311 Institute. https://www.311institute.com/nasa-inspired-tech-designed-for-outer-space-triples-crop-yields-on-earth/
- Fractionation of squalene from amaranth seed oil – OpenAIRE. https://oamonitor.ireland.openaire.eu/national/search/publication?pid=10.1007%2Fs11746-997-0099-8
- Effect of processing on squalene content of grain amaranth fractions – ResearchGate. https://www.researchgate.net/publication/350608588_Effect_of_processing_on_squalene_content_of_grain_amaranth_fractions
- Oil and Squalene in Amaranthus Grain and Leaf | Journal of Agricultural and Food Chemistry – ACS Publications. https://pubs.acs.org/doi/10.1021/jf030489q
- The Aztec communion: tzoalli in religion and medicine of the Aztecs – Academia.edu. https://www.academia.edu/33462317/The_Aztec_communion_tzoalli_in_religion_and_medicine_of_the_Aztecs
- Classification of Grain Amaranths Using Chromosome-Level Genome Assembly of Ramdana, A. hypochondriacus – Frontiers. https://www.frontiersin.org/journals/plant-science/articles/10.3389/fpls.2020.579529/full
- Tehuacán Amaranth – Presìdi Slow Food. https://www.fondazioneslowfood.com/en/slow-food-presidia/tehuacan-amaranth/
- Amaranth (Red Callaloo) – Cornell Botanic Gardens. https://cornellbotanicgardens.org/explore/exhibits/seeds-of-survival-and-celebration/featured-plants/amaranth-red-callaloo
- Amaranth, callaloo, bayam, chauli – Garden Organic. https://www.gardenorganic.org.uk/expert-advice/how-to-grow/growing-guides/vegetables-herbs-guides/amaranth





اترك رد