على يد المستعمرين البريطانيّين في القرن السابع عشر، شقّت القهوة طريقها لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتّحدة الأمريكية. من محامص القهوة التاريخية التي كانت مراكز للنقاش والتفكير، إلى ظهور سلاسل متخصّصة ساهمت في إدخال مشروبات الإسپريسو إلى عامّة الناس، أدّت القهوة دورًا محوريًّا في تشكيل هُوِيَّة الأمّة وتطوّر ثقافتها.
بدايات ثقافة القهوة الأمريكية
قدّم البريطانيون القهوة إلى العالم الجديد في منتصف القرن السابع عشر، حيث أُنشأت أوّل محمصة قهوة أمريكية مرخّصة في بوسطن، ماساتشوستس من قبل جون سباري John Sparry في تشرين الثاني أكتوبر 1676. ومع ذلك، كانت دوروثي جونز Dorothy Jones أوّل تاجرة قهوة مرخّصة في الولايات المتّحدة، حيث باعت القهوة من حانتها في وقت مبكر حوالي 1670. لم تكن هذه المؤسّسات المبكّرة مجرّد أماكن لتناول فنجان من القهوة فحسب؛ بل كانت محاور للنشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. على سبيل المثال، نشأت المنظّمة التي أصبحت فيما بعد بورصة نيويورك للأوراق المالية في محمصة Tontine على شارع وول ستريت في مانهاتن.
محامص القهوة كمحاور ثقافية
في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، بدأت محامص القهوة على الطراز الإيطالي في الظهور في عموم أمريكا الشِّمالية، حيث قدّمت موسيقى الفولكلور والموسيقى الشعبية الأمريكية. خدمت هذه الأماكن كمشاهد ثقافية مهمّة، وشجّعت على اختلاط الجماهير والفنّانين. وبسبب حجمها الصغير وعدم توفّر الكحول فيها، لم تحتج هذه المحامص القهوة غالباً إلى تراخيص رسمية، ممّا جعلها أماكن ميسّرة للعروض الفنّية والتجمّعات. وفّرت نقطة انطلاق ممتازة للمواهب الجديدة وسمحت للفنّانين المتجوّلين بكسب العيش من طريق ترتيب تجاري غير رسمي.
كافي لينا: معلم في تاريخ محامص القهوة
تحمل كافي لينا Caffè Lena في سارتوجا سبرينغز Saratoga Springs، نيويورك، لقب أقدم محمصة قهوة لم تزل تعمل في الولايات المتّحدة، إذ تأسّست في عام 1960 من قبل وليام ولينا سبنسر William and Lena Spencer. استضافت مجموعة واسعة من الفنانين، من بوب ديلان Bob Dylan إلى أني ديفرانكو Ani DiFranco، وما زالت تعدّ مكاناً بارزاً لموسيقى الفولكلور والفنانين الناشئين.
تطور استهلاك القهوة
شكّلت حادثة حفلة الشاي في بوسطن The Boston Tea Party عام 1773 لحظة محورية في التاريخ الأمريكي، حيث أدّت إلى تحوّل جماعي من الشاي إلى القهوة بين المستوطنين (المستعمرين)، ممّا غير ثقافة القهوة في الأمّة إلى الأبد. لعبت محامص القهوة دورًا في الثورتين الأمريكية والفرنسية، حيث خدمت كمراكز للنقاش العام والتفكير. وزادت الحرب الأهليّة من استهلاك القهوة.
تطوّرت ثقافة القهوة الأمريكية من طريق عدّة “موجات”. كانت الموجة الأولى تتعلّق بالراحة، حين أصبحت القهوة سلعة تجارية منتجة بكمّيات كبيرة. أدخلت الموجة الثانية التنوّع وصعود عمالقة الامتياز التجاري مثل ستاربكس، وقدّمت مشروبات إسپريسو للجماهير. ركّزت الموجة الثالثة على فنّ صنع القهوة، وأبرزت محاصيل البن ودرجات التحميص ونكهاتها وأصولها. تسعى الموجة الرابعة الحالية إلى إزالة الغموض عن عملية إبداع القهوة وتعزيز تثقيف المجتمع.
كافيه ريجيو: محمصة قهوة تاريخية
تأسس كافيه ريجيو Caffe Reggio في عام 1927 في قرية گرينتش Greenwich Village، مانهاتن، مدينة نيويورك، وهي أقدم محمصة قهوة ما زالت تعمل في الولايات المتحدة. تقف شاهداً على الإرث الدائم لمحامص القهوة في الثقافة الأمريكية.
من أوّل محمصة قهوة في بوسطن إلى المؤسّسة الثقافية كافي لينا، لعبت محامص القهوة في الولايات المتّحدة دوراً مهماً في تشكيل النسيج الاجتماعي والثقافي للأمة. كانت مهد المشروعات الكبرى، ومنصّة للفنّانين، وفضاءً للخطاب السياسي والفكري. وبينما تستمرّ ثقافة القهوة الأمريكية في التطوّر، تبقى هذه المؤسّسات جزءًا لا يتجزّأ من هُوِيَّة الأمّة الأميركية وحياتها اليومية.
مراجع
Coffee Houses in America: A Brief Analysis





اترك رد