قبل أيّام، صنعت قهوتي في إبريق الموكا (البراس، البياليتي)، ثمّ جاءني اتّصال اضطرني للخروج من البيت آنها، فصببت القهوة في كوب حراري محكم الإغلاق واصطحبتها معي… نسيتها لساعات. لكن، حين تذكرتها لاحظت أنّ طعم القهوة صار ألذ وأصيب بعد حفظها معزولة، وهذا التغيّر بطعم القهوة أثار فضولي.
فاشتغلت على بحث يساعدني على فهم السبب وراء تحسّن طعم القهوة بعد حفظها ساعات في كوب حراري معدني، ماذا يحدث داخل الكوب؟ وكيف يتغيّر طعم قهوة ليس فيها أثر من مسحوق القهوة؟ هذا البحث ساعدني أخيراً على فهم سبب تميّز طعم القهوة العربية المرّة، تلك التي المتميّزة التي كانت تُطهى لحوالي ثماني ساعات على حرارة خفيضة جداً.
فمن ناحية، يبدو أن حفظ القهوة في الكوب الحراري يسمح بحدوث توازن أفضل بين الأحماض والزيوت الموجودة فيها. فعندما نصنع القهوة، تساعد الحرارة في استخلاص هذه المكوّنات من حبوب البن المطحونة، وبمجرد وضع القهوة في الكوب المغلق، تتفاعل هذه المواد مع بعضها، ممّا يؤدي لتوازن أكثر استقراراً بين الحموضة والنكهات الأخرى. هذه العملية تحسّن من مذاق القهوة كلما طال وقت حفظها.
كما أنّ الكوب الحراري المعدني المحكم يقلّل من تعرّض القهوة للأكسجين، الذي يمكن أن يسبّب الأكسدة وتغيير النكهة إلى الأسوأ. وبعض المركّبات الموجودة في القهوة تحتاج لبعض الوقت لتتحلّل وتتحوّل إلى مركّبات أخرى ذات نكهة أكثر توازناً وجاذبية. وحفظ القهوة ساخنة ومعزولة داخل الكوب الحراري يسمح بحدوث هذه التفاعلات دون تأثير الأكسجين المؤذي. ما يعاكس عملية الأكسدة.

هذا تماماً ما يحدث في داخل الدلّة العربيّة النحاسية، أو الجَمَنة (الجَبَنة) الفخّارية، حين تُحفظ فيها القهوة دافئة ساعات عدّة، تسمح باستمرار تفاعلات تحسين مذاق القهوة، دون تماسّ واسع بالأكسجين. لكنّ الكوب الحراري قدّم إضافة جديدة، هي العزل التام عن الهواء المحيط طيلة مدّة التفاعل، ما منع التبخّر وأوقف خروج مكوّنات القهوة إلى الهواء، إلى جانب منع دخول الأكسجين.
لتفاصيل أعمق:
تتكوّن نكهة القهوة بشكل رئيس من أربع نكهات:
- مرارة الفينولات Phenols.
- عطرة الزيوت الطيّارة.
- حلاوة الميلانويدات Melanoidins.
- حموضة حمض السيترِك Citric وحمض المالِك Malic.
عند تخزين القهوة ساخنة في حاوية معزولة حرارياً (مثل الكوب الحراري)، تحدث عدّة تفاعلات كيميائية تؤثّر على نكهتها:
1. تحلّل حمض الكلوروجينِك Chlorogenic:
- المركّبات الأصليّة: حمض الكلوروجينِك هو أحد الفينولات Phenols الرئيسية في القهوة، وهو معروف بخصائصه المضادّة للأكسدة وطعمه المرّ.
- التحلّل: تحت تأثير الحرارة، يمكن أن يتحلّل حمض الكلوروجينِك إلى حمض الكَفيك Caffeic والقينِك Quinic. هذا التحلّل يقلّل من حموضة القهوة ويقلّل من حدّة المرار.
- المركّبات الناتجة: تنخفض حدّة حمض الكَفيك ويعزّز من النكهات الأخرى في القهوة.
2. أكسدة الزيوت الطيارة:
- المركّبات الأصليّة: الزيوت الطيّارة في القهوة مثل الكافيول Caffeol والفوران Furan.
- التفاعل: هذه الزيوت يمكن أن تتأكّسد بمرور الوقت في وجود الأكسجين، لكن الحاوية المعزولة تقلّل من هذا الأكسجين ممّا يبطئ العملية ويحفظ الزيوت الطيّارة ويمنحها الوقت الكافي للتفاعل.
- المركّبات الناتجة: تتحوّل الزيوت الطيّارة إلى مركّبات أخرى تساهم في تعقيد النكهة وفي تحسّن الطعم بتقليل الحدّة.
3. التفاعلات بين الأحماض والسكّريات (تفاعل ميلارد):
- المركّبات الأصليّة: الأحماض مثل حمض الكلوروجينِك والسكّريّات الموجودة في القهوة.
- التفاعل: عند درجات حرارة عالية لوقت طويل، تتفاعل السكّريّات والأحماض فيما يعرف بتفاعل ميلارد، ممّا يُنتج مركّبات جديدة تعزز النكهة.
- المركّبات الناتجة: مركّبات الميلانويدات Melanoidins التي تضفي على القهوة نكهات مكرملة ومعقودة.
4. تحلّل الأحماض:
- المركّبات الأصليّة: أحماض مثل حمض السيترِك Citric وحمض المالِك Malic.
- التفاعل: هذه الأحماض يمكن أن تتحلّل أو تتفاعل مع المركّبات الأخرى، ممّا يقلّل من حموضة القهوة عامّة.
- المركّبات الناتجة: مركّبات أقل حموضة توازِن طعم القهوة.

لنفهمها أكثر
عندما تُحفظ القهوة في حاوية معزولة بعد تحضيرها، تحدث عدّة تغييرات وتفاعلات كيميائية بسبب الحرارة المرتفعة نسبياً داخل الحاوية. فيحدث تحلّل حراري للمركّبات الموجودة في البُن، وتتباطأ عملية الأكسدة بسبب نقص الأكسجين، ممّا يساعد في الحفاظ على المركّبات الطيّارة والنكهات. كما تتفاعل الأحماض والزيوت والمركّبات الأخرى مع بعضها البعض، ما يؤدّي إلى تقليل الطعم المرّ أو الحمضي المفرط وتعزيز توازن النكهات.
إضافة إلى ذلك، يزداد تركيز بعض مركّبات النكهة بسبب محدوديّة التبخّر في الحاوية المغلقة، وتستمرّ بعض التفاعلات الكيميائية ببطء بسبب الحرارة المرتفعة نسبياً، ممّا يؤدّي إلى تطوير النكهة بشكل أفضل. ويمكن أن يتحلّل حمض الكلوروجينِك والفينولات الموجودة في القهوة إلى مركّبات أقلّ حدّة وأكثر ملاءمة للذوق بمرور الوقت في بيئة دافئة ومحكمة الإغلاق. وعلى هذا، تساهم كلّ هذه العوامل في تحسين طعم القهوة بعد حفظها لعدة ساعات في حاوية معدنية عازلة للحرارة.
المدّة المثلى
المدّة الأمثل لتخزين القهوة في حاوية معزولة حراريّاً لتحقيق تحسين في النكهة بواسطة التفاعلات الكيميائية يمكن أن تختلف اعتماداً على عدّة عوامل مثل نوع القهوة، درجة الحرارة الأوّلية للقهوة عند وضعها في الحاوية، وجودة العزل الحراري للحاوية نفسها. ولكن، يمكن بنظرة عامة للحفاظ على جودة القهوة يمكن القول:
1. حفظ القهوة مدّة قصيرة (1-4 ساعات)
- خلال هذه المدّة، تظلّ القهوة ساخنة وتحافظ على معظم خصائصها الأصلية.
- تبقى التفاعلات الكيميائية مثل التحلل الحراري لحمض الكلوروجينِك وأكسدة الزيوت الطيّارة نشطة لكن ليست مفرطة.
2. حفظ القهوة مدّة متوسّطة (4-12 ساعة)
- تبدأ القهوة في تطوير نكهات أكثر تعقيداً نتيجة للتفاعلات المستمرّة.
- يمكن للأحماض والسكريات أن تتفاعل مكوّنة ميلانويدات تضفي نكهات مكرملة ومعقودة.
- تستمرّ الزيوت الطيّارة في التأكسد ببطء، ممّا يعزّز من تعقيد النكهة.
3. حفظ القهوة مدّة طويلة (أكثر من 12 ساعة)
- قد تبدأ النكهات بالتدهور إذا تُركت لأكثر من 12 ساعة، خاصّة إذا لم تكن الحاوية محكمة الإغلاق أو بعزل غير كافٍ.
- قد يحدث تراكم النكهات المرّة وفقدان الطعم الأصلي بسبب استمرار التفاعلات الكيميائية.

وعليه، للحصول على أفضل نكهة متوازنة، يُفضّل استهلاك القهوة المخزّنة في كوب معزول حراريّاً خلال 4 إلى 12 ساعة. هذا يوفّر توازناً جيّداً بين الحفاظ على الحرارة والنكهة والسماح بحدوث بعض التفاعلات الكيميائية المفيدة دون التسبّب في تدهور النكهة بشكل كبير.
في النهاية، وبالرغم من أنّ هذه الطريقة تتطلّب صبراً وتخطيطاً مسبقاً، غير أنّ النتائج تستحقّ بالتأكيد الانتظار. لذا، في المرّة القادمة التي تصنع فيها قهوتك، جرّب تخزينها بشكل معزول واستمتع بتجربة نكهة أكثر ثراءً وتعقيداً.





اترك رد