مقاربة نقديّة وتحليل نفسي لتأثير فيٓسبوك وشاشات الهواتف على الروابط الإنسانيّة، وسقوط العلاقات المعاشة في فخّ اليقين الرقميّ الزائف والتشوّه المعرفيّ للإسناد.
يعيش إنسان اليوم ارتباكاً حادّاً في تحديد حدود وجوده، بعدما أزاحت الشاشاتُ الزجاجيّةُ مركزَ الثقل من الواقع الحيّ إلى فضاءاتٍ مصنوعةٍ من ضوءٍ وأكواد. لم تعد منصّات التواصل وسيلةً مساعدةً على تيسير الصلات، بل غدت ساحةً بديلةً تُنتزع فيها الحقائق من أصولها، ليحلّ محلّها يقينٌ شبكيٌّ زائفٌ يُعيد صياغة المشاعر وفق مقاييس برمجيةٍ جافّة. سلب هذا الانزياح شديد الْخَطَر العلاقات الإنسانيّة عمقها الفطريّ، وألزم النفس بالخضوع لمراقبةٍ دائمةٍ ومحاكماتٍ سريعةٍ تُبنى على الظنون السطحيّة.
في هذا الفضاء المستحدث، يتضاءل جوهر الإنسان لحساب حضوره الرقميّ، وتتحوّل أبسط الإشارات الخوارزميّة إلى أحكامٍ قاطعةٍ تفرّق بين الأحبّة وتصنع الخصومات. فلم يعد الصدق يُلتمس في نبرة الصوت أو قسمات الوجه، بل صار رهيناً بنشاط الحسابات وكثافة التفاعل، حتى انقلبت الموازين: فأصبح التواجد الافتراضيّ هو الأصل الّذي تُحاكم على أساسه المشاعر، في حين غدا الواقع الملموس ملحقاً باهتاً لا يُعتدّ به إلّا إذا صدّقت عليه شاشات الهواتف.

محاكم التفتيش الرقميّة: شواهد من المعاش
أغرب العلاقات بين الناس هي تلك الّتي تتأثّر بتغيّرات العلاقات على فيٓسبوك، لكأنّ منصّة فيٓسبوك صارت لبعض الناس المعيار الوحيد للتواصل الإنسانيّ … هؤلاء أناس خرجوا عن الحياة في الواقع وصاروا يعيشون في الخيال، وهم بحقّ يحتاجون إلى جلسات علاجٍ نفسيٍّ حقيقيّةٍ لأنّهم باتوا يعانون نوعاً من الإدمان لا يشعرون به. وكلامي هنا ليس تهكّماً بل نابعٌ من القلب أوجّهه نصيحةً لكلّ من يعاني هذه الأعراض، وأسرد هنا أمثلةً من حياتي الشخصيّة.
في الحياة أناسٌ قاطعوني فعلاً لأنّني حذفت “الصداقة” ما بيننا على فيٓسبوك، علماً أنّني لم أزل متابعاً لمنشوراتهم العامّة. لكن، في رأيهم، حذف الصداقة على فيٓسبوك كالطرد من البيت … لا إصلاح بعده. الأغرب من هؤلاء أناسٌ تحوّلتُ في نظرهم عدوّاً، وصرت أسوأ الناس؛ تجب استباحة سمعتي لأنّني ألغيت “الصداقة” ما بيننا على فيٓسبوك، وصرت إذا ألقيت التحيّة عليهم في الشارع لا أتلقّى ردّاً! … لكأنّ هؤلاء يرون ألّا وجود لحياتهم خارج فيٓسبوك، ومتابعة منشوراتهم على هذه المنصّة فرضٌ واجبٌ لتقديم فروض الصداقة والعلاقة. ويرون خصوصيّتك مستباحةً فرضاً عليك التنازل عن حمايتها لقاء صيانة اللّسان عن أذيّة سمعتك.
من وجهة نظر هؤلاء، الصداقة في الحياة تحتاج صداقةً على فيٓسبوك.
صنفٌ آخر من الناس يربط جودة الحياة على فيٓسبوك بجودة الحياة … في الحياة. أحدهم قصدتُه مرّةً أسأله مساعدةً لحلّ معضلةٍ كبيرةٍ ألمّت بي، وكان في موقعٍ يقدر فيه على معونتي وإنهاء أزمتي بورقةٍ يختمها في مكتبه. ولمّا بسطتُ له البلوى الّتي ابتُليتُ بها؛ ردّ مستنكراً صدق قولي: «لكنّ نشاطك على فيٓسبوك لم يتغيّر!». لكأنّ النشاط على فيٓسبوك مرتهنٌ بكلّ تفاصيل الحياة خارجه. فمن وجهة نظر هذا الرجل، ينبغي لمن تنزل به نازلةٌ فيعاني مكروهاً ما أن يهجر الحياة وينقطع عن استخدام هاتفه ويرفع عقرته بالصراخ والعويل والتذمّر ويغلق النوافذ دون العالم؛ ليعلم الناس أجمعون أنّه في كربة.
من وجهة نظر هؤلاء، الحزين والمهموم لا ينشر منشوراتٍ إيجابيّة على فيٓسبوك.
أحد مدرائي السابقين في العمل نموذجٌ لخلط «الحياة» بالافتراض؛ إذ اتّصلت مرّةً بمقرّ عملي وأخبرتهم بعجزي عن الحضور إلى المكتب لارتفاع حرارتي ولزومي الفراش. تمنّت لي الموظّفة اللّطيفة الشفاء، ونبّهتني إلى لزوم جلب تقريرٍ طبّيٍّ ليُحسب اليوم إجازةً مرضيّة. بعد ساعتين اتّصل بي مديري يعاتبني على ادّعائي، ويطلب إليّ القدوم فوراً إلى المكتب. دهشتُ للاتّهام واستوضحتُ السبب، فأجاب بأنّ القادر على وضع إعجاباتٍ على منشورات فيٓسبوك ليس بسقيمٍ، وقادرٌ على المجيء إلى العمل! زلّت إصبعي يومها بتسجيل إعجابٍ بإحدى منشوراته وأنا طريح الفراش. وبحسب مقياس مديري حينئذٍ، يُفترض أنّ اتّصالي بالمكتب وحديثي إلى الموظّفة عبر الهاتف برهانٌ آخر على سلامتي من العلّة.
من وجهة نظر هؤلاء، فتح الهاتف واستعمال فيٓسبوك علامةُ الصحّة والعافية.
من الوقائع التي أراها طريفةً لفرط ما أضحكتني، ما بدر من صديقةٍ أعرفها وتقيم هنا في برلين؛ إذ لقيتها مرّةً في إحدى مطاعم المدينة فأشاحت بوجهها متجاهلةً النظر إليّ كأنّها لا تعرفني. ولمّا هَمّت بالخروج بصحبة رفاقها بادرتُ إلى الباب للسلام عليها وسؤالها عن موجب جفائها لأعتذر إن بدرت منّي إساءة، فذكرت أنّني أهملت الردّ على آخر ثلاثة تعليقاتٍ لها في صفحتي، فاستشعرت في ذلك كِبراً عزّ على نفسها، فقرّرت قطع صلتها بي! استأذنتها قبل نشر هذه السطور، وهي اليوم على يقينٍ بأنّ التصرّف في فيٓسبوك لا يقاس به الواقع.
منصّة فيٓسبوك، بما نودعه فيها من منشوراتٍ وتعليقات، ليست سوى زاويةٍ ضيّقةٍ من جوانب حياة المرء منّا؛ جانبٌ يسيرٌ جدّاً لا يفصح عمّا سواه، ولا يُرى منه الوجه الحقيقيّ للإنسان أيّاً كان. ضيق هذا المظهر في فيٓسبوك لا يسوّغ لنا تقويم الناس بما يطفو على سطحه، ولا ينبغي أن يطال تأثيره مجرى حياتنا الواقعيّة؛ فنحن نجهل سرائر القوم وخفايا ظروفهم. وإن آنست في نفسك شيئاً من هذه العوارض؛ فاعلم أنّك واقعٌ في أسر الإدمان الرقميّ، وبحاجةٍ إلى استنشاق جرعةٍ وافرةٍ من نسيم الحياة الصافية.

استباحة العفويّة وصناعة اليقين الوهميّ
المفارقات الواقعيّة السالفة تفضح عمق الهوّة الّتي تردّى فيها الإدراك؛ فالعالم الرقميّ لم يكتفِ بإعادة تعريف التواصل، بل مارس سطوةً غاشمةً صادرت المعنى الأصيل للوجود، حتى غدا «الظهور الشبكيّ» هو الأصل، والواقع ظلّاً تابعاً لا يُعتدّ به. هذا الزيف يتجاوز حدود الشاشات ليعيد صياغة يقينٍ وهميٍّ يجعل من النقر بأطراف الأصابع ميزاناً حاسماً للولاء، أو سبباً كافياً لشنّ الحروب والقطيعة.
حين يختزل إنسانٌ رصيد سنواتٍ من العشرة والمودّة في زرّ «إلغاء المتابعة»، فهو لا يمارس قطيعةً عاديّة، بل ينصاع لوهمٍ يرى في الإشارة البرمجيّة حكماً قيمياً باتّاً. مع شاشات الهواتف حوّلت المشاعر إلى أرقامٍ تُحسب وتُقاس؛ فصار الرضا يُستدلّ عليه بعدد الإعجابات، والعتاب يُترجم بفتور التعليقات. حتّى نزع هذا التحوّل عن النفس البشريّة عفويّتها، وألزمها بأن ترتدي قناعاً استعراضياً دائماً، كأنّ على المرء أن يقدّم كشف حسابٍ يوميّاً يثبت فيه أنّه حيّ، أو مريض، أو حزين.
الأخطر في هذا الزيف أنّه يفرض محاكمةً قاسيةً للنوايا؛ فالإنسان داخل الفضاء الافتراضيّ محكومٌ عليه بالتواجد المستمرّ والاستجابة الفوريّة، وكأنّه موظّفٌ في خدمة خوارزميات العلاقات. غياب لحظةٍ واحدةٍ أو سهوٌ عن تدوينةٍ يُفسَّر استهانةً، وصمت الشاشة يُقرأ خذلاناً. هكذا سلبنا هذا العالم حقّنا الإنسانيّ في العزلة الهادئة، وحرمنا من مساحة الضعف البعيدة عن أعين الرقباء، واستبدل بالدفء الحقيقيّ تصفيقاً بارداً في ساحةٍ افتراضيّةٍ واسعة.

استرداد المعنى: نحو كسر الأسر الزجاجيّ
التخلّص من هذا الأسر يبدأ بإعادة الأشياء إلى نصابها؛ فالواقع هو المحكّ الوحيد لمعادن الرجال وصدق القلوب، وكلّ ما يدور خلف الشاشات لا يعدو كونه أثراً مشوّهاً على ماءٍ راكد. نجاتنا تكمن في أن نردّ للاعتذار الشفهيّ هيبته، وللّقاء المباشر حرارته، وألّا نزن مكانة رفاقنا بمقدار ما يتركونه من أثرٍ على ألواح الزجاج.
تفسّر دراسات علم النفس التطبيقيّ هذه السلوكيّات بوصفها نتاجاً مباشراً لإعادة هندسة الإدراك البشريّ داخل البيئات الرقميّة؛ فالمنصّات لم تُبنَ لتكون مساحاتٍ محايدة، بل صُمّمت عبر آليّات التعزيز المتقطّع لجعل التفاعل شحنةً عصبيّةً ترتبط بمراكز المكافأة والتقدير في الدماغ. هذا النمط يحوّل الإعجاب والتعليق إلى إثباتٍ فوريٍّ للأهمّيّة والأمان الاجتماعيّ، ويجعل غيابهما في وعي المتلقّي دليلاً على الرفض أو النبذ العاطفيّ، ممّا يستثير قلقاً دفيناً يُترجم دفاعيّاً إلى قطيعةٍ أو عدوانيّةٍ صريحة.
يُطلق المتخصّصون على هذا الخلط اسم «التشوّه المعرفيّ للإسناد الرقميّ»، وفيه يسقط الفرد افتراضاته الداخليّة على تصرّفاتٍ برمجيةٍ مجرّدة؛ فيعجز عن إدراك الفارق بين النشاط الآليّ والواقع الحقيقيّ للإنسان.
الشخص الّذي يربط المرض أو الحزن بالانقطاع التامّ عن الشاشة، أو يرى في إلغاء متابعةٍ إعلاناً للخصومة، يعاني في الحقيقة من انحسار المرونة النفسيّة وغياب التمايز بين «الذات الواقعيّة» و«الصورة الشبكيّة». تمنحه الشاشة هنا وهماً بالسيطرة المطلقة على محيطه؛ وحين يخترق الواقع هذا الوهم بسلوكٍ حرّ لا يخضع للمراقبة الفوريّة، ينهار ذلك الأمان المصنوع، ويصبح الهجوم على الطرف الآخر وسيلةً وحيدةً لترميم اتّزانٍ داخليٍّ هشّ شُيِّد على مقاييس وهميّة.





اترك تعليقاً