- تمهيد
- مهارات التعبير وسلامة الأسرة
- مهارات التعبير ونقل الأفكار
- مهارات التعبير والثقة بالنفس
- تجربة استقراء
- كيف أعالج مشكلتي؟
- مراجع

تؤثّر مادّة التعبير في بناء الشخصيّة وتعزيز الثقة بالذات تأثيراً عميقاً. فتساعد الممارسة المبكّرة للتعبير الكتابي والشفهي الإنسان على اكتشاف قدراته وإمكاناته. ويتعلّم المرء عبر التعبير السليم كيفيّة نقل أفكاره ومشاعره بوضوح وهدوء. ويكتسب المتمرّس في التعبير القدرة على مواجهة المواقف الصعبة بحكمة واتّزان.
فتمنح مهارات التعبير المتطوّرة صاحبها أدوات التواصل الفعّال مع الآخرين دون اللّجوء إلى العنف اللّفظي أو التنمّر. ويستطيع الشخص المتمكّن من التعبير تجنّب النزاعات والخلافات عبر الحوار البنّاء والنقاش الهادئ. وتتطوّر قدرات الفرد وتنضج شخصيّته عندما يجد في محيطه بيئة آمنة تشجّعه على التعبير عن رأيه باحترام. ويرتبط نجاح الفرد في علاقاته الاجتماعية والمهنية بقدرته على التعبير عن وجهات نظره بأسلوب راقٍ ومهذّب.
على منصّات وام وعبر الإعلام العربي، نلحظ دائماً انجراف المناقشات بسرعة إلى العنف اللّفظي والإهانات والشتائم، بدلاً عن جريان حوار منطقي وهادي بنقاش موضوعي. وهذه مشكلة. وعبر عشر سنوات درست هذه المسألة ساعياً إلى تحديد نواة المشكلة ومنبعها. وأعتقد أنّني أخيراً عثرت بهذا المنبع، وفهمت تماماً سبب افتقاد أغلب العرب القدرة على الحوار والميول إلى الشتائم والتقاتل اللفظي. إذ أنّهم يفتقرون من الأساس إلى القدرة على التعبير. إذ إنّ غياب القدرة على التعبير يدفع النفس إلى الضيق والانفجار مرّات متتالية بالغضب والضيق، المجسّد في عنف لفظي ورفض معنوي… مثل المحرّك ذو البسطون.

تمهيد
يبهرنا مجال التعبير والكتابة بعظيم تأثيره على تطوّر المجتمعات البشريّة. تنمو القدرات التعبيرية للأفراد منذ الطفولة المبكّرة، فتشكّل أساساً متيناً لبناء شخصيّة متكاملة قادرة على التواصل والتفاعل مع الآخرين. وتتطوّر هذه القدرات بالتدريب والممارسة المستمرّة، وتزداد أهمّيّتها في عصر المعلومات الرقميّة. لكن، يحتاج المجتمع العربي إلى تطوير مناهجه التعليمية لتواكب متطلّبات العصر، وتساعد الأجيال الجديدة على اكتساب مهارات التعبير الضروريّة للنجاح في الحياة العمليّة. وتستدعي طبيعة العصر الرقمي تمكين الأفراد من التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بوضوح ودقّة، والمشاركة في إنتاج المحتوى المعرفي باللّغة العربية.
يرتبط تطوّر النقاشات العامّة بمستوى قدرات التعبير عند المشاركين فيها. وتزداد فاعلية النقاشات وجودتها عندما يمتلك المتحاورون مهارات عالية في التعبير عن أفكارهم ووجهات نظرهم. ويؤدّي ضعف قدرات التعبير إلى سوء الفهم بين الناس، فيصعب على الشخص نقل أفكاره بدقّة ووضوح. وتتحوّل النقاشات العامة في هذه الحالة إلى جدل عقيم لا فائدة منه.
تساعد قدرات التعبير المتطوّرة على فهم وجهات النظر المختلفة واحترامها. ويستطيع المتحاور المتمكّن من مهارات التعبير تقبّل الرأي الآخر ومناقشته بموضوعية. لكن، يضعف التواصل الاجتماعي عندما تنخفض مستويات التعبير عند الناس، فتسوْد المشاحنات والخلافات بينهم. وتتعطّل المصالح المشتركة للمجتمع بسبب عجز أفراده عن التعبير عن احتياجاتهم ومطالبهم. وتنعكس قدرات التعبير على مستوى الحوار في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. ويؤدّي ضعف مهارات التعبير إلى انتشار خطاب الكراهية والتعصّب في هذه المنصّات.
تتطوّر المجتمعات بتطوّر قدرات أفرادها على التعبير والتواصل. ويؤدّي غياب مهارات التعبير السليم إلى تأخّر المجتمعات وتخلّفها عن ركب التطوّر والتقدم. ويُسهم ضعف قدرات التعبير في انتشار العنف والصراعات في المجتمع. إذ يلجأ الأشخاص العاجزون عن التعبير السليم عن مشاعرهم وأفكارهم إلى العنف كوسيلة للتواصل.
تعكس قدرة التعبير عند الإنسان مستوى نضجه العقلي وتطوّره الفكري. ويتفاوت الناس في قدراتهم التعبيرية تفاوتاً يظهر في مستويات تفكيرهم وعمق تحليلهم للأمور. وفي المقابل، يساهم تطوير مهارات القدرة على التعبير في نضوج الإنسان وتعزيز تطوّره الفكري.

مهارات التعبير وسلامة الأسرة
تؤثّر القدرات التعبيريّة في العلاقات الأسريّة والاجتماعية تأثيراً عميقاً، فالشخص القادر على التعبير عن مشاعره يستطيع بناء علاقات صحّية بأسرته وبمجتمعه. إذ يساعد التعبير العاطفي السليم على استقرار الأسرة وتماسك المجتمع. فيرتبط نجاح العلاقات الأسرية والاجتماعية بقدرة الفرد على التعبير عن مشاعره وأفكاره بوضوح. وتُظهر الدراسات النفسية أنّ الأشخاص الذين يمتلكون مهارات تعبيرية متطوّرة يتمتّعون بحياة أسرية أكثر استقراراً وسعادة.
تساعد القدرة على التعبير العاطفي الزوجين على فهم بعضهما البعض بعمق. ويستطيع الزوج القادر على التعبير عن مشاعره توضيح احتياجاته العاطفية لشريكة حياته، ممّا يقلّل سوء الفهم والخلافات الزوجية. ويؤثّر التعبير العاطفي السليم على نموّ الأطفال نفسيّاً واجتماعيّاً. فتزداد ثقة الطفل بنفسه عندما يجد آذاناً صاغية لمشاعره وأفكاره في المنزل. ويتعلّم الأطفال التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحّية عندما يرون والديهم يفعلون ذلك.
تنعكس مهارات التعبير على العلاقات الاجتماعية خارج نطاق الأسرة. ويسهل على الشخص المعبّر بناء صداقات متينة والمحافظة عليها. وتساعد القدرة على التعبير في حلّ النزاعات بين الأصدقاء والزملاء بطريقة بنّاءة. ويكشف علم النفس الاجتماعي عن علاقة مباشرة بين مهارات التعبير والصحّة النفسية. إذ يعاني الأشخاص الذين يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم من مستويات أعلى من التوتّر والاكتئاب.
تؤدّي صعوبات التعبير إلى العزلة الاجتماعية. فيميل الشخص العاجز عن التعبير عن مشاعره إلى الانطواء والابتعاد عن التفاعل الاجتماعي. وتضعف علاقاته الأسريّة والاجتماعيّة تدريجيّاً بسبب عدم قدرته على المشاركة العاطفية. وتبرز أهمّية تطوير مهارات التعبير في مرحلة مبكّرة من الحياة. لذا يحتاج الآباء والمربّون إلى تشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بحرّية. وتسهم البيئة الداعمة للتعبير العاطفي في تكوين شخصيّة متوازنة قادرة على بناء علاقات صحّية.

مهارات التعبير ونقل الأفكار
حين أبحث على الوب، أجد دائماً ندرة المحتوى العربي المتخصّص مقارنة بالمحتوى المنشور بلغات أخرى. ولطالما استغربت تقاعس وتردّد المتخصّص العربي في نشر أفكاره ومعارفه والتعبير عن معتقداته في تدوينات منشورة للعموم باللّغة العربية. ثمّ وجدت بذرة المشكلة متمركزة في تدمير المدرسة لقدرات الفرد على التعبير، في مراحل مبكّرة.
تبرز أهمّية التعبير في المجال العلمي بشكل خاص، فالعالِم الذي يمتلك قدرات تعبيرية متميّزة يستطيع نشر بحوثه ونتائجه العلمية بدقّة ووضوح. وتؤدّي الكتابة العلميّة الدقيقة دوراً محوريّاً في تقدّم العلوم وتطوّر المعرفة البشرية. ويرتبط التعبير الأدبي بالتراث الإنساني ارتباطاً وثيقاً، فالأدباء والشعراء يحفظون تاريخ أممهم وتقاليدهم في نصوصهم وأشعارهم. وتنقل النصوص الأدبية المتميّزة تجارب الشعوب وخبراتها عبر الأجيال.
يعاني التعليم المدرسي في البلاد العربية ضعفاً ملحوظاً في تطوير مهارات التعبير لدى الطلّاب. وتبدأ المشكلة منذ المراحل الأولى للتعليم، عندما يركّز المعلّمون على تلقين المعلومات والحفظ دون الاهتمام بتنمية قدرة الطالب على التعبير عن أفكاره بطلاقة. ويظهر هذا الخلل جليّاً في المراحل المتقدّمة من التعليم، فنرى طالباً متفوّقاً في الرياضّيات أو الفيزياء يعجز عن شرح نظريّة علميّة بأسلوبه الخاص. ويتخرّج الطالب من الجامعة محمّلاً بالمعرفة العلمية، لكنّه يفتقر للقدرة على نقل هذه المعرفة للآخرين.
يمتلك المتخصّص العربي معرفة علمية عميقة في مجال تخصّصه، لكنّه يفتقر للقدرة على التعبير عنها للآخرين. وعلى هذا يفتقر إلى الحماس للكتابة عنها والنشر للعامّة. فمتخصّص الفيزياء الذي درس نظريات آينشتاين وفهم دقائقها يتجنّب كتابة تدوينة تشرح النظرية النسبية لعامّة القراء. والطبيب المتمكّن من علم وظائف الأعضاء يتردّد في نشر مقال يبسّط للناس ما يخالج خواطره من تعقيدات طبّيّة. والمهندس البارع يخشى كتابة موضوع يوضح خصائص المعادن وتطبيقاتها في الصناعة.
تعود هذه المشكلة إلى تدمير المدرسة لقدرات الطفل التعبيرية في سنواته الأولى. فمادّة التعبير في المدارس العربية تركّز على موضوعات سطحيّة محدّدة كوصف فصل الربيع والحديث عن الأم والوطن والرحلات المدرسية. ولا تهتم بتنمية قدرة الطفل على التعبير عمّا يتعلّمه في المواد العلمية الأخرى ولا حتّى عن آرائه ومعتقداته، وما يفكّر به قبل النوم. وفي نفس الوقت تطلب المدرسة من الطالب التفكير بالربيع والوطن والأم، لكنّها لا تطلب منه التفكير في مسائل عميقة متنوّعة تدفعه فعلاً لتطوير مهارات التفكير.

يؤدّي تكرار نفس الموضوعات في مادّة التعبير إلى قتل الإبداع اللّغوي في نفس الطفل. فيضطر الطالب لحفظ عبارات جاهزة عن الربيع والأم والوطن، مقلّداً من سبقه من الطلّاب، ليستخدمها في موضوع التعبير. ولا يتعلّم كيف يصوغ أفكاره بأسلوبه الخاص. فينمو هذا الطفل ليصبح متخصّصاً متفوقاً في مجال علمي، لكنّه يفتقر للقدرة على التعبير عن معارفه كتابةً وقولاً.
تنتشر هذه المشكلة في البلاد العربية، فنرى ندرة المحتوى العربي المتخصّص على شبكة الإنترنت. فالمتخصّص العربي يتجنّب نشر مقالات وتدوينات تشرح جوانب تخصّصه، أو تربط علاقتها بجوانب الحياة المختلفة، لأنّ المدرسة لم تعلّمه كيف يعبّر عن أفكاره بوضوح ودقة. لم تقنعه المدرسة بقدرته على التعبير.
تختلف الحال في البلاد الغربية، فالمتخصّص الغربي يكتب باستمرار عن مجال تخصّصه. فتجد مواقع علميّة متخصّصة تشرح مختلف العلوم بأسلوب مبسّط للقرّاء. إذ إنّ المدرسة بمختلف مراحلها حتّى الجامعة، تعوّد الفرد على عادة تأليف مقالات طويلة وقصيرة، فتصبح الممارسة عادة عند الأغلبية من متخصّصي المجتمع.
سيطر الخوف من التعبير على نفس المتخصّص العربي منذ طفولته، فصار يتردّد في مشاركة معارفه مع الناس. وأصبح علمه حبيس عقله لا يستفيد منه المجتمع، لأنّ المدرسة دمّرت قدرته على نقل ما يعرف للآخرين. فالمتخصّص العربي اليوم يشبه وعاءً ممتلئاً بالعلم لكنّه مغلق على نفسه، لا يعرف كيفيّة إفادة الآخرين بما يحوي من معرفة.
تعمّقت المشكلة مع تطوّر وسائل النشر الإلكتروني. فشبكة الإنترنت فتحت المجال واسعاً أمام المتخصّصين لنشر معارفهم للعالم. لكن المتخصّص العربي لا يجد دافعاً من نفسه للاستفادة من هذه الفرصة. فتراه يقرأ المحتوى المنشور بلغات أخرى ويستفيد منه، لكنّه لا يعرف أنّه قادر على المشاركة في إثراء المحتوى العربي على الشبكة.

العربيّة حبيسة فيٓسبوك
تتّضح خطورة هذه المشكلة في عصر المعرفة الرقمية. فالمجتمعات التي لا تنتج محتوى متخصّصاً بلغتها تتخلّف عن ركب التطوّر المعرفي. ويصبح أبناؤها مستهلكين للمعرفة المنشورة بلغات أخرى، عاجزين عن المساهمة في إنتاج المعرفة واكتسابها بلغتهم. فالمتخصّص العربي اليوم يستهلك المحتوى العلمي المنشور بالإنگليزية أو الفرنسية، لكنّه لا يشارك في إنتاج محتوى علمي باللّغة العربية.
حين أبحث على الوب، أجد عشرات ومئات المدوّنات الإنگليزية التي تنشر في موضوعي مع ندرة نتائج البحث من فيٓسبوك. لكن، حين أبحث عن نفس الموضوع باللّغة العربية أجد أغلب نتائج البحث من فيٓسبوك وغيره من منصّات وام (وسائل الإعلام المجتمعي) مع ندرة النتائج من مدوّنات ومواقع متخصّصة. المحتوى العربية على الوب أسير فيٓسبوك!
يعود تركّز المحتوى العربي في منصات وام إلى تدمير المدرسة لقدرات الطفل على التعبير. فالمدرسة العربية تقتل روح الكتابة المتخصّصة في نفس الطفل منذ صغره. تفرض عليه مواضيع محدّدة في درس التعبير، كوصف الربيع والحديث عن الأم والوطن. ولا تدرّبه على التعبير عمّا يتعلّمه في المواد العلمية بأسلوبه الخاص.
ينمو هذا الطفل ليصبح متخصّصاً متفوقاً في مجاله العلمي، لكنه يفتقر للقدرة على التعبير عن معارفه في مدوّنة متخصّصة. فيلجأ إلى نشر تعليقات قصيرة ومشاركات سريعة على فيٓسبوك. وتكون هذه المشاركات سطحية وعابرة، لا تتعمّق في شرح الموضوع.
يختلف الأمر في البلاد الناطقة بالإنگليزية. فالمدرسة هناك تشجّع الطفل على التعبير عن كل ما يتعلّمه بأسلوبه الخاص. يكتب الطالب عن التجارب العلمية التي أجراها، والنظريّات الرياضية التي درسها، والظواهر الطبيعية التي لاحظها، ويكتب حتّى عن معتقداته وأفكاره وخواطره. فينمو متمكناً من التعبير عن أفكاره ومعارفه، ومتمكّناً من مهارات التفكير.
ينعكس هذا على المحتوى المنشور على الشبكة. فالمتخصّص الغربي يؤسّس مدوّنة متخصّصة يشرح فيها جوانب علمه بالتفصيل. ويكتب مقالات مطوّلة تتعمّق في الموضوع وتناقش تفاصيله بدقة، لأنّ هذا في حياته عادة وسلوك طبيعي مفترض. أمّا المتخصّص العربي فيكتفي بمشاركات سريعة على منصّات وام، لأنّه لم يتعلّم كيف يكتب مقالاً متخصّصاً متكاملاً.
تمتدّ جذور المشكلة إلى طريقة تدريس التعبير في المدارس العربية. فالمدرسة لا تهتمّ بتطوير قدرة الطالب على الكتابة المتخصّصة. تركّز على حفظ التعابير الجاهزة واستخدامها في موضوعات محدّدة. فينشأ الطالب عاجزاً عن التعبير المتعمّق عن معارفه ومعلوماته. ويضاف إلى ذلك سهولة النشر في منصّات وام مقارنة بإنشاء مدوّنة متخصّصة. فكتابة تعليق أو مشاركة على فيٓسبوك لا تتطلّب جهداً كبيراً. أمّا تأسيس مدوّنة وكتابة مقالات متخصّصة فيحتاج إلى مهارات تعبيرية متقدّمة لم تعلّمها المدرسة العربية لطلّابها.

مهارات التعبير والثقة بالنفس
تكشف الدراسات العلميّة أنّ تطور مهارات التعبير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالممارسة المبكّرة في مرحلة الطفولة. وأثبتت البحوث التربوية أنّ الأطفال الذين يمارسون التعبير الشفهي والكتابي بشكل منتظّم في المدرسة يطوّرون قدرات تواصلية متقدّمة في المراحل اللّاحقة.
يؤدّي ضعف التأسيس اللّغوي إلى مشكلات متعدّدة في الحياة المهنية للخرّيجين. فالمهندس المتميّز في تصميم المباني يجد صعوبة في تقديم مشروعه أمام العملاء. كما يواجه الطبيب الماهر تحدّياً في شرح الحالة المرضية للمريض بلغة مفهومة. وتؤكّد التجارب العالمية على أهمّية دمج مهارات التعبير في المناهج الدراسية منذ الصفوف الأولى. طبقت اليابان نموذجاً تعليميّاً يدمج التعبير الشفهي في جميع المواد الدراسية، ممّا أدّى إلى تحسّن ملحوظ في قدرات الطلاب التواصلية.
يرى الباحثون التربويّون ضرورة تغيير طرق التدريس التقليدية. ويقترح العلماء تخصيص وقت أكبر داخل غرف الدارسة للمناقشات والعروض التقديميّة وكتابة المقالات التعبيرية. وتساعد هذه الأنشطة الطلاب على تطوير مهاراتهم في صياغة الأفكار وعرضها بوضوح. ويشير علماء النفس التربوي إلى العلاقة بين ضعف التعبير والثقة بالنفس. إذ يؤثّر عجز الطالب عن التعبير عن أفكاره سلباً على تقديره لذاته وتفاعله الاجتماعي. وتنعكس هذه المشكلة على أدائه المهني وعلاقاته الشخصية مستقبلاً.
يتميّز الإنسان بقدرته على التعبير عن أفكاره ومشاعره، فيستطيع التواصل مع الآخرين بفاعلية وكفاءة. وتجعل هذه القدرة الإنسان قادراً على بناء علاقات اجتماعية متينة والمشاركة في بناء المجتمع. وتساعد مهارات التعبير الإنسان على نقل معارفه وخبراته للآخرين، ممّا يسهم في تطوّر المجتمعات البشرية وازدهارها. ويستطيع الإنسان المعبّر عن أفكاره المشاركة في حل المشكلات وتقديم الحلول المناسبة لها.
تؤثّر القدرة على التعبير في النموّ النفسي للإنسان، فيشعر بالراحة والطمأنينة عندما يعبّر عن مشاعره وهمومه. ويستطيع الإنسان تفريغ مشاعره السلبية بطريقة صحّية عندما يمتلك القدرة على التعبير عنها. وتمكّن مهارات التعبير الإنسان من الدفاع عن حقوقه ومصالحه بالطرق السلمية والمشروعة. ويستطيع صاحب المهارات التعبيرية العالية إقناع الآخرين بوجهة نظره وكسب تأييدهم لقضاياه.
كلّما زادت القدرة على التعبير عن المشاعر والأفكار، كلّما دعم ذلك قدرة على الإنسان على ضبط النفس والحفاظ على هدوء الأعصاب في النقاشات الحسّاسة. ما يعني استمرار القدرة على تحقيق مستوى عالي من التركيز، تحمي من الوقوع في خطأ التقدير والقرار. ويرتبط نجاح الإنسان في حياته المهنيّة بقدرته على التعبير عن أفكاره بوضوح ودقة. فتزداد فرص العمل المتاحة أمام الشخص الذي يمتلك مهارات تواصل متميّزة ويستطيع عرض إنجازاته وخبراته بكفاءة.

دور المدرسة
يؤدّي التعليم المدرسي دوراً جوهريّاً في صقل شخصيّة الطالب، وتنمية مهاراته التعبيريّة عبر المراحل الدراسيّة المختلفة. تبدأ المدرسة بتأسيس قدرات الطفل اللّغوية في المرحلة الابتدائية، فيتعلّم القراءة والكتابة والتعبير عن أفكاره البسيطة. ثمّ تتطوّر مهارات الطالب في المرحلة المتوسّطة، فيكتسب مفردات جديدة ويتمرّن على كتابة المقالات القصيرة والتحدّث أمام زملائه. وتساعد النشاطات الصفّية الطالب على تنظيم أفكاره وترتيبها بأسلوب منطقي سليم.
تزداد قدرات الطالب نضجاً في المرحلة الثانوية، فيستطيع التعبير عن آرائه بوضوح ودقّة. وتدفع المناقشات الصفّية والواجبات الكتابية الطالب نحو تطوير أسلوبه وتعميق فكره. فيتعلّم تحليل النصوص الأدبية وكتابة المقالات المطوّلة والمشاركة في المناظرات. وتشكّل المدرسة بيئة محفّزة للإبداع والتعبير، فتوفّر للطلّاب فرصاً متنوّعة لعرض مواهبهم وتنمية قدراتهم. وتسهم الأنشطة اللاصفّية مثل المسرح المدرسي والإذاعة الصباحية والمجلّة المدرسية في تعزيز مهارات التواصل والتعبير لدى الطلاب.
يكتسب الطالب في المدرسة مهارات التفكير النقدي والتحليل المنطقي، ممّا يساعده على التعبير عن أفكاره بطريقة منظّمة ومقنعة. وتمنح المدرسة الطالب فرصة التعرّف على وجهات نظر مختلفة واحترام آراء الآخرين. لكن، يكشف تتبّع مواضيع التعبير المدرسية في البلدان العربية عن نظام تعليمي تقليدي يميل للإعادة والتكرار. ويتركّز على موضوعات محدودة، تدور غالباً حول فصل الربيع والوطن والأم والرحلات المدرسية.
تختلف الأنظمة التعليمية الغربية عن نظيراتها العربية في تشجيعها الطلّاب على طرح الأفكار الجديدة ومناقشة القضايا المعاصرة. ويحظى الطلّاب في المدارس الغربية بمساحة واسعة للتعبير عن آرائهم الشخصية وتجاربهم الخاصة. وتبرز مشكلة أساسيّة في النظام العربي تتمثّل في فرض مواضيع سياسيّة وأيديولوجيّة على الطلاب. فيضطر الطلّاب للكتابة عن موضوعات تفوق مستوى فهمهم وإدراكهم، ممّا يؤدّي إلى نفورهم من التعبير الكتابي، طالما أنّه يشعرهم بالنقص وضعف الفهم.
تتميّز المدارس الغربية بتركيزها على تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل. ويتعلّم الطلّاب كيفيّة بناء الحجج المنطقية ودعم آرائهم بالأدلّة والبراهين. في حين يفتقر النظام العربي إلى التنوّع في أساليب التدريس وطرق التقييم. ويعتمد المعلّمون على أسلوب التلقين والحفظ، ممّا يحدّ من قدرة الطلّاب على الإبداع والابتكار.
تهتمّ المدارس الغربية بربط التعليم بالواقع المعاصر. ويناقش الطلّاب قضايا مثل التغيّر المناخي والتطوّر التكنولوجي والتنوّع المجتمعي. في حين يحتاج النظام التعليمي العربي إلى تطوير جذري في طرق تدريس التعبير. ويتطلب هذا التطوير تدريب المعلّمين على أساليب حديثة تشجّع الإبداع وتنمّي المهارات اللّغوية. ويمكن تطبيق أساليب تدريس تجمع بين احترام التراث العربي والانفتاح على المعارف الحديثة.

كلمة العلم في المسألة
يؤكّد علماء النفس أهمّية التعبير في تحقيق الصحّة النفسيّة للفرد، فكبت المشاعر والأفكار يؤدّي إلى الاضطرابات النفسية المختلفة. وتُبرز الدراسات النفسية دور التعبير في تخفيف التوتّر والقلق والاكتئاب. ويربط علماء الاجتماع بين قدرات التعبير والتكيّف الاجتماعي للفرد، فضعف التعبير يؤدّي إلى العزلة والانطواء. وتساعد مهارات التعبير السليمة الشخص على الاندماج في المجتمع وبناء علاقات إيجابية.
والشخصية المنعزلة المنطوية هنا ليس الشخصية الانطوائية التي تفضّل الانعزال عن الناس، إنّما هي الشخصيّة التي تشجّع وتدفع المجتمع إلى الإنغلاق وإلى رفض الآخر، وإلى الخوف من الانفتاح وفرصة تبادل المعارف. فتتبنّى منهجاً ينفر من المجتمع المختلف وينظر إليه نظرة عداء ورفض.
يدرس علماء النفس التربوي تأثير القدرات التعبيرية في نموّ شخصيّة الطفل وتطوّرها. وتؤثّر صعوبات التعبير في مرحلة الطفولة على النموّ النفسي والاجتماعي للإنسان. ويوضح الباحثون الاجتماعيون علاقة مهارات التعبير بمستوى الذكاء العاطفي للشخص. إذ تزداد قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم كلّما ارتفع مستوى تعبيره العاطفي.
يكشف علم النفس المعرفي ارتباط التعبير بعمليّات التفكير العليا، فالتعبير الدقيق يعكس مستوى التفكير المنطقي والتحليلي، والعكس صحيح. فتُظهر الدراسات المعرفية دور التعبير في تنظيم الأفكار وترتيبها. ويؤكّد علماء الاجتماع أهمّية تطوير مهارات التعبير في مواجهة مشكلات المجتمع وأزماته. فتساعد القدرات التعبيرية المتطوّرة على حل النزاعات الاجتماعية بالطرق السلمية.

الأثر التدميري للمدرسة العربية المعاصرة
تركّز المدارس العربية على حفظ القواعد النحوية والصرفية دون تطبيقها في مواقف حقيقية. فيفقد الطالب العربي القدرة على التعبير التلقائي بسبب خوفه الدائم من الوقوع في الأخطاء اللّغوية. ويُضعف التركيز على المواضيع التقليدية المكرّرة قدرة الطالب على الإبداع والابتكار في التعبير. فتؤدّي النصوص القديمة المحفوظة إلى جمود الأساليب التعبيرية عند الطلّاب.
تهمل المدارس تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل المنطقي. فيعجز الطالب العربي عن مناقشة الأفكار وتحليلها بسبب التركيز على الحفظ والتلقين. وتغفل المناهج الدراسية أهمّية التعبير الشفهي والمناقشات الصفية. فتضعف مهارات الخطابة والإلقاء عند الطالب العربي بسبب قلّة فرص التدريب عليها.
تركّز المدارس على الامتحانات والدرجات أكثر من تنمية المهارات الحياتية. فيفقد الطالب الثقة في قدراته التعبيريّة بسبب خوفه من التقييم السلبي. ويبحث باستمرار عن التقييم الجيد بدلاً من البحث عن التأثير وإظهار دواخله. وتهمل المدارس ربط المواد الدراسية بالواقع المعاصر للطلّاب. فتضعف قدرة الطالب على التعبير عن قضايا عصره ومشكلات مجتمعه. وتغيب الأنشطة الإبداعية والفنّية عن المناهج الدراسية. فتضمر المواهب التعبيرية للطلاب بسبب عدم توفّر فرص ممارسة الفنون والآداب المختلفة.

تجربة استقراء
في الأسابيع الماضية، أجريت تجربة على فيٓسبوك فسألت أوّل مرّة عن مواضيع “مواضيع التعبير” التي أحبّ الناس كتابتها في أيّام المدرسة. وفي المرّة الثانية سألت عن المواضيع التي كره الكتابة فيها. وجاءت الإجابات من كلّ البلدان العربية تقريباً، وبالأخص من سوريا، مصر، العراق، ليبيا، الأردن، المغرب. ومن إجابات السؤالين تمكّنت من استقراء دور المدرسة في البلدان العربية في تحديد وتقنين قدرة الفرد على التعبير.
كان ٥٨٪ من المشاركين ذكور، و٤٢٪ إناث.
تحليل استبانات مواضيع التعبير المدرسية

المواضيع الأكثر تكراراً
- فصل الربيع / وصف الربيع: 32%
- الوطن: 15%
- الأم: 12%
- الرحلات المدرسية: 10%
- العلم والتعليم: 8%
- الطبيعة والشجرة: 7%
- العطلة والنزهات: 6%
- الصداقة: 5%
- مواضيع متفرقة: 5%


المواضيع غير المرغوب فيها
- المواضيع السياسية والحزبية: عبّر العديد من المشاركين، خاصّة من ذكر “إنجازات حزب البعث”، عن عدم ارتياحهم للإجبّار على الكتابة في المواضيع السياسيّة. وذكرت إحدى المشاركات من العراق (ندى محمّد) تحديداً كرهها للمواضيع السياسية التي “تمجّد ما لا يستوعبه عقل الطفل”. وهذه فكرة مهمّة تشير بوضوح إلى المنهج المدرسي الذي يركّز على تحفيظ الأطفال عبارات تصبح جاهزة دون فهمها، بدلاً عن تشجيع وتطوير التفكير النقدي. لهذا اعتُبرت هذه المواضيع غير مناسبة لعمر الطلّاب ومستوى فهمهم.
- المقالات الموضوعية: ذكرت إحدى المشاركات من لبنان (سحر رمضان) أنّها كانت تكره كتابة المقالات الموضوعية خلال الدراسة، لكن من المثير للاهتمام أنّها أحبّتها عندما كبرت. هذا دليل على أنّ المنهج المدرسي لا يراعي احتياجات الطلّاب في مراحل عمرية مبكّرة، ويضغط باتّجاه التلقين وتحديد الأفكار المطلوب كتابتها، بدلاً عن فتح المجال للتعبير الحرّ والإبداعي. وتشير هذه عادةً إلى المقالات الرسمية المنظّمة التي تتطلّب تحليلاً أكاديميّاً بدلاً من التعبير الإبداعي. غالباً ما وجد الطلّاب هذه المقالات جامدة وأقلّ تشويقاً من الكتابة الإبداعية.
- التحدّث عن النفس: ذكرته أسيل الخوالدة كموضوع مكروه بشكل خاص. ويشير هذا إلى المقالات الشخصية أو كتابة السيرة الذاتية. وغالباً ما وجد الطلّاب صعوبة في الكتابة عن أنفسهم، ربّما بسبب مخاوف تتعلّق بالخصوصية أو صعوبة التعبير عن النفس. ففي بيئة ترفض الاختلاف، وترفض حتّى مناقشة هذا الاختلاف، يصبح التعبير عن خوالج النفس أمراً مخيفاً ومرعباً ومن مسبّبات التوتّر.
- المناسبات القومية: تتضمّن هذه المواضيع عادةً الكتابة عن الأعياد الوطنية أو الذكرى السنوية أو المناسبات الوطنية. ويبدو أنّ الكراهية نبعت من الطبيعة المتكرّرة وربّما النبرة الرسمية المطلوبة في مثل هذه المقالات.

الخيط المشترك بين هذه المواضيع غير المرغوب فيها يبدو أنّه:
- المواضيع التي تجبر الطلّاب على أساليب كتابة جامدة ورسمية.
- مواضيع قد تكون فوق مستوى عمرهم أو فهمهم المدرسي.
- مواضيع تبدو مفروضة بدلاً من السماح بالتعبير الإبداعي.
- موضوعات تتطلّب الكتابة من منظور أيديولوجي محدّد.
باختصار، كلّها تقنيات تقول: لا نريد أفكارك، نريد أن نتيقّن من حفظك لأفكارنا. وهذا يخالف الغرض الأساسي من مادّة التعبير.
تشير هذه الملاحظات إلى أنّ الطلاب فضّلوا المواضيع الإبداعية المناسبة لأعمارهم والتي تسمح بالتعبير الشخصي والخيال بدلاً من مهام الكتابة الرسمية أو ذات التوجه السياسي.
يلاحظ تكرار نفس المواضيع في معظم الدول العربية. بعض المشاركين أشاروا إلى إبداعهم في كتابة التعبير في حين عبّر آخرون عن كرههم للمادة. وكثير من المواضيع تركّزت حول الطبيعة والعلاقات الاجتماعية الضيّقة. بعض المشاركين انتقدوا طريقة تدريس التعبير وعدم تنوّع المواضيع.

ما يجب أن يتغيّر
- تنويع مواضيع التعبير لتشمل اهتمامات الطلّاب المعاصرة.
- تجنّب المواضيع السياسية المعقّدة التي لا تناسب مستوى الطلّاب.
- إعطاء الطلّاب حرّية أكبر في اختيار مواضيع التعبير.
- التركيز على تنمية المهارات اللّغوية والإبداعية بدلاً من التركيز على مواضيع محدّدة.
مقارنة مع ما يُطلب من الطلّاب في الولايات المتّحدة وأوروپا
تُدرّس مادّة التعبير في المدارس الغربيّة الطلّاب مهارات الكتابة الأساسيّة والمتقدّمة معاً. وتُنمّي هذه المادّة قدرات التفكير النقدي والتحليلي عند الطلّاب، فيتعلّمون كيفيّة تكوين الأفكار وربطها بطريقة منطقيّة. إذ تساعد دروس التعبير الطلّاب على إتقان أساليب الكتابة المختلفة، مثل كتابة المقالات الأكاديميّة والقصص الإبداعيّة والتقارير البحثيّة. ويتعلّم الطلّاب أيضاً مهارات البحث وتوثيق المصادر والاقتباس السليم.
تُركّز المدارس الأوروپية والإنگليزية على تدريس الطلّاب كيفيّة التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم بأسلوب واضح ومقنع. فيتدرّب الطلّاب على تطوير حججهم وتدعيمها بالأدلّة والبراهين المناسبة. وتؤدّي مادّة التعبير دوراً مهمّاً في تعزيز مهارات التواصل الكتابي عند الطلّاب، مما يُحسّن فرصهم المستقبليّة في التعليم العالي والعمل. ويكتسب الطلّاب مهارات تنظيم الوقت والتخطيط والمراجعة والتحرير من طريق مشاريع الكتابة المختلفة.
أوجه التشابه:
- المواضيع الشخصية مثل العائلة (خاصّة الأم) والعطل المدرسية.
- الطبيعة والفصول (خاصة فصل الربيع).
- الوطن والانتماء.
- الرحلات والزيارات المدرسية.
أوجه الاختلاف الرئيسية:

المدارس العربية تركز على:
- مواضيع تقليدية متكرّرة بشكل كبير:
- فصل الربيع.
- الأم والوالدين.
- الرحلات المدرسية المحدّدة.
- الوطن بشكل سطحي ومباشر.
- مواضيع سياسية وأيديولوجية:
- “إنجازات الحزب الحاكم”.
- “المناسبات القومية”.
- “بطولات الجيش”.
- قضية فلسطين.
- مواضيع أخلاقية تقليدية:
- الصدق والأمانة.
- بر الوالدين.
- عواقب إفشاء السر.
حين المدارس الغربية تركّز على:
- مواضيع نقدية وتحليلية:
- تحليل القضايا المعاصرة.
- مناقشة وجهات النظر المختلفة.
- التفكير النقدي في المشكلات المجتمعية.
- مواضيع معاصرة:
- التكنولوجيا والتعليم عن بعد.
- التغيّر المناخي.
- التنوّع الإثني.
- مواضيع شخصية إبداعية:
- تجارب تغيير شخصية.
- آراء وأفكار الطلاب الخاصّة.
- مشاريع مستقبلية وطموحات.
من الملاحظ أيضاً أنّ بعض التعليقات تشير إلى عدم رضا عن طريقة تدريس التعبير في المدارس العربية، مثل تعليق من ليبيا لأحمد الچوبي الذي يقول “لكي تتقن فنّ التعبير، عليك أن تبني مخزوناً لغويّاً ثريّاً من طريق القراءة المستمرّة، وهذا لم يحدث في تدريس الأطفال”، ممّا يشير إلى الحاجة لتطوير أساليب تدريس التعبير في المدارس العربية.

التعبير في مدارس أميركية وأوروپية
وهذه أمثلة شائعة للمواضيع التعبيرية في المدارس الأمريكية والأوروپية بما فيها ألمانيا، حيث أقيم:
المواضيع الشخصية والذاتية:
- وصف تجربة غيّرت حياتهم
- شخص مؤثّر في حياتهم
- أحلامهم وطموحاتهم المستقبلية
- تحدٍّ واجهوه وكيف تغلبوا عليه
المواضيع الاجتماعية:
- التنمّر في المدارس
- استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (وتم\وام)
- العمل التطوّعي وخدمة المجتمع
- الصداقة والعلاقات الاجتماعية
المواضيع البيئية:
- التغيّر المناخي
- إعادة التدوير وحماية البيئة
- الحفاظ على الموارد الطبيعية
- التلوّث وآثاره
المواضيع التراثية:
- التنوّع الإثني في المجتمع
- العادات والتقاليد العائلية
- الاحتفالات والمناسبات المهمّة
- تجارب السفر والتعرّف بعادات جديدة
المواضيع الأكاديمية:
- رأيهم في كتاب قرأنه
- تحليل قصّة أو رواية
- مناقشة حدث تاريخي مهم
- شرح ظاهرة علميّة
المواضيع الجدلية:
- التعليم عن بعد مقابل التعليم التقليدي
- استخدام التكنولوجيا في التعليم
- النظام الغذائي في المدارس
- الزيّ المدرسي
يختلف مستوى التعقيد والعمق المطلوب حسب المرحلة الدراسية والعمر، ولكن عادةً ما يكون التركيز على:
- تطوير مهارات التفكير النقدي.
- استخدام الأدلّة والأمثلة لدعم الآراء.
- تنظيم الأفكار بشكل منطقي.
- استخدام لغة واضحة ومناسبة.

كيف أعالج مشكلتي؟
يستطيع الراشد العربي اليوم تجاوز آثار التعليم المدرسي السلبية على قدراته التعبيرية. وتبدأ رحلة تطوير مهارات التعبير بالقراءة المتنوّعة، فتوسِّع القراءة المستمرّة المخزون اللّغوي للشخص وتعرّفه بأساليب تعبيرية متعدّدة. ويفيد البدء بقراءة الكتب السهلة المشوّقة، ثمّ الانتقال تدريجياً نحو النصوص الأكثر تعقيداً.
تساعد كتابة المذكّرات اليومية على تنمية القدرة التعبيرية بشكل طبيعي وتلقائي. وتدفع ممارسة الكتابة اليومية الشخص نحو اكتشاف أسلوبه الخاص والتعبير عن أفكاره بحرّية. وتطوّر المشاركة في مجموعات القراءة والكتابة مهارات التعبير الشفهي والكتابي معاً. إذ تفتح هذه المجموعات الباب أمام تبادل الخبرات والتجارب مع الآخرين. ويمكن للأسرة تكوين نادي للقراءة تخصّص له يوماً من أيّام الأسبوع، قد يتوسّع ليضمّ المزيد من أفراد العائلة الكبيرة أو الأصدقاء والجيران.
تساعد الكتابة في مدوّنة شخصية على تطوير الأسلوب وتعزيز الثقة بالنفس. إذ تدفع المدوّنة صاحبها نحو البحث عن المعلومات وتنظيمها وعرضها بطريقة واضحة وجذّابة. ويؤدّي الاستماع للمحاضرات والپودكاست التعليمية دوراً مهمّاً في تطوير المفردات وأساليب التعبير. إذ يكتسب المستمع المنتظم مفردات جديدة وتراكيب لغويّة متنوّعة. وتفتح وسائل التواصل المعاصرة آفاقاً واسعة للتعبير والمشاركة مع العالم. فتتيح هذه المنصّات فرصاً متعدّدة لتبادل الأفكار والخبرات مع أشخاص من خلفيات متنوّعة.
تتطلّب معالجة مشكلة ضعف التعبير في المجتمع العربي جهوداً متكاملة من المؤسّسات التعليمية والتربوية. تبدأ هذه الجهود بتطوير المناهج الدراسية وأساليب التدريس، وتشجيع الطلّاب على ممارسة التعبير الحرّ والإبداعي. وتساعد البيئة التعليمية الداعمة للتعبير على تنمية شخصيّة الطالب وصقل مواهبه. وتتجلّى أهمّية هذا التطوير في تمكين المتخصّص العربي من نشر معارفه وخبراته، والمساهمة في إثراء المحتوى العربي على الشبكة العالمية. تفتح التكنولوجيا الحديثة آفاقاً واسعة أمام الأفراد للتعبير عن أفكارهم ومشاركة تجاربهم مع العالم. وتؤدّي تنمية مهارات التعبير إلى تطوّر المجتمعات وازدهارها، وتعزيز التواصل والتفاهم بين أفرادها.
مراجع
- العناني، حنان عبد الحميد. (2018). تنمية مهارات التعبير الشفوي والكتابي في مرحلة التعليم الأساسي. مجلة كلية التربية، جامعة عين شمس، 42(2)، 89-112.
- طعيمة، رشدي أحمد. (2016). المهارات اللغوية: مستوياتها، تدريسها، صعوباتها. دار الفكر العربي، القاهرة.
- مدكور، علي أحمد. (2015). تدريس فنون اللغة العربية. دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان.
- الناقة، محمود كامل. (2017). تعليم اللغة العربية في التعليم العام: مداخله وفنياته. جامعة عين شمس، القاهرة.
- العصيلي، عبد العزيز بن إبراهيم. (2019). طرائق تدريس اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.
- Boscolo, P., & Hidi, S. (2016). Writing and Motivation. Emerald Group Publishing Limited.
- Graham, S., & Perin, D. (2017). Writing Next: Effective Strategies to Improve Writing of Adolescents in Middle and High Schools. Carnegie Corporation of New York.
- Hayes, J. R. (2018). The Science of Writing: Theories, Methods, Individual Differences, and Applications. Lawrence Erlbaum Associates.
- MacArthur, C. A., Graham, S., & Fitzgerald, J. (2016). Handbook of Writing Research (2nd ed.). The Guilford Press.
- Zimmerman, B. J., & Risemberg, R. (2015). Self-Regulatory Dimensions of Academic Learning and Motivation. In D. C. Berliner & R. C. Calfee (Eds.), Handbook of Educational Psychology (pp. 63-78). Macmillan.
- Dörnyei, Z., & Ryan, S. (2015). The Psychology of the Language Learner Revisited. Routledge.
- Hyland, K. (2019). Second Language Writing (2nd ed.). Cambridge University Press.
- Prior, P. (2017). Writing/Disciplinarity: A Sociohistoric Account of Literate Activity in the Academy. Lawrence Erlbaum Associates.
- Swales, J. M., & Feak, C. B. (2016). Academic Writing for Graduate Students: Essential Tasks and Skills (3rd ed.). University of Michigan Press.
- Vygotsky, L. S. (2012). Thought and Language (rev. ed.). MIT Press.





اترك رد