من حقّ كلّ إنسان في هذه الحياة أن يفكّر في الاتجاه الذي يرتاح له وبه، وأن يتكلّم وأن يعبّر عن أفكاره بالطريقة التي تناسبه. كذلك، من حقّ كلّ إنسان في هذه الحياة أن يختار لمن يستمع، وأن يختار المصدر المناسب لاستقبال الأفكار.
مؤخّراً قرأت نتائج عدّة دراسات نفسيّة واجتماعيّة تركّز على “مدرسة المتلقّي” (“نظرية الاستقبال”)، أنواع من السلوكيّات والآراء والانطباعات الآنية التي تتولّد عند المتلقّي، والتي تكون متأثّرة بطريقة (مصدر الأفكار) التي يتابعها. انطباعات متأثّرة بشكل عرض الأفكار أكثر من الأفكار نفسها.
فماذا يعني هذا؟
طريقة عرض الفكرة وشكل تقديمها وإيصالها، يمكن أن يؤثّر على عواطفي بشكل مباشر، وبمعزل عن الفكرة نفسها إلى حدّ ما.
هذا التأثير العاطفي الناتج عن طريقة عرض الفكرة سيولّد عندي مشاعر تتحكّم بقراراتي وسلوكيّاتي ونظرتي للحياة من حواليّ، بغضّ النظر عن اقتناعي بالفكرة المعروضة أو لا، وبالتالي ستوثّر حتّى على معتقداتي الآنيّة، وتشكّل عضويّتي بما يسمّى “مدرسة المتلقّي”.
مع ذلك، يُذكر في مجالات مثل الاتصالات وعلم النفس والفلسفة والدراسات الثقافية مجموعة من النظريّات التي تركّز على المتلقّي وكيفية تأثّرهم بالرسائل. وتشمل هذه المفاهيم النظرية القراءة النقدية والقراءة الاستجابية ونظريّة الاستقبال والاستجابة.
في جميع هذه النظريات، يُعتبر المتلقي شريكًا نشطًا في عملية الاتصال، وليس مجرّد وعاء يتلقّى الرسائل. يتأثّر المتلقّي بعوامل مثل الخلفية الثقافية والتجارب الشخصية والمعتقدات والقيم، وكلّ هذه العوامل تلعب دورًا في تحديد كيفية فهمهم ورد فعلهم على الرسائل.
راقبت نفسي خلال الأسابيع الماضية، ولاحظت من متابعتي لمنشورات الصفحات التي تتّفق بمحتواها مع أفكاري، تغيّر مزاجي وحالتي العصبيّة بعد متابعة منشوراتها.
ورغم اتّفاق محتويات جميع هذه الصفحات مع أفكاري ومعتقداتي، لكن اختلفت حالتي النفسية بين منشورات صفحة وغيرها، بعض الصفحات قدّمت محتواها بطريقة ولّدت عندي راحة نفسية. وبالمقابل بعض الصفحات قدّمت محتواها بطريقة ولّدت عندي انزعاج وضيق نفسي.
رغم اتّفاق جميع هذه الصفحات بالأفكار، لكن تغيير شكل عرض ذات الفكرة أثّر على مشاعري بطريقة مختلفة، وولّد عندي ردّات فعل نفسيّة مختلفة، أثّرت على قراراتي بقيّة اليوم. وأحياناً، قرار في توقيت خاطئ يمكن أن يتسبّب بندم يمتدّ لوقت طويل، وقد يسبّب أضراراً؛ صعب جداً ترميمها.
هذا التغيير بسلوكيّات “مدرسة المتلقّي” ضمن “نظرية الاستقبال”، هو فرع مهمل إلى حدّ ما من علوم محتوى الوسائط “الميديا”، وبيتعلّق بتشكيل وإعادة تشكيل المحتوى الإعلامي بمختلف أنواعه. وإذا كان هذا الفرع العلمي نادر الدراسة بلغته الأم الفرنسية وباللّغة العالمية؛ الإنگليزية، فهو من الأفرع العلمية المهملة تماماً باللّغة العربية، ولا يوجد ولا حتّى مقال عربي واحد يتكلّم فيه.
عموماً، ونتيجة إدراكي لتأثّري الأكيد بشكل عرض الفكرة ضمن محتوى صفحات فيٓسبوك، ولو كانت هذه الفكرة تتّفق مع مجموع أفكاري، قرّرت أن أقيّم صفحات فيٓسبوك بناء على الانطباع النفسي المتروك عندي بعد متابعة محتواها.
في حال تركت عندي منشورات الصفحة راحة نفسية سأبقى على متابعتها، وفي حال تركت عندي الصفحة انزعاج وقلق سأتوقّف عن متابعتها فوراً وأهملها، وفي حال كانت هذه الصفحة السلبيّة هي جدار لصديق، فالأفضل حفظاً للصداقة الحقيقية بيننا أن ألغيها فيٓسبوكيّاً وأمنع تأثيرها السيء على العلاقة بيناتنا.
“نظرية الاستقبال” تُعرف بالإنجليزية باسم “Reception Theory”. هذه النظرية تم تطويرها أصلاً في الدراسات الأدبية والثقافية، ولكنها أصبحت تُطبّق بشكل واسع في مجالات مثل الاتّصالات وعلم النفس الاجتماعي. تتعامل هذه النظرية مع القرّاء أو المشاهدين أو المستمعين كمشاركين نشطين في عملية التواصل، بدلاً من أن يكونوا مجرد متلقين سلبيين للرسائل.





اترك رد