هل يمكن لسُلطة أن «تمتلك» كلمات معيّنة؟ هل يمكن «تحرير» هذه الكلمات؟ وما هو دور المجتمع في هذه العملية؟
هذه التدوينة نافذة مثيرة للاهتمام على ظاهرة لغوية-سياسية معقّدة، حيث نرى تفاعلاً بين اللّغة والسلطة والهوية الجماعية.
للخلاص من بعض ميراث الأسد، اقترح أخ سوري (محمد يازجي) حلّاً راديكالياً يتمثّل في إلغاء كلمات معيّنة من اللّهجات السوريّة، بل من اللّغة العربية، وهذا يعكس رغبة في القطيعة الكاملة مع رموز وأدوات السلطة اللغوية.
تفاعل عدد من السوريّين مع الاقتراح وقدّموا مجموعة المفردات هذه، وصنّفتها حسب دلالاتها.
وتكشف التعليقات اللّاحقة عن شبكة معقّدة من المصطلحات التي تشكّل ما يمكن تسميته “معجم السلطة”. فهذه المصطلحات ليست مجرّد كلمات، بل هي أدوات لممارسة السلطة وترسيخ الهيمنة الثقافية. والمثير للاهتمام أنّ بعض المشاركين يستخدمون السخرية في إضافاتهم، ممّا يشير إلى وعي جماعي بكيفية استخدام هذه المصطلحات كأدوات للسيطرة.
المصطلحات الرسمية والتنظيمية:
- البعث: اسم الحزب الحاكم
- القيادة القطرية: مصطلح يوحي بوجود قيادة مركزية لجزء من شيء أكبر
- الهيئة الإدارية: هيكل تنظيمي مدني لمؤسّسة أمنية
- طلائع البعث: تنظيم توجيه معنوي للأطفال
- الشبيبة: تنظيم توجيه معنوي شبابي
- الفرع: يشير إلى مؤسّسة الاعتقال والتعذيب
- مفرزة: تشير إلى مكتب التحاق المجنّدين بالخدمة العسكرية
المصطلحات السياسية والخطابية:
- المقاومة والممانعة. صمود وتصدّي. حقّ الرد: مصطلحات سياسية صارت تشير إلى الهزيمة والتخاذل
- منعطف تاريخي: تعبير يستخدم في الخطاب السياسي
- ثقة القيادة: تعبير يستخدم في السياق السياسي بمعنى ثقة الزعيم
- عملية نوعية: مصطلح يستخدم في السياق العسكري والأمني
- قلباً وقالباً: تعبير يستخدم للدلالة على الولاء المطلق
- حقّ الردّ: مصطلح انهزامي يستبدل عبارة العجز عن الرد، أو عدم الرغبة بالقيام بواجب الردّ.
- إدانة وشجب: مصطلح انهزامي يستخدم في الخطاب السياسي
- الحرب الكونية: مصطلح انهزامي يبرّر العجز عن نيل رأي الأغلبية من الشعب، ويلقي اللّوم على قوى أجنبية.
- مؤامرة كونية: مصطلح يستخدم في الخطاب السياسي لتبرير الفشل وإلقاء اللّوم على أطراف خارجية.
- انطلاقا من مواقفنا الثابتة: تركيب يستعمل لتحويل أي نقاش إلى خطاب تلقّي باتجاه واحد فقط.
- إضعاف الشعور القومي: تهمة توجّه إلى كل منتقد لتصرّفات المسؤولين الأعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي.
- النيل من هيبة الدولة: تهمة توجّه إلى كل صحفي ينتقد أخطاء الحكومة وأبناء آل الأسد.
- وهن عزيمة الأمة: تُهمة توجّه إلى كل ناشط مدني ينتقد سياسات نظام الأسد السوري.
المصطلحات الاجتماعية والتواصلية:
- رفيق: مصطلح للمخاطبة يعني «بعثي»
- مرحبا يا زميل: تحية رسمية تعني «عنصر أمني بثياب مدني»
- مُخبر: مصطلح أمني
- عُروبة: مفهوم قومي صارت تُستعمل تصنيف لمن هو مع النظام الحاكم أو ضدّ النظام الحاكم
المصطلحات المؤسّساتية:
- كتاب قومية: كتاب من المنهاج التعليمي الرسمي لا يقدّم ولا يؤخّر سوى التربية على «حبّ» و «تأليه» الزعيم
- السجن والاعتقال التعسّفي: مصطلحات قانونية وأمنية
- إلى الأبد: تعبير يستخدم في السياق السياسي
نرى أيضاً كيف أنّ المصطلحات المذكورة تشكّل طبقات مختلفة من الخطاب السلطوي: من المؤسّسات الرسمية (“القيادة القطرية”)، إلى الممارسات اليومية (“مخبر”)، إلى التعبيرات العاطفية (“ثقة القيادة”). هذا يوضح كيف تتغلغل لغة السلطة في جميع مستويات الحياة الاجتماعية.
شخصيّاً أرى الموضوع أكثر تعقيداً وعمقاً، وأرفض التخلّي عن الكلمات لمصلحة “استعادتها” من طريق إعادة تأصيل معانيها. فالسلطة لم تخترع هذه الكلمات، ولا يجوز تركها لنظام الأسد يحتكرها إلى الأبد. ويبقى هذا رأياً مع احترام القيمة العاطفية لهذه الكلمات في الذاكرة السورية.

شبّيح صفة لها وزن القبح والإجرام في سوريا، وتنوّعت معانيها لاحقاً. الجيل الجديد لا يعرف معناها الحقيقي، فيفترض، من مقارنتها بما يعرفه.
خرجت كلمة شبّيح في سوريا في عقد التسعينيات. في تلك الحقبة وقبل مقتل باسل الأسد. كان لكل فرد من آل الأسد عصابة، يتقاسمون جمع الأتاوات من تجار وصناعيي سوريا. وكان لكل فرد من كلاب الأسد أولاءك عناصر، يلهثون خلفه ويهدّدون مصادر النهب، نيابة عنه. وكان إذا رفض إنسان الدفع، يُشبح رأساً على عقب، كنوع من التعذيب، إلى أن يرضخ أو يموت.
كان المشبوح يُشبح على خطاف معلّق إلى السقف، ثم يضرب بالعصي الرفيعة على حفلات جماعية… تسمّى حفلات شبح وتشبيحة. وبسبب هذا الشَبْح استعمل كلاب الأسد صفة شبّيحة لعناصرهم، لإرهاب الناس بشبْحهم على خطّاف، رأساً على عقب. وكانت أغلب عمليّات التعذيب تحدث في ڤلل (قصور) هؤلاء الأفراد من آل الأسد، في محافظة اللاذقية، وأكثرها على البحر.
في تلك الحقبة لاحق باسل الأسد هذه العصابات، بسبب خلافاتها المسلّحة، وخصوصاً في اللاذقية. وانتصر عليها… ويقال أنّ هذا كان سبب مقتله. لكن، من بعد تدمير عصابات آل الأسد، اتّحدت جميعاً في قيادة واحدة تحت كلمة ماهر الأسد، وتحوّلت إلى جيش الشبّيحة، الذي عرفه عموم السوريّون منذ ٢٠١١. وارتكب المذابح والفظائع تحت إمرة بشار الأسد.
هذا سبب العبارة السورية القديمة “الشبّيحة النبّيحة” لأنّهم اشتغلوا في بداياتهم في تنظيمات كعصابات الكلاب البرّية تماماً. واستعملوا سيارات الرانج روڤر السوداء، وليس المرسيدس الشبح.
في لغة المعتقلات على لسان الفلسطينيين، تستخدم عبارة “غرفة الشبح” وفلان تحول “الشبح” وهي أسوأ أنواع التعذيب في سجون الاحتلال.





اترك رد