في السادس عشر من كانون أوّل ديسمبر 2025، نشرت وكالة الأنباء السورية “سانا” مقتطفاً من كلمة ألقاها الرئيس أحمد الشرع خلال لقائه وجهاء وأعيان محافظتي اللّاذقية وطرطوس في قصر الشعب بدمشق. جاء الخطاب باللّهجة السورية البيضاء، تلك اللّهجة التي يتحدّث بها الناس في حياتهم اليومية، التي تحمل دفء الخطاب المباشر وصدق المواجهة مع الواقع.
نقدّم هنا النص محرّراً إلى العربية الفصحى مع بعض التصرف اللازم للوضوح والسلاسة، محافظين على المضمون والمعاني الأساسية كما وردت، لأنّ الخطاب يمثّل وثيقة سياسية واقتصادية بالغة الأهمّيّة تستحق أن تُقرأ بتأنٍّ قبل الولوج إلى تحليلها.
كلمة الرئيس أحمد الشرع في لقائه وجهاء وأعيان اللاذقية وطرطوس
ملاحظة تحريرية: النص التالي ليس النسخة الأصلية للخطاب، بل صيغة محرّرة نقلناها من اللّهجة السورية البيضاء إلى العربية الفصحى مع بعض التصرّف للوضوح، مع الحفاظ على المضمون والمعاني الأساسية.
سوريا تواجه اليوم مشكلات كثيرة، وإمكاناتنا لمعالجتها حالياً أقل بكثير مما هو مطلوب، لأننا نعيش في حقبة تراكمية ورثناها جميعاً، خصوصاً خلال الأربع عشرة سنة الماضية. تعرضت سوريا لحرب كبيرة، واليوم نصف الشعب يعيش خارج البلاد، ومن بقي في الداخل، جزء كبير منه لا يزال يعيش في الخيام والمناطق العشوائية والمدن المهدمة والقرى المدمرة.
شهدنا تراجعاً كبيراً في المستوى الاقتصادي ومستوى الإنتاج، والقطاع الخدمي مدمر أيضاً. هناك مشكلات كثيرة، وأنا أفضل دائماً في الحوار مع من يمثلون المجتمع أن نتطرق إليها بشكل واضح، ثم ننتقل إلى الكليات الجامعة والأفكار الكبرى.
اليوم نحن على مفترق تاريخي بالغ الأهمية. الحدث الذي وقع خلال السنة الماضية لم يكن حدثاً عادياً، فهو لم يؤثر على الوضع السوري فحسب، بل أثر على المنطقة بأسرها، وامتد تأثيره إلى أطراف العالم.
استطاعت سوريا خلال السنة الماضية أن تعالج أموراً كثيرة كبيرة ومعقدة على صعيد العقد والمشكلات الإرثية القديمة والموروثة. على رأس هذه الإنجازات موضوع العقوبات. نحن عندما نقول إن العقوبات رُفعت عن سوريا، فهذه كلمة بسيطة في ظاهرها، لكن فيها تفاصيل كثيرة معقدة.
اليوم لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تعيش في عزلة عن محيطها الإقليمي والعالمي. من تعيش في عزلة فهي تحاصر نفسها. سوريا كانت سياساتها قائمة على عزلة كبيرة عن مجتمعها الإقليمي وعن المجتمع الدولي في الوقت نفسه.
نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء دولة من جديد. نعتمد على الإرث المفيد القديم. ما كان خاطئاً خلال المائة سنة الماضية لن نكرره، لكننا لم نهدم كل ما كان في الماضي. البناء الجديد له خصائصه وفلسفته. الأهم في عنوانه أن الشعب يساهم في هذا البناء.
لكي يساهم الشعب، نحتاج إلى نوع من الاستقرار. ولكي يكون هناك استقرار، يجب ألا نكون أسرى للمشكلات التاريخية التي وُضعنا فيها، التي ربما لم يكن لنا ذنب فيها جميعاً.
لدينا مصالح مشتركة كبيرة جداً. اليوم أهم شيء هو استثمار اللحظة والفرصة التاريخية لانتقال سوريا من حقبة إلى حقبة أخرى، والذهاب نحو نوع من الاستقرار والتطور. هذا الأمر موجود بين أيدينا جميعاً، وأيديكم أنتم بشكل خاص يا أهل الساحل، لأنكم العنوان الأمثل والنموذج الأقوى لتجاوز الخطاب الطائفي والمرحلة الطائفية والخشية من بعضنا البعض.
اليوم السياسة السورية لها مهمتان أساسيتان: استقرار الوضع في الداخل السوري استقراراً أمنياً، وكذلك التنمية الاقتصادية. على هذين المحورين نحن نمضي ونضع كل طاقاتنا للعمل في هذا الاتجاه.
الدولة السورية ليس لديها عقدة ثأر، ولا عقدة نقمة، ولا موقف مبدئي من أي طائفة أو أي أحد.
اللاذقية وطرطوس بيئة مناسبة جداً للاستثمار، وقد سوقناها بشكل كبير. نتحدث عن ربط إقليمي، لذلك أسرعنا في موضوع استثمارات الموانئ، واخترنا شركات لها انتشار واتساع عالمي، حتى تصبح سوريا في المستقبل المحطة الأساسية للنقلة التجارية بين الشرق والغرب.
هذا الأمر تحدثت عنه مع كل الدول الأوروبية، ومع دول آسيوية، وحتى مع الولايات المتحدة نفسها، ومع دول إقليمية. كل العالم مشجع على هذه الفكرة. بوابة هذه الأشياء موجودة في الساحل السوري.
الساحل السوري ليس مسألة على هامش الخريطة السورية، بل هو محط اهتمام كبير جداً، لأنه في الوقت نفسه يوجد إقبال عليه شديد.
نحن خلال السنة الماضية حاولنا معالجة كثير من القوانين والإجراءات والمسائل المتعلقة بتسويق الحالة السورية. أعتقد أن عام 2026 سيكون بداية الإنجازات التي سترونها على أرض الواقع. أعتقد أن من أكبر المستفيدين من هذه القطاعات ستكون حلب والساحل ودمشق في الوقت نفسه.
من طريقها سينتعش موضوع الزراعة، خصوصاً زراعات الساحل. فتحنا أسواقاً دولية وعالمية كثيرة، وستبدأ الشركات تأتي لتستثمر القطاع الزراعي وتفتح الأسواق. هذا شيء مهم جداً بالنسبة للمزارعين. حتى التقنيات الزراعية الحديثة ستدخل إلى سوريا بشكل جيد إن شاء الله.
موضوع الصناعة وزيادة الإنتاج داخل سوريا سينعكس أيضاً على موضوع البطالة بإذن الله. الاعتماد على القطاع الخاص والاستثمارات سيكون الأولوية. أعتقد أن هناك فرصة ضخمة جداً في الساحل السوري، وسيكون هناك عملية إنعاش ضخمة، سواء في القطاعات السياحية أو الخدمية أو الصناعة أو الزراعة. كل القطاعات مؤهلة لأن تُبنى في الساحل السوري.
ما نحتاج إليه اليوم هو أن نبدأ صفحة جديدة جميعنا معاً، نتعرف على بعضنا بشكل أفضل وأكثر، وأن يكون القانون هو الذي يحكم ويفصل بين خلافاتنا ومشكلاتنا.
العدالة الانتقالية ماضية، ربما ليس بالطموح الذي يتصوره البعض، لأن العدالة الانتقالية مسار وتحتاج أيضاً إلى بضع سنوات حتى يكتمل مشهدها، لأنها أيضاً تحكمها كثير من القوانين المحلية والدولية التي تسير عملها.
أعتقد أن مرجعنا يجب أن يبقى دائماً القانون، لأننا دولة مواطنة ودولة قانون. يَجِبُ ألاّ نكون دولة طوائف. يَجِبُ ألاّ نعالج مشكلاتنا طائفياً، ولا أن نفكر طائفياً. يوجد قانون هو الذي يحمي البلد كله ويحفظ حقوق الجميع.
لنشتغل بهذه الروح. سنجد أنفسنا بعد فترة بسيطة في مكان آخر تماماً.
انتهى المقتطف المحرر من الخطاب
قراءة تحليلية في الخطاب
تمهيد: لماذا هذا الخطاب؟
تحمل الكلمات التي ألقاها الرئيس أحمد الشرع أمام وجهاء وأعيان اللّاذقية وطرطوس في قصر الشعب بدمشق أهمّيّة استثنائية تتجاوز كونها مجرد لقاء بروتوكولي. فاختيار التوقيت والمكان والجمهور المستهدف يكشف عن رسالة سياسية واقتصادية دقيقة موجهة لمنطقة كانت ولا تزال تشكل عصباً حساساً في الجسد السوري. يمثّل هذا الخطاب وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة، حيث ينتقل الحديث فيها من لغة المواجهة العسكرية إلى لغة البناء المؤسّسي والتنمية الاقتصادية.
يسعى الرئيس الشرع في هذا الخطاب إلى تحقيق توازن دقيق بين الاعتراف بحجم الكارثة التي خلّفتها سنوات الصراع، وبين رسم معالم المستقبل الذي يراهن عليه. ينطلق الخطاب من واقعية مؤلمة: نصف الشعب السوري مهجّر، مدن مدمّرة، اقتصاد منهار، وبنية تحتية متهالكة. لكنّه لا يتوقّف عند هذا التشخيص القاتم، بل يمضي نحو طرح رؤية اقتصادية تستند إلى فتح الأسواق الدولية، وتحويل الساحل السوري إلى بوابة تجارية بين الشرق والغرب، واستثمار القطاعات الزراعية والصناعية بشراكة القطاع الخاص.
يستهدف الخطاب في المقام الأّول تفكيك منظومة الخوف الطائفي التي سادت طوال عقود، ويحاول بناء تعاقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والقانون بدلاً من الانتماءات المذهبية والجهوية.

الشرع يفكّك عقدة الخوف: رسائل الطمأنة لساكني الساحل
أخطر تحدٍّ يواجه أي تغيير سياسي في سوريا هو الخوف الوجودي المتجذّر لدى المجتمعات التي ارتبطت بالنظام السابق أو عاشت في مناطق نفوذه. لذلك جاء توجّه الخطاب نحو وجهاء جبال الساحل بمنزلة إشارة واضحة لتفكيك فكرة أنّ القادمين الجدد هم طلاب ثأر أو انتقام.
العبارة المحورية “الدولة السورية ما عندها عقدة الثأر ولا عندها عقدة النقمة، ولا موقف مبدئي من أي طائفة” تشكّل العصب المركزي للخطاب. لا تكتفي هذه الجملة بنفي الانتقام، بل تذهب أبعد لتؤسّس لمبدأ الشراكة بدلاً من الإقصاء. الدعوة لفتح صفحة جديدة والتعارف تعني أنّ النظام الجديد لا يريد التعامل مع الساحل بوصفه منطقة محتلّة أو مهزومة (على طريقة السفّاح الأسد)، بل شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً.
يتجلّى الذكاء السياسي في تحميل الساحل مسؤولية أن يصبح “النموذج الأقوى لتجاوز الخطاب الطائفي”، فهذه الصياغة تحول المنطقة من موضع اتهام بالدفاع عن النظام السابق إلى موقع قيادة لمرحلة التعايش الجديدة.
براغماتية سياسية: من الأيديولوجيا إلى المواطنة
الملاحظة الأبرز في هذا الخطاب هي غياب المصطلحات الدينية المتشدّدة أو الشعارات الثورية الحماسية، واستبدالها بمفردات قانونية ومدنية. التركيز على “دولة القانون” و”دولة المواطنة” بدلاً من “دولة الطوائف” يرسم ملامح الشكل المؤسّسي المنشود للدولة القادمة.
جاء الحديث عن العدالة الانتقالية هادئاً ومتأنّياً، حيث اعترف الشرع بأنّها “مسار وتحتاج سنوات” وليست عملية انتقام فوري أو محاكمات ميدانية. يريح هذا التوصيف المتورّطين بمستويات دنيا في النظام السابق، ويمنح المجتمع فرصة للتنفّس وإعادة ترتيب أوراقه.
العبارة التي قالها الشرع “نعتمد على الإرث المفيد القديم، ما هدمنا كل ما كان في الماضي” تحمل رسالة استمرارية للبيروقراطية والمؤسّسات القائمة. ويطمئن هذا التوجّه الموظّفين والعاملين في أجهزة الدولة بأنّ التغيير سيطال الرأس والنهج وليس الجسم المؤسّسي بِرُمَّته.

الاقتصاد رافعة الشرعية: رؤية 2026
يدرك الرئيس الشرع أنّ شرعيّته الحقيقية ستأتي من الإنجاز الاقتصادي وفكّ العزلة، لا من الانتصار العسكري فقط. المواطن السوري، سواء كان موالياً أو معارضاً، استنزفته الأزمة المعيشية حتى النخاع، ولم يعد يحتمل المزيد من الشعارات الفارغة.
الحديث الصريح عن التواصل مع أوروپا وآسيا وحتى الولايات المتّحدة يستهدف كسر الحاجز النفسي أنّ سوريا دولة منبوذة أو مارقة. الرسالة الضمنية للسوريّين: “أنا بوّابتكم للعودة إلى المجتمع الدولي”.
التركيز على الموانئ والاستثمار الأجنبي فيها يعني تحويل الساحل من منطقة عسكرية أمنية إلى منطقة لوجستية تجارية. يغري هذا التوجّه رؤوس الأموال المحلّية والتجّار بالبقاء والمشاركة في البناء بدلاً من الهجرة أو الانسحاب.
تحديد عام 2026 بداية للإنجازات يمثل رهاناً شديد الخطورة لكنّه ضروري لمنح الناس ضوءاً في آخر النفق. والتركيز على الزراعة والصناعة والتكنولوجيا يلامس احتياجات الناس اليومية من غذاء وعمل.
الموانئ السورية: هل يمكن تحويلها إلى بوابة بين الشرق والغرب؟
يطرح الشرع الساحل السوري بوّابة تجارية استراتيجية، لكنّ هذا الطرح يواجه تحدّيات واقعية كبيرة.
قبل عام 2011، كانت الطاقة الاستيعابية لمرفأ اللّاذقية حوالي مليون حاوية نمطية سنوياً، في حين يتجاوز مرفأ مرسين التركي المنافس المباشر 2.5 مليون حاوية، وميناء حيفا يتوسع بسرعة هائلة.
تحتاج الموانئ السورية إلى تعميق الغاطس لاستقبال السفن العملاقة الحديثة، وتحديث الرافعات التي تهالك معظمها أو تدمّر خلال سنوات الحرب. يكمن التحدّي القانوني الأكبر في العقود طويلة الأمد التي وقّعها النظام السابق، خصوصاً عقد استثمار روسيا مرفأ طرطوس 49 عاماً.
حديث الشرع عن “شركات بانتشار عالمي” يشير ضمنيّاً إلى إلغاء أو تعديل النفوذ الروسي واستبداله بشركات متعدّدة الجنسيّات، ربّما خليجية أو أوروپية، لكسر الحصار وفتح الأسواق.
لكي تتحوّل سوريا فعلاً إلى نقطة عبور تجاري للخليج والعراق، يجب إصلاح شبكة السكك الحديدية والجسور من الساحل إلى حمص ومنها إلى الحدود العراقية والأردنية. وتتطلّب هذه المشاريع استثمارات بالمليارات وليس الملايين.
الفكرة ممكنة جغرافيّاً لكنّها مكلفة زمنياً. تفعيل الترانزيت التجاري هو المصدر الأسرع لتوفير القطع الأجنبي، لكنّه مشروط باستتباب الأمن الكامل على الطرقات الدولية.

القطاع الزراعي: من الفائض المهدور إلى التصدير المنظّم
ركّز الخطاب بشكل لافت على زراعات الساحل، خصوصاً الحمضيّات والزيتون، وفتح الأسواق الدولية أمامها. وتمثّل هذه المسألة وجع الساحل السوري المزمن.
ينتج الساحل سنويّاً أكثر من مليون طن من الحمضيّات، كان يُتلف جزء كبير منها أو يُباع بأقل من تكلفة الإنتاج بسبب غياب سلسلة التبريد ومعامل العصائر، وضعف المواصفات القياسية للتصدير. كانت سوريا تحتلّ المرتبة الرابعة أو الخامسة عالميّاً في إنتاج زيت الزيتون بأكثر من 150 ألف طن زيت.
المشكلة الحقيقية لم تكن في الإنتاج بل في التسويق والاعتمادية. الأسواق الخليجية والأوروپية تتطلّب شهادات جودة دولية ومواصفات دقيقة لم تكن متوفّرة لدى المزارع السوري التقليدي.
حديث الشرع عن شركات تأتي لتستثمر القطاع الزراعي يعني إدخال تقنيات الفرز والتوضيب الحديثة. وإذا نجحت الحكومة في توقيع اتّفاقيات تجارية مع دول الخليج لامتصاص الفائض، سيشعر المواطن في الساحل بفرق فوري في دخله. هذا هو الإنجاز السريع الأسهل تحقيقاً مقارنة بالصناعة الثقيلة.
الصناعة والطاقة: الحلقة المفقودة
أشار الخطاب إلى أثر الصناعة على البطالة، لكنّه أغفل ذكر العقبة الأكبر: الكهرباء. تنتج سوريا اليوم في أفضل التقديرات المتفائلة ما بين 2500 إلى 3000 ميگاواط، في حين الحاجة الفعلية لتشغيل الصناعة وعودة الحياة الطبيعية تتجاوز 7000 ميگاواط.
تحتاج المحطات الحرارية في الساحل مثل بانياس والزارة إلى فيول وغاز. حقول الغاز تقع في الشرق السوري (الجزيرة). ولكي تنجح صناعة الساحل، يجب ضمان تدفّق النفط والغاز من شرق سوريا إلى الساحل الغربي.
ربط اللّاذقية وطرطوس بحلب ودمشق في الخطاب يشير إلى تكامل اقتصادي: حلب للصناعة الثقيلة، والساحل للتصدير والزراعة، ودمشق للإدارة والخدمات.
لن تتعافى الصناعة بحلول 2026 بشكل كامل لأنّ بناء محطّات توليد كهرباء جديدة يستغرق من 3 إلى 5 سنوات. الاعتماد سيكون على الطاقة البديلة أو استجرار الغاز والكهرباء من الجوار عبر خطّ الغاز العربي، وهو رهن بالقرار السياسي الدولي ورفع العقوبات.

هل عام 2026 موعد واقعي للإنجازات؟
حدّد الرئيس الشرع عام 2026 بداية لظهور الإنجازات على أرض الواقع. تقديرات الأمم المتحدة لإعادة إعمار سوريا تتراوح بين 250 إلى 400 مليار دولار، وهذا المبلغ الفلكي لا يمكن تأمينه في سنة أو سنتين.
ما يمكن تحقيقه فعلاً في 2026 يتضمّن فك الحظر المالي وعودة التحويلات البنكية الدولية وتسهيل الاستيراد والتصدير، وانتعاش سياحي محدود في الساحل بوصفه وجهة منخفضة التكلفة قد تجذب مغتربين وسيّاحاً من دول الجوار فور استتباب الأمن، إضافة إلى تصريف موسم الحمضيّات والزيتون بأسعار عالمية.
لن يكون عام 2026 عام الرفاهية، بل عام وقف النزيف. إذا تمكّنت الحكومة من تثبيت سعر الصرف وتوفير الكهرباء للصناعيّين ولو جزئياً، فإنّ عجلة الاقتصاد ستبدأ بالدوران تدريجيّاً.
ماذا يعني هذا للمواطن السوري؟
يبيع الخطاب مشروعاً اقتصاديّاً ليبراليّاً يستند إلى اقتصاد السوق والاستثمار الخاص والاندماج العالمي. الساحل السوري مرشح ليصبح منطقة اقتصادية خاصّة تشبه تجربة جبل علي في دبي أو المناطق الحرّة في تركيا، بحكم موقعه الاستراتيجي.
لكنّ الخطر يكمن في أن يتحوّل هذا الانفتاح إلى احتكارات جديدة لشركات حليفة للنظام الجديد، ممّا يهمّش صغار الكسبة والمزارعين، ويؤدّي لارتفاع الأسعار ورفع الدعم، وهو ما ألمح إليه الخطاب بالاعتماد على القطاع الخاص.
للخائفين خصوصاً في الساحل، الرسالة واضحة: الأمان مقابل الانخراط. لا يوجد عقاب جماعي، بل دعوة للشراكة الاقتصادية.
للراغبين بالتغيير، الدولة القادمة ليست دولة دينية متشدّدة ولا ثورية فوضوية، بل تسعى لتكون دولة قانون ومؤسّسات منفتحة على الغرب والشرق.
للمتعَبين اقتصاديّاً، هناك ضوء في آخر النفق، لكنّه ليس فوريّاً. الرهان على الاستثمار الخاص والقطاع الزراعي والموانئ، وعام 2026 هو المفصل المنتظر.
للمهجّرين، يركّز الخطاب على الاستقرار شرطاً أساسيّاً للعودة والبناء، وإعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي هي الخطوة الأولى لتسهيل عودة اللاجئين.
دولة المواطنة أم دولة الطوائف؟
الآن باتت الأمور واضحة بشكل صارخ. من يتحدّث عن دولة المواطنة، ومن ينادي بدولة الطوائف. من يقف مع الشرع يدعو إلى دولة المواطنة العادلة. ومن يطالب بزعامة طائفية وحكم ذاتي وفدرالية يدعو إلى إمارات الطوائف على شكل النموذج الإسرائيلي.

خريطة طريق عملية للسوري العادي
بناءً على التحليل السابق، فإنّ المرحلة القادمة تتطلّب تغييراً جذريّاً في طريقة تفكير الفرد السوري. الانتقال من اقتصاد الحرب القائم على التهريب والسوق السوداء وانتظار المعونات، إلى اقتصاد السوق المفتوح القائم على التنافسية والجودة والقانون، سيخلق رابحين وخاسرين.
بالنسبة للمزارعين خصوصاً في الساحل والأرياف، عليهم التحوّل من الكم إلى النوع، والتوقّف عن زراعة الأصناف التقليدية التي لا تحتمل الشحن الطويل، والبحث عن الشتول المحسّنة المطلوبة عالميّاً. السؤال عن كيفية الحصول على شهادات الجودة الدولية صار ضرورة، فالشركات الكبرى التي ستأتي للتصدير لن تشتري محصولاً غير موثّق وغير خالٍ من الأثر المتبقّي للمبيدات.
الزراعة التعاقدية ستصبح النمط السائد، فلا معنى للزراعة ثمّ البحث عن تاجر. في المرحلة القادمة، ستظهر شركات ومصانع للعصائر والكونسروة. محاولة الوصول إليها وتوقيع عقود ضمان موسم قبل الزراعة وفق شروطها سيكون الطريق الأسلم.
سيصبح التصنيع بدل البيع الخام مربحاً، فمن يملك رأسمال بسيط عليه ألّا يبيع الزيتون حبّاً ولا الزيت سائباً. الاستثمار في التعبئة والتغليف والعلامة التجارية سيرفع قيمة المنتج إلى عشرة أضعاف سعره الخام.
بالنسبة للطلّاب والشباب، الشهادات الجامعية التقليدية مثل الحقوق والآداب والتاريخ قد لا تجد مكاناً في سوق العمل الجديد الذي يركز على الموانئ والخدمات اللّوجستية. تعلّم اللّغة الإنگليزية صار الحدّ الأدنى، ولغة المستثمر هي الميزة الكبرى.
تخصّصات اللّوجستيات مثل إدارة الموانئ والتخليص الجمركي وسلاسل الإمداد وصيانة السفن والشاحنات الثقيلة ستكون الأعلى رواتب. سيتخم السوق بالمهندسين النظريّين، لكنّه سيعطش للفنّيّين المحترفين مثل فنيّي الطاقة الشمسية ومبرمجي الآلات الصناعية وفنّيّي التبريد والتكييف الصناعي للمستودعات الضخمة.
لأصحاب الورش والحرف الصغيرة، زمن الورشات المخفية في الأقبية للتهرّب من الضرائب قد ينتهي لأنّه يمنع العمل مع الشركات الكبرى. الشركات الأجنبية أو الاستثمارية لا تتعاقد مع ورشات غير مرخّصة. البدء بتنظيم الأوراق القانونية سيفتح أبواب المناقصات والعمل مقاول فرعي.
لا تنفّذ الشركات الكبيرة كل شيء بنفسها، بل ستحتاج لخدمات النظافة والإطعام والنقل والصيانة. تأسيس شركة صغيرة لتقديم هذه الخدمات باحترافية سيكون مجالاً واعداً.
مع الحديث عن الانفتاح، سيشهد الساحل ودمشق وحلب حركة زوّار من المغتربين ورجال الأعمال. الاستثمار في شقق مفروشة نظيفة، أو تأجير سيارات، أو مطاعم تقدم تجربة محلّية أصيلة سيكون مربحاً جداً.
نصيحة عامّة: تغيير العقلية
لا تنتظر الوظيفة الحكومية، فالخطاب كان واضحاً بخصوص الاعتماد على القطاع الخاص. الدولة القادمة ستدير ولن توظف. البحث عن عمل في القطاع الخاص أو بدء عمل حرّ هو الخيار الأرجح.
التوثيق والقانون صار أساسيّاً. في مرحلة دولة القانون التي يروّج لها الخطاب، الورقة الرسمية هي الملك. توثيق الملكيّات العقارية وعقود الإيجار والشراكات سيحمي الحقوق. المحاكم ستكون الفصل، والفوضى العقارية التي سادت أيام الحرب والعقود التي سبقتها ستنتهي بعمليّات مسح عقاري صارمة.
الصبر الاستراتيجي مطلوب. عام 2026 هو البداية وليس النهاية. لا تتوقّع الثراء السريع. من سيصمد هو من يبني سمعة راسخة في السوق الجديد.
القطار بدأ يتحرّك
القطار السوري بدأ يتحرّك فعلاً من محطّة الحرب باتّجاه محطّة الأعمال. لكي تركب هذا القطار، لا تحتاج إلى بندقية بعد الآن، بل تحتاج إلى مهارة حقيقية، وورقة رسمية، ومنتَج قابل للتصدير. المرحلة القادمة ستكافئ المجتهدين والملتزمين بالقانون والمنفتحين على الأسواق الدولية، وستقصي المتخلفين عن اللّحاق بركب التطور.






اترك رد