ملخّص التقرير
هذه تَرْجَمَة كاملة لتقرير رويترز الاستقصائي (بتاريخ 5 كانون أوّل ديسمبر 2025). وقبل البداية، إليك ملخّص شامل لأهمّ النِّقَاط الواردة في التقرير، الذي يكشف عن تحرّكات فلول نظام الأسد بعد عام من سقوط النظام:
الفكرة الرئيسة: مؤامرة من المنفى
بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى موسكو في كانون أوّل ديسمبر 2024، يقود اثنان من أبرز مساعديه السابقين (من منفاهم في روسيا) جهوداً منفصلة ومتنافسة لتشكيل ميلشيات مسلحة في الساحل السوري. الهدف هو إثارة انتفاضات ضدّ الحكومة السورية الجديدة برئاسة “أحمد الشرع”، مستغلين مخاوف الأقلية العلوية.
أطراف الصراع والتنافس (المتآمرون)
على الرغم من وجود بشّار الأسد وشقيقه ماهر في موسكو، إلا أنّ المحرّكين الأساسيّين للأحداث هما شخصيّتان تتنافسان بشراسة للسيطرة على الطائفة العلوية:
| الشخصية | الخلفية | الاستراتيجية والادعاءات |
|---|---|---|
| رامي مخلوف | ابن خال الأسد وملياردير سابق | يرى نفسه “المخلص المنتظر” في نبوءة دينية. يعتمد على المال لشراء الولاءات. |
| كمال حسن | رئيس المخابرات العسكرية الأسبق | يعتمد على شبكة علاقاته الأمنية السابقة ووعود “استعادة الكرامة”. |
يبدو بشار الأسد مستسلماً للمنفى، في حين شقيقه ماهر الأسد (الذي يسيطر نظرياً على ولاءات الفرقة الرابعة) لم يتحرك بجدّية بعد، لكنّه يحتفظ بإمبراطورية مالية.
إحصائيّات وأرقام دقيقة (حقائق التقرير)
كشف التقرير عن بيانات وأرقام محددة تتعلق بالتمويل، أعداد المقاتلين، والخسائر البشرية، وهي كالتالي:
- القوى البشرية المزعومة:
- يدعي رامي مخلوف السيطرة على 54,053 مقاتل (بينهم 18,000 ضابط).
- يدعي كمال حسن السيطرة على 12,000 مقاتل.
- أشار قادة ميدانيون إلى أن ولاء المقاتلين “مزدوج” لمن يدفع، وأن الأرقام الفعلية الجاهزة للقتال قد تكون أقل.
- التمويل والرواتب:
- أنفق رامي مخلوف ما لا يقل عن 6 ملايين دولار على الرواتب.
- أنفق كمال حسن 1.5 مليون دولار منذ شهر مارس الماضي.
- الرواتب التي يتلقاها المقاتلون زهيدة جداً، تتراوح بين 20 إلى 30 دولاراً شهرياً للفرد.
- البنية التحتية العسكرية:
- يوجد تنافس للسيطرة على شبكة من 14 غرفة عمليات تحت الأرض (مجهزة بأسلحة، طاقة شمسية، واتصالات) تم بناؤها في أواخر عهد الأسد في الساحل السوري.
- الخسائر البشرية والعنف الطائفي:
- شهد شهر مارس 2025 انتفاضة فاشلة أدت إلى مقتل حوالي 1,500 مدني علوي في عمليات انتقامية.
- تلك الأحداث أدت إلى مقتل 128 من القوات الموالية للأسد في كمين واحد.
- يشكل العلويون حوالي 10% من سكان سوريا، وهم الهدف الأساسي لعمليات التجنيد هذه بدعوى “الحماية”.
ردّ فعل الحكومة السورية الجديدة وموقف روسيا
- استراتيجية الحكومة: عين الرئيس الجديد (أحمد الشرع) صديق طفولته والمنشق السابق عن الأسد، خالد الأحمد (علوي)، لاحتواء الموقف. يعمل الأحمد على دمج العلويين وتوفير فرص عمل لنزع فتيل الاحتقان الطائفي.
- الموقف الروسي: برغم استضافتها للمنفيين، إلا أن موسكو تعطي الأولوية لعلاقتها بالحكومة الجديدة لضمان بقاء قواعدها العسكرية في الساحل. تشير المصادر إلى أن الكرملين أرسل إشارات بأن “لا أحد سيأتي لإنقاذ المتمردين”.
الوضع الحالي
- التحركات الفعلية على الأرض لا تزال محدودة، والمقاتلون يعانون من فقر مدقع.
- هناك حالة من عدم الثقة بين العلويين تجاه مخلوف وحسن، خاصة بعد الكوارث التي حلت بهم سابقاً.
- الاحتجاجات الأخيرة في الساحل (نوفمبر) كانت مطلبية (حكم ذاتي، معتقلين) ولم تكن بقيادة هؤلاء المتآمرين مباشرة.
بيان نفي المسؤوليّة
ننشر هذه التَّرْجَمَةً العربيّة لتقرير وكالة رويترز الصحفيّة بتاريخ 5 كانون الأوّل 2025 بغرض إتاحة المعلومات للقارئ العربيّ وتيسير الاطّلاع على المحتوى الإخباريّ الدوليّ.
نشر هذه التَّرْجَمَةً لا يعني موافقة مدوّنة البخاري أو محرّرها على المحتوى الكامل للتقرير، ولا على المصطلحات المستخدمة فيه، ولا على التوصيفات والأحكام الواردة في النصّ الأصليّ.
تحتفظ المدوّنة بحقّها في التحفّظ على بعض العبارات والمصطلحات والتوصيفات السياسيّة والطائفيّة الواردة في التقرير، التي قد لا تظهر بالضرورة وجهة نظر المدوّنة أو موقف محرّرها من الأحداث الجارية في سوريا.
التَّرْجَمَةً مقدّمة خدمة معلوماتيّة ووثائقيّة فحسب، ونحيل القارئ الكريم إلى النصّ الأصليّ المنشور على موقع وكالة رويترز للاطّلاع الكامل والتحقّق من المعلومات.
يتبع التَّرْجَمَةً تحليل نقديّ للتقرير يفحص منهجيّته الصحفيّة وبنيته السرديّة ومصادره، دون تبنّي موقف سياسيّ من أيّ طرف. القراءة النقديّة للتقارير الإخباريّة ضرورة في زمن تتداخل فيه الصِّحافة بحروب المعلومات.

تقرير خاصّ لرويترز
رئيس مخابرات الأسد المنفيّ وابن عمّه الملياردير يحيكان مؤامرات انتفاضات سوريّة من روسيا
من المنفى في موسكو، رئيس المخابرات السابق كمال حسن وابن عمّ الأسد رامي مخلوف ينفقان ملايين الدولارات في جهود متنافسة لبناء قوّات قتاليّة من شأنها أن تقود ثورةً على طول الساحل السوريّ. كما أنّهما يتنافسان على السيطرة على شبكة من أربع عشرة غرفة قيادة تحت الأرض مخزونة بالأسلحة والذخيرة بُنيت في الأيّام الأخيرة للدكتاتوريّة. حكومة سوريا وظّفت مقرّباً سابقاً آخر من الأسد – صديق طفولة للرئيس الجديد – لتحييد المتآمرين.
بقلم فراس دلاتي وتيمور الأزهري 5 كانون الأوّل 2025، رويترز
دمشق – موالون سابقون لبشّار الأسد فرّوا من سوريا بعد سقوط الدكتاتور يضخّون ملايين الدولارات إلى عشرات الآلاف من المقاتلين المحتملين، آملين في إثارة انتفاضات ضدّ الحكومة الجديدة واستعادة بعض نفوذهم المفقود، كما وجد تحقيق أجرته رويترز.
الأسد، الذي هرب إلى روسيا في كانون الأوّل الماضي، مستسلم إلى حدّ بعيد للمنفى في موسكو، يقول أربع أشخاص مقرّبين من العائلة. لكنّ شخصيّات عليا أخرى من دائرته الداخليّة، بما في ذلك شقيقه، لم يتصالحوا مع فقدان السلطة.
اثنان من الرجال الذين كانوا الأقرب إلى الأسد، اللّواء كمال حسن والملياردير رامي مخلوف، يتنافسان على تشكيل ميلشيات في الساحل السوريّ ولبنان مكوّنة من أعضاء طائفتهم العلويّة الأقلّيّة، المرتبطة منذ زمن طويل بعائلة الأسد، كما وجدت رويترز. في المجمل، الرجلان والفصائل الأخرى المتنافسة على السلطة يموّلون أكثر من خمسين ألف مقاتل أملاً في كسب ولائهم.
شقيق الأسد، ماهر، الموجود أيضاً في موسكو الذي لا يزال يسيطر على آلاف من الجنود السابقين، لم يقدّم بعد أموالاً أو أوامر، قال الأشخاص الأربعة المقرّبون من آل الأسد.
إحدى الجوائز لحسن ومخلوف هي السيطرة على شبكة من أربعة عشرة غرفة قيادة تحت الأرض بُنيت حول الساحل السوريّ قُبيل نهاية حكم الأسد، بالإضافة إلى مخابئ أسلحة. أكّد ضابطان ومحافظ إقليميّ سوريّ وجود هذه الغرف المخفيّة، التي تظهر تفاصيلها في صور اطّلعت عليها رويترز.

“هذه المنافسة مستمرّة الآن، ولكن بدلاً من أن يكون الهدف إرضاء الأسد، التركيز منصبّ على إيجاد بديله والسيطرة على المجتمع العلويّ.”
أنصار شحّود، باحثة درست دكتاتوريّة الأسد
حسن، الذي كان رئيس المخابرات العسكريّة لبشّار، يجري بلا كلل مكالمات ويرسل رسائل صوتيّة إلى قادة ومستشارين. فيها، يغلي غضباً بشأن نفوذه المفقود ويرسم رؤى عظيمة حول كيف سيحكم الساحل السوريّ، موطن أغلبيّة سكّان سوريا العلويّين وقاعدة الأسد السابقة للسلطة.
مخلوف، ابن عمّ آل الأسد، استخدم ذات مرّة إمبراطوريّته التجاريّة لتمويل الدكتاتور في أثناء الحرب الأهليّة، لكنّه وقع في خلاف مع أقاربه الأكثر نفوذاً وانتهى به المطاف تحت الإقامة الجبريّة سنوات. يصوّر نفسه الآن في محادثات ورسائل شخصيّة مسيحانيّة ستعود إلى السلطة بعد إدخال معركة نهاية العالم الأخيرة.
لم يردّ حسن ومخلوف على طلبات التعليق لهذا التقرير. لم يمكن الوصول إلى بشّار وماهر الأسد. سعت رويترز أيضاً للحصول على تعليق من الأخوين الأسد عبر وسطاء، الذين لم يردّوا.
من منفاهما في موسكو، يتصوّر حسن ومخلوف سوريا مجزّأة، وكلّ منهما يريد السيطرة على المناطق ذات الأغلبيّة العلويّة. كلاهما أنفق ملايين الدولارات في جهود متنافسة لبناء قوّات، كما وجدت رويترز. نوّابهم في روسيا ولبنان والإمارات العربيّة المتّحدة.
لمواجهة المتآمرين، وظّفت حكومة سوريا الجديدة موالياً سابقاً آخر للأسد – صديق طفولة للرئيس الجديد أحمد الشرع الذي أصبح قائداً شبه عسكريّ للأسد ثمّ غيّر جانبه في منتصف الحرب بعد أن انقلب الدكتاتور عليه. مهمّة ذلك الرجل، خالد الأحمد، هي إقناع الجنود العلويّين السابقين والمدنيّين بأنّ مستقبلهم يكمن مع سوريا الجديدة.
“هذا امتداد لصراع السلطة في نظام الأسد”، قال أنصار شحّود، الباحث الذي درس الدكتاتوريّة لأكثر من عقد. “هذه المنافسة مستمرّة الآن، ولكن بدلاً من أن يكون الهدف إرضاء الأسد، التركيز منصبّ على إيجاد بديله والسيطرة على المجتمع العلويّ.”
تفاصيل التآمر مبنيّة على مقابلات مع ثماني وأربعين شخصاً لديهم معرفة مباشرة بالخطط المتنافسة. تحدّث الجميع بشرط عدم الكشف عن الهويّة. راجعت رويترز أيضاً سجلّات ماليّة، وثائق تشغيليّة، وتبادلات رسائل صوتيّة ونصّيّة.

محافظ المنطقة الساحليّة طرطوس، أحمد الشامي، قال إنّ السلطات السوريّة على علم بالخطوط العريضة للخطط ومستعدّة لمكافحتها. أكّد وجود شبكة غرف القيادة أيضاً، لكنّه قال إنّها أُضعِفت.
“نحن على يقين من أنّهم لا يستطيعون فعل أيّ شيء فعّال، نظراً لافتقارهم إلى أدوات قويّة على الأرض وقدراتهم الضعيفة”، قال الشامي لرويترز ردّاً على أسئلة حول التآمر.
لم تردّ وزارة الداخليّة اللبنانيّة ووزارة الخارجيّة الروسيّة على طلبات التعليق. قال مسؤول إماراتيّ إنّ حكومته ملتزمة بمنع استخدام أراضيها “لجميع أشكال التدفّقات الماليّة غير المشروعة.”
انتفاضة يمكن أن تزعزع استقرار حكومة سوريا الجديدة في حين تلقي الولايات المتّحدة والقوى الإقليميّة دعمها وراء الشرع، قائد القاعدة السابق الذي أطاح بالأسد في كانون الأوّل الماضي الذي يبحر الآن في مشهد سياسيّ مجزّأ. سيخاطر بإشعال جولة أخرى من العنف الطائفيّ القاتل، الذي عكّر سوريا الجديدة على مدى العام الماضي.
في الوقت الحاليّ، تبدو احتمالات انتفاضة ناجحة منخفضة.
المتآمران الرئيسان حسن ومخلوف متعارضان بشدّة مع بعضهما البعض. آمالهما تتلاشى في كسب دعم من روسيا، الداعم السياسيّ والعسكريّ الأقوى للأسد ذات مرّة. كثير من العلويّين في سوريا، الذين عانوا أيضاً تحت الأسد، لا يثقون بالثنائي. والحكومة الجديدة تعمل على إحباط خططهم.

في بيان موجز ردّاً على نتائج رويترز، قال رجل الحكومة المعنيّ بالعلويّين الأحمد إنّ “عمل الشفاء – اقتلاع الكراهيَة الطائفيّة وتكريم الموتى – يبقى الطريق الوحيد نحو سوريا يمكنها أن تعيش مع نفسها مرّة أخرى.”
يدّعي حسن السيطرة على اثني عشر ألف مقاتل، في حين يدّعي مخلوف السيطرة على أربعة وخمسين ألفاً على الأقلّ، وفقاً لوثائق داخليّة لفصائلهم. قال قادة على الأرض إنّ المقاتلين يُدفع لهم مبلغ زهيد ويأخذون أموالاً من كلا الجانبين.
لا يبدو أنّ المنفيّين حشدوا أيّ قوّات بعد. لم تستطع رويترز تأكيد أرقام المقاتلين أو تحديد خطط عمل محدّدة. قال محافظ طرطوس الشامي إنّ المقاتلين المحتملين بلغ عددهم عشرات الآلاف.
في مقابلات، قال الأشخاص الأقرب إلى المتآمرين إنّهم مدركون أنّ عشرات الآلاف من العلويّين السوريّين قد يواجهون انتقاماً عنيفاً إذا نفّذوا خططهم ضدّ القيادة الجديدة ذات الأغلبيّة السنّيّة. استولت الحكومة الجديدة على السلطة بعد الخروج منتصرة قبل عام في الحرب الأهليّة التي استمرّت ما يقرب من أربعة عشر عاماً التي أغرقت البلاد في إراقة دماء طائفيّة.
في آذار، قُتل ما يقرب من ألف وخمسمائة مدنيّ عبر ساحل البحر الأبيض المتوسّط بواسطة قوّات منتسبة للحكومة بعد انتفاضة فاشلة في بلدة علويّة. يَعِد كلّ من حسن ومخلوف بحماية العلويّين السوريّين من انعدام الأمن الذي استمرّ منذ آذار، بما في ذلك عمليّات قتل واختطاف شبه يوميّة.
انفجر غضب العلويّين تجاه الحكومة الجديدة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، عندما نزل الآلاف إلى الشوارع في حِمْص والمدن الساحليّة. طالبوا بمزيد من الحكم الذاتيّ، وإطلاق سراح المعتقلين، وإعادة النساء المختطفات. شكّلت الاحتجاجات أوّل مظاهرات واسعة النطاق شهدتها سوريا منذ سقوط الأسد.
لم يكن مخلوف ولا حسن وراء الاحتجاجات، بل رجل دين يعارض كلا الرجلين ودعا الناس علناً للتظاهر سلميّاً. هاجم مخلوف رجل الدين في اليوم التالي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعيّ، قائلاً: “كلّ هذه الحركات لن تجلب سوى الكارثة، لأنّ الوقت ليس مناسباً بعد.”
أحد كبار منسّقي حسن العسكريّين أخبر رويترز أنّ القتال هو الطريقة الوحيدة لاستعادة كرامة العلويّين.
“نحن محظوظون أنّ هذا العدد فقط من شعبنا قد مات حتّى الآن”، قال المنسّق، ضابط مخابرات عسكريّة سابق من عهد الأسد موجود الآن في لبنان. “ربّما سيموت آلاف آخرون، لكنّ الطائفة يجب أن تقدّم حملاناً للتضحية” للدفاع عن المجتمع.



حَسَبَ وثائق من كانون الثاني 2025 اطّلعت عليها رويترز، وضعت القوّات الأسديّة خططاً أوّليّة لبناء قوّة شبه عسكريّة مكوّنة من خمسة آلاف وسبعمائة وثمانين مقاتلاً وتزويدهم من غرف القيادة تحت الأرض. هذه في الأساس غرف تخزين كبيرة مجهّزة بأسلحة، وطاقة شمسيّة، وإنترنت، ووحدات جي پي إس وأجهزة لاسلكيّة.
لم ينتج شيء من تلك الخطّة المبكّرة، وغرف القيادة – على طول عمود فقريّ في الساحل السوريّ حوالي مائة وثمانين كيلومتراً من الشمال إلى الجَنُوب – تبقى تشغيليّة لكنّها عاطلة في الأساس، وفقاً لشخصين على علم بها وصور اطّلعت عليها رويترز.
أظهرت صورة واحدة غرفة بها خمس صناديق مكدّسة، ثلاثة منها مفتوحة لتكشف عن مجموعة من بنادق كلاشنكوف وذخيرة وقنابل يدويّة. احتوت الغرفة أيضاً على ثلاثة حواسيب مكتبيّة، وجهازين لوحيّين، ومجموعة من أجهزة اللاسلكيّ، وبنك طاقة. في الوسط كانت طاولة خشبيّة عليها خريطة كبيرة.
بالنسبة للمتآمرين، “هذه الشبكة هي جزيرة الكنز، وهم جميعاً قوارب تحاول الوصول إليها”، قال إحدى الأشخاص، قائد يراقب جاهزيّة الغرف.
قال الشامي، محافظ طرطوس، إنّ الشبكة حقيقيّة لكنّها لا تشكّل خطراً كبيراً. “هذه المراكز أُضعِفت بشكل كبير منذ التحرير”، قال. “لا يوجد قلق بشأن استمرار وجودها.”
عندما فرّ كبار المسؤولين العسكريّين وشخصيّات حكوميّة رفيعة المستوى إلى الخارج في كانون الأوّل 2024، بقي كثير من القادة من المستويات الوسطى في سوريا. فرّ معظمهم إلى المناطق الساحليّة التي يهيمن عليها العلويّون، أقلّيّة تشكّل ما يزيد قليلاً عن عشرة بالمئة من سكّان سوريا. بدأ أولئك الضبّاط بتجنيد مقاتلين، وفقاً لقائد متقاعد مشارك في الجهد.
“الأرض الأكثر خصوبة كانت الجيش”، قال القائد المتقاعد. “آلاف الشبّان من الطائفة كانوا قد جُنّدوا في الجيش، الذي حُلّ في كانون الأوّل، ووجدوا أنفسهم فجأة معرّضين.”
ثمّ جاءت الانتفاضة الفاشلة في السادس من آذار. وحدة علويّة تعمل بشكل مستقلّ نصبت كميناً لقوّات الأمن من حكومة سوريا الجديدة في ريف اللّاذقيّة، مما أسفر عن مقتل اثني عشر رجلاً وأسر أكثر من مائة وخمسين، وفقاً لعميد كان مشاركاً في الكمين وغادر منذ ذلك الحين إلى لبنان.
تقول حكومة سوريا الجديدة إنّ مئات من قوّات الأمن التابعة لها ماتوا في القتال الذي تلا ذلك – ادّعاء تردّد صداه إلى حدّ بعيد من قبل المقاتلين الموالين للأسد. قال العميد إنّ مائة وثمانية وعشرين من القوّات الموالية للأسد ماتوا في الانتفاضة، التي قمعتها الحكومة الجديدة. أشعل التمرّد أعمال انتقام قتلت ما يقرب من ألف وخمسمائة علويّ.
لم يبدأ المنفيّون الأسديّون التمرّد ولا أمروا به، وفقاً للضبّاط الذين كانوا هناك، لكنّ تلك الأيّام شكّلت نقطة تحوّل. بدأوا بالتنظيم.

عداء عائليّ بين آل الأسد
في التاسع من آذار بدأ مخلوف بتسمية نفسه “ابن الساحل”، معلناً في بيان أنّه أُوكِلت إليه مهمّة إلٰهيّة لمساعدة العلويّين. “عدتُ، ومباركة العودة”، قرأ البيان. لم يذكر أنّه كان في موسكو.
سيطر مخلوف على اقتصاد سوريا لأكثر من عقدين، بممتلكات قدّرتها الحكومة البريطانيّة بأكثر من مليار دولار بكثير في صناعات متنوّعة مثل الاتّصالات والبناء والسياحة. استخدم أمواله لتمويل وحدات الجيش السوريّ والميلشيات الحليفة في أثناء الحرب الأهليّة، التي اندلعت عام 2011.
عندما بدا انتصار الأسد مؤكّداً في 2019، ادّعى مخلوف الفضل علناً. بعد ذلك بوقت قصير، صادر الأسد أعمال مخلوف، ظاهريّاً لأنّها كانت مدينة للدولة، ووضعه تحت الإقامة الجبريّة سنوات.
هرب مخلوف إلى لبنان في سيّارة إسعاف ليلة الثامن من كانون الأوّل 2024، في حين سقطت دمشق بيد متمرّدي الشرع. حاول شقيق مخلوف إيهاب أيضاً الفرار تلك الليلة في سيّارته مازيراتي، لكنّه أُطلق عليه الرَّصاص حتّى الموت قرب الحدود وسُرق منه ملايين الدولارات التي كان يحملها نقداً، وفقاً لأربعة مقرّبين من العائلة وضابط جمارك لديه معرفة مباشرة بالأحداث. لم تستطع رويترز التحقّق بشكل مستقلّ من أحداث تلك الليلة.
يعيش مخلوف الآن في طابق خاصّ في فندق راديسون فاخر في موسكو تحت حراسة مشدّدة، وفقاً لتسعة مساعدين وأقارب. يقتبس بشكل متكرّر من القرآن. قالوا إنّه أصبح متديّناً بعمق في أثناء الإقامة الجبريّة، مستخدماً الوقت في العزلة لكتابة سلسلة من ثلاثة مجلّدات عن المعارف والتفسير الإسلاميّ.
لم يردّ فندق راديسون في موسكو ومقرّه الرئيس في بروكسل على طلب التعليق.
وفقاً لمنشورات مخلوف على فيسبوك ورسائل واتساپ للمقرّبين، يؤمن أنّ الله أعطاه المال والنفوذ حتّى يتمكّن من أدّى دور مسيحانيّ في نبوءة شيعيّة تتعلّق بمعركة هرمجدّون في دمشق. في تفسيره، ستأتي نهاية العالم بعد نهاية ولاية الرئيس الأمريكيّ دونالد ترمپ. يدعو الشرع علناً “السفيانيّ”، الشرّير الرئيس في النبوءة، الذي يموت عندما يبتلع شقّ في الأرض جيشه.
باستخدام مديرين تجاريّين موثوقين في لبنان والإمارات وروسيا، يحوّل مخلوف أموالاً إلى ضبّاط علويّين للرواتب والمعدّات، وفقاً لمدير ماليّ وإيصالات وجداول رواتب اطّلعت عليها رويترز.
تُظهر الوثائق أنّ المال يُسرّب عبر ضابطين سوريّين بارزين اجتمعا مجدّداً بمخلوف في موسكو: سهيل حسن وقحطان خليل، اللّذان حمل كلاهما رتبة لواء. ادّعى حسن وخليل أنّهما أنشآ قوّة لمخلوف يبلغ مجموعها ما قالا إنّهم أربعة وخمسون ألفاً وثلاثة وخمسون مقاتلاً راغباً، بما في ذلك ثمانية عشر ألف ضابط، منظّمين في ثمانين كتيبة ومجموعة في حِمْص وحماة وطرطوس واللّاذقيّة وحولها. كثير من الجنود العاديّين الذين جُنّدوا تحت الأسد، مع ذلك، تخلّوا عن القتال عندما سقطت حكومته.
لم يردّ حسن وخليل على طلبات التعليق حول دورهما في تحويل الأموال.
قال المسؤول الإماراتيّ إنّ الحكومة تحافظ على إشراف صارم على قطاعاتها الاقتصاديّة وتدعم بشكل كامل “جهود سوريا لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها على جميع الأراضي.”
أحد مديريه الماليّين أخبر رويترز أنّ مخلوف أنفق ما لا يقلّ عن ستّة ملايين دولار على الرواتب. ادّعت جداول الرواتب وإيصالات الرواتب التي أنشأها مساعدون ماليّون لمخلوف في لبنان أنّه أنفق تسعمائة وستّة وسبعين ألفاً وسبعمائة وخمسة دولارات في أيّار، وأنّ مجموعة من خمسة آلاف مقاتل تلقّت مائة وخمسين ألف دولار في آب.

“لا خطأ في أخذ بعض النقد من هؤلاء الحيتان الذين امتصّوا دماءنا سنوات.”
قائد عسكريّ محلّيّ أخذ أموالاً من كلّ من مخلوف وحسن
أرقام القوّة الإجماليّة حقيقيّة، وفقاً لخمسة قادة مجموعات عسكريّة في سوريا على رواتب مخلوف ويقودون حوالي خُمس أتباعه. لكنّ تمويل مخلوف يقصر عن احتياجاتهم، ويصل إلى عشرين إلى ثلاثين دولاراً فقط شهريّاً لكلّ مقاتل.
بالإضافة إلى ذلك، سعى موظّفو مخلوف لتوفير أسلحة. رسموا خرائط للمواقع المحتملة لعشرات المخابئ المخفيّة خلال عهد الأسد يبلغ مجموعها بضعة آلاف من الأسلحة الناريّة، وفقاً لمخطّطات اطّلعت عليها رويترز. هذه المخزونات منفصلة عن غرف القيادة المخفيّة.
كانوا أيضاً في مناقشات مع مهرّبين في سوريا للحصول على أسلحة جديدة. قال أشخاص على علم بالمناقشات إنّهم لا يعرفون ما إذا كانت أسلحة جديدة قد اشتُريت أو سُلّمت فعلاً.
في المجمل، قال القادة العسكريّون المحلّيّون الخمسة إنّهم يقودون حوالي اثني عشر ألف رجل في مراحل مختلفة من الاستعداد. أخبر أحدهم رويترز أنّ الوقت لم يكن مناسباً بعد للعمل.
قائد آخر من الخمسة سخر من مخلوف باعتباره يحاول شراء الولاء بـ”فتات من المال.”
قال جميع الخمسة إنّهم قبلوا أموالاً من كلّ من مخلوف وحسن، رئيس المخابرات. لم يروا مشكلة في تداخل أصحاب الرواتب.
“آلاف العلويّين، سواء كانوا جنوداً سوريّين سابقين أو مدنيّين طُردوا من وظائف الدولة، يعيشون في فقر مدقع”، قال إحدى الرجال. “لا مشكلة في أخذ بعض النقد من هؤلاء الحيتان الذين امتصّوا دماءنا سنوات.”
“كن صبوراً”
أدار حسن نظام الاحتجاز العسكريّ لدكتاتوريّة الأسد، الذي كان سيّئ السمعة بابتزاز الأموال على نطاق واسع من عائلات السجناء، وفقاً لتقرير الأمم المتّحدة لعام 2024 حول النظام. وجد تحقيق لرويترز هذا العام أنّ حسن هو الذي اقترح نقل مقبرة جماعيّة تحتوي على آلاف الجثث في 2018 إلى صحراء الضمير خارج دمشق لإخفاء نطاق فظائع حكومة الأسد.

“كونوا صبورين يا شعبي، ولا تسلّموا أسلحتكم. أنا من سيعيد كرامتكم.”
كمال حسن، مخاطباً قادة في رسالة صوتيّة على واتساپ في نيسان
تخلّى عنه جيش الأسد المتفكّك، فرّ حسن أوّلاً إلى سِفَارة الإمارات في دمشق ثمّ لجأ إلى السِّفَارة الروسيّة في كانون الأوّل 2024 لما يقرب من أسبوعين. كان غاضباً ممّا عدّه سوء معاملة من مضيفيه، الذين وفّروا غرفة واحدة بها كرسيّ صُلْب واحد فقط للجلوس عليه، وفقاً لشخصين مقرّبين منه.
“كمال حسن ليس من يجلس على كرسيّ خشبيّ لأيّام!” قال في رسالة صوتيّة على واتساپ لدائرته الداخليّة من هذا الربيع، راجعتها رويترز.
انتهى الأمر بحسن بالإقامة في فيلّا من ثلاثة طوابق في ضواحي موسكو، وفقاً لضابط التقاه خلال الصيف. منذ ذلك الحين، رأى ماهر الأسد مرّة واحدة ويحافظ على علاقات وثيقة مع حماة بشّار الروس، وفقاً للشخصين المطّلعين على تحرّكات حسن.
وفقاً لمنسّق عمليّات حسن في لبنان، أنفق حسن مليوناً ونصف المليون دولار منذ آذار على اثني عشر ألف مقاتل في سوريا ولبنان.
“كونوا صبورين يا شعبي، ولا تسلّموا أسلحتكم. أنا من سيعيد كرامتكم”، قال في رسالة صوتيّة أخرى على واتساپ من نيسان بدت موجّهة إلى قادة. أكّد متلقّيان أنّ الرسالة كانت منه.
في منتصف العام، أعلنت جمعيّة خيريّة تُدعى “تنمية سوريا الغربيّة” عن إنشائها وقالت إنّها ممولة من “المواطن السوريّ اللواء كمال حسن”، وفقاً لأحد منشوراتها الأولى على فيسبوك. وصف ثلاثة ضبّاط مرتبطون بحسن ومدير في المنظّمة الجمعيّة بأنّها غطاء إنسانيّ حتّى يتمكّن حسن من بناء نفوذ بين العلويّين.

في آب، دفعت الجمعيّة ثمانين ألف دولار لإيواء أربعين عائلة علويّة سوريّة، وفقاً لإعلان عن عملها الأوّل. في ذلك الشهر نفسه، أرسل حسن مائتي ألف دولار نقداً إلى ثمانين ضابطاً في لبنان، وفقاً لوثيقة رواتب اطّلعت عليها رويترز.
خلال الصيف، جنّد حسن أيضاً حوالي ثلاثين قرصاناً إلكترونيّاً كانوا منتسبين ذات مرّة لفرع المخابرات العسكريّة، وفقاً لمساعد في موسكو وأحد القراصنة، مهندس حاسوب. كانت أوامرهم تنفيذ هجمات إلكترونيّة ضدّ الحكومة الجديدة وزرع برامج تجسّس في أنظمتها الحاسوبيّة.
بحلول أيلول، كانت مجموعات بيانات الحكومة السوريّة التي قال المهندس إنّ فريقه سرقها معروضة للبيع على الشبكة المظلمة بمبلغ مائة وخمسين إلى خمسمائة دولار. وجدت رويترز عدّة من المجموعات التي حدّدها على الإنترنت، بما في ذلك قواعد بيانات بتفاصيل الموظّفين لوزارتي الاتّصالات والصحّة.
قال المهندس إنّ رئيس المخابرات السابق حسن يخطّط لهجوم متعدّد الجوانب لاستعادة مكانته في سوريا. “اللواء كمال يعرف أنّ الحرب ليست على الأرض فحسب بل على كلّ جبهة”، قال.
الأسد الآخر
لاعب رئيس محتمل في محاولات إثارة انتفاضة هو ماهر الأسد، الشقيق الأصغر للدكتاتور السابق.
سيطر ماهر على إمبراطوريّة تجاريّة وأقوى وحدة في الجيش السوريّ، الفرقة الرابعة المدرّعة. تحت قيادته، وفقاً لبحث أجراه معهد نيو لاينز الأمريكيّ، اكتسبت الفرقة سلطة واستقلالاً ماليّاً جعلها شبيهة بدولة داخل دولة – لدرجة أنّها تلقّت عقوباتها الخاصّة من الولايات المتّحدة وبريطانيا والاتّحاد الأوروپيّ.

قال قائد كبير في الفرقة، الآن في لبنان، إنّه في حين يركّز بشّار الأسد على حياته الخاصّة وأعماله، لا يزال ماهر يريد نفوذاً في سوريا. لا يستطيع الشقيق الأصغر استيعاب كيف يمكن لأبناء حافظ الأسد، مؤسّس الدكتاتوريّة، أن يُجبَروا على الخروج من سوريا.
“تعدّ العائلة حافظ الأسد إلٰهاً، وماهر يحاول البناء على ذلك، لكنّه لم يتحرّك حتّى الآن”، قال القائد.
يقول ضابطان في الفرقة إنّ كثيراً من مقاتليها الخمسة والعشرين ألفاً، داخل سوريا وخارجها، لا يزالون يعدّون ماهر الأسد قائدهم ويمكنه حشدهم إذا أعطى الأمر.
لا يسعى مخلوف لدعم آل الأسد: علناً، استهزأ بأبناء عمومته باعتبارهم “الهاربين”. يناشد حسن، معتمداً على سنوات من الروابط الشخصيّة والتعاون مع آل الأسد، دعم ماهر، وفقاً لثلاثة مصادر عليا في كلا المعسكرين.
حجبت روسيا حتّى الآن الدعم عن حسن ومخلوف، وفقاً لستّة أشخاص لديهم معرفة مباشرة بمحاولات المنفيّين لكسب الكرملين. في حين تؤوي موسكو المنفيّين، كانت الحكومة الروسيّة واضحة في أنّ أولويّتها هي استمرار الوصول إلى القواعد العسكريّة التي لا تزال تديرها في الساحل السوريّ، وفقاً لدبلوماسيّين على علم بموقف روسيا.
في محاولة الحصول على مساعدة روسيّة، شخصيّة رئيسة هي ضابط سوريّ كبير، أحمد الملّا، الذي لديه جنسيّة روسيّة منذ وقت مبكّر في الحرب الأهليّة. توسّط الملّا في اجتماعات غير رسميّة منفصلة في موسكو بدءاً من آذار بين مسؤولين روس وحسن ونائبَي مخلوف المقيمين في روسيا، وفقاً لمحضر مكتوب بخطّ اليد من إحدى الاجتماعات اطّلعت عليه رويترز. وفقاً للملاحظات، قال الروس للمنفيّين: نظّموا أنفسكم، ودعونا نرى خططكم.

لم يردّ الملّا على طلبات التعليق حول دوره وسيط.
لكنّ الاجتماعات بين المسؤولين الروس والفصائل السوريّة المنفيّة أصبحت نادرة، قال شخصان لديهما معرفة مباشرة بجدولتها. قالا إنّه لم يكن هناك أيّ منذ أن زار الرئيس الشرع موسكو في تشرين الأوّل لتأمين دعم الكرملين.
خلال الزيارة، أثار الشرع قضيّة حسن ومخلوف مع الحكومة الروسيّة، قال الشامي، محافظ طرطوس. قال الشامي إنّ روسيا – ولبنان بشكل منفصل – “عبّرتا عن استعدادهما لزيادة التنسيق ومنع أيّ نشاط لهؤلاء الأفراد داخل أراضيهما.” لم يكن على علم بأيّ اجتماعات ربّما أجراها المتآمرون مع مسؤولين روس.
إحدى الدبلوماسيّين قال إنّ اجتماع الشرع في الكرملين “أرسل إشارة إلى المتمرّدين العلويّين: لم يكن هناك أحد في الخارج قادماً لإنقاذهم.”
هناك إشارات على أنّ مخلوف، الذي جُمّدت حساباته التجاريّة بسبب العقوبات الدوليّة، يواجه مشاكل في التدفّق النقديّ. لم تصل رواتب تشرين الأوّل بعد، وفقاً لثلاثة أشخاص على علم بالتحويلات.
الرجل على الأرض
منذ عمليّات القتل في آذار، اعتمدت حكومة دمشق على رجل محوريّ لمواجهة التآمر: خالد الأحمد، صديق طفولة للرئيس الشرع.
علويّ، كان الأحمد ذات مرّة في دائرة الأسد الداخليّة. خدم دبلوماسيّ في الظلّ ومؤسّس لقوّات الدفاع الوطنيّ، أكبر ميلشيا شبه عسكريّة حليفة للأسد.

مثل مخلوف، اعتقد الأحمد أنّه مسؤول عن انتصار الأسد في الحرب الأهليّة. أعطى الأسد الأحمد معاملة مشابهة إلى حدّ بعيد لابن عمّه، جرّده من الامتيازات وأمر بتجنيده، وفقاً لمساعدَين.
فرّ الأحمد إلى قبرص، ثمّ، في 2021، زار إدلب في شمال غرب سوريا للقاء صديقه القديم، الشرع، وفقاً لروايات من ثلاثة أشخاص عملوا مع كلا الرجلين. ناقشا خطّة الشرع لإسقاط الأسد، وفقاً للأشخاص الثلاثة. تحقّقت في كانون الأوّل 2024.
راجعت رويترز رسائل صوتيّة على واتساپ من الأحمد في أواخر 2024 أخبر فيها مسؤولين عسكريّين رئيسيّين أنّه من العبث التمسّك بالدكتاتور الخاسر ووعد بالعفو إذا تخلّوا عنه ومنعوا حمّام دَم.
في بيانه لرويترز، قال الأحمد إنّ هدفه مع سقوط الحكومة في كانون الأوّل كان منع مزيد من إراقة الدماء، لكنّه اعترف بعدم قدرته على “إنقاذ السوريّين تماماً من خسارة أخرى، أو من الظلال الطائفيّة التي لا تزال تُظلم مجتمعنا.”
اليوم الأحمد هو أقوى علويّ في سوريا، يتنقّل بين پنتهاوس في بيروت يطلّ على البحر وڤيلّا محصّنة في دمشق.
“يُعدّ دوره حاسماً في تعزيز الثقة بين المجتمع العلويّ والحكومة الجديدة”، قال الشامي، محافظ طرطوس.


قال أربعة مساعدين إنّ الأحمد يموّل وينسّق خلق فرص عمل وتنمية اقتصاديّة لأنّه يؤمن أنّها الحلّ للبطالة العالية المزعزعة للاستقرار التي تلت سقوط الأسد، عندما حُلّ الجيش وفقد العلويّون وظائف حكوميّة.
في أواخر تشرين الأوّل، أعلنت وزارة الداخليّة عن اعتقال خليّة ساحليّة قالت إنّها ممولة من مخلوف كانت تخطّط لاغتيال صحافيّين وناشطين. في المجمل، قال محافظ طرطوس الشامي، إنّ عدد الاعتقالات للأشخاص المرتبطين بمخلوف وحسن كان بالعشرات.
على طول ذلك الساحل نفسه، تتراكم مخزونات من المعدّات بهدوء وتجمع الغبار في غرف تحت الأرض، وفقاً للقائد الميدانيّ، الذي يراقب شخصيّاً عدّة منها.
ستكون جاهزة عندما تُحتاج، قال، لكنّه حتّى الآن لا يرى جانباً يستحقّ الاختيار.
التقرير من فراس دلاتي وتيمور الأزهري. تحرير الصور ماري سيميرديجيان. الرسم والتصميم كاثرين تاي. حرّره لوري هينانت وپيتر هيرشبرگ.
تحليل نقديّ لتقرير رويترز
المنهجيّة الصحفيّة والمصادر
التحقيق الاستقصائيّ الجادّ يُبنى على قاعدتين: التحقّق من المعلومات وتعدّد المصادر. رويترز تدّعي الاعتماد على ثماني وأربعين مصدراً، لكنّ هذا الرقم وحده لا يعني الكثير إذا كانت المصادر كلّها تنتمي لنفس الجهة أو تشترك في نفس المصلحة.
المشكلة الأساسيّة هنا أنّ القارئ لا يستطيع التمييز بين أنواع المصادر. هل هم ضبّاط في الحكومة الجديدة؟ هل هم من المقرّبين من المتّهمين الذين انقلبوا عليهم؟ هل هم مواطنون عاديّون؟ هل هم مسؤولون في أجهزة استخبارات إقليميّة أو دوليّة؟ كلّ نوع من هذه المصادر له درجة مصداقيّة مختلفة ومصالح مختلفة.
عندما يقول التقرير “اطّلعت رويترز على وثائق ماليّة” دون نشر هذه الوثائق أو حتّى إعطاء تفاصيل كافية عنها، فنحن أمام مأزِق منهجيّ. الصِّحافة الاستقصائيّة الحديثة، خصوصاً بعد عصر ويكيليكس، تميل لنشر الوثائق الأساسيّة أو على الأقلّ إتاحتها للباحثين والصحفيّين الآخرين. هذا لا يحدث هنا.
الأرقام المحدّدة جداً (976,705 دولار، 54,053 مقاتلاً) تُعطي انطباعاً بالدقّة، لكنّها قد تكون أيضاً علامة على تلفيق. الأرقام الحقيقيّة في سياقات فوضويّة نادراً ما تكون بهذه الدقّة. الميلشيات السرّيّة لا تحتفظ عادة بجداول رواتب منظّمة كأنّها شركة محاسبة.
البنية السرديّة وتقنيّات الإقناع
التقرير مكتوب بأسلوب قصصيّ جذّاب. هناك أبطال وأشرار وتشويق ونقاط تحوّل درامية. هذا ليس خطأً في حدّ ذاته – الصِّحافة السرديّة narrative journalism أسلوب شرعيّ ومحترم. لكنّ المشكلة تظهر عندما تطغى الدراما على التحليل.
خذ مثلاً وصف حسن وهو جالس على “كرسيّ خشبيّ صُلْب” في السِّفَارة الروسيّة. هذه التفاصيل الحسّيّة تخدم غرضاً سرديّاً: تصوير الشخصيّة في موقف إذلال. لكن كيف عرفت رويترز هذا؟ هل كان صحفيّ معهم في السِّفَارة؟ طبعاً لا. إذاً المعلومة جاءت من مصدر، ربّما من حسن نفسه أو من مقرّب منه. لكن لماذا يروي شخص تفاصيل مُذلّة عن نفسه أو عن رئيسه؟ ما مصلحته؟
الجواب المحتمل أنّ هذه التفاصيل إمّا مبالغ فيها أو مُختلَقة لتخدم الصورة النمطيّة المطلوبة: الرجل القويّ سابقاً الذي أصبح ذليلاً، الجلّاد الذي تحوّل إلى لاجئ. هذه سرديّة مُرضية عاطفيّاً للقرّاء، لكنّها ليست بالضرورة دقيقة.
الأمر نفسه ينطبق على وصف مخلوف بأنّه “يقتبس من القرآن باستمرار” ويؤمن بنبوءات نهاية العالم. هذا التصوير يحقّق هدفين: أوّلاً، يجعل الشخصيّة تبدو متطرّفة دينيّاً (وهذا يُقلق القارئ الغربيّ تحديداً). ثانياً، يجعلها تبدو منفصلة عن الواقع (وبذلك غير عقلانيّة وشديد الْخَطَر). لكن مرّة أخرى، ما الدليل؟ مصادر مجهولة.
التأطير الجماعيّ والخطاب عن “الطائفة”
التقرير يستخدم كلمة “الطائفة” و”المجتمع العلويّ” و”الأقلّيّة العلويّة” عشرات المرّات. ليس هذا التكرار بريئاً. كلّ استخدام لهذه المصطلحات يُعزّز فكرة أنّ هناك كياناً متجانساً اسمه “العلويّون” يتحرّك بشكل جماعيّ.
لكنّ الواقع أنّ أيّ مجموعة بشريّة – دينيّة أو إثنيّة أو غيرها – تحتوي على تنوّع هائل. هناك علويّون فقراء وأغنياء، مثقّفون وأمّيّون، متديّنون وعلمانيّون، موالون ومعارضون. اختزال كلّ هذا التنوّع في كلمة “الطائفة” هو عنف معرفيّ. وكأنّ سوريا هي إمارات طوائف من القرون الوسطى.
يقول التقرير مثلاً: “كثير من العلويّين في سوريا، الذين عانوا أيضاً تحت الأسد، يشكّون في الثنائي”. هذه جملة تبدو متوازنة، لكنّها في الحقيقة تعزّز التأطير الطائفيّ. تقول إنّ “العلويّين” يفكّرون بطريقة معيّنة، كأنّهم كتلة واحدة. لماذا لا نقول “كثير من السوريّين” أو “كثير من سكّان الساحل”؟ لماذا التحديد الطائفيّ دائماً؟
الأخطر من ذلك هو الحديث عن “خمسين ألف مقاتل محتمل” و”عشرات الآلاف يمكن أن يواجهوا انتقاماً عنيفاً”. هذه اللّغة تخلق انطباعاً بأنّ هناك جيشاً كاملاً من العلويّين جاهز للقتال ضدّ الحكومة الجديدة. حتّى لو كانت الأرقام صحيحة (وهي على الأرجح مبالغ فيها)، فإنّ طريقة عرضها تُنتج صورة نمطيّة شديد الْخَطَر: العلويّون تهديد جماعيّ.
منطق التقرير الداخليّ وتناقضاته
يحتوي التقرير على تناقضات منطقيّة واضحة. يقول في البداية إنّ حسن ومخلوف “ينفقان ملايين الدولارات” ويموّلان “أكثر من خمسين ألف مقاتل”. لكنّه بعد ذلك يقول إنّ الرواتب عشرون إلى ثلاثون دولاراً شهريّاً، وإنّ المقاتلين يصفونها بـ”الفتات”، وإنّ التمويل “يقصر عن الاحتياجات”.
إذا كان التمويل ضعيفاً والرواتب تافهة، فكيف يُفترض أن يكون هذا “تهديداً جدّياً”؟ ثمّ يقول التقرير إنّ المنفيّين “لم يحشدوا أيّ قوّات بعد” وإنّ “احتمالات انتفاضة ناجحة منخفضة”. إذاً لماذا تقرير بهذا الطول وبهذا التفصيل عن تهديد “منخفض الاحتمالات”؟
الجواب المنطقيّ الوحيد هو أنّ التقرير لا يهدف لتقييم خطر حقيقيّ، بل لتثبيت سرديّة معيّنة. السرديّة هي: هناك مؤامرة، المتآمرون أشرار ومجانين، الحكومة الجديدة تسيطر على الوضع، المعارضة المحتملة ضعيفة ومشتّتة.
قضيّة غرف القيادة السرّيّة
الحديث عن أربع عشرة غرفة قيادة تحت الأرض يبدو مثيراً، لكنّه يطرح أسئلة عمليّة. إذا كانت الحكومة تعرف بوجود هذه الغرف (والتقرير يقول إنّ محافظ طرطوس أكّد ذلك)، فلماذا لا تصادرها؟ الجواب الرسميّ هو أنّها “أُضعفت”. ماذا يعني هذا؟ هل دخلتها الحكومة وأخذت بعض الأسلحة؟ هل دمّرتها جزئيّاً؟ هل وضعت عليها حراسة؟
يقدّم التقرير صورة واحدة لغرفة تحتوي على صناديق أسلحة وحواسيب. هذا يثبت وجود غرفة واحدة، لكنّه لا يثبت وجود شبكة من أربع عشرة غرفة مترابطة. ثمّ يقول التقرير إنّ هذه الغرف “جزيرة كنز” يتنافس عليها المتآمرون. لكن إذا كانت الحكومة تعرف مواقعها، فكيف سيصل إليها المتآمرون؟
المنطق هنا غير مكتمل. إمّا أنّ الحكومة تسيطر على الغرف وبذلك لا خطر منها، أو أنّها لا تسيطر عليها وعلى هذا هناك خطر حقيقيّ. لكنّ التقرير يريد الحصول على الاثنين معاً: خطر كافٍ لتبرير التقرير، وسيطرة كافية لطمأنة القرّاء.
دور خالد الأحمد في السرديّة
الأحمد هو الشخصيّة الوحيدة الإيجابيّة في التقرير. يُوصف بأنّه “رجل السلام”، “الجسر”، “منقذ الأرواح”. لكنّ التقرير يتجاهل تاريخه مؤسّس لواحدة من أكثر الميليشيات دمويّة في الحرب السوريّة.
قوّات الدفاع الوطنيّ ارتكبت مجازر موثّقة في مدن عديدة. هذه ليست اتّهامات، بل حقائق موثّقة من منظّمات حقوقيّة دوليّة. الأحمد كان مؤسّس هذه القوّات وأحد قادتها. كيف يتحوّل شخص بهذا السجلّ إلى “صانع سلام” ببساطة؟
يقدّم التقرير تفسيراً بسيطاً: خلافه مع الأسد. لكنّه لا يسأل: ما طبيعة هذا الخلاف؟ هل كان حول مبادئ أم حول مصالح؟ التقرير نفسه يشير إلى أنّ الأسد “جرّده من امتيازات”، ممّا يوحي بأنّ الخلاف كان على نفوذ ومكاسب، لا على قناعات سياسيّة.
تقديم الأحمد بصفة “ممثّل للعلويّين” إشكاليّ أيضاً. من اختاره لهذا الدور؟ هل هو منتخب؟ هل هناك آليّة تمثيل؟ أم أنّه ببساطة “الرجل الموثوق” من نظر الحكومة الجديدة؟ التقرير لا يطرح هذه الأسئلة.
غياب السياق التاريخيّ والسياسيّ
يتحدّث التقرير عن “المخاوف العلويّة” كأنّها مسألة نفسيّة أو ثقافيّة. لا يفسّر لماذا توجد هذه المخاوف. القارئ الذي لا يعرف تاريخ سوريا قد يظنّ أنّ العلويّين يخافون لمجرّد أنّهم “أقلّيّة” أو لأنّهم “كانوا مرتبطين بالأسد”.
لكنّ الحقيقة أعقد. النظام الأسديّ على مدى عقود ربط مصير الطائفة بمصيره عمداً، استراتيجيّة للبقاء. خلق نظام محسوبيّات وامتيازات لشرائح معيّنة، وفي الوقت نفسه جنّد أبناء الطائفة قسريّاً في الجيش والأمن. خلق هذا وضعاً معقّداً: بعض العلويّين استفادوا من النظام، وبعضهم عانى منه، وكثيرون كانوا في منطقة رماديّة.
الآن بعد سقوط النظام، السؤال الكبير هو: كيف تُعالج هذه الورطة التاريخيّة؟ كيف تحاسب مجرمي الحرب دون أن تعاقب طائفة بِرُمَّتها؟ كيف تبني دولة جديدة تشمل الجميع دون أن تُنسى جرائم الماضي؟ التقرير لا يقترب من هذه الأسئلة.
مسألة الأرقام والإحصائيّات
ادّعاء مخلوف بأنّه يسيطر على 54,053 مقاتلاً رقم غريب بدقّته. عادة ما تكون الأرقام في سياقات كمثل هذه تقديريّة وتقريبيّة. القول بأنّ هناك “حوالي خمسين ألفاً” أو “عشرات الآلاف” منطقيّ. لكنّ الرقم 54,053 يوحي بحصر دقيق، كأنّ هناك قاعدة بيانات محدّثة بأسماء كلّ هؤلاء.
الأرجح أنّ هذا الرقم إمّا مبالغة من مخلوف نفسه (لتضخيم قوّته)، أو رقم مُسرّب من جهة معادية له (لتضخيم الخطر). في الحالتين، الرقم غير موثوق، والتقرير نفسه يعترف بذلك (“لم تستطع رويترز تأكيد أرقام المقاتلين”). لكنّه مع ذلك يستخدم الرقم في العنوان وفي صُلْب التقرير كأنّه حقيقة.
المشكلة نفسها مع الأموال. “ستّة ملايين دولار” و”مليون ونصف” أرقام كبيرة، لكنّها في سياق تمويل ميلشيات وانتفاضات ليست كبيرة جدّاً. للمقارنة، حرب أهليّة يوم واحد فيها قد تكلّف أكثر من ذلك. إذا كان هذا كلّ ما أنفقه حسن ومخلوف على مدى شهور، فهذا يدلّ على عمليّة صغيرة جدّاً، وليس على “مؤامرة كبرى”.
الموقف الروسيّ والألغاز الإقليميّة
يقدّم التقرير روسيا طرف يؤوي المنفيّين لكنّه لا يدعمهم. هذا تبسيط. روسيا لاعب معقّد له مصالح متعدّدة ومتناقضة أحياناً. من جهة، تريد علاقة جيّدة بالحكومة السوريّة الجديدة للحفاظ على قواعدها العسكريّة. من جهة أخرى، لا تريد أن تخسر كلّ أوراق الضغط، لذلك تحتفظ ببقايا النظام القديم.
غياب إيران من التقرير ملفت. إيران خسرت في سوريا أكثر ممّا خسرت روسيا. فقدت “الجسر البرّيّ” إلى لبنان، وفقدت استثمارات ضخمة، وفقدت موطئ قدم استراتيجيّ. من غير المنطقيّ أن تقبّل طِهران بهذا الوضع دون ردّ. لكنّ التقرير لا يذكر إيران، كأنّها خرجت من اللّعبة تماماً.
خلاصة منهجيّة
يعاني التقرير من عيوب منهجيّة جوهريّة: الاعتماد الكلّيّ على مصادر لا يمكن التحقّق منها، استخدام أرقام دقيقة دون إثبات، تناقضات منطقيّة داخليّة، وبناء سرديّ يعتمد على الإثارة أكثر من التحليل.
هذا لا يعني أنّ كلّ ما فيه كذب بالضرورة. ربّما هناك فعلاً محاولات من شخصيّات النظام القديم لتنظيم “مقاومة”. لكنّ التقرير لا يقدّم دليلاً كافياً لإثبات حجم هذه المحاولات أو خطورتها.
القيمة الحقيقيّة للتقرير ليست في المعلومات التي يقدّمها (لأنّها غير قابلة للتحقّق منها)، بل في كونه وثيقة تكشف كيف تُبنى السرديّات السياسيّة في الإعلام العالميّ. إنّه مثال على كيف يمكن لوكالة محترمة أن تنتج تقريراً يبدو مهنيّاً ومحايداً، لكنّه في الحقيقة يخدم أجندة سياسيّة محدّدة من طريق اختيار المصادر وتأطير القصّة وإبراز بعض التفاصيل وإخفاء أخرى.





اترك رد