تُشكّل العلاقة بين الإسلام والعروبة إحدى أعقد الإشكاليّات الفكريّة والجيوسياسيّة في التّاريخ العربيّ والإسلاميّ، وتتجلّى خطورتها في استمرار التّيّارات المناهضة للهويّة العربيّة بالتّطوّر منذ القرن 1 هجريّ \ 7 ميلاديّ وحتّى يومنا هذا.
يُعالج هذا البحث المعضلة التّاريخيّة والمفاهيميّة للحركة الشّعوبيّة، متتبّعاً مسار تحوّلها من مطلب اجتماعيّ بالمساواة إلى أيديولوجيا عنصريّة تسعى لفصل الدّين عن حاضنته العربيّة. وتتّسع دائرة البحث لتشمل تشريح امتدادات هذه الظّاهرة في العصر الحديث، المتمثّلة في اللّاعربيّة والعربفوبيا، اللّتين وُظّفتا أدواتٍ استعماريّةً لتفكيك النّسيج الاجتماعيّ، وبثّ الاغتراب النّفسيّ، وتهميش الإنجاز الحضاريّ العربيّ.
تكمن أهمّيّة هذا الموضوع في تجاوزه السّرد التّاريخيّ ليلامس واقعاً مُعاشاً؛ فالنّزعات الشّعوبيّة الجديدة لا تزال تنهش في البنية الوطنيّة للدّول العربيّة، مستغلّةً الأقلّيّات لتأجيج الصّراعات الانفصاليّة.
نطرح هنا سؤالاً بحثيّاً جوهريّاً: كيف استطاعت الحركات المناهضة للعروبة التّطوّر تاريخيّاً لاختراق العقل العربيّ؟ وما هي الآليّات الفكريّة والنّفسيّة المتّبعة اليوم لطمس الهويّة العربيّة وضرب استقرار مجتمعاتها؟ وينبع تبرير هذا التّساؤل من الضّرورة الملحّة لإحياء التّراث، وتعزيز الانتماء، ومواجهة سياسات الإقصاء الممنهجة الممارسة ضدّ العرب لغةً ووجوداً.

إشكاليّة الشّعوبيّة ومساعي طمس الهويّة العربيّة
شَكَّلَت الظّاهرة الشّعوبيّة في تاريخ الإسلام واحدةً من أعقد الحركات الاجتماعيّة الفكريّة والسّياسيّة الّتي أفرزتها تفاعلات الفتوحات الكبرى والتّوسّع الإمبراطوريّ لدولة الإسلام العربية. ففي مقاربتها المعرفيّة الأولى، انطلقت الشّعوبيّة حركة ذات طابع دينيّ واجتماعيّ تدعو إلى المساواة المطلقة وتناهض الامتيازات القوميّة، متّخذةً من النّصّ القرآنيّ مرجعيّةً أساسيّةً لها.
استمدّت الحركة تسميتها من التّفسير اللّغويّ والاجتماعيّ للآية القرآنيّة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات 13)، واستند المؤسّسون الأوائل للحركة إلى هذا النّصّ لتأكيد التّكافؤ البشريّ، مفسّرين لفظ «الشّعوب» بإشارته إلى الأمم غير العربيّة من الأعاجم، وإشارة «القبائل» إلى العرب.
يُجمِع جمهور المفسّرين وعلماء اللّغة على رفض التّأويل القوميّ الضّيّق الذي تتبنّاه الحركة الشّعوبيّة، مقدّمين ثلاث تفاسير رئيسيّة توضّح المعنى اللّغويّ والاجتماعيّ للآية الكريمة دون الانحياز لقوميّة دون أخرى.
يُفصّل التّفسير الأوّل البنية التّراتبيّة للتّجمّعات البشريّة، جاعلاً من مصطلح الشّعوب المظلّة الكبرى الجامعة، وتندرج تحتها القبائل فروع أصغر. وتتسلسل هذه التّقسيمات نزولاً لتشمل العمائر، والبطون، والأفخاذ، وصولاً إلى الفصائل. ويمثّل تجمّع مُضَر شعباً على سبيل المثال، وتتفرّع منه بكر قبيلة. وينفي هذا التّدرّج الهرميّ أيّ دلالة قوميّة تفصل بين العرب والعجم، ويؤكّد شموليّة التّقسيم لجميع البشر.
يتّجه التّفسير الثّاني نحو ربط الكلمتين بآليّات حفظ الأنساب والانتماء المكانيّ. إذ تدلّ كلمة الشّعوب على الأمم المنتسبة إلى رقعة جغرافيّة محدّدة أو أقاليم واسعة دون تتبّع دقيق لسلسلة الأجداد، كحال الإيرانيّين والرّوم. ثمّ تأتي كلمة القبائل لوصف الأمم المعتمدة على حفظ سلاسل الأنساب والانتماء المباشر للآباء والأجداد، كالعرب والإسرائيليّين. ويهدف هذا التّصنيف إلى وصف الواقع الدّيموغرافيّ لتسهيل التّعارف والتّواصل الإنسانيّ المذكور صراحةً في الآية.
يتعمّق التّفسير الثّالث في الجذر اللّغويّ لكلمة شعب، المشتقّة من فعل يتضمّن معاني التّفرّق والتّجمّع معاً. يوضّح هذا المعنى اللّغويّ تفرّق النّاس في الأرض وتجمّعهم في كيانات مجتمعيّة متنوّعة. ويتّفق المفسّرون على ارتباط هذه التّقسيمات جميعها بالغاية الأسمى المذكورة في الآية، وهي التّعارف، قاطعين الطّريق أمام أيّ محاولة لتوظيف النّصّ القرآنيّ لإثارة النّعرات القوميّة أو التّفاخر بالأنساب. فالمقياس الأوحد للتّفاضل بين كافّة هذه الشّعوب والقبائل محصور بالتّقوى حصراً، ممّا يهدم الأساس الفكريّ للحركة الشّعوبيّة من جذوره.
إلّا أنّ التّحليل المعمّق لمسار هذه الحركة يوضّح تحوّلاً أيديولوجيّاً جذريّاً في بنيتها الفكريّة. إذ بدأت الشّعوبيّة حركة سياسيّة وفكريّة داخل إطار الإسلام تدعو إلى القوميّة والاعتزاز بالانتماءات القوميّة السّابقة للإسلام، رافضةً بذلك المفهوم التّأسيسيّ لـ «الأمّة الإسلاميّة» الّذي يصهر الفروقات القوميّة في بوتقة الانتماء الإيماني.
مع تطوّر الزّمن والممارسة، واجهت هذه الحركة معضلةً إبستمولوجيّةً وتاريخيّةً تتمثّل في الارتباط العضويّ واللّغويّ الوثيق بين الإسلام (عقيدة ونَصّ مقدّس وتاريخ مبكّر)، والهويّة العربيّة. وقاد هذا الإدراك الشّعوبيّة إلى انعطافة شديدة الْخَطَر؛ فبدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بالمساواة، تحوّلت إلى حركة هجوميّة تهدف إلى انتقاد العروبة ذاتها، والتّرويج لتفضيل العجم على العرب، وصولاً إلى صياغة استراتيجيّة فكريّة منهجيّة لتشجيع الفصل التّامّ بين الإسلام الدين والسّمات الحضاريّة واللّغويّة للعروبة. بل وذهب الحركة حتّى نفي الحضارة العربية برمّتها وإنكارها وصولاً إلى إنكار عروبة العرب.
يتصدّى هذا البحث الأكاديميّ لفكّ طلاسم هذه الظّاهرة المعقّدة، بتتبّع جذورها التّاريخيّة في العصر الأمويّ، وتمدّدها المؤسّسيّ في العصر العبّاسيّ، وتجلّياتها الأدبيّة والتّاريخيّة المستهدفة تحقير العرب وطمس إرثهم. ويمتدّ البحث لتحليل الامتدادات الجغرافيّة للحركة في الأندلس، وصولاً إلى استنساخ هذه الأيديولوجيا في العصر الحديث المعرّفة بـ «الشّعوبيّة الجديدة» Neo-Shu’ubiyya (نئو شعوبیه)، وطريقة تقاطع هذه النّزعات الحديثة مع تيّارات الإسلام السّياسيّ والقوميّات البديلة لإعادة إنتاج مشروع فصل الإسلام عن العروبة.

الجذور التّاريخيّة ما قبل الإسلاميّة
ترتدّ جذور النّزعة الاستعلائيّة السّاسانيّة، وتصوير العرب في مرتبة متدنّية مقارنةً بالأمم الأخرى كالرّومان والإيرانيّين، إلى أحداث تاريخيّة تسبق الإسلام بقرابة 3 أو 4 قرون. حين سوّغت الإمبراطوريّة السّاسانيّة سياسات التّهجير والإبادة ضدّ العرب بمسوّغات أمنيّة، لاسيّما عقب اندلاع ثورات عربيّة عارمة بقيادة الأزد، ووصول جيوشهم إلى عمق الأراضي الفارسيّة حتّى مدينة شهر گور (ڤيروزآباد) في حملة عسكريّة كادت تسقط الدّولة السّاسانيّة تماماً. وكانت الثورات العربيّة قد اندلعت اعتراضاً على انقلاب الساسانيّين على الأشكان واستيلائهم على السلطة.
ردّ الشّاه {شاپور الثّاني} آنذاك على هذا التّهديد بشنّ حرب استئصال شاملة، فدمّر حواضر العرب، وردم آبارهم، ونفّذ عمليّات إبعاد جماعيّ قسريّاً طالت قبائل بني تغلب، وعبد القيس، وتميم، وبكر، وحنظلة مبعداً إيّاهم عن سواحل الخليج العربي ومواطنهم الأصليّة. ورافق هذه الحملة إكراه دينيّ متمثّل بفرض الدّيانة الزّرادشتيّة على سكّان العراق وشرق شبه الجزيرة العربيّة.
ختمت السّلطة السّاسانيّة سياسة العزل هذه بتشييد سور ضخم قرب الحيرة عرف باسم «ور إطاژيگان» أي سور العرب، لصدّهم عن العودة إلى أوطانهم المستلبة. وأرست هذه الممارسات العنيفة نهجاً سياسيّاً وعسكريّاً يتعاطى مع استهداف العرب وتشتيتهم بصفتها إجراءات طبيعيّةً وضروريّةً لضمان التّفوّق الساسانيّ.
تجاوزت هذه الإجراءات حدود العزل العسكريّ والسّياسيّ لتتأسّس عليها منظومة فكريّة واجتماعيّة متكاملة، تضع العرب في نظر الزرادشتيّين في أدنى درجات السّلّم البشريّ. وتحوّل «سور العرب» المادّيّ إلى حاجز نفسيّ عميق، صاغت النّخبة السّاسانيّة بناءً عليه صورةً نمطيّةً تحطّ من شأن أنماط العيش العربيّة، وتزدري معيشتهم، وتصفهم بالتّأخّر قياساً بالتّنظيم الإمبراطوريّ والحضريّ في فارس.
تغلغلت هذه النّزعة الاستعلائيّة في الأعراف البلاطيّة والأدبيّات السّاسانيّة، مكرّسةً دونيّة العرب مسلّمةً اجتماعيّةً متوارثةً ومبرّراً أخلاقيّاً للهيمنة عليهم ومنعهم عن السلطة. ولمّا سقطت الإمبراطوريّة السّاسانيّة ودخل الإسلام، لم تندثر هذه الرّواسب النّفسيّة العميقة، بل انتقلت بخفاء لتشكّل النّواة الأيديولوجيّة المبطّنة للحركات اللّاعربيّة اللّاحقة كالشّعوبيّة؛ مستغلّةً الموروث الاجتماعيّ السّابق للإسلام لانتقاص العرب ومحاولة استعادة الفوقيّة التّاريخيّة بأدوات وحجج جديدة.
شكّل اعتناق الفرس الإسلام صدمةً نفسيّةً وعقائديّةً عميقةً للنّخبة الفارسيّة المتشرّبة لإرث الإمبراطوريّة السّاسانيّة. عاش هؤلاء قروناً طويلةً ينظرون إلى العرب بدونيّة استعلائيّة. ولمّا جاء الإسلام، اصطدم الوعي القوميّ الفارسيّ (الساسانيّ آنذاك) بحقيقة اصطفاء الله العرب لحمل رسالته الخاتمة، واختياره اللّسان العربيّ وعاءً للوحي الإلهيّ.
ولّد هذا التّناقض الصّارخ بين أمجاد الماضي وتسيّد العرب للمشهد السّياسيّ والدّينيّ الجديد أزمةً إبستمولوجيّةً خانقةً؛ فصعب على العقل الزرادشتيّ المشبّع بالاستعلاء تقبّل فكرة انتقال التّفضيل الرّبّانيّ ومركز الثّقل الرّوحيّ إلى أمّة احتقروها بالأمس القريب. ومثّلت هذه الصّدمة الوجوديّة المحرّك النّفسيّ الأوّل لتأجيج الحركة الشّعوبيّة، دافعةً منظّريها إلى التّشكيك في العروبة ومحاولة تفكيك الارتباط العضويّ بين النّصّ المقدّس والهويّة العربيّة، سعياً لاستعادة كبريائهم القوميّ المهدور.
لم تقف تداعيات هذه الصّدمة النّفسيّة عند حدود التّاريخ القديم، بل امتدّت لتشكّل العمود الفقريّ للقوميّات الإقليميّة المعاصرة. فاستنسخت القوميّة الفارسيّة الحديثة هذه العقدة السّاسانيّة، موظّفةً إيّاها لبناء هويّة وطنيّة قائمة على استعداء العرب. ويتجلّى ذلك بوضوح في المناهج التّعليميّة والأدبيّات الرّسميّة، المتعمّدة تصوير الفتح الإسلاميّ كارثةً قوميّةً أنهت أمجاد الأكاسرة. إذ تكرّس هذه المناهج منذ الصّغر صورة العربيّ «العدوّ التّاريخيّ الأوّل»، محاولةً تطهير اللّغة الفارسيّة من المفردات العربيّة، والقفز فوق قرون من التّاريخ المشترك لتمجيد الإمبراطوريّة الأخمينيّة والسّاسانيّة، في مسعى حثيث لفكّ الارتباط الرّوحيّ واللّغويّ بالنّصّ القرآنيّ. حتّى أنّها تتعمّد فرض تزوير تاريخي مختلق يصوّر عِداءً مفترضاً ما بين العرب والأخمينيّين.
على خطى مشابهة، استعارت الحركات القوميّة الكرديّة المعاصرة، ولاسيّما المتبنّية للأدبيّات الكرمانجيّة، الآليّات الإقصائيّة ذاتها لصياغة وعي قوميّ حديث. فتستند هذه السّرديّة إلى استدعاء جذور تاريخيّة موغلة في القدم، كالإمبراطوريّة الميديّة، لشرعنة أسبقيّة مدنيّة تهمّش الوجود العربيّ. وتصوّر المناهج والنّصوص التّأسيسيّة لهذه الحركات العرب غزاةً ومحتلّين، محمّلةً إيّاهم مسؤوليّة التّهميش التّاريخيّ وفقدان الدّولة. ويهدف هذا التّأطير الممنهج إلى بناء أسوار نفسيّة جديدة تفصل الأجيال النّاشئة عن محيطها العربيّ، محوّلةً التّباينات السّياسيّة الحديثة إلى عداء عرقيّ متجذّر.
تستثمر القومية الأمازيغيّة سرديّة الغازي وتأطير العدوّ على نفس السياق. إذ تتشابه الحركات المعاصرة مع الشّعوبيّة في إلقاء لائمة الانحطاط التّاريخيّ على الوجود العربيّ. ففي حين يمثّل الفتح الإسلاميّ في السّرديّة الفارسيّة القوميّة كارثةً أسقطت حضارة مفترضة. يُطرح الوجود العربيّ في الخطاب الأمازيغيّ الرّاديكاليّ استعماراً استيطانيّاً طمس هويّات السّكّان الأصليّين ودمّر حضارتهم. ويُرْبَط العربيّ في الوعي الكرديّ الحديث بالدّولة المركزيّة المستبدّة الممارسة للبطش العسكريّ.
يمثّل التّكريس التّعليميّ والأكاديميّ لمعاداة العرب في هذه السّياقات الإقليميّة امتداداً مباشراً للأيديولوجيا الشّعوبيّة واللّاعربيّة المعاصرة. ويستبدل هذا النّهج «سور العرب» المادّيّ القديم بأسوار إدراكيّة تُبنى في عقول النّشء على مقاعد الدّراسة، خالقاً حالةً من التّماسك القوميّ السّلبيّ المعتمد على شيطنة الآخر العربيّ بدلاً من التّصالح مع التّاريخ المشترك.
تُثبت هذه الممارسات تحوّل الكراهيّة الشعوبيّة من ردّ فعل تاريخيّ عابر إلى عقيدة سياسيّة مؤسّساتيّة، تسعى باستمرار لتمزيق النّسيج الاجتماعيّ للمنطقة، وتعميق فجوات الاغتراب النّفسيّ لتبرير مشاريع الهيمنة والانفصال.

نشأة الموالي والدّيناميات الاقتصاديّة في العصر الأمويّ
يصعب عزل نشأة الحركة الشّعوبيّة عن البنية التّراتبيّة السّائدة في المجتمع الإسلاميّ إبّان الخلافة الأمويّة بين عامي 40 و 132 للهجرة \ 661 و 750 للميلاد. إذ أفرزت حركات الفتح الواسعة ديموغرافيّةً جديدةً ومعقّدةً تمثّلت في فئة الموالي، وهم المسلمون المستعربون، والغالبيّة العظمى منهم من الإيرانيّين؛ ترك وفرس وبلوش وغيرهم، بالإضافة إلى مجموعات من اليونانيّين والبربر وبقايا جلب الرومان. شكّل هؤلاء الموالي القوّة الدّيموغرافيّة والاقتصاديّة الدّافعة للإمبراطوريّة المتوسّعة، باستثناء ارتكاز المنظومة السّياسيّة الأمويّة بشكل شبه حصريّ على الامتيازات القبليّة والقوميّة للعرب، مخلّفةً فجوةً عميقةً بين الإسهام الفعليّ للموالي ومكانتهم في هرم السّلطة.
لم يقف هذا الإقصاء عند حدود الموالي، بل امتدّ إلى النّسيج العربيّ نفسه، بتوظيف الانتماء القوميّ سلاحاً سياسيّاً واقتصاديّاً لاحتكار السّلطة والثّروة. إذ اختلق النّسّابة والسّياسيّون في خضمّ النّزاعات في أواخر العصر الأمويّ، وتحديداً الصّراع المنشب بين القبائل اليمانيّة والمضريّة القيسيّة بين عامي 125 و 132 للهجرة \ 743 و 750 للميلاد، تصنيفات تفرّق بين العرب العاربة والعرب المستعربة بهدف إقصاء الخصوم عن مفاصل الحكم وإدارة الدّولة. وشكّلت هذه الخلافات المفتعلة أداةً لحصر النّفوذ في فئة محدودة، وتجريد قبائل عربيّة أصيلة من هويّتها وحقّها في القيادة، ممّا ضاعف من حدّة الاحتقان الاجتماعيّ العامّ. ومهّد هذا التّعصّب القوميّ الضّيّق المحدّد لشرطيّة الانتماء إلى هرم الدّولة، الطّريق لتفاقم الأزمات البنيويّة اللّاحقة المتجاوزة للحدود القوميّة لتشمل الجوانب الماليّة.
تأجّجت هذه الأزمة السّياسيّة إبّان الفتن المتلاحقة، وتحديداً عقب خلع الخليفة الأمويّ {الوليد الثّاني} عام 126 للهجرة \ 744 للميلاد. إذ انحاز {الوليد الثّاني}، كمثل أبيه {يزيد بن عبد الملك}، إلى القبائل المُضريّة القيسيّة على حساب القبائل الكلبيّة اليمانيّة. فأثار هذا الانحياز غضب اليمانيّة الدّاعمين لجدّهم {مروان بن الحكم} عام 64 للهجرة \ 684 للميلاد ضدّ القيسيّة المبايعين لـ {عبد الله بن الزّبير}.
تصاعد الاحتقان إبّان تولّي {الوليد الثّاني} الحكم عام 125 للهجرة \ 743 للميلاد، بتسليمه ولاية العراق لـ {يوسف بن عمر الثّقفيّ}، الّذي سجن زعماء اليمانيّة وعذّب سلفه اليمانيّ {خالد بن عبد الله القسريّ} حتّى الموت. فتجمّع اليمانيّة تحت راية {يزيد الثّالث} وعزلوا {الوليد الثّاني} عام 126 للهجرة \ 744 للميلاد، معيدين السّلطة بِرُمَّتها إلى اليمانيّة. فمهّدت هذه الاضطرابات الطّريق لاندلاع الثّورة الهاشميّة في خراسان عام 129 للهجرة \ 747 للميلاد، والمنهية للحكم الأمويّ عام 132 للهجرة \ 750 للميلاد لمصلحة العبّاسيّين المانحين سلطات مطلقة للقيسيّين.
ألهبت هذه التّقلّبات السّياسيّة المتعاقبة بين عامي 125 و 132 للهجرة \ي 743 و 750 للميلاد أقلام الكُتّاب للطّعن في عروبة الخصوم لتجريدهم من أحقّيّة الحكم، استغلالاً للعرف السّائد منذ عهد {عبد الملك بن مروان}، أمير التّعريب، القاضي بحصر المناصب العليا بالعرب حصراً. وتحوّل التّشكيك في الأنساب إلى سلاح فتّاك؛ فكما طُعن في عروبة القيسيّة لولائهم لـ{ابن الزّبير}، طعن القيسيّون لاحقاً في عهد الخليفة العبّاسيّ {المنصور} بعروبة اليمانيّة، لتتّسع دائرة التّخوين القوميّ مبتلعةً التّاريخ العربيّ بأسره.
تشير التّحليلات التّاريخيّة الحديثة المعنيّة بالتّاريخ الاقتصاديّ للعصر الأمويّ إلى كون الدّوافع وراء تذمّر الموالي غير نابعة فقط من شعور بالتّهميش الفكريّ، بل مدفوعةً بأزمات هيكليّة في النّظام الضّريبيّ والماليّ للدّولة. ففي فترات الأزمات الماليّة، وتحديداً عند مواجهة الخزينة العامّة عجزاً في تلبية نفقات الجيوش وتوفير الرّواتب، اضطرّت الدّولة إلى فرض ضريبة «الخراج» (جزية الأرض) بشكل صارم على ممتلكات الموالي والعرب على حدّ سواء، وهو ما عَدَّه الموالي، المتمتّعون ببعض الرّخاء الاقتصاديّ في القرن الهجريّ الأوّل، تراجعاً عن مبدأ المساواة الماليّة المفترض منحه لهم بدخولهم في الإسلام. لكن، تنفي الدّراسات الموضوعيّة المبالغات القائلة بإثقال العرب كاهل الموالي بالضّرائب بشكل تمييزيّ صارخ في البدايات، ولكنّ التّشدّد الماليّ اللّاحق خلق حالةً من الاحتقان الشّديد.
أُضيف إلى ذلك الدّور العسكريّ الحاسم للموالي. إذ تؤكّد النّصوص التّاريخيّة مشاركة الموالي جنباً إلى جنب مع حلفائهم من القبائل العربيّة في الفتوحات والمعارك، سواء أفراد مندمجين داخل وحدات مواليهم، أو كتائب عسكريّة مستقلّة. وفي الرّبع الأخير من القرن الأوّل الهجريّ الموافق للفترة بين عامي 694 و 719 للميلاد، بات الموالي يمثّلون الغالبيّة العظمى من القوّة المقاتلة في الجيوش الأمويّة في الأمصار الكبرى. فولّد هذا التّناقض الصّارخ وعياً طبقيّاً وقوميّاً مضادّاً، بتمثيل الموالي عصب الجيش ومصدر الثّروة الزّراعيّة والتّجاريّة، واستبعادهم من القيادة السّياسيّة العليا ومراكز اتّخاذ القرار. وأصبح هذا الوعي هو الحاضنة الأولى المنمّية لبذور الشّعوبيّة، بتساؤل الموالي عن جدوى الانضواء تحت فكرة «الأمّة» المُدارة بعقليّة تفضيل القوميّة العربيّة وتجاهل المكوّنات الأخرى.

الأصول اللّغويّة لكلمة الموالي
تعود جذور كلمة الموالي في اللّسان العربيّ إلى الفعل (وَلِيّ) ومصدره (الوَلاية)، حاملةً دلالات القرب، والنّصرة، والامتداد. ولا ترتبط هذه الكلمة بشخصيّة تاريخيّة بعينها أو حقبة زمنيّة محدّدة، بل وُلدت من رَحِم النّظم الاجتماعيّة والقانونيّة الضّاربة في جذور التّاريخ العربيّ القديم.
يمثّل مصطلح المَوْلَى في أصله اللّغويّ والاجتماعيّ رابطةً تعاقديّةً مؤسّساتيّةً، تصف الحليف، والنّاصر، والجار، وابن العمّ، والعقيد. ويبرهن هذا التّنوّع الدّلاليّ على وجود بنية مدنيّة وقانونيّة معقّدة لدى المجتمعات العربيّة قبل الإسلام، ناظمةً لعلاقات الأفراد والكيانات ضمن ممالكهم وحواضرهم.
شَكَّل نظام «الوَلاء» مؤسّسةً قانونيّةً وحقوقيّةً متطوّرةً ابتكرها العرب لتنظيم التّكافل الاجتماعيّ والدّمج السّياسيّ. فلجأ الأفراد أو الجماعات، سواءً من العرب أو من الشعوب المجاورة، إلى عقد التّحالفات مع قبائل أو ممالك عربيّة قويّة لضمان الحماية، أو الشّراكة الاقتصاديّة، أو الاندماج الاجتماعيّ. إذ يصبح الفرد بموجب هذا العقد التّوافقيّ «مَوْلىً» للكيان العربيّ، متمتّعاً بكافّة الحقوق وعليه كافّة الواجبات المعقودة لأبناء العشيرة الأصليّين.
يُكَذِّب هذا النّظام المحكم السّرديّة الشّعوبيّة واللّاعربيّة المصوّرة للعرب أقواماً معزولين يفتقرون إلى التّنظيم المدنيّ؛ فالعرب أسّسوا آليّات اندماج حضاريّ قادرةً على استيعاب الآخر وصهره في نسيجهم الاجتماعيّ قبل قرون طويلة من الفتوحات الإسلاميّة.
أقرّ الإسلام لاحقاً هذه المؤسّسة الاجتماعيّة العربيّة الأصيلة وهذّب بعض جوانبها. ومع اتّساع رقعة دولة الإسلام وانضواء شعوب متنوّعة تحت ظلّها، كأهل هضبة إيران ووسط آسيا والقوقاز، استدعت الحاجة الإداريّة والقانونيّة دمج هذه الشّعوب ضمن النّظام السّياسيّ والاجتماعيّ للدّولة. فاستُخدِم نظام الموالي العربيّ العريق آليّةً مدنيّةً منظّمةً لاستيعاب الوافدين الجدد، مانحاً إيّاهم انتماءً اجتماعيّاً بديلاً عن روابطهم السّابقة عبر عقد «الولاء».
تداولت الأوساط السّياسيّة في القرن الأوّل الهجريّ \ 7 الميلاديّ كلمة «مَوْلى» لتعني «مواطناً» بالمعنى المعاصر. فصارت عبارة وَلِيّ عبد الملك على سبيل المثال، تعني مواطناً منتمياً إلى ولاية عبد الملك، أو خاضعاً لسلطته وتحت تاجه ووحدته الإدارية. نظام المواطنة هذا استُعمل بالأخصّ في المناطق الإقطاعية التي اعتمدت نظام الإدارة القبلي، فكان أهل القبيلة المالكة مواطنين بالوراثة، واحتاجت الدولة إلى نظام ثانويّ ينظّم مواطنة السكّان من غير أهل القبيلة المالكة. وكان نظام المَوَاليّ. فالموالي لسن أجانب أو أعاجم بالضرورة، وقد يكونون عرباً في مناطق قبليّة لا يرتبطون فيها بقرابة إلى القبيلة المالكة.
يُثبِت هذا التّسلسل التّاريخيّ بطلان الادّعاءات الشّعوبيّة الزّاعمة اختراع العرب لمصطلح «الموالي» أداةً للتّمييز القوميّ أو استعلاءً على الشّعوب المفتوحة ديارها. بل إنّ تطوّر الكلمة من دلالتها التّعاقديّة التّكافليّة في التّاريخ العربيّ القديم إلى دلالتها الإداريّة السّياسيّة في عصر الإسلام الأوّل مفهوم مرادف للمواطنة، يمثّل امتداداً طبيعيّاً لنظام حقوقيّ عربيّ راسخ، بُنِيَ لاستيعاب التّعقيدات الدّيموغرافيّة للإمبراطوريّة النّاشئة. واستغلّت الحركة الشّعوبيّة التّوتّرات السّياسيّة والاقتصاديّة اللّاحقة لتحوير هذا المفهوم التّكامليّ الجامع، محاولةً تصويره وسيلة قمع، بغية طمس الإرث التّنظيميّ والمؤسّساتيّ العريق للأمّة العربيّة.

الثّورة العبّاسيّة: الانقلاب الجيوسياسيّ وتأسيس النّفوذ الأعجميّ
مثّلت الثّورة العبّاسيّة (أو الحركة الهاشميّة) المتوّجة بإسقاط الخلافة الأمويّة عام 132 للهجرة \ 750 للميلاد، محطّةً مفصليّةً في تاريخ الحركة الشّعوبيّة وموازين القوى في عالم الإسلام. إذ انطلقت الشّرارة الأولى للثّورة من إقليم خراسان في المشرق، متغذّيةً على حالة السّخط العارم تجاه السّياسات الأمويّة. وبالرّغم من القيادة العليا للثّورة ذات الأصول العربيّة الهاشميّة، وتألّف النّواة الصّلبة لجيش الثّورة (أهل خراسان) من قبائل عربيّة يمانيّة استوطنت المشرق منذ ما قبل الفتوحات الأولى، أضفى الدّور الحاسم للموالي والإيرانيّين الترك، بقيادة شخصيّات تاريخيّة كـ{أبي مسلم الخراسانيّ}، على الثّورة طابعاً ائتلافيّاً عريضاً مناهضاً للهيمنة العربيّة الخالصة.
تَبَدَّلَت قواعد اللّعبة السّياسيّة والاجتماعيّة بشكل جذريّ مع استقرار دعائم الخلافة العبّاسيّة. إذ فقدت القبائل العربيّة حقّها الحصريّ في التّمتّع بثمار السّلطة والمكتسبات الماليّة الآتية عطايا سياديّة. وأضحت دوائر النّفوذ في البلاط العبّاسيّ مفتوحةً أمام الكفاءات الإداريّة والفكريّة والماليّة من الإيرانيّين والموالي. وأصبح القرب من الخليفة والحظوة في البلاط الملكيّ المُتَرجَم غالباً إلى الارتباط بالأسرة الحاكمة عبر نظام الولاء المدنيّ بدلاً من النّسب القبليّ هو جواز المرور الفعليّ للسّلطة والنّفوذ.
ظهرت عائلات إيرانيّة كبرى في سدّة الحكم في هذا العصر الذّهبيّ للاندماج، مثل البرامكة في عهد {هارون الرّشيد}، و{الفضل بن سهل} في عهد المأمون. فوصف المؤرّخون هذا التّحوّل بتخلٍّ تدريجيّ من قِبَل الخلفاء العبّاسيّين عن عقليّة التّفوّق القوميّ العربيّ، واعتماد نهج أكثر براغماتيّةً يعتمد على إسناد الإدارة إلى كوادر من الموالي الحاملين إرثاً إمبراطوريّاً تنظيميّاً مستمدّاً من التّقاليد السّاسانيّة القديمة. وتغلغلت مؤسّسات الإدارة الإيرانيّة وأعرافها في مفاصل دولة الخلافة، وانتقلت الشّعوبيّة مع هذا التّغلغل من كونها ردّ فعل دفاعيّ للمظلومين إلى أيديولوجيا هجوميّة تمتلك أدوات الدّولة، والثّروة، والمنابر الفكريّة لتنفيذ مشروعها.

من المطالبة بالتّسوية إلى الانفصاليّة القوميّة
لم تكن الحركة الشّعوبيّة كتلةً فكريّةً ساكنةً، بل شهدت تطوّراً أيديولوجيّاً متدرّجاً يبيّن تغيّر موازين القوى بين العرب والموالي، وتطوّر إدراك الحركة لطبيعة العلاقة بين الإسلام والعروبة. ويمكن تصنيف هذا التّطوّر الأيديولوجيّ إلى ثلاث مراحل رئيسيّة، توضّح مسار الانتقال من فكرة «الأمّة» إلى فكرة القوميّات المتعصّبة:
أوّلاً: مرحلة «أهل التّسوية» والمساواة القرآنيّة.
بدأت الحركة في أواخر العصر الأمويّ وبدايات العصر العبّاسيّ تحت لواء المطالبة بالمساواة المطلقة والعدالة الاجتماعيّة بين المسلمين كافّة، بغضّ النّظر عن أصولهم القوميّة. وتبنّى روّاد هذه المرحلة، المعروفون تاريخيّاً بـ «أهل التّسوية»، خطاباً يستند بالأساس إلى المرجعيّة الإسلاميّة وإلى ظاهر النّصوص القرآنيّة الملغية للتّفاضل القائم على العصبيّة والمعلية من شأن التّقوى والعمل الصّالح.
لم تكن هناك خطورة سياسيّة تذكر من هذه المطالب في هذه المرحلة المبكّرة، لتوافقها تماماً مع الرّوح الأخلاقيّة للإسلام. ووجدت هذه النّزعة صدىً وقبولاً سياسيّاً لدى بعض الفرق الإسلاميّة الرّاديكاليّة كمثل «الخوارج»، الآخذين فكرة المساواة القوميّة والقبليّة في الإسلام إلى أقصى حدودها التّطبيقيّة، بإقرارهم جواز تولّي الخلافة لأيّ مسلم بغضّ النّظر عن نسبه العربيّ أو القرشيّ، حتّى لو كان عبداً حبشيّاً أو نبطيّاً، بشرط وصوله إلى سدّة الحكم عبر اختيارات حرّة والتزامه بالعدل. ومنح هذا التّأسيس الفقهيّ والاجتماعيّ الشّعوبيّة في بداياتها مشروعيّةً دينيّةً جعلتها تبدو وكأنّها حركة إصلاحيّة داخل منظومة الأمّة.
ثانياً: مرحلة «التفضيل» المفاخرة وتفضيل العجم.
فمع ترسيخ أقدام الموالي في مؤسّسات الدّولة العبّاسيّة العسكريّة والمدنيّة واستحواذهم على مناصب النّخبة، شعر هؤلاء بقوّة سياسيّة واقتصاديّة غير مسبوقة بعد عقود من التّهميش. فأدركت الحركة في هذه المرحلة عدم تناسب المطالبة بـ «التّسوية» والمساواة مع حجم القوّة والنّفوذ المتمتّع بهما. وأدركت الشّعوبيّة أيضاً ارتباط الإسلام، برغم عالميّته، ارتباطاً وثيقاً بتاريخ العرب، ولغتهم، وسماتهم الفكريّة. ولأجل تفكيك هذا الارتباط وتجاوز العقدة التّاريخيّة المتمثّلة في كون العرب هم حملة الرّسالة ومؤسّسي الدّولة، انتقلت الحركة من مبدأ المساواة إلى مبدأ «التّفضيل».
شرع أدباء الإيرانيّين ومفكّروهم في هذه المرحلة في مساجلة العرب ومفاخرتهم، ووضع العرب في مرتبة حضاريّة متدنّية. واستدعى الشّعوبيّون مفاخر الإمبراطوريّة السّاسانيّة وتاريخ البطالمة والأكاسرة، مفاخرين بكونهم أصحاب الفلسفة، والتّنظيم الإداريّ، والطّبائع المدنيّة، والبدائع الصّناعيّة، مع تصوير العرب قبائل بدويّة ظاعنة متناحرة تفتقر إلى أيّ ملك يجمعها، أو صناعة تفيدها، أو إرث فلسفيّ يرتقي بعقلها. وذهبوا إلى أبعد من ذلك في التّفسير القرآنيّ للآية 13 من سورة الحجرات، مدّعين تقديم الله الشّعوب (الأعاجم) على القبائل (العرب) في الذّكر، وأنّ المُقَدَّم لغويّاً هو الأفضل شأناً ومكانةً. هنا، يذكر المنظّر الإيرانيّ المعاصر {علي شريعتيّ} في تشريحه لهذه الظّاهرة، تحوّل الشّعوبيّة السّريع من حركة تطالب بالمساواة إلى حركة فاشيّة تطالب بتفضيل الأعاجم، وعملها بشكل حثيث على التّرويج للمشاعر القوميّة العنصريّة، ومحاولة بثّ اليأس من الإسلام نفسه لضرب السّلطة المعنويّة والماديّة للخلافة.
ثالثاً: مرحلة العداء السّافر والانفصاليّة القوميّة والدّينيّة.
لم تتوقّف الشّعوبيّة عند حدود الجدل الفكريّ والمفاخرة الأدبيّة، بل تجاوزتها لتتّخذ أشكالاً من التّمرّد العسكريّ والسّياسيّ المنظّم الهادف إلى تقويض أركان الدّولة العربيّة الإسلاميّة. وترافقت هذه المرحلة مع محاولات جادّة لإحياء الدّيانات والعقائد الشّرقية القديمة كالزّرادشتيّة والمجوسيّة والمزدكيّة لتكون بديل قوميّ عن العقيدة الإسلاميّة المرتبطة بالعروبة.
شهدت هذه المرحلة ثورات مسلّحةً عنيفةً استنزفت طاقات الدّولة العبّاسيّة، من أبرزها حركة سِنباد المندلعة في خراسان انتقاماً لمقتل {أبي مسلم الخراسانيّ}، والمتّخذة طابعاً مجوسيّاً معادياً للإسلام، وتلتها حركة {إسحاق التّركيّ} المدّعي كونه نبيّاً مرسلاً من قِبَل زَرادُشت لإحياء العقيدة القديمة، وظهرت حركة {المقنّع الخراسانيّ}، ثمّ حركة {بابَك الخرّميّ} بالغة الخطورة باجتياحها أجزاء واسعةً من المشرق، ومسعاها الصّريح لاستعادة الدّيانة المجوسيّة.
استندت الكثير من هذه الحركات، وخاصّةً ذات الطّابع المزدكيّ، إلى مطالب اجتماعيّة واقتصاديّة جذريّة، مثل المطالبة بإلغاء الملكيّات الخاصّة وجعل الأراضي مشاعاً، جالبةً إليها الطّبقات الكادحة وموفّرةً لها غطاءً اجتماعيّاً لغاياتها الانفصاليّة السّاعية إلى تخليص الإيرانيّين والموالي من هيمنة الملّاك العرب ودهاقينهم.

ميدان المعركة الفكريّة: الأدب والشّعر أدوات لتفكيك الهويّة
أدرك منظّرو الحركة الشّعوبيّة عدم اكتمال الهيمنة السّياسيّة دون هيمنة فكريّة وإبستمولوجيّة تصيغ وعي الجماهير. ولمّا كان الشّعر هو ديوان العرب والمستودع الأكبر لذاكرتهم القوميّة وقيمهم الأخلاقيّة، تحوّل ميدان الأدب والنّثر والشّعر إلى ساحة المعركة الحقيقيّة المسخّرة فيها كافّة المواهب اللّغويّة للنّيل من الفكر العربيّ.
{بشّار بن برد}: رمزيّة النّار وعبقريّة الهجاء الشّعوبيّ
يُعَدّ الشّاعر {بشّار بن برد} المتوفّى عام 167 للهجرة \ 784 للميلاد أيقونة التّيّار الشّعوبيّ في الشّعر العربيّ، وأحد أخطر الأصوات المستهدفة للبنية الفكريّة العربيّة من الدّخل. ينحدر بشّار من أصول فارسيّة، وبرغم وقوع جدّه في الأسر، كان والده مولىً لقبيلة عُقيل العربيّة. وساهمت عوامل التّهميش الاجتماعيّ، وفقر نشأته، وإعاقته البصريّة (العمى) في تشكيل عقدة نفسيّة عميقة لديه؛ جاعلةً إيّاه يشعر بالنّقمة على محيطه، وموجّهةً هذه النّقمة لتتّخذ شكل عداء مستحكم للعرب.
امتلك بشّار قدرات شعريّة فذّة، وعَدَّه النّقّاد أوّل المحدثين ورائد حركة «البديع» في الأدب العربيّ، جاعلاً تأثيره في الأجيال اللّاحقة بالغ الخطورة. واستخدم بشّار عبقريّته لتمرير أيديولوجيا الشّعوبيّة عبر مسارين شعريّين: «الهجاء» و «الفخر». وسخر بمرارة في هجائه من التّقاليد البدويّة والنّسب العربيّ، عادّاً إيّاها بدائيّةً وهمجيّةً ولا تستحقّ الافتخار. وتغنّى في باب الفخر بأمجاد أجداده الفرس وإنجازاتهم الإمبراطوريّة، مؤكّداً أنّهم حرّاس الحضارة الفعليّون.
تجاوزت شعوبيّة {بشّار بن برد} الإطار القوميّ لتصل إلى صدام مباشر مع الرّؤية الكونيّة الإسلاميّة. وتَجَلَّى تعصّبه لتراثه الزّرادشتيّ في تفضيله الواضح لعنصر النّار الممثّلة لإبليس والشّرّ في السّرديّة الإسلاميّة، والممثّلة للنّور والتّقديس في المجوسيّة، على عنصر الطّين أو التّراب المخلوق منه آدم عليه السّلام. ويتّضح جليّاً في بيته الشّهير المبرّر فيه رفض السّجود لغير النّار:
الأرضُ مظلمةٌ والنّارُ مشرقةٌ
والنّارُ معبودةٌ مذ كانت النَّارُ.
اعتمد بشّار والشّعوبيّون على السّخريّة من نمط الحياة العربيّة مقارنةً بما يسمّى التّرف الفارسيّ، مصوّرين العرب قتلة فئران وضُباب وآكلي حشرات وزواحف، وتغنّى بشّار بنقاء الخبز الأبيض المأكول عند الفرس وشربهم في أواني الذّهب والفضّة، في محاولة لترسيخ صورة ذهنيّة تربط العروبة بالانحطاط المعيشيّ مقابل الرّقيّ الأعجميّ.
{أبو عبيدة معمّر بن المثنّى}: حروب التّاريخ والمثالب
لم يقتصر الهجوم على الشّعر، بل امتدّ إلى علم الأنساب والتّاريخ واللّغة. فظهر هنا دور {أبو عبيدة معمّر بن المثنّى} المتوفّى عام 209 للهجرة \ 825 للميلاد، وهو عالم لغويّ ومؤرّخ من أصول إيرانيّة يهوديّة من باجروان، والمعدّ بحراً في علوم اللّغة والآداب، والمستقْدَم إلى بغداد من البصرة من قِبَل {هارون الرّشيد} لغزارة علمه. برغم مكانته العلميّة الكبيرة المعترف بها من {الجاحظ} وغيره، كان {أبو عبيدة} شعوبيّاً متطرّفاً، وحاملاً بغضاً شديداً للعرب، خاصّةً بعد تعييره بنسبه.
لما عِيبَ عليه نسبه من العجم لحق بفرقة الصُفريّة من الخوارج، وحاول أن ينتقم لنفسه بتصنيف كتب في مثالب العرب على مذهب الشعوبيّة، فكرهه الناس، وقال {ابن قتيبة}: «كان يبغض العرب وصنّف في مثالبهم كتبا».
في محاولة لتقويض الرّكيزة الأساسيّة للمجتمع القبليّ العربيّ (النّسب والشّرف)، أسّس {أبو عبيدة} لاتجاه تدوينيّ شديد الْخَطَر يركّز حصريّاً على إظهار العيوب، فألّف عدّة كتب طعنت في الصّميم العربيّ، منها كتاب {مثالب العرب}، و{أدعياء العرب}، و{لصوص العرب}. واعتمدت آليّة الشّعوبيّين في هذه الكتب على استغلال أدب النّقائض والمهاجاة الرّائج بين القبائل العربيّة نفسها، مثل التّناحر بين قريش وتميم وعبد القيس، آخذين النّقائص والعيوب الفرديّة أو القبليّة الضّيّقة، ومعمّمين إيّاها ومصنّفينها خصائص قوميّة ثابتة تلتصق بالأمّة العربيّة بأسرها. واستهدف هذا التّوظيف للتّاريخ تجريد العرب من شرعيّتهم الأخلاقيّة والاجتماعيّة حمَلة للدّين الجديد، وإظهارهم بمظهر الأمم المتخلّفة الّتي لا يحقّ لها السّيادة.
{سهل بن هارون}: تفكيك منظومة القيم الأخلاقيّة (المروءة والكرم)
شَكَّل الهجوم المباشر على الأنساب جزءاً من استراتيجيّة أوسع استهدفت المروءة العربيّة، وهي النّسق القيميّ الشّامل للشّجاعة، والفروسيّة، والكرم، والقِرى (إكرام الضّيف). ومَثَّلَت هذه القيم الدّروع الأخلاقيّة للمجتمع العربيّ، ومصدر فخرهم عبر العصور.
في هذا الميدان، أَدَّى الكاتب والبليغ {سهل بن هارون} دوراً محوريّاً. إذ انحدر سهل من أصول فارسيّة بصريّة، وتدرّج في البلاط العبّاسيّ حتّى نال حظوةً كبيرةً عند المأمون المعيِّن له خازناً لدار الحكمة. استخدم {سهل بن هارون} معرفته الواسعة بالآداب الپهلويّة واليونانيّة لشنّ هجوم ذكيّ وغير مباشر على القيم العربيّة، مركّزاً هجومه على قيمة الكرم المعتزّ بها عند العرب.
بدلاً من الهجوم الصّريح، وضع سهل رسائل ومؤلّفات فلسفيّة وأدبيّة تتغنّى بالبخل المرتبط غالباً بالفرس، محاولاً تحويله من منقصة ورذيلة إلى فضيلة تدلّ على الحكمة، وحسن التّدبير، والاقتصاد، ومصوّراً الكرم العربيّ والبذل سفهاً، وتخليطاً، وإسرافاً مذموماً عقليّاً. وأهدى سهل إحدى رسائله الشّهيرة في مدح البخل للوزير {الحسن بن سهل}، في تحدٍّ سافر للمنظومة الأخلاقيّة السّائدة.
استهدف هذا الهجوم تحطيم مفهوم التّكافل الاجتماعيّ والبذل القائم عليه المجتمع العربيّ، واستبداله بعقليّة اقتصاديّة ماديّة تتوافق مع التّقاليد الپهلويّة الحضريّة. وامتدّ طعن الشّعوبيّين إلى مفاهيم الفروسيّة والشّجاعة، مشكّكين في أساليب قتال العرب وقيمة أسلحتهم مقارنةً بالجيوش الإمبراطوريّة المنظّمة. علماً أنّ الدولتين الأشكانيّة والساسانيّة استعانتا بالكثير من القبائل العربية في جيوشهم ومراكزهم العسكرية (كمثل الرومان) بسبب مهارة المحاربين العرب وانضباطهم بالولاء، مقارنة بغيرهم من شعوب المنطقة.

الرّدود العربيّة والإسلاميّة: معركة الدّفاع عن الهويّة والرّسالة
أثار هذا الهجوم الممنهج على العروبة والإسلام استنفاراً كبيراً في صفوف النّخب الفكريّة والعلماء، عرباً وموالي، الرّائين في الحركة الشّعوبيّة تهديداً وجوديّاً لكيان الأمّة وحاضنتها الفكريّة. وانبرى هؤلاء المفكّرون لتفنيد ادّعاءات الشّعوبيّة باستخدام الأسلحة الأدبيّة والفلسفيّة والتّاريخيّة نفسها.
الجاحظ والتّفكيك الأنثروبولوجيّ للسّرديّة الشّعوبيّة
وقف {عمرو بن بحر الجاحظ} إحدى أعظم المدافعين عن العروبة ومكارمها، مستخدماً سلاح السّخريّة، والنّادرة الأدبيّة، والتّحليل النّفسيّ والاجتماعيّ. فأَلَّف الجاحظ كتابه الخالد {البخلاء} في ردّه المباشر على {سهل بن هارون} وأنصار البخل. ولم يكن الكتاب تجميعاً لقصص ونوادر طريفة عن الشّحّ، بل ردّاً موسوعيّاً يهدف إلى إثبات أنّ البخل ليس حكمةً أو فلسفةً، بل طبع أصيل وتكوين نفسيّ مريض يتجذّر في نفوس الشّعوبيّين والأعاجم.
استخدم الجاحظ منهجيّةً استقرائيّةً ساخرةً، ناقلاً عن شخصيّة {ثُمامة} قصّة {ديكة مرو} (ومرو من حواضر خراسان)، وملاحظته التقاط الدّيوك في كلّ بلاد الدّنيا الحبّ وإلقاءه للدّجاج، باستثناء مرو، إذ تسلب الدّيكة الدّجاج ما في مناقيرها من طعام. واستنتج من ذلك بطرافة فلسفيّة أنّ {بخل الفرس هو شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء، فمن ثمّ عَمَّ جميع حيواناتهم}. نقل الجاحظ النّقاش من مستوى الإنكار إلى إثبات تأصّل البخل مرض يعيق الفضيلة.
تصدّى الجاحظ للطّعون الشّعوبيّة في فطرة العرب ومروءتهم، منطلقاً من قصّة نبيّ الله {إسماعيل} عليه السّلام، فبرغم كونه ابن أعجميّين، اصطفاه الله وجعله عربيّاً، و{فتق لسانه بالعربيّة المبينة على غير التّلقين، وفطره على الفصاحة… وحباه من طبائع العرب ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم وطبعه من كرمهم وأنفتهم}. وأَكَّد الجاحظ بذلك أنّ العروبة ليست قوميّة فحسب، بل اصطفاء إلهيّ ومنظومة قيميّة متكاملة شَرَّفها الله بالدّين والرّسالة.
{ابن قتيبة الدّينوريّ}: الدّفاع الأكاديميّ واللّاهوتيّ
قَدَّم الإمام {عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ} (وهو من أصول خراسانيّة) مرافعةً تاريخيّةً وأكاديميّةً محكمةً في وجه الشّعوبيّة، متجلّيةً في كتابه {كتاب العرب} أو {الرّدّ على الشّعوبيّة}، وفي مقدّمة كتابه {أدب الكاتب}. انتقد ابن قتيبة بشدّة فئة كُتّاب الدّواوين والموظّفين في الدّولة المتشبّعين بالمعارف الپهلوية واليونانيّة، والمزدرين للحِكَم والأمثال العربيّة، والعامدين إلى تحقير التّراث العربيّ لتعظيم الآداب الأعجميّة.
شَخَّص ابن قتيبة النّفسيّة الشّعوبيّة بنتاجها عن {فرط الحسد وغِلّ الصّدر}، ودفعها أصحابها إلى المكابرة وإنكار الحقائق البديهيّة، ودفع العرب عن كلّ فضيلة ولصق كلّ رذيلة بهم، حتّى يصل بهم الأمر إلى الكذب البواح وتخطّي عتبة الكفر لولا خوفهم من سلطة السّيف.
ارتكزت الحجّة الكبرى لـ{ابن قتيبة} على الدّور التّأسيسيّ للعرب في الإسلام، مفنّداً محاولات الفصل بين الدّين وقوميّته الأولى. وجادل بكون العرب مادّة الإسلام وحماته الأوائل، والمصطلين نار الحروب لنشره، والمقدّمين أرواحهم لإنقاذ الأمم الأخرى من الشّرك والوثنيّة إلى نور التّوحيد. استنتج {ابن قتيبة} بناءً على ذلك أنّ لكلّ مسلم أعجميّ مِنّةً وفضلاً في عنقه للعرب لا يُقَدَّر بثمن، والتّنكّر لهذا الفضل جحود بالدّين وتاريخه.
المرجعيّة اللّغويّة والدّينيّة: {الزمخشريّ} والأحاديث النّبويّة
لم يقتصر الدّفاع عن العروبة على العرب أقحاحاً، بل شارك فيه كبار العلماء من أصول أعجميّة المدركين خطورة الشّعوبيّة على تماسك الإسلام. ويُعَدّ الإمام {الزّمخشريّ} خوارزميّ الأصل، أحد أبرز الأمثلة في هذا الصّدد. هاجم {الزّمخشريّ} الشّعوبيّة بضراوة في مقدّمة سفره العظيم في النّحو {المفصّل في صنعة الإعراب}، معلناً شكره لله الجاعله عالماً بالعربيّة والغارس في قلبه عصبيّةً ومحبّةً للعرب. ورفض {الزّمخشريّ} رفضاً قاطعاً الانضواء تحت لواء الشّعوبيّة، واصفاً مسعاها بالعبثيّ الّذي لا يورث أصحابه إلّا الاحتقار الفكريّ ولعنات العلماء الرّاسخين.
ترافق هذا الدّفاع الفكريّ مع حشد للأدلّة الدّينيّة واللّاهوتيّة. واستند المدافعون إلى آيات وأحاديث نبويّة تؤكّد مكانة قريش والعرب حملة للرّسالة. من ذلك الأحاديث التّقريريّة المبيّنة فضل نسب النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام واصطفاء الله لكنانة من ولد إسماعيل، واصطفاء قريش من كنانة، وبني هاشم من قريش. واستقرّ في الوعي الإسلاميّ المعتدل اختيار الله اللّسان العربيّ ليكون وعاءً لكتابه الخاتم، واختياره العرب ليكونوا المبلّغين الأوّلين، مصيّراً ضبط هذا اللّسان ومعرفة فضائله جزءاً لا يتجزّأ من معرفة الدّين نفسه، جاعلاً الهجوم الشّعوبيّ على لغة العرب وقيمهم هجوماً غير مباشر على أدوات فهم الوحي.

الشّعوبيّة الأندلسيّة (رسالة ابن غرسية)
لم تظلّ الشّعوبيّة حبيسة المشرق العربي وبلاط العبّاسيّين. بعادت لتطفو على السّطح في أقصى الغرب العربي، في شبه الجزيرة الأيبيريّة (الأندلس)، بعد قرون من أفول بريقها نسبيّاً في الشّرق. اختلفت البيئة الدّيموغرافيّة والسّياسيّة في الأندلس؛ وتصدّر المشهد الشّعوبيّ هناك فئتان: المولّدون (وهم المسلمون من أصول مختلطة أيبيريّة-عربيّة) والصّقالبة (وهم العبيد والموالي المحرّرون المنحدرون من أصول بلطيقيّة والمعتلون مناصب قياديّةً وعسكريّةً).
ظهرت الشّعوبيّة الأندلسيّة بوضوح في عصر ملوك الطّوائف في القرن 5 الهجريّ \ 11 الميلاديّ، عقب انهيار المملكة الأمويّة في قرطبة وانقسام الأندلس إلى دويلات متناحرة تتنازعها العصبيّات القوميّة. وكان الاختلاف الجوهريّ بين شعوبيّة الشّرق والغرب حرص الشّعوبيّة الأندلسيّة على البقاء ضمن الإطار العقائديّ السّنّيّ الإسلاميّ وعدم جنوحها نحو الزّندقة أو إحياء ديانات ما قبل الإسلام (كالمجوسيّة)، مقتصرةً على الهجوم القوميّ والحضاريّ.
تُعَدّ {رسالة في الشّعوبيّة} للكاتب {أبي عامر بن غرسية} Ibn García العامل في خدمة {مجاهد العامريّ} حاكم دانية، الوثيقة الأهمّ في هذا السّياق. ولم يأتِ {ابن غرسية} بجديد على مستوى الحجج في رسالته المكتوبة بأسلوب أدبيّ رفيع ومثقل بالمحسّنات البديعيّة والمقارنات؛ بل استقى أفكاره من شعوبيّة المشرق، مجادلاً بالتّفوّق الحضاريّ المطلق لبني الأصفر والفرس الساسانيّين والقياصرة والأكاسرة (في مثل مجادلة مدّعي الأمازيغيّة اليوم بالتّفوّق الحضاريّ المطلق للروم والفرس)، ومتباهياً بكون الأعاجم هم أصحاب الفلسفات والتّيجان والإمبراطوريّات، محتقراً ماضي العرب وتاريخهم، وواصفاً إيّاهم برعاة الغنم والإبل الّذين لا يفقهون في المدنيّة شيئاً.
لم تمرّ رسالة {ابن غرسية} دون ردود مفحمة من فقهاء وأدباء الأندلس. فانبرى العديد من الكُتّاب للرّدّ عليه في رسائل مطوّلة، جمعها المحقّق {عبد السّلام هارون} في كتابه {نوادر المخطوطات}، وتضمّنت هذه المجموعات أربعة ردود قويّة على الأقلّ (مثل ردّ {أبي يحيى بن مسعدة} و{أبي جعفر بن الدّودين البلنسيّ} و{أبي الطّيّب القرويّ})، مدافعةً جميعها عن المآثر العربيّة الإسلاميّة، ومستخدمةً آليات الجدل اللّغويّ والتّاريخيّ لإثبات تهافت ادّعاءات {ابن غرسية} ودحض تفضيله للأمم الأعجميّة على الأمّة الحاملة نور الإسلام لأيبيريا.

التّقاطع المفاهيميّ: الشّعوبيّة السّياسيّة، والعربفوبيا، واللّاعربيّة الفكريّة
لتحليل امتدادات الشّعوبيّة في العصر الحديث، يلزم قراءة الظّاهرة ضمن سياقات أوسع تشمل التّحيّزات المناهضة للعرب عبر التّاريخ. إذ تمتدّ جذور اللّاعربيّة Anti-Arabism في التّاريخ البشريّ عميقاً، لتشكّل ظاهرةً اجتماعيّةً مركّبةً تتجاوز العداء البسيط للعرب وتراثهم.
ظهرت اللّاعربيّة ردّة فعل على التّفوّق العلميّ والفكريّ للحضارة العربيّة في العصور الوسطى، دافعةً المجتمعات الأخرى إلى التّعامل مع العرب بحذر وريبة، وعامدةً إلى تشويه صورتهم وطمس إنجازاتهم.
في مقارنة دقيقة، تختلف العربفوبيا Arabophobia عن اللّاعربيّة بتركيزها على الخوف غير المبرّر والكراهية تجاه العرب، متداخلةً معها في بعض الجوانب. وتنطلق الشّعوبيّة المعاصرة من اختراع وتعظيم الهويّات القوميّة الأخرى على حساب الهويّة العربيّة، لتشكّل جزءاً من العربفوبيا. وبذلك، تكون اللّاعربيّة مذهباً فكريّاً يرفض الحضارة العربيّة وينكر إنجازاتها، وتكون العربفوبيا اضطراباً نفسيّا يتمثّل في الخوف المرضيّ من العرب وكراهيّتهم، وتكون الشّعوبيّة مذهباً سياسيّاً يفضّل الهويّات غير العربيّة على الهويّة العربيّة الجامعة.
تجلّت هذه الظّاهرة في الأدب والسّياسة والفكر الأوروپيّ، بتصوير أعمال أدبيّة عديدة شخصيّة العربيّ بصورة مبالغ فيها، بغية ترسيخ نظرة مشوّهة وتبرير رفض المنتجات الفكريّة العربيّة. ويوضّح هذا الفهم المقارن طريقة عمل اللّاعربيّة أداة مماثلة للّاساميّة في التّحيّز والإقصاء القوميّ والثّقافيّ.
اللّاعربيّة سلاحاً إمبراطوريّاً وأداةً للتّخريب الاجتماعيّ
تؤثّر اللّاعربيّة في العلاقات بين العرب والمجتمعات الأخرى؛ دافعةً أفراد المجتمع العربيّ إلى الشّعور بالدّونيّة أمام الآخرين، وخالقةً فيهم انعدام ثقة بهويّتهم التّراثيّة. ويظهر أثر هذا الشّعور بالاغتراب على الصّحّة النّفسيّة، بشعور الفرد بعدم الانتماء، أو تنازله عن هويّته وتراثه طمعاً في القبول الاجتماعيّ.
تظهر أعراض الاغتراب النّفسيّ بتفضيل بعض العرب التّحدّث باللّغات الأجنبيّة في المحافل العامّة، ظنّاً منهم أنّها تمنحهم مكانةً اجتماعيّةً أفضل. إذ أظهرت دراسة ميدانيّة أُجْرِيَت على 300 شخص في مدن عربيّة مختلفة بإشراف عالمة الاجتماع {سميرة الخولي}، شيوع مشاعر النّقص والدّونيّة، وتسبّب اللّاعربيّة في تكوين صورة سلبيّة عن الذّات لدى 75% من المشاركين.
تتسلّل اللّاعربيّة إلى المؤسّسات الإعلاميّة والإداريّة العربيّة، فارضةً استخدام مصطلحات أجنبيّة، ومؤدّيةً إلى تعميق الشّعور بعدم كفاية اللّغة العربيّة للتّعبير عن المفاهيم المعاصرة. وينتقل هذا الأثر إلى الأجيال الجديدة عبر التّنشئة الاجتماعيّة، باكتساب الأطفال نظرةً دونيّةً تجاه لغتهم وتراثهم منذ الصّغر، وتراجع قيم التّضامن والتّكافل الاجتماعيّ المتأصّلة في التّراث العربيّ.
على الصّعيد الجيوسياسيّ، استغلّت القوى الإمبراطوريّة (الإمبرياليّة) الأقلّيّات المقيمة في البلدان العربيّة لخدمة مصالحها الاستراتيجيّة، مركّزةً على تعميق الفجوة بين الأقلّيّات والمجتمعات العربيّة المحيطة بها، ومستخدمةً اللّاعربيّة أداةً فعّالةً في هذا المجال. إذ تدعم القوى العالميّة مؤسّسات تعليميّةً خاصّةً بالأقلّيّات، وتفرض فيها لغات أجنبيّةً لغة رئيسة للتّدريس، مؤدّيةً إلى عزل أبناء الأقلّيّات عن محيطهم العربيّ.
بزرع روايات مشوّهة في ذاكرة الأقلّيّات، تُصَوِّر هذه الرّوايات العرب مغتصبين لحقوق الأقلّيّات التّاريخيّة، مغذّيةً مشاعر الحقد والكراهية ومؤجّجةً النّزعات الانفصاليّة. وتستخدم القوى الإمبراطوريّة الضّغوط الاقتصاديّة لتعزيز هذه التّوجّهات، رابطةً المساعدات الماليّة بشروط تفرض استخدام اللّغات الأجنبيّة، ودافعةً أبناء الأقلّيّات للتّخلّي عن لغتهم العربيّة طمعاً في الفرص الاقتصاديّة.
| محور المقارنة | الشّعوبيّة الكلاسيكيّة (التّاريخيّة) | الشّعوبيّة الجديدة المعاصرة |
|---|---|---|
| وسائل الانتشار | الشّعر، كتابة الدّواوين، كتب المثالب والأنساب. | الإعلام الرّقميّ، تيّارات الإسلام السّياسيّ، الحركات القوميّة البديلة. |
| الغطاء المرجعيّ | ادّعاء المساواة في الإسلام (بدايةً)، ثمّ الإرث الزّرادشتيّ والسّاسانيّ. | الأمميّة الإسلاميّة (ضدّ القوميّة)، أو هويّات ما قبل الإسلام (فرعونيّة، آراميّة). |
| الموقف من الهويّة العربيّة | هجوم مباشر على القيم البدويّة والأخلاقيّة (كالفروسيّة والكرم). | محاولة تفريغ الإسلام من حمولته العربيّة والتّشكيك في المنجز الحضاريّ القوميّ العربيّ المعاصر. |
| الهدف الجيوسياسيّ | اختراق البلاط العبّاسيّ، وتقويض السّلطة المركزيّة العربيّة. | التّمدّد الإقليميّ، فرض هيمنة الدّول الإقليميّة غير العربيّة على مفاصل المشرق العربيّ. |

خاتمة البحث
يكشف التّتبّع السّوسيو-تاريخيّ والأيديولوجيّ للحركة الشّعوبيّة وتطوّراتها وصولاً إلى مفاهيم اللّاعربيّة والعربفوبيا المعاصرة، عدم كون هذه الظّاهرة قطّ حراكاً اجتماعيّاً عفويّاً. بل تطوّرت لتشكّل أيديولوجيا هجوميّةً ومشروعاً حضاريّاً مضادّاً يمتلك آليات ناعمةً وخشنةً لتفكيك البنية التّحتيّة للأمّة الإسلاميّة والهويّة العربيّة.
استخدمت الشّعوبيّة تكتيكاً إبستمولوجيّاً بالغ الدّهاء، متسلّلةً في بداياتها من بوّابة المساواة القرآنيّة، ثمّ أسفرت عن وجه عصبويّ يسعى لطمس المركزيّة العربيّة. وكانت الغاية الاستراتيجيّة الكبرى للشّعوبيّين هي تفكيك الارتباط العضويّ، واللّغويّ، والتّاريخيّ بين الإسلام والحاضنة العربيّة. واليوم، مع ظهور مصطلحات مثل اللّاعربيّة، تتأكّد حقيقة استخدام هذه المفاهيم أدوات استعماريّة لتفتيت المجتمعات وإضعاف النّسيج الاجتماعيّ.
يستدعي التّصدّي لهذه الظّاهرة تعزيز الوعي بخطورتها وآثارها السّلبّية، وإحياء التّراث العربيّ، وتطوير المناهج التّعليميّة لتحديث أساليب تدريس اللّغة العربيّة، وتفعيل دور المؤسّسات الأكاديميّة في توثيق الإنجاز الحضاريّ. فمحاولات سلخ الارتباط بين الهويّة العربيّة وإرثها التّاريخيّ لا تزال تمثّل المدخل المتجدّد والأخطر لتقويض استقرار مجتمعات المنطقة وتفكيك بناها الوطنيّة لمصلحة مشاريع هيمنة إقليميّة وعالميّة تضمر عداءً دفيناً للحضارة العربيّة.
مراجع ومصادر
- The Typology of Studies on the Shu’ubiyyah in the Contemporary Era (the West, the Arab World, and Iran) — https://doaj.org/article/a35816a388e44bca806580d87f2e2ba8
- Shuʿūbiyyah in Arabic literature — https://www.cambridge.org/core/books/abs/abbasid-belles-lettres/shuubiyyah-in-arabic-literature/506C83E9626D07C7A9F4277C35073FA4
- The shu’ubiyyah in arabic literature — https://collections.lib.utah.edu/details?id=2286353&facet_department_t=%22World+Languages+%26+Cultures%22&facet_setname_s=%22ir_et
- ظاهرة الشّعوبيّة في العصر العبّاسيّ — https://asjp.cerist.dz/en/article/88048
- THE ROLE OF PERSIAN BUREAUCRATS IN THE SHUUBIYYA MOVEMENT: EARLY ABBASID PERIOD — https://dergipark.org.tr/tr/download/article-file/4710060
- بعض أغراض الشِّعر الشّعوبيّ في العصر العبّاسيّ — http://repository.sustech.edu:8080/handle/123456789/27001
- الشّعوبيّة | ضحى الإسلام — https://www.hindawi.org/books/30536269/1.3/
- الشّعوبيّة وانتحال الشّعر | نقض كتاب «في الشّعر الجاهليّ» — https://www.hindawi.org/books/31484293/10/
- إيگناتس گولدزيهر (Ignaz Goldziher) — https://almuslih.org/wp-content/uploads/2024/12/Goldziher-I–Muslim-Studies-1.pdf
- Full text of “Encyclopedia of Islam” — https://archive.org/stream/volume-5/Volume%201_djvu.txt
- Kitāb al-ʿArab | work by Ibn Qutaybah — https://www.britannica.com/topic/Kitab-al-Arab
- كتاب العرب | رسائل البلغاء — https://www.hindawi.org/books/50926304/15/
- مجلّة المقتبس | مجلّد 46 | صفحة 1 | العدد 46 | كتاب العرب — https://ketabonline.com/ar/books/3286/read?part=46&page=2954&index=3996494/3996495
- رسالة ابن گارسيّا (Ibn García) في الشّعوبيّة والرّدود عليها — https://usul.ai/ar/t/risalat-ibn-ghursiyya-fi-al-shuubiyya-wal-rudud-alayha/14
- Verbal Dueling in Ibn García’s Letter and Its Refutation of Ibn ad-Dūdayn — https://journals.ku.edu.kw/ajh/index.php/ajh/article/download/191/51/5085
- رسالة أبي عامر بن گارسيّا (Ibn García) في الشّعوبيّة — https://www.nli.org.il
- نوادر المخطوطات — https://waqfeya.net
- فنّ المناظرة في التّراث الأندلسيّ خلال عصر ملوك الطّوائف — https://asjp.cerist.dz/en/article/222915
- The Meaning of Slavery and Identity in al-Andalus — [suspicious link removed]
- Bashshar ibn Burd: Poet of Two Caliphates — https://www.scribd.com/document/932412294/Bashar-Ibn-Burd-Wikipedia-htm
- ديوان بشّار بن برد — https://www.albayan.ae/paths/books/2007-07-09-1.186158
- بشّار بن برد – حياته وشعره — https://archive.org/details/bachchar-ibn-bord_955
- بشّار بن برد — https://www.ibnulyemenarabic.com
- بشّار بن برد — https://almoqtabas.com/ar/biographies/view/26100410477445871
- التّجديد الفنّيّ في شعر بشّار بن برد (96 هـ / 714 م – 168 هـ / 784 م) — https://jtuh.org/index.php/jtuh/article/view/2975
- The Description in the Poetry of Bashir ibn Burd — https://journals.mesopotamian.press/index.php/MJALS/article/view/81
- Structure Rhythmic of Bashar ibn Burd Poetry Descriptive — https://journal.uob.edu.bh/items/4e081c9a-12c5-4d0b-aa81-313a04e0f956
- Effect of the deficiency complex in Bashar Ibn Burd poetry — https://radab.uomosul.edu.iq/index.php/radab/article/view/33788
- أبي عبيدة معمّر بن المثنّى الأرشيف — https://quran-uni.com
- سهل بن هارون — https://arab-ency.com.sy/details/7023
- القرآن الكريم، الحجرات 13 — https://quran.com/en/al-hujurat/13
- Tafsir Surah Al-Hujurat – 13 — https://quran.com/en/49:13/tafsirs/en-tafsir-maarif-ul-quran
- كتاب البخلاء للجاحظ — https://www.sahat-altahreer.com
- البخلاء — https://ar.wikisource.org/wiki
- الشّعوبيّة الحقيقة وموقف أهل السّنّة منها — http://www.dr-hakem.com
- الشّعوبيّة العربيّة الجديدة! — https://www.almasryalyoum.com/news/details/4229131
- بين شعوبيّة القدماء وشعوبيّة المعاصرين — https://almolltaqa.com/vb/node/885
- الكتاب الثّاني: البدائل عن الحضارة الغربيّة المادّيّة 1 — https://www.odabasham.net
- العربفوبيا/اللّاعربيّة: مقالات ومداخلات حديثة — https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=302098
- في العلاقة بين العروبة والإسلام.. نماذج في النّقد الذّاتيّ — https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=308891
- الإسلام السّياسيّ.. من فوبيا العروبة إلى فوبيا اللّغة العربيّة — https://www.raialyoum.com
- Arabs Sovereignty in Umayyad and Abbasid Eras Prompted the Persians to Establish their False National Uniqueness — https://whiteink.info/arabs-sovereignty-in-umayyad-and-abbasid-eras-prompted-the-persians-to-establish-their-false-national-uniqueness/?lang=en
- Persian Shu’ubiyya from the Abbasid Era to the Modern Era Weak Excuses — https://whiteink.info/persian-shuubiyya-from-the-abbasid-era-to-the-modern-era-weak-excuses/?lang=en





اترك رد