قبل عامين، وتحديداً في شهر تمّوز يوليو من عام 2024 \ 1446 هـ، طرحت إحدى السّيّدات من السّودان موضوعاً للنّقاش في مجموعة معجم اللّهجات العربيّة على منصّة فيٓسبوك. وذكرت في منشورها أنّ العرب يطلقون على الطّعام الغالب في الاستخدام عندهم اسم {عيٓش}؛ مبرّرة ذلك بأنّهم يعتاشون عليه، وسواء أكان ذلك الطّعام من الأرزّ أو الخبز أو العصيدة.
فتح هذا الرّأي باباً لنقاش واسع بمئات التّعليقات. فتابعتُ النّقاش، وحلّلتُ محتواه كاملاً للخروج بخلاصة علميّة دقيقة توضّح استعمالات هذه الكلمة.
تأتي أهمّيّة هذه المسألة من ضرورة فهم آليّات تطوّر اللّغة وارتباطها الوثيق بأساسيّات بقاء الإنسان. فإطلاق اسم {عيٓش}، وهو مشتقّ من الحياة (العَيْشُ)، على طعام ما، يوضّح كيفيّة تشكّل المفاهيم اللّغويّة ارتكازاً على الحاجة المادّيّة البحتة. والنّتيجة العلميّة المكتشفة هنا تؤكّد أنّ المعنى المعجميّ يتكيّف مع المحيط البيئيّ والجغرافيّ، فالكلمة لا تدلّ على صنف نباتيّ أو وصفة مطبخيّة بعينها، بل تشير وظيفيّاً إلى المادّة الأساسيّة لبقاء الجماعة البشريّة على قيد الحياة.
كانت كلمة {عيٓش} بديل عملي عند العرب سبق استبدالها بكلمة {غذاء}، فكان العيٓش هو المادّة الأساسيّة في منطقتها للإشارة إلى المادّة الأساسيّة للغذاء

الدّلالة الوجوديّة وارتباط المعجم بالحياة المادّيّة
تتنوّع دلالات كلمة عيٓش تنوّعاً كبيراً عبر العالم العربيّ، مبيّنة الاختلافات في النّمط الغذائيّ والمجتمعيّ بين المناطق. وتشير البيانات المستخلصة من التّحليل الاستقصائيّ إلى توزّع المعاني على أصناف متعدّدة من الأطعمة الأساسيّة. فالكلمة في أصلها اللّغويّ مشتقّة من العَيش أي الحياة، وتسمية الطّعام بها تبرهن التّلاحم التّامّ بين بقاء الإنسان ولقمته. فتتجاوز المفردة حدود التّسمية العابرة لتصبح مرادفاً للوجود نفسه في وعي النّاطقين بها، وهذا التّطوّر الدّلاليّ يبرهن أنّ اللّغة كائن حيّ يتشكّل استجابة لبيئته.
تتنوّع تعريفات كلمة {عيٓش} بشكل كبير عبر العالم العربي، وتظهر الاختلافات الثقافية والغذائية بين المناطق، فهو:
- الخبز: في مصر والسودان وبعض مناطق العراق قديماً.
- الأرز: في دول الخليج وبعض مناطق سوريا.
- البرغل: في بعض مناطق سوريا والعراق.
- العصيدة: في تشاد وتونس وبعض مناطق ليبيا.
- الكسكس أو ما يشبهه: في بعض مناطق الجزائر والمغرب.
- الذرة: في بعض مناطق السودان.
- طبق خاص من دقيق الشعير: في بعض مناطق ليبيا (يشبه البازين).
- الطعام الأساسي عموماً: في بعض المناطق العربية.
- الطعام عموماً: في الصومال وبعض القرن الأفريقي.
في المنطقة التي كانت تسمّى “إيالة شام” قبل القرن 19، لا تستخدم كلمة {عيٓش} بهذا المعنى، ويسمّى كل طعام باسمه الخاص.
ولتفصيل أعمق:
- مصر: حيث تستخدم كلمة {عيٓش} للإشارة إلى الخبز، وهو طعام أساسي.
- السودان: تستخدم الكلمة للإشارة إلى الخبز والذرة، وهما من الأطعمة الأساسية.
- دول الخليج: خاصّة في الكويت والبحرين وشرق السعودية، حيث تشير إلى الأرز طعام أساسي.
- تشاد: تشير إلى العصيدة طعام أساسي.
- بعض مناطق سوريا: خاصة في الريف وشمال وشرق البلاد، حيث تشير إلى البرغل أو الأرز، وهما من الأطعمة الأساسية.
- بعض مناطق العراق: خاصة في الجنوب قديماً، حيث كانت تشير إلى الخبز، وهو طعام أساسي.
- بعض مناطق ليبيا: حيث تشير إلى نوع من العصيدة أو طبق خاص من دقيق الشعير، وهو طعام أساسي.
- بعض مناطق تونس: خاصّة في الجنوب، حيث تشير إلى العصيدة، وهو طعام أساسي.
- بعض مناطق الجزائر: حيث تشير إلى نوع من الطعام يشبه الكسكسي، وهو طعام أساسي.
- بعض مناطق المغرب: حيث تشير في بعض الأحيان إلى الكسكس، وهو طعام أساسي.
- بعض القرن الأفريقي: حيث تشير كلمة {عيٓش} إلى الطعام، بالعموم.

الخبز والعصيدة: قطبا الغذاء في وادي النّيل وشمال إفريقيا
في مصر والسّودان، وبنسبة بلغت 21 بالمئة من مجمل الاستعمالات العربية، تدلّ الكلمة على الخبز أساساً، وشاركهما في ذلك بعض مناطق العراق في فترات تاريخيّة سابقة، لا سيّما في الجنوب. ويقابل هذه النّسبة تماماً 21 بالمئة استعمال الكلمة للدّلالة على العصيدة، وهو الاستعمال الرّائج في تَشاد وتونس، وتحديداً في الجنوب التّونسيّ، وبعض مناطق ليبيا.
تبيّن هذه الأرقام الانقسام الواضح في مصادر الكربوهيدرات الأساسيّة، فالخبز يمثّل عماد المائدة في مجتمعات زراعيّة مستقرّة تعتمد على القمح، أمّا العصيدة فتلبّي حاجة مجتمعات أخرى تعتمد على محاصيل قابلة للتّخزين والتّحضير المباشر دون الحاجة إلى أفران مركّبة.

الأرزّ ومساره التّاريخيّ في الخليج العربيّ
بالانتقال إلى الحبوب الأخرى، نجد أنّ 14 بالمئة من الاستخدامات تشير إلى الأرزّ، وهو المعنى المتداول في دول الخليج العربيّ، مثل الكويت والبحرين وشرق السّعوديّة، ويشاركهم في ذلك بعض مناطق سوريا.
إطلاق اسم عيٓش على الأرزّ حالة دراسيّة مذهلة في تاريخ التّحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فبرغم وصول الأرزّ إلى غرب آسيا قبل 4000 عام، وبقاءه محصولاً نخبويّاً ومحدود الانتشار طوال تلك القرون، تغيّرت مكانته جذريّاً في القرنين 19 و 20. فالهيمنة الاستعماريّة الأوروپيّة، وتحديداً البريطانيّة والهولانديّة، أحدثت تحوّلاً اقتصاديّاً عميقاً في المنطقة. إذ أغرقت هذه الإمبراطوريّات الأسواق المحلّيّة بكمّيّات ضخمة ورخيصة من الأرزّ المستورد من مستعمراتها في جنوب شرق آسيا والهند.
هذا التّدفّق الاستعماريّ حوّل الأرزّ من سلعة نادرة إلى ركيزة أساسيّة للحياة اليوميّة في دول الخليج العربي ومناطق أخرى، وساهم في تدمير الإنتاج المحلّيّ للحبوب الأخرى. ونتيجة لهذا التّحوّل الحديث، حمل الأرزّ اسم العيٓش دلالة على هيمنته التّامّة على المائدة نتيجة للتبعيّة الاقتصاديّة المستحدثة.

الحبوب البديلة وتنوّع مصادر الغذاء
بنسبة 14 بالمئة، تأتي دلالة الكلمة على البرغل، وهو طعام أساسيّ في أرياف سوريا ومناطقها الشّماليّة والشّرقية، إضافة إلى بعض مناطق العراق. البرغل بطبيعته قمح مسلوق ومجفّف، ويمثّل طريقة حفظ ذكيّة للمحصول لضمان البقاء في مواسم الشّتاء القاسية. وفي دول المغرب العربيّ، وتحديداً في الجزائر والمغرب، يتكرّر استخدام الكلمة للإشارة إلى الكسكس أو الأطباق الشّبيهة به، ممثّلاً 14 بالمئة أيضاً من إجماليّ الاستعمالات.
وتتفرّع الاستعمالات الأخرى لتشمل الذّرة في بعض مناطق السّودان بنسبة 7 بالمئة، وطبقاً خاصّاً من دقيق الشّعير يشبه البازين في أجزاء من ليبيا بنسبة 7 بالمئة أيضاً. وتتّسع الدّلالة المعجميّة في الصّومال ومناطق من القرن الإفريقيّ لتشمل الطّعام عموماً، دون تحديد نوع مخصّص.

استثناء إيالة شام التّاريخيّة
من الضّروريّ الإشارة إلى استثناءات لافتة في هذا السّياق، ففي المنطقة التّي كانت تسمّى إيالة شام قبل القرن 19، يغيب هذا الاستخدام غياباً تامّاً، ويسمّي النّاس كلّ طعام باسمه الخاصّ والمحدّد، دون إطلاق كلمة عيٓش عليه.
قد يكون هذا التّباين ناتج عن وفرة المحاصيل الزّراعيّة وتنوّعها الشّديد في منطقة الشّام التّاريخيّة، فالوفرة تمنع احتكار مادّة واحدة لمعنى الحياة. أمّا تنوّع الخيارات الغذائيّة ففرض تفريقاً دقيقاً في التّسميات، فصار الخبز خبزاً، والبرغل برغلاً، دون الحاجة لدمجها تحت مسمّى وجوديّ واحد.

امتدادات الكلمة دلاليّاً وصوتيّاً: من عيٓش إلى أُش التّركيّة
يفتح التّقارب الصّوتيّ والدّلاليّ بين كلمة عيٓش العربيّة وكلمة أُش Oš التّركيّة المستعملة في آسيا الوسطى إشارة إلى وجبة الأرز المطبوخ، وكلمة آش الفارسيّة وكلمة آشه आश السنسكريتيّة، باباً واسعاً لإعادة النّظر في انتقال الألفاظ الزّراعيّة بين الشّعوب القديمة. ترجع كلمة أُش، أو آش، في جذورها العميقة في وسط آسيا إلى اللّغات التّركيّة الأصليّة للدّلالة على الطّعام، وسبقت تاريخيّاً نشوء الهويّة اللّغويّة الفارسيّة التّي استعارت الكلمة لاحقاً.
هذا السّبق الزّمنيّ ينفي تأصيل الكلمة الغربيّ إلى الفارسيّة، ويطرح احتماليّة انتقال الجذر اللّغويّ المعبّر عن الحياة والبقاء من مراكز الحضارة الأقدم في الهلال الخصيب نحو الشّرق وتحديداً وسط آسيا.
لفهم هذا التّقارب، يجب تطبيق قواعد الإبدال الصّوتيّ المسجّلة في لغات المنطقة وتاريخها. إذ يتبادل الصّوتان، العين والهمزة، مواقعهما في ألسنة النّاطقين باستمرار. ففي منطقة حائل في نجد، يبدل النّاس صوت الهمزة بالعين إلى اليوم، وعلى النّقيض تماماً، في تهامة في اليمن، يبدل النّاس هناك حرف العين بالهمزة.
هذا التّبادل الصّوتيّ انسحب على الرّسم الكتابيّ أيضاً؛ فالخطّاطون العرب الأوائل رسموا الهمزة على شكل عين صغيرة ء لتوضيح هذا التّبادل، والفينيقيّون رسموا حرف العين بصيغة الحرف الفينيقي 𐤏 لأنّه في الأساس اسم العين التي تنظر. ومع ذلك، عديد من الفينيقيّين كانوا كما أهل تهامة اليمنية اليوم، لا يلفظون العين عيناً بل بشكل حرف ؤ مفخّمة مهموزة.
بتطبيق هذه القاعدة الميكانيكيّة على كلمة عيٓش، يتحوّل اللّفظ بانزياح العين إلى همزة، ثمّ يندمج الصّوت المزدوج للحركات ليشكّل حركة ضمّ ممدودة أو مفخّمة، ليستقرّ اللّفظ على {أُش} أو {آش}.
بتطبيق هذه القاعدة الميكانيكيّة على كلمة عيٓش، يتحوّل اللّفظ بانزياح العين إلى همزة، ثمّ يندمج الصّوت المزدوج /ay/ ليشكّل حركة ضمّ ممدودة أو مفخّمة، ليستقرّ اللّفظ على {أُش} أو {آش}. وانتقال طرق تحضير الطّعام، وتحديداً الحبوب، عبر القوافل التّجاريّة، رافقه انتقال للتّسميات خضع لعمليّات النّحت الصّوتيّ لتلائم الحناجر الجديدة، تاركاً المعنى الوجوديّ ذاته صامداً في وجه الزّمن ليدلّ على طبق الپْلّو (الپَلَڤ) الرّئيسيّ في أوزبكستان.

مآلات الدّراسة
تؤكّد هذه التّفاصيل ارتباط كلمة {عيٓش} المباشر بالمادّة الغذائيّة الرئيسة التّي يبني النّاس عليها معيٓشتهم اليوميّة. فمن العرب من يسمّي هذا المكوّن الأساسيّ {الطّعام}، ومنهم من يقول {الغذاء} أو {العشاء}، وهي جميعاً مصطلحات مقابلة لكلمة {عيٓش} في وظيفتها الدّلاليّة. وينبع الاختلاف في التّسميات من تنوّع المحاصيل الزّراعيّة الرّائجة في كلّ منطقة، وتغيّر المناخ وطبيعة التّربة.
ويظلّ الانتباه ضروريّاً إلى تغيّر الاستخدام حتّى داخل البلد الواحد، واختفاء المعنى تماماً في بعض البقاع العربيّة. ويتوافق هذا التّحليل مع التّاريخ المادّيّ للطّعام، ويفتح آفاقاً واسعة لدراسات أعمق تبحث تأثير الموارد المادّيّة في تشكيل الوعي اللّغويّ للشّعوب.
تجاوزت هذه الدّراسة الاستقصائيّة حدود التّحليل المعجميّ، لتثبت التّلاحم العضويّ بين بقاء الإنسان المادّيّ وأدوات تعبيره اللّفظيّة. فتحوّل الكلمة من معنى الحياة الشّامل {العَيْش} إلى تخصيصها لمادّة بعينها، مثل الخبز أو الأرزّ أو العصيدة، يوثّق مسارات تاريخيّة كاملة. ويسجّل هذا التّحوّل تكيّف الجماعات البشريّة مع بيئتها المحلّيّة، أو خضوعها لتغيّرات اقتصاديّة عالميّة طارئة، كالتّأثيرات الاستعماريّة التّي بدّلت خريطة الاستهلاك في دول الخليج العربيّ والعراق خلال القرنين 19 و 20.
يفسّر التّتبّع اللّغويّ الجغرافيّ آليّة استنساخ المجموعات البشريّة لأنماطها التّعبيريّة عبر القارّات، وطريقة سفر المفردات مع قوافل التّجارة لتسكن حناجر جديدة بأصوات متقاربة، وهو ما يظهر جليّاً في صلة القربى الصّوتيّة والدّلاليّة بين عيٓش العربيّة وأُش التّركيّة. وتفرض هذه النّتائج توجيه البحث اللّسانيّ والتّاريخيّ نحو دراسة اللّغة بوصفها وثيقة أثريّة حيّة ترصد تحوّلات البشر، وكياناً يتنفّس مع حقول الزّراعة وأسواق التّجارة.
تبيّن هذه الخلاصة، الممتدّة من نقاش عفويّ على منصّة فيسبوك إلى تتبّع جذور الكلمات في آسيا، عمق الرّابطة بين الإنسان وما يسدّ رمقه. ففي كلّ لفظة نتداولها اليوم حول موائدنا، يختبئ تاريخ ممتدّ يروي مساعي البقاء، وتنقّلات الشّعوب، وصراعهم الأزليّ لضمان استمرار الحياة.





اترك رد