لماذا يكرّر الإنسان الخطأ نفسه؟ قراءة في الاستعصاء المعرفي السوري وطرق تجاوزه عمليّاً. تابع القراءة
قبل 25 عاماً، مررت بتجربة أظهرت لي عمق مشكلة سوريّة عظيمة. جين جمعتني سهرة مسائيّة بصديقين (زوجين) يجمعهما شغف كبير بالقهوة. وفي خضمّ الحديث، أخبَراني برفضهما القاطع لنكهة قهوة سريعة التّحضير من شركة نسكافيه. واستغربت هذا الرّفض وسألت عن السّبب، ليتبيّن لي أنّهما يتركان الماء (أو الحليب) حتّى يبلغ درجة الغليان، ثمّ يصبّانه مباشرة على مسحوق القهوة ويحرّكانه، ممّا ينتج طعماً ممجوجاً غير لذيذ.
كان الرّجل يكبرني بـ 20 عاماً وهو تقنيّ مهندس، وكانت زوجته من عمري وهي مصمّمة فنّانة. ومع ذلك، لم يخطر ببال واحد منهما قراءة الكتابة المطبوعة على العبوّة الزّجاجيّة، التي توضح فيها الشّركة المصنّعة أنّ هذه القهوة سريعة التّحضير مُعدّة للذّوبان في ماء أو حليب بدرجة حرارة بين 70 و 85 مئويّة، فبُلوغ درجة الغليان يُفسد القهوة ويشوّه طعمها تماماً. ولم أقدر على استيعاب غياب فكرة قراءة نصّ العبوّة عن ذهن هذين الاثنين، ما ساقهما إلى رفض منتَج جيّد ولذيذ وتعطيل وجوده تماماً من حياتهما، فقط لعدم وجود شكّ بطريقة التّحضير نفسها. بل أطلقا حُكماً حكمَ فوراً على أنّ هذه القهوة سيّئة حتماً وغير مناسبة لذائقتنا السوريّة.
ساقني هذا الموقف إلى مراقبة جميع النّاس من حولي، معارفَ وأغراباً، ووجدت نمطاً يتكرّر عند الجميع؛ سلوك ينسخ تصرّف هذين الزّوجين تماماً مع الكثير من تفاصيل الحياة، من صغيرها إلى أهمّ مصبّاتها.

الاستعصاءُ المعرفيُّ العابرُ لِلحدود
يعيش السّوريّ المعاصر، سواء في الدّاخل أو في دول الشّتات الّتي حمل إليها حقائبه وعاداته، حالةً من الاستعصاء المعرفيّ المُطبق. إذ هجّرت الحرب الأجساد، لكنّ عقليّة الرّكون إلى المتاح وتجنّب البحث المنهجيّ سافرت مع الأفراد واستقرّت في يوميّاتهم دون تغييرٍ جوهريّ.
لا تقف خطورة هذا الاستعصاء عند حدود السّلبيّة الفرديّة، بل تتمدّد لتنخر في عصب سوريا الدّولة والمجتمع، حاضراً ومستقبلاً. إذ يُنتج هذا الانغلاق اليوم مجتمعاً عاجزاً عن إدارة أزماته المتلاحقة، يستبدل التّخطيط العلميّ بالتّخبّط العشوائيّ، ويُسلّم قياده للشّائعات والحلول التّرقيعيّة عوضاً عن الاحتكام إلى ذوي الاختصاص.
أمّا في المستقبل، فاستمرار هذا التّكلّس ينذر بكارثةٍ أعمق؛ إذ إنّ بناء الدّولة ومؤسّساتها محالٌ بأيدي أفرادٍ يرفضون تحديث أدواتهم المعرفيّة. فغياب المنهجيّة والتّوثيق يعني الحكم على الأجيال القادمة بالدّوران في حلقةٍ مفرغةٍ من الفشل المتكرّر، وإعادة إنتاج الخيبات ذاتها، ممّا يحوّل سوريا من مجتمعٍ يسعى للنّهوض والتّعافي إلى مساحةٍ جغرافيّةٍ معزولةٍ عن مسار التّطوّر البشريّ، تكتفي باستهلاك ما ينتجه العالم دون أن تساهم فيه ولو بكلمةٍ مكتوبة.
لا يقتصر خطر هذا الاستعصاء المعرفيّ على كونه خياراً فرديّاً في لحظةٍ عابرة، بل يتجاوز ذلك ليغدو علّةً شبه موروثةٍ تنتقل بصمتٍ من جيلٍ إلى جيلٍ عبر أساليب التّربية والتّنشئة. فالآباء الّذين يرفضون البحث المنهجيّ ويستخفّون بالنّصّ المكتوب، يزرعون في أبنائهم عقليّة الرّكون إلى التّلقين والجاهز من الإجابات، وتتفاقم هذه الحالة مع كلّ انتقالٍ بين الأجيال، لتتحوّل من حالة كسلٍ ذهنيٍّ إلى عقيدةٍ راسخة.
هكذا تتسرّب آليّات التّفكير المعطوبة لتتغلغل في عمق النّسيج الاجتماعيّ وتستحوذ على العقل الجمعيّ، جاعلةً من رفض التّحديث وتجاهل المعرفة سلوكاً مجتمعيّاً مقبولاً ومحميّاً، يدافع عنه المجموع بوصفه جزءاً من الهويّة الأصيلة، وهو في حقيقته عطبٌ متراكمٌ يحتاج إلى استئصالٍ واعٍ.
الخروج من هذا التّكلّس لا يطلب معجزات، بل يتطلّب تغيير آليّة اتّخاذ القرار في أبسط تفاصيل الحياة. والمقارنة التّالية تضع السّلوك اليوميّ في ميزانٍ دقيق، لِتفرّق بين عقلٍ مستعصٍ يرفض التّحديث، وعقلٍ منهجيّ يمارس السّيادة المعرفيّة.

تشخيص مُصاب عقل السوريّ
هذا ليس تشخيصاً لـ «الشّخصيّة السّوريّة» بصفتها طبيعةٍ حتميّةٍ أو تكوينٍ جينيٍّ أصيل، بل هو في الواقع تشخيصٌ لشيءٍ آخرَ تماماً: هو تشخيصٌ لحالة «العقل البشريّ تحت وطأة الصّدمة الممتدّة وانهيار المؤسّسات».
ما نراه ونسمّيه شخصيّةً سوريّةً اليوم هو نتاج ثلاث ظروفٍ قاهرة:
أوّلاً، هو تشخيص لآليّات النّجاة في بيئةٍ مهدّدة. فالعقل البشريّ المأزوم يتوقّف عن الابتكار والتّحديث، وينسحب إلى المساحات الآمنة المألوفة. والتّمسّك بالوصفة الخاطئة أو سؤال الجار بدلاً من الطّبيب ليس كسلاً، بل هو بحثٌ عن الأمان العاطفيّ في مجتمعٍ خسر شبكات الأمان المادّيّة.
ثانياً، هو تشخيص لموت المؤسّسة وتجريف التّاريخ. فعندما تنهار مؤسّسات الدّولة، وتغيب مراكز البحث، وتنعدم الثّقة بالقانون، يكفر الفرد بالنّصّ المكتوب. وما شخّصناه ليس خللاً في جينات السّوريّ، بل هو النّتيجة الطّبيعيّة لغياب المرجعيّة النّاظمة الّتي ترعى التّراكم المعرفيّ وتحميه.
ثالثاً، هو تشخيص لمتلازمة اليتم التّاريخيّ. فالإنسان في منطقة شمال العربيّة جُرّد من ماضيه، وأُبعِد عن صناعة حاضره، فبات يتصرّف لاجئاً في الزّمن، حتّى وهو داخل بيته.
السّوريّ هنا مسرح الحدث والضّحيّة الأبرز لهذه التّراكمات. ولو وُضِع أيّ مجتمعٍ في ذات الخلّاط التّاريخيّ؛ من انقطاع السّند، إلى هيمنة الأنظمة الشّموليّة، وصولاً إلى حروب الاقتلاع، لأنتج العقل لديهم نفس هذا الاستعصاء المعرفيّ ونفس آليّات الدّفاع المتصلّبة.
لذلك، هذا المقال يشخّص «المرض» الّذي أصاب الجسد، وليس «طبيعة» الجسد السّوريّ نفسه.

تكمن البداية في ضياع المرجعيّة، وهي قطيعة إبستمولوجيّة وتاريخيّة أصابت هذا العقل منذ القرن 19 الميلاديّ. قبل ذلك الزّمان، كان الفرد في الشام وحلب والجزيرة يستند إلى نصٍّ مكتوبٍ يحترمه ويحتكم إليه. هذه عادة موروثة عن المنهجية العبّاسية، في بقعة اخترعت الكتابة والتدوين؛ فالحرفيّ يدوّن أسرار صنعته في كُنّاش، والطّاهي يضبط مقادير طعامه بالورقة والقلم.
جاءت أحداث عام 1840 و 1860 م \ 1256 و 1276 هـ لِتجرّف هذا النّظام التّعليميّ والحرفيّ التّراثيّ، سقطت سوريا تحت الإدارة البريطانية والفرنسية، وأخبر المستعمر ابن المنطقة بتخلّف تراثه وماضيه، زاعماً حصر العلم والمعرفة في أوروپا. وانسلخ الفرد عن مرجعيّته القديمة خجلاً، ووقف أمام المرجعيّة الغربيّة بريبةٍ وعجز، فضاع السّند.
زاد الطّين بلّة دخول البلاد في منتصف القرن 20 الميلاديّ في تجربة الدّول الشّموليّة الّتي سحبت من المواطن ماضيه وحجبت عنه التّطوّر العلميّ العالميّ، فتركته في غرفةٍ فارغة لا يُسمع فيها سوى الصّوت الواحد. وتولّدت هنا حالة نفسيّة دقيقة نختصرها شعبيّاً بعبارة «لا معلّق ولا مطلّق»؛ إنسان يرفض أمسه ويشكّك في يومه، فيُعدم تلقائيّاً مستقبله، ويستهلك أدوات القرن 21 الميلاديّ بعقليّة مرحلة ما قبل التّدوين المنهجيّ.
نتج عن هذا التّجريف تضخّم دفاعيّ للذّات وانغلاق معرفيّ محكم. لكون الواقع اليوميّ مفرط الاضطراب، يصبح فتح باب التّنقيب والمقارنة مهدّداً للاستقرار الذّهنيّ. يقفل الفرد ملفّ السّؤال فور حصوله على أوّل إجابةٍ تريحه، ويضع عليها قفلاً ذهنيّاً، هرباً من الشّكّ المنهجيّ المجهد.
خسر المواطن السّوريّ سيطرته على أبسط مقدّرات حياته، ولم يتبقّ له سوى رأيه ومعلوماته الشّخصيّة حصناً أخيراً يملكه بالكامل. فالتّسليم بوجود مرجعٍ مكتوب يفوقه فهماً يعني في عقله الباطن هدم هذا الحصن؛ ولذلك يغيب التّواضع المعرفيّ تماماً، ويتحوّل التّشبّث بالمعلومة الخاطئة إلى معركة إثبات وجودٍ ودفاعٍ عن الكرامة.
ولا يكتفي هذا العقل بنقص المعرفة، بل يمارس الجهل النّشط ويتعايش مع ألفة الإخفاق. إذ يدرك الفرد بطلان طرائقه في معالجة المشكلات، ومع ذلك يتشبّث بتكرارها مع ممارسة الشّكوى التّبريريّة المستمرّة. الرّكون إلى الخطأ المعلوم يمنحه إعفاءً مريحاً من المسؤوليّة، ويحوّل الفشل إلى سوء طالعٍ يحصد به التّعاطف؛ أمّا البحث عن الصّواب المنهجيّ، فيعني تحمّل مسؤوليّة النّتائج منفرداً.
ولذلك يستبدل مرجعيّة النّصّ والبحث المنهجيّ بمرجعيّة السّياق الاجتماعيّ، وتكتسب المعلومة مصداقيتها من هويّة ناقلها وحميميّته بدلاً من برهانها العلميّ. ينفر من الدّليل الصّامت، ويرتاح لحديث الجار والأقارب، متنازلاً طوعاً عن سلطته العقليّة لمصلحة الإجابات الشّفاهيّة الجاهزة.
ولا تقف خطورة هذا الاستعصاء عند حدود الفرد، بل تتمدّد لِتنخر في عصب سوريا الدّولة والمجتمع حاضراً ومستقبلاً. إذ تتسرّب هذه الآليّات المعطوبة بصمتٍ من جيلٍ إلى جيلٍ عبر أساليب التّربية، فتتفاقم مع كلّ انتقالٍ لتتحوّل من كسلٍ ذهنيّ إلى عقيدةٍ راسخة وجزءٍ من النّسيج الاجتماعيّ والعقل الجمعيّ.
الآباء الّذين يستخفّون بالنّصّ المكتوب يزرعون في أبنائهم عقليّة الرّكون إلى التّلقين والجاهز من الإجابات، جاعلين رفض التّحديث سلوكاً مجتمعيّاً محميّاً يدافع عنه المجموع بوصفه جزءاً من الهويّة الأصيلة. ويُنتج هذا الانغلاق مجتمعاً عاجزاً عن إدارة أزماته المتلاحقة، يستبدل التّخطيط العلميّ بالتّخبّط العشوائيّ، ويُسلّم قياده للشّائعات، محوّلاً البلاد إلى مساحةٍ معزولة تكتفي باستهلاك ما ينتجه العالم دون الإسهام فيه ولو بكلمةٍ مكتوبة.
المقارنات التّالية تضع السّلوك اليوميّ في ميزانٍ دقيق، لِتفرّق بين عقلٍ مستعصٍ يرفض التّحديث، وعقلٍ منهجيّ يمارس السّيادة المعرفيّة.

التّعامل مع المشكلات الصّحّيّة
في التّعاطي مع الأدوية والعوارض الصّحّيّة، يظهر الفارق جليّاً. العقل السّوريّ المستعصي يبحث عن الاطمئنان العاطفيّ في أصوات الآخرين، ويسأل الأصدقاء أو الجيران عن تجاربهم. إذا أصابه صداع أو اشترى دواءً جديداً، يسارع إلى إرسال رسالةٍ صوتيّةٍ في تطبيق واتساپ يسأل فيها ابن خالته المغترب عن رأيه. ويطبّق النّصيحة الشّفاهيّة بحذافيرها، وإذا ساءت حالته أو لم ينتفع، يوزّع اللّوم على طالع السّوء أو حسد الآخرين.
على النّقيض من ذلك، يرفض العقل المنهجيّ هذه العشوائيّة. الشّخص هنا يمسك علبة الدّواء، ويستخرج النّشرة الطّبّيّة المرفقة ليقرأها بدقّة، ويبحث في المواقع الطّبّيّة الموثوقة عن التّداخلات الدّوائيّة المحتملة. يتحمّل مسؤوليّة جسده بالكامل، ويتّخذ قراره مستنداً إلى النّصّ العلميّ المكتوب، متجاوزاً نصائح الأقارب غير المختصّينَ. بل على الأقل، يمكن له تصوير النّشرة الطّبّيّة المرفقة ورفعها إلى واحدة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتشرحها بتبسيط يسير.

التّعاطي مع التّراث اليوميّ
التّمسّك الأعمى بالموروث يظهر بوضوحٍ في المطبخ وفي حديقة المنزل. العقل المستعصي يكرّر خطواتٍ حفظها من أيّام الطّفولة، حتّى لو كانت النّتيجة فاشلة. تراه يزرع بذور الفليفلة في شرفة منزله، ويستعمل ذات التّربة ونفس كمّيّة الماء الّتي كانت أمّه تستعملها في دمشق، وحين تذبل النّبتة، يكرّر المحاولة بنفس الطّريقة الخاطئة، مردّداً شكواه الدّائمة: «ما عم بتزبط معي». هو يحمي فشله بالاعتياد، ويرفض فكرة التفكير بتعديل طريقته لتناسب البيئة الجديدة.
بالمقابل، يوقف العقل المنهجيّ التّكرار العبثيّ فوراً. إذا فشلت زراعة الفليفلة، يبحث عن مختصّين لسؤالهم، أو دورات وورشات لحضورها. أو يفتح محرّك گوگل، أو يستشير الذّكاء الاصطناعيّ عن درجة حموضة التّربة المناسبة، ونسبة الرّطوبة، وحاجة النّبتة للضّوء. يعدّل المتغيّرات، ويضبط كمّيّات السّماد العضويّ بالأرقام، ويراقب النّتائج بصفة باحث يختبر فرضيّةً علميّةً، لِيصل إلى ثمارٍ ناضجةٍ وصحّيّة.

استيعاب أدوات القرن 21
شراء جهازٍ إلكترونيٍّ جديد يكشف طريقة التّفكير بشكلٍ حاسم. العقل المستعصي يتجاهل كتيّب التّشغيل المرفق، ويرميه في سلّة المهملات مع صندوق التّغليف. يحاول تشغيل آلة تحضير القهوة الجديدة بضغط الأزرار عشوائيّاً، أو يتّصل بصديقٍ يملك آلةً مشابهةً أو حتّى مختلفةً ليسأله عن الخطوات. يفضّل الاعتماد على ذاكرة الآخرين هرباً من قراءة النّصّ الجافّ، ممّا يؤدّي غالباً إلى تشغيلٍ خاطئ يقلّل من عمر الآلة، ويعطي نتيجة سيّئة.
أمّا العقل المنهجيّ، فيرى في قراءة كتيّب التّشغيل خطوةً سياديّةً لِامتلاك الآلة والتحكّم بها. يجلس بهدوء، ويقرأ التّعليمات خطوةً بخطوة، لِيفهم آليّة عمل الجهاز، ويدرك كيفيّة تنظيفه وبرمجته لِيحقّق الاستفادة القصوى من موارده. لا يحتاج إلى وسيطٍ بشريّ، بل يبني علاقته بالأداة مستنداً إلى منطق صانعها.

كسر الحلقة: تدريب السّلوك اليوميّ
الخروج من دوّامة الاستعصاء المعرفي لا يتحقّق بالقفز إلى مشاريع فكريّة كبرى، بل يبدأ بتدريب السلوك الفردي تدريجياً على كسر حلقة الرّكون إلى المألوف، وتفكيك الميل إلى الحلول السريعة التي تمنح راحة آنية وتؤجّل الفهم الحقيقي. العقل الذي اعتاد الكسل الذهني يحتاج إلى {فرملة سلوكيّة} تمنعه من الانزلاق التلقائي نحو الاستجابات الشفاهيّة المريحة، وتدفعه إلى ممارسة الشكّ المنهجي في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
هذا الخروج العملي يبدأ بفرض قاعدة “البحث الأوّل”، أيّ الامتناع مدّة 5 دقائق عن التصرّف العشوائي أو الاستعانة الفوريّة بشبكة الأقارب والأصدقاء عند مواجهة أيّ مشكلة أو سؤال. في هذه الدقائق، يفرض الشخص على نفسه فتح دليل التشغيل، أو صياغة سؤال دقيق في محرّك گوگل، أو مراجعة مصدر مكتوب، أو الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها قناة بحث لا بديلاً عن التحقّق. بهذه الطريقة، يتدرّب الذهن على تحمّل قلق الشكّ، بدل الهروب منه إلى الحلول الأسهل والأكثر ألفة.
وعند تعطّل غسّالة، لا يكون الاتّصال بالجار أو الصديق أو القريب غير المختصّ هو الاستجابة الأولى، بل تكون العودة إلى الكتيّب المرفق وقراءة رموز الأعطال وفهم دلالاتها. وعند فشل طبخة، لا يفيد تكرار الفعل ذاته بالطريقة نفسها، بل يفيد البحث السريع في التفاعلات الكيميائيّة لمكوّناتها، ومراجعة نسب المقادير، ودرجة الحرارة، وزمن الطهو، ثم مقارنة ما جرى بما تذكره الوصفة الموثّقة. هنا ينتقل الفعل من التقدير العشوائي إلى القياس المنضبط، ومن ردّ الفعل الموروث إلى الفهم المبني على المرجعيّة.
في المطبخ والمنزل وسائر الأعمال اليدويّة، تكتسب سلطة النصّ قيمةً حاسمة، لأن التقدير بالعين يظلّ باباً مفتوحاً للخطأ المتكرّر. لذلك يصبح الميزان الرقمي، وقياس الغرامات والميليمترات، والالتزام بدقّة الحرارة والزمن، جزءاً من تدريب الذهن على احترام المعايير بدل الاتكال على الحدس وحده. وكلّما أخطأ المرء في نتيجة عمل ما، كان الأجدى أن يدوّن المتغيّرات ويقارنها بالمعيار الصحيح، لا أن يردّ الإخفاق إلى الحظّ أو المصادفة أو سوء التقدير الغائم.
التدوين التراكمي يمثّل خطوة أخرى في هذا المسار، لأنّ المعرفة التي لا تُحفظ في أرشيف شخصي سرعان ما تتبدّد. من هنا تنشأ الحاجة إلى دفتر ملاحظات، ورقيّ أو رقميّ، تُسجَّل فيه التجارب الناجحة، وطريقة إصلاح الأعطال، والتعديل الذي حوّل طبخة فاشلة إلى نتيجة ناجحة. بهذا المعنى، لا يعود الفرد مستهلكاً عابراً للمعلومة، بل يصبح منتجاً معرفيّاً يراكم خبرته، ويمنع نفسه من البدء من الصفر كلّما واجه المشكلة نفسها من جديد.
وتأتي بعد ذلك مسألة كسر تحالف ألفة الإخفاق، وهي من أكثر المراحل حساسيّة في هذا التحوّل. فالميل إلى التذمّر أمام المحيطين يمنح صاحبه تعاطفاً زائداً، غير أنّ هذا التعاطف قد يغدو غطاءً نفسيّاً يعيد إنتاج الخطأ بدل تصحيحه. لذلك، في المرّة التالية التي يقع فيها الإخفاق، يفيد أن يصرّح المرء بوضوح: لقد أخطأت في التقدير، وأنا أبحث الآن عن الطريقة الصحيحة لتصحيحه. هذا الموقف لا يضيف ثقة شكليّة، بل يرسّخ تحمّل المسؤوليّة الفرديّة، ويجعل مراجعة الخطأ جزءاً من بناء السيادة العقليّة لا من تبرير العجز.
الشكّ المنهجي، في النهاية، ليس موقفاً عارضاً، بل أسلوب عيش معرفي يرافق الشخص في تفاصيله اليومية، ويبدأ من مراجعة ما استقرّ في الذهن من خبرة أو معلومة أو حكم سابق قبل التسليم بصحّته. فالمقصود ليس الارتياب في كلّ المعرفة المخزونة على إطلاقه، بل إخضاع المعرفة الذاتية والمخزونة في الذاكرة، وما يتولّد عنها من استنتاجات، لامتحان دائم يميّز الصحيح من الملتبس. وبهذا الفهم، لا تبقى الأحكام الجاهزة في موضع اليقين النهائي، بل تتحوّل إلى صيغ قابلة للمراجعة والتعديل كلّما تبيّن خللها أو قصور سياقها. ومع تكرار هذه الممارسة اليومية، يكتشف الذهن أنّ الاستقلال المعرفي لا ينشأ من الانطباع السريع، بل من الانضباط، والمراجعة، والعودة المتأنية إلى المرجعيّة الصحيحة.

على الهامش: التّدوين خطوة للنّجاة
الخروج من هذه الدّوّامة لا يكتمل إلّا بالانتقال من خانة الاستهلاك إلى خانة الإنتاج المعرفيّ والتّوثيق. الفرد السّوريّ اليوم، مطالبٌ بتأسيس أرشيفه الشّخصيّ. كتابة التّجارب النّاجحة في مدوّناتٍ مستقرّةٍ على شبكة الوب، أو حتّى في دفاتر ملاحظاتٍ رقميّة، تخلق تراكماً معرفيّاً حقيقيّاً.
توثيق مقادير وصفةٍ نجحت في المطبخ، أو خطوات إصلاح جهازٍ منزليّ، يكسر دائرة البدء الدّائم من الصّفر الّتي ترهق الأجيال المتلاحقة. الكلمة المكتوبة هي طوق النّجاة الّذي يمنع تبخّر التّجارب، ويحوّل الأفراد من مجتمعٍ يشتكي من تكرار الخيبات، إلى مجتمعٍ يقرأ، ويتعلّم، ويطوّر أدواته باستمرار.

الميزان العلميّ لِحالة الاستعصاء
في الميزان العلميّ الدّقيق، لا يُصنّف هذا الاستعصاء المعرفيُّ بوصفه خللاً جينيّاً متأصّلاً في تكوين الفرد السّوريّ، ولا قصوراً بيولوجيّاً يعيق عمليّة الإدراك والمنطق. بل تشخّصه علوم النّفس المعرفيّة والاجتماعيّة بوصفه آليّة دفاعٍ متطرّفةً واستجابةً تكيّفيّةً لِبيئةٍ مفرطة التّهديد والاضطراب.
هذا التّكلّس الذّهنيُّ هو النّتيجة المباشرة لِأكثر من مئة عامٍ من التّخريب المنهجيّ، وتجريف المرجعيّات التّاريخيّة، وانهيار المؤسّسات النّاظمة. تعاقب صدمات القرن 19 الميلاديّ والتّجارب الشّموليّة في القرن 20 الميلاديّ صادر حقّ الفرد في السّيادة على مصيره، وحرمه من التّراكم المعرفيّ الآمن، دافعاً إيّاه نحو تقوقعاتٍ ذهنيّةٍ تحمي استقراره النّفسيَّ الهشّ بالرّكون إلى المألوف حتّى لو كان خاطئاً.
بناءً على هذا التّشخيص، لا نعثر على الحلول في تنظيرات التّنمية البشريّة السّطحيّة، ولا في محاولات استنساخ مساراتٍ مستوردةٍ فُرضت بقوّة الهيمنة. بل تكمن النّجاة الحقيقيّة في استعادة التّفكير المنهجيّ المستقلّ؛ فالعلاج ينطلق من ترميم «السّند المعرفيّ» على المستوى الفرديّ، عبر إعادة الاعتبار لِسلطة النّصّ المكتوب والدّليل العلميّ، وتدريب الدّماغ تدريجيّاً على تفكيك التّسليم الأعمى وممارسة الشّكّ الإيجابيّ.
هكذا يستردّ العقل فاعليّته، ويكسر دوّامة الجهل النّشط المتوارثة، لِيتحوّل من كائنٍ عالقٍ في صدى صدمات الماضي إلى فاعلٍ يملك أدوات صناعة المستقبل.
مراجع للتوسّع والاستزادة
- Developing a Reflective Mind: From Core Metacognition to Explicit Self-Reflection — https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0963721419848672
- The case for metacognitive reflection: a theory integrative review — https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11368986/
- What is metacognitive reflection? The moderating role of reflection in the relationship between metacognition and emotion regulation — https://www.frontiersin.org/journals/education/articles/10.3389/feduc.2023.1166195/full
- Role of reflective practice and metacognitive awareness in experiential learning — https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0742051X2500023X
- Learning from reflective practice and metacognition — https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/14623943.2012.657792
- Building a metacognitive model of reflection — https://link.springer.com/article/10.1023/A:1003548425626
- Social Emotional Learning and Self-Regulation: The Mediating Role of Critical Thinking — https://eric.ed.gov/?id=EJ1176012
- Self-regulation and goal-directed behavior: A systematic review — https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0148296322009006





اترك رد