ذلك الشّعور المزعج الّذي يهمس لك دائماً أنّك مفعول به؛ لا فاعل، وأن لا قدرة لك على الفعل… تعال أخبرك بسبب هذه المشاعر السّلبيّة.
يكشف التّحليل اللّغويّ العميق سرّ هذا التّوتّر والقلق المستمرّ. حين تكون الغالبيّة العظمى ممّا تقرأه وتستهلكه متمحورة حول قضايا ومصائر لا تملك أيّ سلطة لتغييرها، تفقد تدريجيّاً محفّزات الانطلاق، وتغيب الرّاحة النّفسيّة والسّلاسة عن أيّامك، وتتعثّر محاولات بناء جسور التّواصل الإنسانيّ البسيط مع النّاس المحيطين بك.
يغرق العقل العربيّ يوميّاً في سيل من النّصوص والأخبار الّتي تفرض عليه العيش في فضاء مأزوم. وحين تطغى لغة السّياسة والصّراعات الكبرى على الحصّة الأعظم من تفكيرنا، وتتراجع مساحات الأدب والخيال والاهتمام بتفاصيل الحياة الشّخصيّة، تتشكّل قناعة راسخة تغلّف العقل؛ مفادها غياب السّلطة التّامّ على مجريات الحياة.
يقدّم البحث اللّغويّ المبنيّ على إحصاء وتفكيك ملايين الكلمات تفسيراً رياضيّاً دقيقاً لهذه الحالة النّفسيّة، ويشرح آليّة تحوّل الإنسان من فاعل حرّ إلى مفعول به يفتقد القدرة على التّأثير، ليضع أيدينا على الجذور العميقة للأزمة قبل الخوض في لغة الأرقام.

لغويّات المدوّنات وتحديد الكلمات الأساسيّة
يقدّم حقل لغويّات المدوّنات أدوات رياضيّة دقيقة لفهم بنية اللّغة العربيّة المكتوبة والمحكيّة، ولفكّ شيفرة التّركيب اللّفظيّ للكلمات وتوزيعها الحقيقيّ. يوضّح كتاب {معجم التّردّد للّغة العربيّة} A Frequency Dictionary of Arabic: Core Vocabulary for Learners للباحثين تيم باكوالتر Tim Buckwalter وديلورث پاركنسون Dilworth Parkinson، الصّادر في سنة 2011 م \ 1432 هـ، هذا النّهج التّحليليّ الصّارم.
بنى الباحثان مدوّنة لغويّة ضخمة لجمع الكلمات الشّائعة، واستخرجا منها القائمة الأساسيّة الّتي تكفي المتعلّم والباحث لفهم الغالبيّة العظمى من النّصوص الصّحفيّة والأدبيّة الرّئيسة. وتأتي الإحصاءات العامّة لهذه المدوّنة وفق الأرقام التّالية:
- حجم المدوّنة اللّغويّة الكليّ: 30000000 كلمة.
- عدد الكلمات الأساسيّة المستخرجة: 5000 كلمة.
- إجماليّ القوائم الموضوعيّة المخصّصة للعزل الدّلاليّ: 30 قائمة.
يبيّن هذا العدد الضّخم لحجم المدوّنة الجهد الإحصائيّ المبذول لتمثيل اللّغة العربيّة المعاصرة. وتؤكّد نتيجة الـ 5000 كلمة كفاية هذا العدد المحدود لبناء قدرة تواصليّة متينة، ما يطرح مفارقة واضحة بين حجم المعجمات التّقليديّة الّتي تحوي مئات الآلاف من المفردات، وبين الاستخدام الوظيفيّ الفعليّ الّذي يكتفي بنسبة ضئيلة جدّاً لتسيير شؤون التّواصل ونقل المعرفة.
مثلاً: لفهم خبر سياسيّ أو اقتصاديّ، لا تحتاج إلى البحث في المعجمات عن كلمات نادرة مثل {العرندس} أو {الغضنفر}، بل يكفيك إتقان الكلمات الأساسيّة مثل {اقتصاد}، و{سوق}، و{أزمة}، إلى جانب أدوات الرّبط. هذه الكلمات القليلة تشكّل الهيكل العظميّ لأكثر من 90٪ من النّصوص اليوميّة.
الازدواجيّة اللّغويّة وتوزيع القطاعات
تخضع اللّغة العربيّة لظاهرة الازدواجيّة اللّغويّة، أو ما يُعرف اصطلاحاً بـ “الدايگلوسيا”، ولهذا يختلف استخدام المفردات الشّائعة باختلاف السّياق والموقف اللّغويّ. لذا، وزّع الباحثان المدوّنة على 5 قطاعات رئيسة لتغطية هذا التّنوّع، وتوزّعت الأرقام كالآتي:
- قطاع الصّحافة والأخبار: 20000000 كلمة.
- قطاع نصوص الإنترنت: 6000000 كلمة.
- قطاع النّصوص الأكاديميّة: 1500000 كلمة.
- قطاع الأدب والخيال: 1000000 كلمة.
- قطاع الحديث اليوميّ المحكيّ: 1000000 كلمة.
وعند تفكيك إحصاءات قطاع الحديث اليوميّ المحكيّ، تظهر الأرقام التّالية:
- عدد الكلمات اللّازمة لتغطية المحادثات المعتادة: 1000 كلمة إلى 3000 كلمة.
- نسبة التّغطية اللّغويّة الّتي يوفّرها هذا العدد في التّواصل اليوميّ: 80٪.
بمقارنة هذه الأرقام، يتّضح التّفاوت الهائل بين قطاع الصّحافة الّذي التهم ثلثي المدوّنة لاستيعابه لغة رسميّة تتطلّب ترسانة واسعة من المصطلحات السّياسيّة والاقتصاديّة الدّقيقة، وبين الحديث اليوميّ الممثّل بمليون كلمة فقط.
يكتفي الشّارع بعدد يتراوح بين 1000 كلمة و 3000 كلمة لإنجاز 80٪ من عمليّات التّواصل، لاعتماده المباشر على الإيماءات، والسّياق المكانيّ، وأسماء الإشارة، بدلاً من التّصريح اللّفظيّ البحت الّذي تفرضه الصّحافة.
تخيّل أنّك تشتري الخضار من السّوق. تكتفي بالإشارة إلى الصّنف وسؤال البائع: {بكم هذا؟} أو {أعطني كيليّين}. أنت هنا وظّفت 3 كلمات فقط، واستعنت بسياق المكان وحركة يدك لإيصال الفكرة كاملة. قارن هذا بقراءة مقال افتتاحيّ عن نزاع جيوسياسيّ؛ هنا لا وجود لسياق مكانيّ مرئيّ يجمعك حضواً بالكاتب، ولذلك يضطرّ الكاتب إلى استعمال كلمات كثيرة ودقيقة لوصف الحالة وبناء الصّورة في ذهنك.
التّصنيف النّحويّ للكلمات الأكثر شيوعاً والفجوة الاستخداميّة
يفصّل التّحليل النّحويّ للكلمات الرّئيسة البالغ عددها 5000 كلمة الفارق الدّقيق بين وفرة الكلمة في المعجم وتكرارها الفعليّ في النّصوص. وتتوزّع هذه المفردات نسبيّاً على النّحو الآتي:
- الأسماء: 45٪ إلى 55٪ من إجماليّ المعجم.
- الأفعال: 20٪ إلى 25٪، أي ما يقارب 1000 فعل إلى 1250 فعلاً.
- الصّفات: 15٪ إلى 20٪.
- الحروف والأدوات النّحويّة في المعجم: 5٪ إلى 10٪.
- نسبة حضور الحروف والأدوات النّحويّة في النّصّ الفعليّ: أكثر من 30٪.
يطرح هذا التّوزيع الإحصائيّ نتيجة بالغة الأهمّيّة. إذ تستحوذ الأسماء على النّصف تقريباً، لتغطية كافّة المسمّيات الماديّة والمعنويّة المحيطة بالإنسان. والأفعال، وبرغم محوريّتها، لا تتجاوز الرّبع. لكنّ المفارقة الحقيقيّة تكمن في الحروف والأدوات؛ فهي لا تمثّل أكثر من 10٪ من قائمة المعجم، لكنّها تحتلّ أكثر من 30٪ من حجم أيّ نصّ فعليّ مكتوب أو منطوق.
هذه النتيجة تثبت الهيمنة المطلقة للبنية المنطقيّة والرّوابط في اللّغة العربيّة، فالحرف الّذي يبدو هامشيّاً في المعجم يتحوّل إلى عصب النّصّ ومحرّكه الأساسيّ فور استخدامه.
تتجلّى قيمة حروف المعاني في كونها تقوم مقام القوانين الفيزيائيّة الّتي تضبط حركة اللّغة وتوجّه مساراتها. فالأسماء والأفعال تمثّل المادّة والطّاقة، لكنّها تظلّ وحدات متناثرة في فراغ المعجم ما لم تتدخّل الحروف النحويّة لتنسج بينها علاقات الزّمان والمكان والسّببيّة والتّبعيّة.
حرف الجرّ أو العطف لا يمتلك دلالة ماديّة مستقلّاً، لكنّه يكتسب سيادته المطلقة من هندسة مسار الحدث؛ فهو الأداة الّتي تحدّد وجهة الفعل نحو الاسم، وتقنّن التّفاعل بين عناصر الجملة لتوليد المعنى المتكامل. ويفسّر هذا الأداء الوظيفيّ العميق قفزة الحروف من زاوية إحصائيّة ضيّقة لا تتجاوز 10٪ في المعجمات، إلى التهام أكثر من 30٪ من مساحة النّصّ الفعليّ المنطوق أو المكتوب.
غياب هذه الرّوابط الدّقيقة يحيل أيّ نصّ إلى ركام أخرس من المسمّيات الفاقدة للمنطق البنيويّ، ليبرهن اعتماد العقل اللّغويّ التّامّ على هندسة العلاقات غير المرئيّة بين الكيانات. بالقدر ذاته الّذي يعوّل فيه على إيجاد تسميات لتلك الكيانات، متماهياً تماماً مع النّظرة العلميّة الرّاصدة للقوى الخفيّة بوصفها الأساس الحقيقيّ لتماسك الكون المادّيّ.
لنأخذ جملة بسيطة: {سافر الرّجل إلى الجبل}. كلمة {سافر} تمثّل الطّاقة والحركة (الفعل)، وكلمتيّ {الرّجل} و{الجبل} تمثّلان الكيانات الماديّة (الأسماء). غياب حرف الجرّ {إلى} يحيل الجملة إلى ركام غير مفهوم: {سافر الرّجل الجبل}. الحرف {إلى} هنا هو القوّة الخفيّة الّتي وجّهت طاقة السّفر نحو الكيان المادّيّ (الجبل)، وبدونه تنهار الجملة فيزيائيّاً ومنطقيّاً … غير أنّ لغات شمال العربيّة القديمة مرّت بمراحلها بمرحلة {سافر الرّجل الجبل} ونجدها لم تزل مستعملة إلى اليوم في محكيّات المنطقة الدارجة.
الحقول الدّلاليّة وهيمنة الفضاء العامّ
عزل الباحثان الكلمات الشّائعة في قوائم موضوعيّة متخصّصة. ويكشف التّحليل العدديّ لهذه الحقول عن طبيعة العقل اللّغويّ المعاصر الموثّق في المدوّنات:
- حقل السّياسة: 226 كلمة.
- حقل الأمن والحرب: 218 كلمة.
- حقل الدّين: 190 كلمة.
- قائمة الأسماء الشّخصيّة المؤنّثة: 155 كلمة.
- قائمة الكلمات اللّهجويّة: 144 كلمة.
- حقل المشاعر: 117 كلمة.
- حقل وسائل النّقل: 36 كلمة.
- حقل الملابس: 30 كلمة.
بمقارنة عدد كلمات السّياسة والحرب البالغة مجتمعة 444 كلمة، بعدد كلمات وسائل النّقل والملابس البالغة 66 كلمة فقط، يظهر طغيان لغة الفضاء العامّ المأزوم وأخبار الصّراعات على مدوّنة اللّغة العربيّة المعاصرة. إذ تتراجع مفردات الحياة اليوميّة المعيشيّة والتّفاصيل الشّخصيّة لمصلحة هيمنة المصطلحات الكبرى، ما يبيّن تماهي اللّغة المكتوبة والموثّقة مع الأحداث السّياسيّة والأمنيّة أضعاف تماهيها مع تفاصيل الحياة الدّاخليّة أو المنزليّة للفرد العاديّ.
راقب شريط الأخبار أو صفحتك على وسائل التّواصل الاجتماعيّ لمدّة ساعة. ستصادف كلمات مثل {صراع}، و{حرب}، و{مفاوضات}، و{أزمة} مرّات كثيرة، لكنّك نادراً جدّاً ما ستقرأ نصّاً يستعمل كلمات تتعلّق بنموّ نباتات الحديقة المنزليّة، أو طريقة إصلاح قميص ممزّق، أو تفاصيل تحضير الخبز… هذا الغزو اللّفظيّ المتكرّر يبرمج العقل على العيش في حالة استنفار دائمة. هذا استهلاك استنزافيّ للطاقة البشريّة.

الفلسفة اللّغويّة وثنائيّة الطّاقة والمادّة
تتوافق هذه النّتائج الإحصائيّة مع النّحو العربيّ التّقليديّ الّذي يقسّم الكلمة إلى 3 أقسام فقط: الاسم، والفعل، والحرف. فغياب الصّفة قسم مستقلّ يفسّر تداخل الأسماء والصّفات في الإحصاءات الآليّة، فالصّفة في الجوهر تصنّف اسماً مشتقّاً وظيفته الوصف اللّاحق للكيان المستقلّ.
تُبنى اللّغة العربيّة كمّاً على الأسماء لتأطير المادّة وحصر الأشياء، وتُبنى نوعاً على الأفعال لبثّ الحركيّة في النّصّ وتسيير مسار الزّمن. ويبرهن اختيار النّحاة لمادّة {فعل} لتكون الميزان الصّرفيّ للكلمات على مركزيّة الحدث، وردّ الظّواهر الكونيّة والماديّة إلى تفاعلات مستمرّة. فالاسم المشتقّ يصنّف حدثاً تجمّد في لحظة زمنيّة ليصبح كياناً مستقلاًّ.
ويتناغم هذا التّحليل الصّرفيّ مع الفلسفة العلميّة الموحّدة للكون الّتي ترفض سكونيّة الأشياء وتراها وحدة متّصلة تتشكّل من تفاعل الطّاقة والمادّة معاً. وتجسّد الحروف المنطق البنيويّ، وتكتسب معناها الوظيفيّ من السّياق لتشدّ أجزاء الجملة، وبدونها تفقد الأسماء والأفعال قدرتها على بناء صورة متكاملة.
مثلاً؛ كلمة {سيّارة} أو {مكتوب} هي أسماء تصف كيانات ماديّة، لكنّها في الجوهر طاقة مجمّدة. {سيّارة} مشتقّة من الجذر المحرّك {سار}، ما يعني أنّ العقل اللّغويّ لا يرى هذه الآلة مجسّماً معدنيّاً ثابتاً، بل يراها {طاقة سير وحركة} تجمّدت في هذا الشّكل. و{المكتوب} ليس حبراً وورقاً فقط، بل هو طاقة الحدث {كتب} مجمّدة في الزّمان والمكان.

النّقوش القديمة وتطوّر الجذور من السّومريّة إلى الدّادانيّة
تتماهى هذه الثّنائيّة اللّغويّة بين كمّيّة الاسم ونوعيّة الفعل مع مسار تطوّر اللّغات القديمة، وتحديداً في النّقوش السّومريّة والأگّديّة بنسخها ما قبل الآراميّة. إذ سيطرت الحاجة الملحّة في المراحل الأولى للتّواصل العربيّ إلى تسمية الأشياء المحيطة وحصر الممتلكات، فتكوّنت اللّغة في بدايتها من تجميع أسماء وإعادة ترتيبها لصناعة محادثة متّصلة.
كان الجذر القديم في فهرست الجذور الثّنائيّة، المكوّن من حرفين، يمثّل كتلة لغويّة خاماً تختزل الكيان وحركته معاً، لتشير الكلمة إلى اسم وفعل في الآن ذاته. لم يفصل العقل العربيّ حينها بين المادّة وطاقتها المحرّكة، فالكلمة الّتي تدلّ على الماء حملت في جوهرها معنى السّيلان والجريان، واستمدّت دلالتها الحركيّة من سياق ترتيبها المنطقيّ بين الأسماء الأخرى حصراً.
في تلك العصور، كانت الكلمة الثّنائيّة (المكوّنة من حرفين) كتلة خاماً تدمج المادّة بطاقتها. لنأخذ جذر {ي.د} (اليد، الحرس، القوّة، السّلطة)، وجذر {د.م} (الدّم، الإنسان الحيّ، صلة الرّحم والقرابة). في العقل اللّغويّ القديم، لم تصف الكلمة {ي.د} العضو البشريّ السّاكن، بل اختزلت طاقة {البطش} أو {الفعل}. والكلمة {د.م} لم تصف السّائل الأحمر، بل اختزلت طاقة {النّزف} أو {القتل}.
وحين أراد المتحدّث التّعبير عن فعل {سفك الدّماء}، لم يملك فعلاً مستقلاً لتلك الغاية مثل {سفك}، فاكتفى برصف الاسمين معاً: {ي.د} + {د.م} = {يدّم}. وهذا التّراصف اللّفظيّ لاسمين لا يعني أبداً الإضافة النّحويّة الجامدة (يد الدّم) كما في لغتنا اليوم، بل هو تفاعل بين طاقتي الاسمين لتوليد فعل متكامل، ليفهم السّامع المعنى الحركيّ مباشرة: {بطش فأسال الدّم} أو {قَتَل}. هكذا تُصنع الأفعال وتتخلّق من رحم تلاصق الكيانات الماديّة.
وعلى الأغلب أنّ الجذور كان في بداياتها أحرف فرادى ساكنة، تعبّر بالواحد منها عن {اسم}. وتطوّرت هذه الجذور (الأسماء) بتحريكها في الاتّجاهات الثلاث المختلفة (ا.و.ي) لتتقدّم صوب تكوين الجذور الثنائية. قبل تزمينها لإنشاء الجذور الثلاثيّة، واختيار هوية المفردة {فعل} بدلاً من تعريف {الأسماء} القديم.
لنتأمّل الصّوت الصّامت المتمثّل في حرف الميم (م) في العصور ما قبل السّومريّة. حين كان هذا الحرف المفرد السّاكن يمثّل في ذاته {اسماً} ماديّاً بحتاً يدلّ على {الماء}. في المرحلة التّالية، تطوّر هذا الكيان الجامد بتحريكه في الاتّجاهات الثّلاثة (ا، و، ي)، لينتج الجذور الثّنائيّة (ما، مو، مي). وهنا انتقل الصّوت من كونه اسماً ساكناً إلى حالة تحمل طاقة الحضور، كما نرى في الكلمة الأگّديّة القديمة (مُو) الّتي تسمّي الماء المتدفّق، وتتشارك مع الجذور السّومريّة في البناء المقطعيّ.
ولإتمام عمليّة {التّزمين} وضبط حركة هذه الطّاقة المائيّة في مسار الزّمن، أُضيف حرف ثالث لإنشاء الجذور الثّلاثيّة. فتخلّت الكلمة هنا عن هويّة {الاسم} القديم (الماء) واختارت هويّة {الفعل}: فأُنتج الجذر (م.و.ج) لتوليد الفعل {ماج يَمُوجُ}، والجذر (م.ي.ع) لتوليد الفعل {ماع يَمِيعُ}، والجذر (م.و.هـ) لتوليد الفعل {ماه يَمُوهُ}. هكذا ذاب الاسم المادّيّ الأوّل (م) في قوالب أفعال متحرّكة تصف حالات السّيلان والتّموّج بدقّة.
ولنأخذ مثلاً آخر من الصّميم السّومريّ، وهو الصّوت الصّامت المتمثّل في حرف الكاف غير الصّريحة (گ) (مستعمل اليوم گ ق ج ك خ). في البدايات الأولى، مثّل هذا الحرف السّاكن {اسماً} يدلّ على الكيان العضويّ {الحلق} أو {العنق}. وبتحريكه في الاتّجاهات الثّلاثة، ظهر الجذر الثّنائيّ السّومريّ (گُ) GU ثمّ الآرامي (قو)، وانتقلت الدّلالة من الكيان المادّيّ الجامد (الحلق) إلى طاقة هذا الكيان، فصارت الكلمة تعني {الصّوت} أو {الكلام}.
ولتزمين هذه الطّاقة وإنشاء الجذور الثّلاثيّة في اللّغات اللّاحقة (مع انتقال الصّوت إلى نظيره القاف)، أُضيف حرف ثالث لاختيار هويّة {الفعل} المقيّد بوقت بدلاً من {الاسم}: فأُنتج الجذر (ق.و.ل) لتوليد الفعل {قال يقول}، والجذر (ق.ر.أ) لتوليد الفعل {قرأ يقرأ}، والجذر (ق.ص.ص) لتوليد الفعل {قصّ\يقصّ}… ذاب اسم الحلق القديم تماماً، ووُلدت من رحمه أفعال الكلام والتّعبير.

ظاهرة التقعيد وهندسة التّصريف الحديثة
تمثّل النّقوش الدّادانيّة المرحلة الوسطى والتّحوّل في شمال العربيّة، وتوثّق اللّحظة الحاسمة لتحرّر المادّة من سكونها واندفاعها المدروس في مجرى الزّمن. إذ لم يمتلك العقل اللّغويّ في تلك المرحلة الاستقلاليّة المطلقة للأفعال لتصريفها منفردة، فلجأ المتحدّث إلى التّركيب.
تتكوّن النّقوش الدّادانيّة من أسماء متراصفة، يتألّف كلّ منها من حرفين (صامت ومتحرّك)، لإنتاج دلالة حركيّة وتكوين أفعال. ويوضّح هذا التّلاصق اللّفظيّ آليّة تخلّق الأفعال الفعليّة من رحم الأسماء الماديّة الجافّة.
ومع تعقّد الحياة البشريّة ومتطلّبات التّواصل الدّقيق، برزت ظاهرة لغويّة تُعرف التقعيد (قواعد النحو). فذابت بعض الأسماء الملتصقة في الدّادانيّة وتخلّت عن دلالتها المعجميّة المستقلّة لتصبح سوابق ولواحق زمنيّة وأدوات وظيفيّة بحتة تخدم الكلمة الجديدة المنبثقة.
مهّد هذا التّحوّل التّاريخيّ لتدخّل العقل اللّغويّ لاحقاً لهندسة الجذر الأصليّ بإضافة حرف، غالباً من حروف العلّة أو الأصوات الحلقيّة، لتحديد الزّمن وضبط اتّجاه الحدث بدقّة متناهية. وأدخلت هذه الأدوات الجديدة تمييزاً قطعيّاً بين شكل الفعل وشكل الاسم، وحوّلت الجذر الثّنائيّ البدائيّ إلى جذور ثلاثيّة ورُباعيّة تعبّر حتماً عن أفعال مشتقّة من الأسماء الأصليّة القديمة.
أنتجت هذه الهندسة اللّغويّة التّصريف الحديث، وفكّكت التّلاحم القديم بين الاسم والفعل، لتستقرّ اللّغة العربيّة على نظام رياضيّ صارم يفصل بين كيان المادّة وطاقتها المحرّكة، ويمنح كلّاً منهما وزناً صرفيّاً مستقلاًّ، مسنود أساساً على الفعل.
الجذر القديم المكوّن من حرفين {ق.ل} كان صوتاً خاماً يجمع بين اسم الصّوت وفعل إصداره. لاحقاً، تدخّل العقل اللّغويّ وأضاف حرف علّة {الواو} في المنتصف، ليولّد الجذر المكوّن من 3 حروف {ق.و.ل}، ومنه استخرج نظاماً دقيقاً لضبط الزّمن: {قال\قيل} للماضي، و{يقول} للحاضر، ففصل بذلك بين {القول} بوصفه كياناً (اسماً)، وبين {قال} بوصفها طاقة موجّهة في زمن محدّد (فعلاً).

عودة إلى الأصل، من مفعول به إلى فاعل
اللّغة العربيّة أبعد من كونها أداة تواصل؛ هي كائن حيّ تطوّر عبر آلاف السّنين، وبنية رياضيّة بالغة الدّقّة تتطابق مع قوانين الكون. رحلتنا من حرف ساكن يمثّل المادّة الخامّ في العصور السّحيقة، مروراً بـ حرفين يدمجان المادّة بطاقتها، وصولاً إلى هندسة التّصريف المكوّنة من 3 حروف لضبط اتّجاه الزّمن، تكشف عن عقل لغويّ جبّار. هذا العقل القديم صاغ المعجم ليجعل من الحدث والحركة مركزاً للوجود، واختار مادّة {فعل} لتكون الميزان الصّرفيّ الّذي تُوزن به الكلمات أجمعها.
لكنّ المفارقة المؤلمة تكمن في واقعنا المعاصر. هذه الآلة اللّغويّة البديعة، المصمّمة أصلاً لتوليد الأفعال وصناعة الحياة، سُخّرت لاستهلاكنا النّفسيّ واستنزاف طاقاتنا. فنغرق يوميّاً في بحر من النّصوص تسيطر عليها لغة الصّراع، والأزمة، والسّياسة. ونستهلك طاقة اللّغة في فضاء عامّ مأزوم لا نملك فيه قراراً ولا سلطة، تاركين مساحات الأدب، والخيال، وتفاصيل الحياة اليوميّة البسيطة الّتي تمنح النّفس الإنسانيّة هدوءها وسلامها. هذا الخلل الإحصائيّ العنيف في استهلاكنا للمفردات يحوّلنا تدريجيّاً من صانعي أحداث إلى ضحايا يتلقّون الأخبار، ومن فاعلين إلى مفاعيل بها.
فهمنا لهذا المسار التّاريخيّ والإحصائيّ ليس ترفاً أكاديميّاً، بل دعوة صريحة لاستعادة السّيطرة. إذ حين تدرك أنّ الجذور اللّغويّة وُلدت من رحم الحركة، وأنّ أصل اللّغة يرفض سكونيّة الأشياء، ستوقن حتماً أنّ الأصل فيك أن تكون فاعلاً حرّاً. غيّر “مدوّنتك الشّخصيّة”، واقرأ في الخيال، وتحدّث في تفاصيل الطّبيعة وصناعة الخبز ونموّ النّباتات. استردّ حصّتك المسلوبة من اللّغة لتصنع أفعالك الخاصّة، وتعيد الكلمة إلى طبيعتها الأولى؛ طاقة متجدّدة تبني الحياة، لا عبئاً ثقيلاً يستنزف الرّوح.
مراجع
- معجم التّردّد للغة العربيّة: المفردات الأساسيّة للمتعلّمين A Frequency Dictionary of Arabic: Core Vocabulary for Learners. https://www.routledge.com/A-Frequency-Dictionary-of-Arabic-Core-Vocabulary-for-Learners/Buckwalter-Parkinson/p/book/9780415444347
- المدوّنة اللغويّة العربيّة لمدينة الملك عبد العزيز: التّصميم والبناء A 700M+ Arabic Corpus: KACST Arabic Corpus Design and Construction. https://link.springer.com/article/10.1007/s10579-014-9273-3
- دراسة ظاهرة الازدواجيّة اللغويّة Diglossia – Charles A. Ferguson. https://doi.org/10.1080/00437956.1959.11659702
- نظريّة الجذر الثّنائيّ في اللغات السّاميّة The Theory of the Biliteral Root in Semitic
- المدوّنة الإلكترونيّة لنقوش شمال الجزيرة العربيّة القديمة – دادانيّة وصفويّة OCIANA. http://krc.orient.ox.ac.uk/ociana/
- المعجم العالميّ للنّحونة والتّقعيد World Lexicon of Grammaticalization. https://www.cambridge.org/core/books/world-lexicon-of-grammaticalization/96EA6893EC6D12FDE1AD6F19A2BC3C6C
- قاموس بنسلفانيا الإلكترونيّ للغة السّومريّة ePSD. http://psd.museum.upenn.edu/
- قواعد اللّغة الأگّديّة A Grammar of Akkadian – John Huehnergard. https://brill.com/view/title/15141





اترك رد