تدور سرديّة “داخل السّور” و”خارج السّور”، أو كما تُعرف باللّهجة المحلّيّة الدّمشقيّة “جوّا السّور” و”برّا السّور”، حول التّقسيم الجغرافيّ والطّبقيّ والاجتماعيّ لسكّان مدينة دمشق. ويعود أصل هذا المفهوم إلى السّور التّاريخيّ القديم الّذي يحيط بدمشق القديمة، والّذي أسّسه العرب الآراميّون ووسّعه الرّومان في حقب تاريخيّة سابقة.
بناءً على هذه السّرديّة، يُصنّف سكّان العاصمة السّوريّة إلى فئتين أساسيّتين: عائلات دمشقيّة أصيلة سكنت منذ زمن بعيد جدّاً داخل أبواب دمشق السبعة وتوارثت منازلها جيلاً بعد جيل، وعائلات أخرى سكنت خارج هذا السّور في مناطق التّوسّع العمرانيّ مثل أحياء الميدان والصّالحيّة والمهاجرين، والّتي كان يُنظر إليها بصفتها عائلات وافدة حديثاً أو ذات أصول ريفيّة.
منذ نهاية القرن 19 م \ 13 هـ، نالت هذه السّرديّة أهمّيّة بالغة وصارت حديثاً متداولاً بين السّوريّين لكونها تمسّ جوهر الانتماء والأصالة والهُويّة المحلّيّة. ففي الجلسات العائليّة والاجتماعيّة الدّمشقيّة، يتفاخر بعض الأهالي برقم الخانة الخاصّ بعائلاتهم في السّجلّات المدنيّة العثمانيّة؛ فصار الرّقم القريب من 0 أو 1 يشير إلى أصالة العائلة وتجذّرها داخل السّور القديم.
مع مرور الزّمن والتّطوّر العمرانيّ، تحوّل هذا التّصنيف من حدود ماديّة واجتماعيّة صارمة إلى دعابة محلّيّة ومنافسة ودّيّة بين أبناء المدينة الواحدة. جعل التّوسّع الهائل للمدينة وتداخل أطياف السّكّان هذه العبارة ذكرى تاريخيّة تتردّد في الأحاديث اليوميّة لتوكيد الارتباط العميق بتاريخ المكان والتّباهي بالعراقة.
الحقيقة خلف هذه الخرافة تؤكّد كون السّور التّاريخيّ جداراً دفاعيّاً وعسكريّاً شُيّد لحماية المدينة من الغزوات الخارجيّة، وليس مقياساً لفرز النّاس أو تحديد نقاوة النّسب الدّمشقيّ. فالمدينة بطبيعتها الدّيناميكيّة نمت وازدهرت بمرور الوقت، واضطرّ أبناؤها للانتشار خارج أسوارها المكتظّة مع زيادة عدد السّكّان ونشاط الحركة التّجاريّة.
نتيجة لذلك، ظهرت أحياء عريقة مثل الشّاغور البرّانيّ والميدان وسوق ساروجة منذ مئات السّنين، وسكنتها عائلات دمشقيّة أصيلة لا تقلّ عراقة عن عائلات الدّاخل. الانقسام الحادّ بين داخل وخارج السّور هو وهم اجتماعيّ تضخّم مع الزّمن، فدمشق نسيج اجتماعيّ واحد متكامل لا يقبل التّجزئة بناءً على حجارة سور قديم وُجد لغايات أمنيّة بحتة.
إلى جانب «جوّا السور وبرّا السور» تشير وصمة «بين السّورين» في محكيّات الدمشقيّين إلى حالة التهميش الطبقيّ وانعدام الجذور الاجتماعيّة الواضحة لبعض الأفراد أو الجماعات. ولفهم جذور هذه الوصمة، تجب دراسة التركيبة الجغرافيّة لمدينة دمشق وتوزّع طبقاتها.
أُطلق اسم {بين السورين} تاريخيّاً على المساحة الفاصلة بين سور دمشق الرومانيّ القديم، والسور الخارجيّ الّذي بناه نور الدّين زنگي عام 1164 م \ 559 هـ. وامتدّت هذه المنطقة من باب الفراديس شرقاً، والّذي يُعرف باسم باب العمارة، إلى باب الفرج غرباً.
تاريخيّاً، انقسم المجتمع الدمشقيّ بين قطبين رئيسين:
- القطب الأوّل هو {الجوّانيّ}، وشمل سكّان داخل السور الأصليّ من العائلات الدمشقيّة التي يُفترض أنّها العريقة والتجّار وأصحاب النفوذ.
- القطب الثّاني هو {البرّانيّ}، وشمل سكّان الضواحي والأحياء الواقعة خارج الأسوار مثل حيّ العمارة البرّانية وحيّ القنوات، وغلب عليهم الوافدون الجدد والعمّال والمزارعون.
الوقوع في منطقة {بين السورين} يعني البقاء في مساحة رماديّة لا تنتمي إلى النخبة الجوّانيّة، ولا تنخرط في التكتّلات العشائريّة والمهنيّة البرّانيّة. واتّصلت هذه المنطقة بالمهن المنبوذة والمهمّشة، مثل الدبّاغات والمسالخ، الّتي أُبعدت عن مركز المدينة تفادياً للروائح والتلوّث، واحتضنت الفئات الّتي لا تملك نسباً واضحاً أو ثقلاً اجتماعيّاً.
ولذلك، تصف وصمة «بين السّورين» الشخص الّذي يفتقر إلى أصل معروف، أو المنبوذ اجتماعيّاً الّذي يدّعي الانتماء إلى طبقات المدينة العريقة ويخفق في إثبات ذلك، ليبقى عالقاً في الهامش المكانيّ والاجتماعيّ دون هويّة جذريّة واضحة.

الانقطاعات الدّيموغرافيّة ونسف النّقاء الجينيّ
الحديث عن أصالة ترتبط بجغرافيّة السّور يتجاهل الانقطاعات التّاريخيّة العميقة. فالاجتياح المغوليّ لدمشق عام 1260 م \ 658 هـ، ثمّ اجتياح تيمورلنگ عام 1400 م \ 803 هـ، شكّلا ضربة قاضية للبنية الدّيموغرافيّة في العاصمة السّوريّة (الشاميّة). ففي الاجتياح الأوّل، أعمل المغول قتلاً وتخريباً في أرجاء المدينة فأبادوا أغلب أهلها. وفي الاجتياح الثّاني، أحرق تيمورلنگ المدينة بِرُمَّتها، وأباد جميع سكّانها، وسبى آلافاً من الحرفيّين والعلماء وأرسلهم إلى سمرقند.
هذه الأحداث الكارثيّة أفرغت دمشق من سكّانها الأصليّين، وجعلتها مدينة مدمّرة شبه خاوية فترة من الزّمن.
هذا الانقطاع الدّيموغرافيّ الجذريّ ينسف تماماً خرافة التّسلسل الجينيّ النّقيّ للعائلات الّتي تدّعي أنّها دمشقيّة أصيلة سكنت داخل السّور منذ العصور القديمة بلا انقطاع. إذ استوطن النّاجون القلائل بين الأنقاض، واضطرّت المدينة لاحقاً إلى استقطاب موجات هجرة متتابعة من الأرياف المحيطة، والقبائل البدويّة، والمدن المجاورة، لإعادة الإعمار وبناء المجتمع من جديد. لذلك، العائلات الّتي تتباهى اليوم بوجودها داخل السّور هي في الواقع امتداد لمهاجرين ووافدين استقرّوا في دمشق بعد تلك المجازر الدّامية، وتحديداً إبّان العهدين المملوكيّ والعثمانيّ.
مدينة دمشق مزاج بشريّ تراكم بمرور الأيّام نتيجة الهجرات والغزوات والزّلازل، والادّعاء بوجود عرق دمشقيّ صافٍ محصور داخل أسوار حجريّة يتناقض مع حقائق التّاريخ الّتي تؤكّد فناء سكّان المدينة الأصليّين وتجدّد دمائها مراراً وتكراراً.
استعمل المؤرّخون في العصر المملوكيّ مصطلح «الأخلاط» لوصف التّركيبة البشريّة غير المتجانسة دينيّاً وإثنيّاً لسكّان دمشق بعد النّكبات والغزوات، وهذا يدحض الدّعاوى الّتي تربط هذا الوصف بمدن أو قوميّات محدّدة. أمّا التّذرّع بشجرة العائلة لإثبات النّقاء الجينيّ أو الانتماء المكانيّ، فيصطدم بحقيقة رواج مهنة تزوير شجرات العائلات وتلفيق الأنساب في كلّ بلدان العرب. فشجرة العائلة، وإن صحّت، لا تثبت عنوان السّكن الأصليّ، ولا تنفي الانقطاع الدّيموغرافيّ الجذريّ الّذي أفرغ المدينة.
شكّل الدّخول التّركيّ في القرن العاشر ميلاديّة \ الرابع هجريّة زلزالاً ديموغرافيّاً واجتماعيّاً غيّر وجه المنطقة للأبد على مدار ألف عام. فالوافدون الجدد انصهروا في النّسيج الاجتماعيّ وتصاهروا مع العائلات العربيّة، فأنتجوا طبقات اجتماعيّة جديدة احتكرت النّفوذ والسّلطة لقرون طويلة. وفرض هذا الوجود سلوكيّات تعتمد على التّراتبيّة العسكريّة القاسية الّتي ألغت مرونات المجتمعات المحلّيّة، وتلخّصت النّتيجة الواضحة لهذا التّراكم في تشابه العادات بصورة مدهشة من وادي زرافشان شرقاً إلى جبال أطلس غرباً.

التّدخّل الاستخباراتيّ وهندسة الكارثة
غالباً ما تخفي السّجلّات الرّسميّة التّدخّلات المخابراتيّة وتوازنات القوى العظمى الّتي ترسم مصائر الشّعوب. فالتّدخّل العسكريّ غرب الأوروپيّ عام 1840 م \ 1256 هـ لطرد إبراهيم باشا وجيوش محمّد علي من الشّام وحلب (سوريا في المفهوم البريطاني) جعل بريطانيا الحاكم الفعليّ في الظّلّ، وصاحبة الكلمة العليا في توجيه السّياسة العثمانيّة في المنطقة. إذ أرست بريطانيا نفوذها عبر قناصلها، أمثال ريتشارد وود Sir Richard Wood الّذي أدار الشّؤون المحلّيّة متجاوزاً سلطة الولاة العثمانيّين أنفسهم.
سعت السّياسة البريطانيّة إلى ضرب النّفوذ الرّوسيّ الرّاعي للأرثوذكس، والنّفوذ الفرنسيّ الرّاعي للموارنة والكاثوليك. ولتحقيق هذه الغاية، وفّرت بريطانيا دعماً سرّيّاً ووعوداً سياسيّة للزّعامات الدّرزيّة واليهوديّة، ممّا أخلّ بالتّوازن الاجتماعيّ التّاريخيّ ومنح الفصائل المحلّيّة غطاءً سياسيّاً للبطش بخصومها.
تواترت الرّوايات التّاريخيّة عن وعود بريطانيّة بمنح الدّروز كياناً مستقلاًّ أو إمارة خاصّة بهم. وهذا الغطاء السّياسيّ والتّشجيع الدّبلوماسيّ منح الفصائل الدّرزيّة شعوراً بالحصانة، وشجّعهم على شنّ هجمات قاسية ضدّ المسيحيّين في جبل لبنان. إذ وفّر الدّعم البريطانيّ بيئة سياسيّة داعمة وجرّأ الفصائل المحلّيّة على تجاوز الخطوط الحمراء طمعاً في تحقيق الاستقلال السّياسيّ.
انطلقت أحداث عام 1860 م \ 1276 هـ الطّائفيّة الدّامية من جبل لبنان إثر نزاع مسلّح بين الدّروز والموارنة أراد فيه الدروز إبادة موارنة الجبل. وانتقلت عدوى الصّراع الطّائفيّ وشحنة التّوتّر إلى العاصمة الشّاميّة إبّان تدفّق آلاف اللّاجئين المسيحيّين الهاربين من المعارك نحو دمشق للاحتماء داخلها.
ثمّ هاجمت فصائل دروز جبل لبنان مدينة دمشق جيشاً شبه منظّم مدعوماً من فصائل الباشبوزوق الكردية. الانتصارات الّتي حقّقتها الفصائل الدّرزيّة في الجبل أجّجت مشاعر التّطرّف بين بعض سكّان دمشق ومحيطها، وخصوصاً المتضرّرين من النّفوذ الفرنسيّ في المنطقة ومن مجزرة عام 1840 م \ 1256 هـ الّتي أباد فيها المسيحيّون يهود دمشق، ومهّدت الطّريق لانفجار الوضع المحلّيّ في شهر تمّوز يوليو عام 1860 م \ 1276 هـ.

مجازر دمشق: تحالف الفوضى والمصالح
شكّلت الأحداث الدّامية بين عامي 1840 و 1860 م \ 1256 و 1276 هـ نقطة تحوّل جذريّة في التّركيبة السُّكّانيّة لمدينة دمشق. إذ إنّ حادثة دمشق عام 1840 م \ 1256 هـ أدّت إلى تراجع الوجود اليهوديّ داخل المدينة بقدر كبير، ودفعت عائلات كثيرة للهجرة هرباً من الملاحقة. وأعقب ذلك الحدث المأساويّ الأكبر المعروف باسم طوشة النّصارى عام 1860 م \ 1276 هـ في ختام الحرب الأهليّة الشاميّة، الّذي أوقع آلاف الضّحايا من المسيحيّين، وأباد عائلات بِرُمَّتها، ودمّر حارة النّصارى بالكامل داخل السّور التّاريخيّ.
أسهمت الفصائل الكرديّة إسهاماً رئيساً في مذبحة دمشق، وتحديداً فرسان الباشبوزوق، وهم قوّات غير نظاميّة سكنت حيّ الصّالحيّة (ركن الدين) على سفوح قاسيون. إذ تخلّى هؤلاء المسلّحون عن واجبهم في حفظ الأمن بتوجيه من زعمائهم المحلّيّين الأغوات، وهاجموا حارة النّصارى في حيّ باب توما وحيّ باب شرقيّ. وانصبّ اهتمام هذه الفصائل على نهب الثّروات، وسرقة الممتلكات، وإحراق البيوت، وقتل السّكّان العزّل، فشكّلوا القوّة الضّاربة الّتي اقتحمت الأحياء المسيحيّة وأعملت فيها الخراب الواسع.
علاوة على مشاركة دروز جبل لبنان في إشعال شرارة الصّراع الأولى، انخرط دروز حوران ووادي التّيم في الأحداث المحيطة بمدينة دمشق. فهاجمت هذه المجموعات المسلّحة القرى المسيحيّة في غوطتي دمشق وريف دمشق، وقطعت طرق الهروب على النّاجين. واستغلّ بعض هؤلاء المسلّحين الفوضى العارمة داخل العاصمة، واقتحموا أسوار المدينة ليلتحقوا بالغوغاء والفصائل الكرديّة طمعاً في الغنائم والمشاركة في عمليّات النّهب المنظّمة.
اجتمعت هذه العناصر المسلّحة، من فصائل كرديّة متمرّدة، ومجموعات درزيّة وافدة من الأطراف، وغوغاء من سكّان أطراف دمشق، لتدمير الوجود المسيحيّ الكاثوليكيّ داخل السّور. وأسفر هذا التّحالف الدّامي، مدعوماً بتغاضي الحاكم العثمانيّ أحمد باشا بضغط من بريطانيا، عن إبادة آلاف الأبرياء، وتغيير التّركيبة السُّكّانيّة.

التّواطؤ البريطانيّ والخديعة الدّبلوماسيّة
ظهرت علاقة الحاكم العثمانيّ أحمد باشا ببريطانيا بوضوح إبّان أحداث شهر تمّوز يوليو عام 1860 م \ 1276 هـ، وتحديداً في تفاعله مع القنصل البريطانيّ في دمشق جيمس برانت James Brant.
في عزّ أحداث الحرب الأهليّة الشاميّة، احتفظ القنصل البريطانيّ بحرّيّة حركة نسبيّة خلافاً لباقي الدّبلوماسيّين الأجانب. وادّعى برانت أنّه وجّه نداءات عاجلة ومتكرّرة إلى أحمد باشا يطالبه فيها بالتّدخّل الفوريّ لوقف المذبحة، برغم أنّ برانت نفسه هو من ضغط على أحمد باشا لمنع حامية دمشق عن قمع المجزرة. ولتبرئه بريطانيا لاحقاً، ادّعى برانت تعمّد الوالي العثمانيّ تجاهل هذه المطالب الدّبلوماسيّة، ورفض تحريك جنوده النّظاميّين القابعين في قلعة دمشق، وترك الأحياء المسيحيّة تحترق وأهلها يُقتلون بلا أيّ حماية ملموسة.
زيادة في الخسّة؛ وثّقت المراسلات الدّبلوماسيّة البريطانيّة تقاعس أحمد باشا توثيقاً دقيقاً، ورفعت تقارير مفصّلة إلى العاصمة لندن حول “سلوكه المريب”، برغم أنّ هذا السّلوك كان أساساً تلبية لرغبة بريطانيا نفسها. فأكّدت هذه التّقارير البريطانيّة امتلاك الوالي قوّة عسكريّة كافية لردع الغوغاء، وأثارت شكوكاً عميقة حول تورّطه وتواطئه المباشر في تسهيل المذبحة لتصفية الحسابات الدّاخليّة.
أسهمت هذه المراسلات في تشكيل موقف دوليّ غاضب وموحّد ضدّ الإدارة العثمانيّة في العاصمة الشاميّة، بدلاً من صبّ الغضب الدّوليّ على المجرم الحقيقيّ: الإمبراطوريّة البريطانيّة. ثمّ إنّ غياب الأدلّة المكتوبة حول توجيه أحمد باشا لا ينفي حقيقة التّواطؤ، فصنّاع السّياسة الإمبراطوريّة يتركون توجيهاتهم الشّفهيّة للقناصل والعملاء دون توثيق رسميّ يدينهم لاحقاً.
يرجّح المؤرّخون أسباباً داخليّة بحتة تفسّر تقاعس أحمد باشا عن التّدخّل، بعيداً عن حقيقة الضّغط البريطانيّ. إذ عانى الوالي العثمانيّ من نقص حادّ في تمويل جنوده، وخشي من تمرّد حاميته العسكريّة إذا أمرهم بمواجهة الأهالي والفصائل المسلّحة المحلّيّة. ففضّل البقاء متحصّناً في قلعة دمشق لحماية نفسه ومقرّ حكمه، وترك المدينة تواجه مصيرها الدّامي. إلى جانب ذلك، تواطأت قيادات عسكريّة محلّيّة، مثل قادة قوّات الباشبوزوق الكرديّة، مع المهاجمين طمعاً في النّهب، ممّا أفقد أحمد باشا السّيطرة الفعليّة على مجريات الأحداث الميدانيّة.
وسط هذا التّخاذل الرسميّ والتّواطؤ البريطانيّ، تصدّت زعامات محلّيّة دمشقيّة وشخصيّات دينيّة ووجهاء لحماية المسيحيّين وإيقاف نزيف الدّم. إذ قاد الأمير عبد القادر الجزائريّ جهود الإنقاذ، وفتح قصره وقلعة دمشق لإيواء آلاف الهاربين، ونشر حرسه المغاربة لصدّ الفصائل المسلّحة والغوغاء.
ساندت الأمير مرجعيّات دينيّة واجتماعيّة بارزة، أمثال الشّيخ عبد الله الحلبيّ، ومفتي دمشق محمود أفندي حمزة، والشّيخ سليم العطّار، وعمر آغا العابد. وفتح هؤلاء الوجهاء بيوتهم وأملاكهم للمسيحيّين، ورفضوا الفتنة الطّائفيّة رفضاً قاطعاً انطلاقاً من مبادئ دينيّة وأخلاقيّة راسخة. وانضمّ وجهاء حيّ الميدان، وعلى رأسهم صالح آغا المهاينيّ، إلى هذه الجهود، وشكّلوا طوق حماية أوقف تمدّد المذبحة نحو أحيائهم حيث المسيحيّين السريان، ليثبتوا تماسك النّسيج الدّمشقيّ في وجه التّحريض الأجنبيّ.

التّدخّل العثمانيّ والبطش لاستعادة السّيطرة
امتداد المذابح يبدو نتاجاً لخطأ كارثيّ في الحسابات البريطانيّة. فالنّيران الّتي أُشعلت في الجبل بهدف إضعاف حلفاء فرنسا خرجت عن السّيطرة وأحرقت العاصمة الشّاميّة، ممّا وضع الإمبراطوريّة العثمانيّة على حافّة الانهيار التّامّ. هذا الانفلات أهدى ناپليون الثّالث Napoleon III الذّريعة الّتي كان ينتظرها لإرسال جيوشه بحجّة حماية الأقليّات المسيحيّة، وهو التّدخّل الّذي كانت لندن تسعى جاهدةً لتجنّبه للحفاظ على بقاء الدّولة العثمانيّة حاجزاً جيوسياسيّاً أمام التّمدّد الرّوسيّ والفرنسيّ.
سعت بريطانيا دائماً إلى تحجيم النّفوذ الفرنسيّ، وخشيت استغلال نابليون الثّالث للمذبحة لفرض احتلال عسكريّ فرنسيّ دائم. فدفع هذا التّخوّف الحكومة البريطانيّة إلى ممارسة ضغوط سياسيّة هائلة على الباب العالي في إسطنبول لفرض الأمن في مناطق النفوذ البريطاني وتطبيق عدالة سريعة وحاسمة، لحرمان فرنسا من أيّ ذريعة للبقاء العسكريّ الطّويل في الشام. بعدها بدأت الأكاذيب البريطانيّة للتّملّص من المسؤوليّة المباشرة عن المجزرة.
استجابت السّلطة العثمانيّة لهذا الضّغط بإرسال فؤاد باشا، وزير الخارجيّة العثمانيّ آنذاك، الّذي وصل إلى مدينة دمشق في أواخر عام 1860 م \ 1276 هـ مبعوثاً مزوّداً بصلاحيّات مطلقة واستثنائيّة.
جاء هذا التّحرّك السّريع لقطع الطّريق على التّدخّل العسكريّ غرب الأوروپيّ، ولإعادة فرض هيبة الدّولة العثمانيّة وبسط الأمن بعد الفوضى الدّامية. واتّخذ فؤاد باشا إجراءات صارمةً وقاسيةً جدّاً لردع المتورّطين. فأمر بشنق حاكم دمشق العثمانيّ أحمد باشا ومعه عدد من كبار الضّبّاط والمسؤولين.
جاء هذا الإعدام استجابة مباشرة للمطالب البريطانيّة والغربيّة بإنزال أشدّ العقوبات بالمسؤولين (كاتمي أسرار التحريض البريطاني). وأسفرت محاكماته الميدانيّة السّريعة عن إعدام مئات الأشخاص رمياً بالرّصاص أو شنقاً في السّاحات العامّة، ونفي مئات آخرين إلى منافي الإمبراطوريّة المختلفة مع مصادرة أملاكهم التّامّة.
فرض المبعوث العثمانيّ غرامات ماليّةً ضخمةً على أهالي دمشق لجمع التّعويضات وتوزيعها على العائلات المسيحيّة المتضرّرة. فصادرت السّلطات العثمانيّة وقتها الكثير من العقارات والمنازل والأموال لتغطية نفقات إعادة إعمار الأحياء المخرّبة. ورافق ذلك فرض تجنيد إلزاميّ صارم طال آلاف الشّبّان الدّمشقيّين، وأُرسلوا للخدمة العسكريّة في صفوف الجيش العثمانيّ في جبهات بعيدة.
أعاد فؤاد باشا هيكلة الإدارة المحلّيّة، وأمر بتنظيم سجلّات النّفوس، وعمل على تجريد الأهالي من الأسلحة. ورسّخت هذه الإجراءات الصّارمة سلطة مركزيّةً قويّةً، وأنهت حالة التّمرّد والفلتان الأمنيّ، ومهّدت الطّريق لتغييرات إداريّة وعمرانيّة غيّرت وجه دمشق للأبد.

نظام «أساس دفتري» ووهم «الخانة»
فرضت هذه الكوارث المتعاقبة واقعاً جديداً أجبر السّلطة العثمانيّة على التّحرّك السّريع. و تلخّص الهدف الرئيس من تجديد السّجلّات في حصر أعداد النّاجين بعد المذابح، وتوثيق الأملاك الّتي أُحرقت أو نُهبت لتنظيم شؤون الميراث ونقل الملكيّات للمستحقّين، وإعادة هيكلة تحصيل الضّرائب لتأمين التّعويضات الماليّة للمتضرّرين. كما فقدت السّجلّات القديمة قيمتها العمليّة تماماً بعد التّغيّرات الهائلة في أعداد النّفوس وتوزّعهم الجغرافيّ.
جدّدت الدّولة العثمانيّة سجلّات النّفوس، وأجرت أوّل إحصاء رسميّ لسكّان المنطقة عام 1861 م \ 1277 هـ، تزامناً مع اعتلاء السّلطان عبد العزيز العرش. وشمل هذا الإحصاء الأوّل الرّجال فقط، لكون ذكر أسماء النّساء أمراً مستهجناً اجتماعيّاً في تلك الحقبة. لاحقاً، طوّرت الإدارة العثمانيّة هذه السّجلّات ووسّعتها لتشمل الذّكور والإناث معاً. وعُرف هذا التّنظيم الإداريّ باسم «أساس دفتري»، وألغى الإشارة إلى الانتماءات العشائريّة أو القوميّة لتوحيد الرّعايا تحت مظلّة المواطنة العثمانيّة.
جاء محو هذه التّصنيفات من السّجلّات الرّسميّة استجابة لسياسة «العثمنة» الّتي سعت إلى صهر مكوّنات المجتمع في بوتقة سياسيّة واحدة. فقبل هذا التّنظيم، ارتبط الأفراد ارتباطاً وثيقاً بزعاماتهم العشائريّة أو انتماءاتهم الطّائفيّة وفق نظام الملل، ممّا منح شيوخ العشائر والأغوات نفوذاً واسعاً شكّل عائقاً حقيقيّاً أمام السّلطة المركزيّة. إذ هدف إلغاء الإشارات القوميّة والعشائريّة أساساً إلى تجريد الزّعامات المحلّيّة من سلطتها التّقليديّة، وتحويل الولاء من القبيلة أو القوميّة توجّهاً مباشراً نحو الدّولة.
وهذه أمثلةً تاريخيّةً ملموسةً توضّح كيفيّة إلغاء الإدارة العثمانيّة للإشارات العشائريّة والقوميّة في نظام «أساس دفتري»، وتطبيق سياسة «العثمنة» عمليّاً في سجلّات دمشق ومحيطها:
أوّلاً؛ استبدال الانتماء العشائريّ بالحيّ الجغرافيّ:
قبل هذا التّنظيم، دوّن الموظّفون العثمانيّون أسماء الأفراد مقرونةً بعشائرهم لتسهيل جباية الضّرائب الجماعيّة، وكتبوا قيوداً مثل «عشيرة الموالي» أو «طائفة الفضل». في نظام «أساس دفتري»، وأصبح التّسجيل مكانيّاً بحتاً يعتمد على المحلّة ورقم الخانة. فبدلاً من تدوين اسم الفرد بصيغة {محمّد بن أحمد من عشيرة عنزة}، سُجّل بصيغة {محمّد بن أحمد، خانة 15، حيّ الشّاغور البرّانيّ}، ممّا جرّد شيخ العشيرة من سلطته الإداريّة ووساطته بين الفرد والدّولة.
ثانياً؛ طمس التّسميات القوميّة والإثنيّة في أحياء دمشق:
طمست الإدارة التّسميات العشائريّة العربيّة في أحياء دمشق. فذابت التّسميات الخاصّة بالقبائل والعشائر العربيّة الّتي استقرّت في أحياء العاصمة الشّاميّة، وتحديداً في أحياء الغوطة الشرقية والغربية وحيّ الميدان الّذي شكّل بوّابة دمشق الجنوبيّة للبادية وحوران. فلم يعد أبناء هذه العشائر، كعشيرة العقيدات أو النّعيم الّذين سكنوا أطراف المدينة، يُصنّفون في الدّفاتر الرّسميّة بناءً على امتدادهم القبليّ أو بصفتهم «عرب الميدان».
أُدرج هؤلاء بصفتهم رعايا عثمانيّين يتبعون إداريّاً لقسم الميدان أو الشّاغور التّحتانيّ. وألغى النّظام أيّ تمايز عشائريّ في الوثائق، وساوى بينهم وباقي الدّمشقيّين تحت مظلّة المواطنة العثمانيّة الموحّدة. وانسحب الأمر ذاته على العائلات ذات الأصول المغاربيّة أو التركيّة أو الشّركسيّة، فألغى النّظام أيّ تمايز إثنيّ في الوثائق، وساوى بينهم وباقي الدّمشقيّين تحت مظلّة المواطنة العثمانيّة الموحّدة.
ثالثاً؛ تحويل البدو الرّحّل إلى سكّان نواحٍ وقرى:
شمل التّغيير القبائل البدويّة المحيطة بدمشق، وتزامن مع سياسة الإسكان الإجباريّ الّتي فرضتها الدّولة العثمانيّة لضبط الأمن. فمحت الدّفاتر الجديدة مصطلح «طائفة الرّحّل»، وأدرجت هؤلاء الأفراد ضمن قيود النّواحي والقرى الّتي أُجبروا على الاستقرار فيها في غوطة دمشق أو حوران. وهكذا غدا البدويّ مواطناً عثمانيّاً مرتبطاً بقطعة أرض زراعيّة محدّدة، وتلاشت الإشارة إلى قبيلته الأمّ في المعاملات الرّسميّة وسجلّات التّجنيد والنّفوس.
أتاح هذا الإجراء للإدارة العثمانيّة التّعامل مع السّكّان بصفتهم أفراداً متساوين قانونيّاً، ممّا سهّل فرض التّجنيد الإلزاميّ وجباية الضّرائب دون وساطة الكيانات العشائريّة الّتي استغلّت هذه التّصنيفات مراراً للتّهرّب من التزاماتها أو تأجيج الفتن الدّاخليّة. كما قطع هذا التّنظيم القانونيّ الطّريق أيضاً أمام القنصليّات الأوروپيّة الّتي دأبت على استغلال التّقسيمات القوميّة للتّدخّل في شؤون إيالة الشّام بحجّة حماية أقلّيّات بعينها، لتغدو الهُويّة العثمانيّة هي الرّابط الرّسميّ الوحيد المستند إليه إداريّاً.
سبب هذا التّجديد يعود إلى سعي الباب العالي لتنظيم شؤون الإدارة الحديثة وتطبيق إصلاحات تنظيميّة واسعة النّطاق. إذ احتاجت السّلطة المركزيّة إلى بيانات دقيقة لفرض الضّرائب وتحديد المكلّفين بأدائها. وأضافت الدّولة هدفاً عسكريّاً مهمّاً، وهو إحصاء الشّباب القادرين على أداء الخدمة العسكريّة الإلزاميّة لتزويد الجيش العثمانيّ بالمجنّدين.
بعد إلغاء أرقام السجلّات القديمة، بدأ التسجيل الجديد بالرقم 1 من وسط المدينة القديمة، ليسير بشكل حلزوني متوسّعاً إلى خارج الأسوار. فصار الساكن البعيد عن مركز دمشق القديمة بخانة ذات أرقام أكثر، والساكن في داخلها بخانة ذات أرقام أقل.
استدعت الضّرورة الشاميّة أيضاً توثيق الولادات والوفيّات وحالات الزّواج والطّلاق لحلّ النّزاعات المتعلّقة بقضايا الميراث، ممّا دفع السّلطات لاحقاً إلى تسجيل النّساء لضمان توزيع التّركات وتوثيق الحقوق المدنيّة. بناءً على ذلك، نظام “الخانة” ليس سوى إجراء إداريّ وتنظيميّ، والسّجلّات العثمانيّة الّتي يستند إليها دعاة الفرز الطّبقيّ تعود إلى أواخر القرن التّاسع عشر، أيّ بعد مئات السّنين من إعادة تشكيل التّركيبة السُّكّانيّة بالكامل.
يدّعي البعض دلالة رقم الخانة على أقدميّة السّكن ضمن الحيّ الواحد، عبر الزّعم أنّ الرّقم 1 يشير للقديم والرّقم 100 للوافد الجديد. غير أنّ الأدلّة الرّسميّة توضّح اعتماد النّظام الإداريّ عام 1861 م \ 1277 هـ ترقيماً مكانيّاً حلزونيّاً بدأ من وسط المدينة متوسّعاً نحو الخارج، وشمل المستأجرين أيضاً، ولا علاقة له بعمر الإقامة الزّمنيّة. فربط الأرقام الصّغيرة بأصالة تمتدّ لمئات السّنين، والأرقام الكبيرة بالوافدين الجدد، محاولة يائسة لترقيع وهم التّقسيم الطّبقيّ وإلباسه ثوباً مناطقيّاً يفتقر لأيّ سند في التّاريخ الإداريّ لمدينة دمشق.

النّزوح إلى القصّاع ونهاية الخرافة
الخوف العميق من تجدّد العنف، إضافة إلى الدّمار الواسع الّذي طال منازلهم ومصادر أرزاقهم داخل السّور، دفع العائلات المسيحيّة الدّمشقيّة العريقة إلى البحث عن ملاذ آمن خارج حدود المدينة القديمة. فأسّس هؤلاء حيّ القصّاع وامتدّوا نحو أحياء أخرى برّا السّور، ونقلوا معهم ثقلهم التّجاريّ والاجتماعيّ والمهنيّ إلى تلك المناطق الجديدة. هذا إلى جانب انتقال العديد من مسلميّ شرق دمشق للسكن في حيّ الميدان خارج السور.
هذا النّزوح الجماعيّ أسقط فعليّاً التّقسيم الطّبقيّ القائم على جغرافيا السّور؛ فالعائلات الأصيلة والغنّيّة وصاحبة التّأثير الاقتصاديّ، سواء من الجانب المسلم أو المسيحي، باتت تسكن خارج الأبواب السّبعة، ممّا أثبت مجدّداً هشاشة خرافة النّقاء الدّمشقيّ المرتبط حصراً بالسّكن داخل أسوار المدينة القديمة.
نجاح فرنسا في فرض وجودها العسكريّ في المشرق أجبر بريطانيا على قبول تسوية سياسيّة عاجلة لضمان انسحاب القوّات الفرنسيّة لاحقاً. وأثمرت هذه التّسوية نظام متصرّفيّة جبل لبنان عام 1861 م \ 1277 هـ، بضمانة أوروپيّة مشتركة. وتقسيم الشّام لاحقاً مغيّراً اسمها إلى ولايات سوريا وبيروت متضمّنة متصرّفيّات لبنان والقدس وماسحاً اسم الشّام عن الخريطة تماماً.
أسّس هذا النّظام الدّوليّ فعليّاً لمرحلة تدويل القضيّة السّوريّة، وجعل تدخّل القنصليّتين البريطانيّة والفرنسيّة في تفاصيل الإدارة المحلّيّة أمراً يوميّاَ. واستمرّت هذه الوصاية المبطّنة والمنافسة الشّرسة تتراكم حتّى سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة رسميّاً أواخر عام 1918 م \ 1337 هـ، لتُتوّج بتنفيذ اتّفاقيّة سايكس پيكو الّتي مزّقت سوريا التّاريخيّة (الشام وحلب) وفرضت الانتدابين الفرنسيّ والبريطانيّ رسميّاًّ.
وتكرّر النّهج ذاته في فلسطين أيّام الانتداب البريطاني، فوعدت بريطانيا العرب بالاستقلال وتأسيس دولة عربيّة في فلسطين مقابل ثورتهم على الدّولة العثمانيّة (إلى جانب وعودها للهاشميّين)، وأصدرت في الوقت نفسه وعد بلفور عام 1917 م \ 1335 هـ لدعم تأسيس وطن لليهود. وأفضى هذا التّناقض المتعمّد في الوعود إلى صدامات دامية، ممّا منح بريطانيا ذريعة لترسيخ وجودها العسكريّ والمدنيّ في المنطقة.
وفي جزيرة قبرص، استغلّت بريطانيا التّوتّرات بين القبارصة اليونانيّين المسيحيّين والقبارصة المسلمين للحفاظ على قواعدها العسكريّة، ودرّبت أفراداً من أقليّات اليونانيّين ضمن سلك الشّرطة لمواجهة حركات التّحرّر، فأرست جذوراً لانقسام الجزيرة المستمرّ حتّى اليوم.

تقارير القنصل جيمس برانت
أهمّ المصادر والمراجع التّاريخيّة الّتي توثّق المراسلات الدّبلوماسيّة البريطانيّة وتقارير القنصل جيمس برانت:
1. الأرشيف الوطنيّ البريطانيّ (سلسلة وزارة الخارجيّة FO 78)
تضمّ هذه السّلسلة الأرشيفيّة المحفوظة في لندن المراسلات الرّسميّة والسّرّيّة جميعها الّتي أرسلها القنصل جيمس برانت إلى السّفير البريطانيّ في إسطنبول هنري بولور، وإلى وزارة الخارجيّة البريطانيّة. المجلّدات الخاصّة بعام 1860 م \ 1276 هـ تحوي تقارير يوميّةً كتبها برانت إبّان المذبحة وبعدها، ودوّن فيها تفاصيل لقاءاته مع الوالي أحمد باشا. الرّجوع إلى هذه الوثائق الأوّليّة يكشف التّناقضات بين تحريض القنصل في مجالس دمشق الخاصّة، وبين محاولاته تبرئة نفسه وحكومته في التّقارير الرّسميّة المرفوعة إلى رؤسائه.
2. الأوراق البرلمانيّة البريطانيّة (پارليامنتري پيپرز)
طبعت الحكومة البريطانيّة مجلّدات ضخمةً تُعرف باسم الكتب الزّرقاء لعرضها على البرلمان البريطانيّ، وتحديداً المجلّد المعنون “المراسلات المتعلّقة بشؤون سوريا 1860 – 1861”. ويتيح هذا المصدر قراءة نصوص رسائل برانت ووزير الخارجيّة اللّورد جون راسل. حيث يبرّر برانت في هذه النّصوص موقفه، ويحمّل الإدارة العثمانيّة المسؤوليّة الكاملة، ويطالب بالقصاص العاجل لدرء التّدخّل العسكريّ الفرنسيّ، ممّا يؤكّد مساعي بريطانيا لتوجيه السّياسة العثمانيّة المحلّيّة.
3. كتاب “مناسبة للحرب: صراع أهليّ في لبنان ودمشق عام 1860”
ألّفت المؤرّخة ليلى طرزي فوّاز هذا الكتاب، وخصّصت فصولاً كاملةً لدراسة مجازر دمشق دراسةً تحليليّةً معمّقةً. ويفكّك الكتاب تقارير القنصل جيمس برانت، ويقارنها مع تقارير القناصل الآخرين، مثل القنصل الفرنسيّ أوتريمون، والقنصل الرّوسيّ ميكيف. ويفضح هذا التّقاطع الأرشيفيّ الأكاذيب الدّبلوماسيّة، ويوضّح تفاصيل الدّعم البريطانيّ للزّعامات الدّرزيّة، وكيفيّة تخلّي برانت عن مسؤوليّاته الأخلاقيّة لحماية مصالح إمبراطوريّته.
4. كتاب “سياسة التّدخّل في لبنان العثمانيّ 1830 – 1861”
يدرس المؤرّخ قيصر فرح في هذا المرجع التّاريخيّ سياسات التّدخّل الأجنبيّ في بلاد الشّام، مركّزاً تركيزاً شديداً على دور الشّبكات الدّبلوماسيّة البريطانيّة. يحلّل الكتاب دور القنصل ريچارد وود الّذي أسّس النّفوذ البريطانيّ، ثمّ يتابع أعمال خلفائه، ومنهم جيمس برانت. يناقش المؤرّخ في طيّات الكتاب تفاصيل الوعود السّياسيّة البريطانيّة للدّروز، والتّواطؤ المبطّن لإضعاف الوجود الفرنسيّ، استناداً إلى أرشيف وزارة الخارجيّة البريطانيّة.
5. بحوث المؤرّخ عبد الكريم رافق حول دمشق العثمانيّة
نشر المؤرّخ السّوريّ عبد الكريم رافق دراساتٍ عديدةً في التّركيبة الاجتماعيّة والسّياسيّة لمدينة دمشق إبّان العهد العثمانيّ، ودرس أحداث عام 1860 م \ 1276 هـ دراسةً رصينةً. وتكمن أهمّيّة بحوثه في دمجها بين سجلّات المحاكم الشّرعيّة المحلّيّة في دمشق، وبين المراسلات الأجنبيّة والتّقارير الدّبلوماسيّة للقناصل. ويقدّم هذا الدّمج رؤيةً متكاملةً تدحض الرّوايات الاستشراقيّة الّتي تبرّئ القوى الغربيّة، وتثبت التّأثير المدمّر للتّدخّل القنصليّ البريطانيّ في شؤون ولاية الشّام.
مصادر ومراجع
- كتاب مناسبة للحرب: صراع أهليّ في لبنان ودمشق عام 1860 م، تأليف ليلى طرزي فوّاز. https://www.goodreads.com/book/show/682040.An_Occasion_for_War
- كتاب سياسة التّدخّل في لبنان العثمانيّ 1830 – 1861 م، تأليف قيصر فرح. https://www.cambridge.org/core/journals/transactions-of-the-royal-historical-society/article/an-ottoman-arab-man-of-letters-and-the-meanings-of-empire-c-1860/31DB40B9AF412DF1DAC50158F48E9A7D
- بحث سجلّات النّفوس العثمانيّة مصدراً تاريخيّاً: سجلّ نفوس قرية الشّوبك نموذجاً، تأليف محمّد خريسات، مجلّة دراسات الجامعة الأردنيّة. https://archives.ju.edu.jo/index.php/jjha/article/download/780/777/1568
- بحث تملّك الأجانب للعقارات في الدّولة العثمانيّة: أنموذج بلاد الشّام، يوثّق أبحاث عبد الكريم رافق حول دمشق العثمانيّة، مؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلاميّ. https://al-furqan.com/ar/%D8%AA%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%85/
- وثائق الأوراق البرلمانيّة البريطانيّة: المراسلات المتعلّقة بشؤون سوريا 1860 – 1861 م، مطابع هاريسون، لندن. https://www.legal-tools.org/doc/ce092b/pdf/
- مقال سياسة علماء دمشق: أسئلة الإصلاح والهُويّة والعروبة خلال المرحلة العثمانيّة، مراجعة كتاب لتاريخ دمشق العثمانيّة، تلفزيون سوريا. https://www.syria.tv/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82-%D8%A3%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9
- مقال بعلبك في القرن 16: أكبر مدن لبنان، يستعرض السّجلّات العثمانيّة ونظام الخانة وتسجيل العزّاب والذّكور وتطوّر القيود الإداريّة، موقع مناطق نت. https://manateq.net/%D8%A8%D8%B9%D9%84%D8%A8%D9%83-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%B3-%D8%B9%D8%B4%D8%B1-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88/
- مقال دفاتر الأساس: أيّ معلومات تحويها السّجلّات الأساسيّة للإحصاء العثمانيّ وما الأسئلة البحثيّة المرافقة، منصّة أبحاث هيبوثيسس الأكاديميّة. https://ercloop.hypotheses.org/1520





اترك رد