طُلب منّي صناعة خريطة {الشّامات} حسب وصف {ابن عبد ربّه} على أساس أنّها دليل جغرافيّ يعتدّ به. وهو ما دفعني لمراجعة كتاب {العقد الفريد} مراجعة دقيقة … ويا لهول الأخطاء الفادحة الّتي فاجأتني فيه.
نصّ {ابن عبد ربّه} هذا يحمل تخبّطاً مكانيّاً جليّاً يؤكّد ابتعاده عن الممارسة الجغرافيّة الفعليّة، واعتماده المطلق على نصوص متفرّقة دون إدراك لواقعها المكانيّ. وبمراجعة أمّهات كتب الجغرافيا التّراثيّة المعتمدة، مثل {كتاب البلدان} لليعقوبيّ و{أحسن التّقاسيم في معرفة الأقاليم} للمقدسيّ، تتضّح التّناقضات الصّارخة في وصفه.
المشكلة هنا أنّ بعض اللّاعربيّين من القوميّين الأكراد والأمازيغ وغيرهم يعتدّون بنصوص {ابن عبد ربّه} على أنّها أدلّة جغرافيّة لا تُبزّ، وهي في الواقع تخاريف أوروپيّة من صنف الاستشراق الذّاتيّ وحكايات حكواتيّ المقاهي.

أديب قرطبة البعيد عن الميدان
{أبو عمر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسيّ} أديب وشاعر ومؤرّخ عاش في قرطبة، لكنّه ليس جغرافيّاً ولا رحّالة ولا مسّاحاً ولا مسافراً. وُلد سنة 246 هجريّة الموازية لسنة 860 ميلاديّة، وتوفّي في 18 جمادى الأولى 328 هجريّة الموافق لتاريخ 3 آذار مارس 940 ميلاديّة. نشأ في بيئة علم-دينية وتتلمذ على يد كبار مشايخ الأندلس، وأصبح من أبرز شعراء البلاط الأمويّ هناك، فنال حظوة كبيرة عند الأمراء، خاصّة {عبد الرّحمن النّاصر}.
اشتهر بكتابه {العقد الفريد}، وهو موسوعة ضخمة تضمّ مختارات من الشّعر والنّثر والتّاريخ والأخبار والخطب. وأراد {ابن عبد ربّه} بهذا الكتاب أن ينقل أدب المشرق إلى الأندلسيّين، فجمع فيه خلاصة التّراث العربيّ، ورتّب أبوابه على أسماء الجواهر كاللّؤلؤة والزّبرجدة والياقوتة، جاعلاً إيّاه أشبه بعقد ثمين. وإلى جانب النّثر، ترك ديواناً شعريّاً غلب عليه الغزل والوصف، لكنّه أُصيب بالفالج في أواخر أيّامه وانقطع في بيته حتّى وفاته.

تخبّطات مكانيّة وجغرافيّة فادحة
من تخبيصاته … زعم ابن عبد ربّه في النّصّ أنّ الخابور والبليخ ينبعان معاً من رأس العين، والحقيقة الجغرافيّة الميدانيّة تثبت خلاف ذلك، فالخابور ينبع من رأس العين، والبليخ ينبع من عين العروس قرب تلّ أبيض، والمسافة بينهما شاسعة.
وادّعى أيضاً أنّ نصيبين مدينة مطلّة على جبل الجوديّ، والصّواب أنّ جزيرة ابن عمر هي المطلّة عليه حصراً، ونصيبين تقع في سهل بعيد.
وذكر في زعمه أنّ الغور واليرموك يقعان بين فلسطين والأردنّ، والواقع الجغرافيّ يوضّح أنّ الغور يخترق الجندين طوليّاً، واليرموك يقع شماليّ الأردنّ.
نرى في الخريطة جليّاً حجم التّناقضات الّتي وقع فيها {ابن عبد ربّه}، ويقدّم النّصّ مادّةً بصريّةً قيّمةً تسلّط الضّوء على الفرق الشّاسع بين نقل الأدباء الرّكيك وضبط الجغرافيّين الميدانيّين. بمطابقة التّجسيد المستند إلى نصوص {العقد الفريد} مع نصوص {اليعقوبيّ} في {كتاب البلدان} و{المقدسيّ} في {أحسن التّقاسيم في معرفة الأقاليم}، تظهر الفروقات العميقة واضحةً.

التّباين الصّارخ بين الأدب والواقع الإداريّ
فيما يخصّ التّقسيم الإداريّ لبلاد الشّام، صوّر {العقد الفريد} جند دمشق باسم {الشّام الثّالثة الغوطة} كما زعم {ابن عبد ربّه}، جاعلاً الغوطة اسماً للإقليم ودمشق مدينةً تابعةً لها. ويرفض اليعقوبيّ والمقدسيّ هذا الطّرح رفضاً قاطعاً، ويؤكّدان أنّ التّسمية الإداريّة الصّحيحة هي {جند دمشق}، ويصنّفان الغوطة كورةً زراعيّةً تحيط بالمدينة، لا كياناً إداريّاً أمّاً.
الخطأ الجغرافيّ التّالي يظهر في الخريطة عند تمثيل {الشّام الثّانية} أي الأردنّ. رُسمت مدن الغور وبيسان ونهر اليرموك في مساحة فاصلة بناءً على زعم {ابن عبد ربّه} أنّها تقع بين فلسطين والأردنّ. تجاهل {ابن عبد ربّه} هنا تماماً أنّ بيسان كورة أساسيّة في صلب جند الأردنّ، ووصف الجغرافيّون الممارسون الغور امتداداً تضاريسيّاً يخترق الأجناد طوليّاً، ممّا ينفي ادّعاء {العقد الفريد} بوجودها حدوداً عرضيّةً ضيّقةً تفصل بين الأقاليم.
يظهر التّباين الإداريّ أيضاً في الشّمال الشّاميّ، فتمثيل الشّام الخامسة على الخريطة ضمّ قنّسرين وحلب وأنطاكيّة وطرسوس في كتلة واحدة. لكنّ {اليعقوبيّ} جغرافيّ الخلافة العبّاسيّة، المطّلع على دواوين الدّولة، يوضّح فصل منطقة العواصم والثّغور عن جند قنّسرين فصلاً إداريّاً تامّاً منذ عهد {هارون الرّشيد}، لتصبح أنطاكيّة وطرسوس إقليماً عسكريّاً مستقلاًّ لا يتبع قنّسرين كما توهّم الأديب الأندلسيّ، بل لا تتبع «الشّام» أبداً.

تشويه معالم إقليم الجزيرة الفراتيّة
في منطقة {الجزيرة العليا}، يجسّد {العقد الفريد} قمّة التّشويه المكانيّ. إذ تظهر منابع نهري الخابور والبليخ منطلقةً معاً من رأس العين التزاماً بالنّصّ المخطوط. غير أنّ {المقدسيّ} و{اليعقوبيّ} حدّدا منبع البليخ من منطقة عين العروس قرب الرّقّة، وفصلا بين حوضي النّهرين جغرافيّاً بمسافات شاسعة.
كذلك، تجسيد {العقد الفريد} لإقليم الجزيرة الشّاسع نقطةً واحدةً تطلّ على جبل الجوديّ بجوار زبطرة وملطيّة، يكشف جهل ابن عبد ربّه بالفرق بين إقليم {الجزيرة} الواسع ومدينة {جزيرة ابن عمر} الّتي تجاور ذلك الجبل حصراً.
هذا التّجسيد البصريّ الدّقيق للمخطوط يثبت صحّة المنهج التّحقيقيّ المتّبع، ويؤكّد ضرورة استبعاد نصوص الأدباء غير المختصّين عند دراسة التّاريخ الجغرافيّ للمنطقة.

العقد الفريد موسوعة أدبيّة لا مرجع جغرافيّ
يبقى أن أقول أنّ رفض كتاب العقد الفريد رفضاً مطلقاً ليس حكماً دقيقاً. الصّواب هو وضع الكتاب في خانته التّصنيفيّة الصّحيحة. الكتاب «موسوعة أدبيّة بحتة»، وليس مرجعاً جغرافيّاً أو تاريخيّاً موثّقاً.
يأتي الخلل الجغرافيّ والتّاريخيّ في نصوص {ابن عبد ربّه} من أسباب عدّة. أوّلها البعد المكانيّ، فالرّجل لم يغادر الأندلس طوال 78 عاماً عاشها، لم يسافر، واعتمد على نصوص غير محقّقة وصلت إليه من المشرق دون مراجعة جغرافيّتها من أهلها.
ثانيها المنهجيّة، فغايته كانت جمع النّوادر والأخبار الطّريفة لصناعة أدب المجالس، لا تدوين المسالك والممالك. لذلك، دمج التّقسيمات الرّومانيّة مع الإداريّة العربيّة الإسلاميّة، وحذف تفاصيل مكانيّة جوهريّة لمصلحة الإيقاع الأدبيّ.
في المقابل، يظلّ العقد الفريد مرجعاً أصيلاً في مجالات محدّدة. يصلح الكتاب للاستشهاد به في قضايا الأدب، وجمع الشّعر، والخطب، والأمثال العربيّة. إذ يوثّق الكتاب أيضاً طريقة استقبال الأندلسيّين لتراث المشرق، وكيفيّة فهمهم له في ذلك الزّمان.
المنهجيّة الصّارمة في البحث التّاريخيّ والجغرافيّ توجب استبعاد نصوص الأدباء عند تحقيق الأماكن والوقائع، والرّجوع حصراً إلى المصادر الأوّليّة الميدانيّة والمؤرّخين المختصّين. فنصوص {العقد الفريد} تصلح للاستئناس الأدبيّ، وتُرفض رفضاً باتّاً عند التّأصيل الجغرافيّ أو الإداريّ.

النّصّ الأصليّ من العقد الفريد
الآن، هذا نصّ {ابن عبد ربّه} المعلول مقتبس كما هو، وصنعت له خريطة لتوضيح حجم الأخطاء بصريّاً، لتجنّب تبنّي هذه الأغلاط؛ وليس دعماً لها.
[الشّامات]
أوّل حدّ الشّام من طريق مصر أمج، ثمّ غزّة، ثمّ الرّملة رملة فلسطين، ومدينتها العظمى فلسطين. وعسقلان، وبها بيت المقدس، وفلسطين هي الشّام الأولى.
ثمّ الشّام الثّانية وهي الأردنّ، ومدينتها العظمى طبريّة، وهي الّتي على شاطئ البحيرة، والغور واليرموك، وبيسان، فيما بين فلسطين والأردنّ.
ثمّ الشّام الثّالثة الغوطة، ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس ثمّ الشّام الرّابعة، وهي أرض حمص.
ثمّ الشّام الخامسة وهي قنّسرين، ومدينتها العظمى حيث السّلطان: حلب، وبين قنّسرين وحلب أربعة فراسخ، وساحلها أنطاكيّة، مدينة عظيمة على شاطئ البحر، في داخلها البساتين والأنهار والمزارع، وهي مدينة حبيب النّجّار، الّذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وبها مسجد ينسب إلى حبيب النّجّار.
ومن ثغور الشّام الخامسة: المصّيصة، وطرسوس، ونهرا جيحان وسيحان.
[الجزيرة]
ثمّ الجزيرة، وهي ما بين دجلة والفرات، وبها نهران يقال لهما الخابور والبليخ ومخرجهما من رأس العين، [وهي] مدينة عظيمة بالجزيرة في داخلها عين هي عنصر الخابور والبليخ، وعلى الخابور منازل ربيعة، وأكثرها نصارى وخوارج ونصيبين من الجزيرة، وهي مدينة عظيمة مطلة على جبل الجوديّ. والموصل من الجزيرة أيضاً.
والرّقّة وحرّان من الجزيرة أيضاً.
ومن ثغور الجزيرة في جهة عمّوريّة من أرض الرّوم: زبطرة وملطيّة. وفي جوف الفرات جزائر فيها مدن يقال لها عانة وعانات؛ وعلى شطّ الفرات ممّا يلي الجزيرة قرقيسيا، وممّا يلي الشّام: الرّحبة، رحبة مالك بن طوق.
انتهى الاقتباس.
هفوات كهذه تجعل الاعتماد على الأدباء في توثيق الجغرافيا أمراً محفوفاً بالمخاطر، وتثبت رجحان كفّة الرّحّالة والجغرافيّين الممارسين، أمثال اليعقوبيّ، في نقل الصّورة الإداريّة الصّحيحة.

في الختام
خلاصة القول، يظهر جليّاً حجم التّشويه الجغرافيّ والتّاريخيّ في نصّ العقد الفريد حين ابتدع الكاتب مقولة الشّامات الخمس. هذا التّقسيم الهجين خلط الأسماء الرّومانيّة القديمة للأقاليم مع نظام الأجناد الإداريّ الإسلاميّ، ليخرج لنا بخريطة وهميّة لا أصل لها في دواوين الخلافة ولا في سجلّات الجغرافيّين الميدانيّين.
تتجلّى ذروة هذا التّخبّط المكانيّ في دمج مدن كبرى مثل حلب وعمّوريّة بأقاليم لا تنتمي إليها إداريّاً في ذلك الزّمان. إذ جعل ابن عبد ربّه حلب جزءاً من شام خامسة مزعومة متجاهلاً استقلاليّة إقليم العواصم والثّغور، وأقحم عمّوريّة الرّوميّة ضمن ثغور الجزيرة العليا بطريقة تلغي المسافات الشّاسعة وتطمس الحدود السّياسيّة والطّبيعيّة طمساً كاملاً.
أمّا اختزاله إقليم الجزيرة العليا الممتدّ بين نهري دجلة والفرات بمدينة واحدة تقف بجوار جبل الجوديّ، فيؤكّد غياب التّصوّر المكانيّ السّليم لديه، ويبرهن أنّ نقل الأخبار دون معاينة أو تحقيق ينتج تشويهاً فادحاً. هذا التّخبّط يؤكّد النّتيجة الّتي توصّلنا إليها؛ نصوص الأدباء البعيدين عن الميدان تصلح للمجالس والأنس، وتسقط سقوطاً مريعاً عند الاحتجاج بها في ميادين التّاريخ والجغرافيا الرّصينة.
ووجب التّنويه ختاماً إلى أنّ تركيزي في هذه التّدوينة اقتصر على قسمي الشّامات والجزيرة حصراً، غير أنّ كتاب {العقد الفريد} بمجمله يعجّ بالأغلاط الجغرافيّة الفادحة في شتّى البقاع والأقاليم الأخرى، ولا يقتصر التّخبّط المكانيّ فيه على هذين القسمين البتّة.
مصادر ومراجع
- كتاب العقد الفريد: تأليف أبي عمر أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسيّ، وتحديداً أبواب كتاب الياقوتة الثّانية في تفاضل البلدان. وهو المرجعيّة الأساسيّة للنّصّ محلّ النّقد والدّراسة لتخبّطاته المكانيّة.
PDF: https://archive.org/details/aleqd-alfred/aleqd-alfred-01/mode/2up
للقراءة: https://shamela.ws/book/23789/2454 - كتاب البلدان: تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر اليعقوبيّ. للمقارنة الجغرافيّة الدّقيقة وإثبات التّقسيم الإداريّ الصّحيح للأجناد. https://shamela.ws/book/10808/2
- أحسن التّقاسيم في معرفة الأقاليم: تأليف محمّد بن أحمد المقدسيّ. لتحقيق المواضع المكانيّة ونفي التّقسيمات الرّومانيّة القديمة للأقاليم. https://shamela.ws/book/23696
- معجم البلدان: تأليف ياقوت بن عبد الله الحمويّ. للرّجوع إلى أصول مسمّيات المدن والقرى التّاريخيّة مثل عانات وجزيرة ابن عمر. https://shamela.ws/book/23735
- خريطة التّخبّط المكانيّ عند ابن عبد ربّه: مدوّنة البخاريّ، آب أغسطس 2026 ميلاديّة الموافق لشهر صفر 1448 هجريّة. صُمّمت تجسيداً بصريّاً للنّصّ المعلول لتوضيح الأخطاء الجغرافيّة.





اترك رد