تشهد الساحة الفكرية والسياسية اليوم محاولات مكشوفة لطمس الهوية العربية لعلماء الحضارة الإسلامية، وتبرز محاولة نسبة إمام النحاة سيبويه إلى القومية الفارسية كأحدث هذه المحاولات التزييفية. تسعى هذه الجهات الشعوبية إلى إنكار الإنجازات الحضارية العربية وترسيخ مفاهيم التفوق القومي الفارسي، متبعة منهج الدعاية السامانية والبويهية التي أسست أنظمتها على كراهية العرب وإثارة النعرات العنصرية.

هوية سيبويه العربية الأصيلة
تؤكّد المصادر التاريخية والتراجمية أنّ {أبا بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي البصري}، المعروف بلقب “سيبويه”، ينتمي إلى قبيلة بني الحارث بن كعب العربية العريقة. والده {عمرو بن عثمان} عربي بدوي أصيل من مواليد قرية البيضاء، إحدى القرى العربية التي كانت في منطقة فارس (شيراز المعاصرة)، حين كانت والدته تركية من أتراك شيراز وليست فارسية البتّة.
تنتسب قبيلة بني الحارث بن كعب إلى أعرق القبائل العربية القحطانية، فهي إحدى جمرات العرب الثلاث كما ذكر أبو عبيدة: “جمرات العرب في الجاهلية ثلاث: بنو ضبة بن أد، وبنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب”. اختلف النسّابون في نسبها الدقيق، لكنّ جمهورهم يردّها إما إلى الأزد أو إلى مذحج، وكلاهما من القبائل العربية القحطانية الأصيلة.
تاريخيّاً، سكنت قبيلة بني الحارث بن كعب منطقة نجران، وكانوا سادتها وملوكها في الجاهلية والإسلام. أسلمت القبيلة في السنة العاشرة للهجرة عندما وفد يزيد بن عبد المدان وأشراف القبيلة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد. وامتدّت هجرات هذه القبيلة إلى مناطق مختلفة، منها بلاد فارس، كما هو الحال مع قبائل الأزد التي انتشرت في أرجاء الجزيرة العربية وما جاورها بعد تصدع سد مأرب.

تاريخ الوجود العربي في بلاد فارس
التهجير القسري في العهد الساساني
لم يكن وجود العرب في بلاد فارس طارئاً أو حديثاً، بل يمتد إلى عصور قديمة سابقة للإسلام بقرون طويلة. تشير المصادر التاريخية إلى وجود عربي كثيف في منطقة مگان (عُمان الساسانية) التي شملت سلطنة عُمان المعاصرة والساحل الغربي للخليج العربي ومحافظة هرمزگان وميسان جنوب العراق، وكانت جميعها ديار طيء من العرب.
أطلق الساسانيّون تسمية “طاژيگ” على سكان سواحل الخليج العربي من العرب، وبخاصّة الأزد في منطقة مگان. وعندما ثارت عُمان وقبائل العرب على استيلاء الساسان على الحكم الأشكاني في القرن الرابع الميلادي، نفى الشاه شاپور الثاني سكّان القسم الشرقي من عُمان (هرمزگان) وهجّرهم إلى منطقتين رئيستين: مدينة عُمان نفسها، ومدينة بلخ في ولاية آريا على نهر المُرغاب في أفغانستان المعاصرة.
أدّى هذا التهجير القسري إلى انتشار العرب في مناطق بعيدة عن مواطنهم الأصلية، فتوسّعوا من بلخ وصارت لهم مناطق في آريا الشمالية (ما وراء النهر) التي تشمل اليوم أجزاء من طاجيكستان. كما نفى شاپور الثاني قبائل عربية أخرى: فأرسل بني بكر إلى مدينة كرمان وشمال ولايتها، ونفى بني حنظلة إلى ضواحي مدينة الأهواز، ونفى بني عبد القيس وبني تميم إلى جبال الحجر شرق عُمان.
التجمّعات العربية في مناطق فارس
بعد هذه الموجات من التهجير وإعادة التوطين، تكوّنت تجمّعات عربية كبيرة في مناطق مختلفة من بلاد فارس، بما في ذلك منطقة شيراز حيث وُلد سيبويه. لم تكن هذه التجمّعات مجرّد مستوطنات عابرة، بل مجتمّعات راسخة محافظة على هويّتها العربية ولغتها وتقاليدها القبلية.
قبيلة الأزد، التي ترتبط بها قبيلة بني الحارث بن كعب عند بعض النسابين، كانت من أكبر القبائل العربية المنتشرة في هذه المناطق. عُرفت الأزد بالفصاحة والبلاغة، فكانوا من أفصح الناس لساناً وأعذبهم بياناً، واعتمد علماء اللّغة على لهجاتهم في دراسة اللّسان العربي وتقعيد قواعده.
هذا التاريخ الطويل للوجود العربي في ما يسمّى بلاد فارس يفسّر وجود عائلات عربية عريقة مثل عائلة سيبويه في قرية البيضاء، ويؤكّد أنّ هذا الوجود لم يكن حدثاً طارئاً بل امتداداً طبيعيّاً لتاريخ عربي ممتدّ في المنطقة يسبق ولادة سيبويه بقرون عديدة.

مسيرة سيبويه العلمية والنحوية
النشأة الأولى وطلب العلم
وُلد سيبويه في قرية البيضاء عام 148 هجرية، وقدم إلى البصرة في صباه طالباً للعلم. بدأ مسيرته التعليمية بدراسة الفقه والحديث، لكنّه انصرف إلى تعلم اللّغة العربية والنحو بعد أن خطّأه {حماد بن سلمة} في إحدى المسائل النحوية. دفعه هذا الموقف إلى العزم على إتقان هذا العلم والتبحّر فيه.
أساتذة مدرسة البصرة النحوية
تتلمذ سيبويه على كبار علماء مدرسة البصرة النحوية، وفي مقدّمتهم العالم العربي {الخليل بن أحمد الفراهيدي} (100-170هـ)، من قبيلة فراهيد من الأزد العُمانية. أسّس الخليل علم العروض ووضع أوّل معجم للّغة العربية وهو كتاب “العين”، وكان الأستاذ الأكبر لسيبويه الذي أخذ عنه معظم نظريّاته النحوية.
درس سيبويه أيضاً على {يونس بن حبيب} (90-182هـ)، إحدى كبار نحاة البصرة وأئمّة اللّغة الذي أخذ عن {أبي عمرو بن العلاء}، ونقل عن الأعراب مباشرة. كما تتلمذ على {أبي الخطاب الأخفش الأكبر} من موالي قبيلة قيس بن ثعلبة، الإمام في اللّغة والنحو الذي تفرّد بألفاظ لغوية نقلها عن العرب، وعلى {عيسى بن عمر الثقفي}، رائد النحو في البصرة وصاحب كتابي “الجامع” و”الإكمال”.
خصائص المدرسة البصرية ومنهجها
تميّزت مدرسة البصرة النحوية بالدقّة والحيطة في وضع القواعد النحوية، والتشدّد في قبول الشواهد اللّغوية. لم تقبل إلّا ما جاء عن العرب الخُلص من القبائل الموثوقة مثل قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيّين. شكّلت هذه المدرسة الأساس الذي بُني عليه النحو العربي، وأصبح كتاب سيبويه دستور النحاة جميعاً من بصريّين وكوفيّين.

“الكتاب”: القرآن النحوي الخالد
ألف سيبويه كتابه العظيم في النحو، الذي اشتهر باسم “الكتاب” ولُقّب بـ”قرآن النحو”. هذا المؤلّف الفريد لم يُسبق إلى مثله ولم يُلحق به بعده، وعبّر عن مكانته {أبو العباس المبرّد} بقوله: “لم يُعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه، وذلك لأنّ الكتب المصنّفة في العلوم مضطرّة إلى غيرها، وكتاب سيبويه لا يحتاج من فهمه إلى غيره”.
يُعدّ هذا الكتاب أوّل مؤلّف منهجي شامل في النحو العربي، ومازال مرجعاً أساسيّاً للدارسين والباحثين حتّى اليوم. جمع فيه سيبويه خلاصة علوم مدرسة البصرة النحوية، ووضع الأسس النظرية والتطبيقية للنحو العربي بطريقة منهجية متقنة.

حقيقة لقب “سيبويه” ومعناه
يُعدّ “سيبويه” لقباً وليس اسماً، وهو اسم دلع نادته به والدته التركية فحافظ عليه عمرو حبّاً لها. ويتكوّن اللّقب من مقطعين:
- “سيٓب” (ساب) من الپهلوية 𐭠𐭩𐭰 ومعناها تفّاح، واستعملتها قبائل الأزد في لهجاتها كلمة معرّبة بدلاً من تفّاح،
- و”ويه” من العربية بلهجة الأزد ومعناها وجه. بإبدال الجيم ياء.
يصبح معنى “سيبويه” إذن “الوجه التفّاحي” أو “وجه التفّاح”، إشارة إلى جمال وجهه ونعومة خدّيه اللّذين كانا يشبهان التفّاح في لونهما ونضارتهما. يؤكّد هذا التفسير الطبيعة العربية لهذا اللّقب، الذي يجمع بين تأثير البيئة متعدّدة اللّغات والأصل العربي الأزدي للقبيلة.

تفنيد الادّعاءات الشعوبية
انتفاء الأصل الفارسي
لا يوجد في نسب سيبويه أي عنصر فارسي على الإطلاق. أبوه عربي من بني الحارث بن كعب، وأمّه تركية من أتراك شيراز، ولا يحوي نسبه أي عنصر فارسي. ولادته في ما يسمّى بلاد فارس لا تجعله فارسيّاً، تماماً كما لا يصبح المولود اليوم في الهند أو ألمانيا هندياً أو ألمانياً إذا كان والداه عربيّين. النسب والهوية يتحدّدان بالأصل الإثني والتراثي وليس بمكان الولادة فحسب.
الدوافع الحقيقية وراء التزييف
تأتي محاولات نسبة سيبويه إلى الفرس ضمن مشروع شعوبي أوسع يسعى إلى إنكار الإنجازات الحضارية للعرب وترسيخ مفاهيم التفوّق القومي الفارسي. تهدف هذه المحاولات اللاعربية إلى تشويه التاريخ الإسلامي والعربي وإثارة النعرات العنصرية بين الشعوب الإسلامية، متّبعة نهج الأنظمة التاريخية التي أسست شرعيّتها على كراهية العرب.
تسير هذه المحاولات على منوال الدعاية السامانية والبويهية التي استخدمت خطاب الكراهية العنصرية لتبرير سلطتها السياسية. وتستهدف هذه الحملات التزييفية إضعاف الهوية العربية والحضارة الإسلامية العربية، وإعادة تشكيل التاريخ وفق أجندات سياسية معاصرة.

الخلاصة: صون الحقيقة التاريخية
سيبويه عالم عربي عظيم من أصل عربي صريح، نشأ في بيئة عربية مسلمة، وتعلّم من أساتذة عرب، وألّف في خدمة اللّغة العربية. محاولات نسبته إلى غير العرب محاولات تزييفية لا تستند إلى دليل تاريخي صحيح، بل تنبع من دوافع سياسية وقومية معاصرة.
الحضارة الإسلامية حضارة متنوّعة الإثنيّات والأجناس، وقد ساهمت فيها شعوب مختلفة بإنجازات عظيمة. لكنّ الدفاع عن الحقيقة التاريخية ضدّ محاولات التزييف والتشويه يبقى واجباً علميّاً وأخلاقياً. العبرة الحقيقية ليست في الأصول “العرقية”، فالإسلام دين المساواة بين البشر، لكنّ العبرة في الحفاظ على الدقّة التاريخية وصون التراث من محاولات التحريف السياسي.
سيبويه يبقى في ذاكرة التاريخ كما هو: العربي إمام النحاة الأصيل الذي خدم العربية وأعلى شأنها، ووضع الأسس العلمية لعلم النحو العربي. هذه حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى مزيد من البرهان لمن أراد الصدق والدقّة في دراسة التاريخ.
المصادر والمراجع
- الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت. 463هـ). تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام. تحقيق: بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1422هـ-2002م، 17 مجلد.
- ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله (ت. 626هـ). معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب. تحقيق: إحسان عباس. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993م، 7 مجلدات.
- الأنباري، أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد (ت. 577هـ). نزهة الألباء في طبقات الأدباء. تحقيق: إبراهيم السامرائي. بغداد: مكتبة الأندلس، 1959م.
- الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت. 817هـ). البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة. تحقيق: محمد المصري. الكويت: جمعية إحياء التراث الإسلامي، 2000م.
- ابن الكلبي، هشام بن محمد (ت. 204هـ). جمهرة النسب. تحقيق: محمود فردوس العظم. دمشق: دار اليقظة العربية، 1986م.
- ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد (ت. 456هـ). جمهرة أنساب العرب. تحقيق: عبد السلام هارون. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الخامسة، 1982م.
- القلقشندي، أحمد بن علي (ت. 821هـ). نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب. تحقيق: إبراهيم الإبياري. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1980م.
- كحالة، عمر رضا. معجم قبائل العرب القديمة والحديثة. بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1997م، 3 مجلدات.
- سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي (ت. 180هـ). الكتاب. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، الطبعة الثالثة، 1408هـ-1988م، 4 مجلدات.
- الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 170هـ). كتاب العين. تحقيق: د. مهدي المخزومي و د. إبراهيم السامرائي. بغداد: دار ومكتبة الهلال، 8 مجلدات.
- السيرافي، أبو سعيد الحسن بن عبد الله (ت. 368هـ). شرح كتاب سيبويه. تحقيق: أحمد حسن مهدلي وعلي سيد علي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2008م، 5 مجلدات.
- الطبري، محمد بن جرير (ت. 310هـ). تاريخ الرسل والملوك. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1967م.
- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت. 808هـ). كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر. تحقيق: خليل شحادة. بيروت: دار الفكر، 2001م، 8 مجلدات.
- الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله (ت. 430هـ). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، 1985م، 10 مجلدات.
- الحكمي، عبد الله بن علي (ت. 1400هـ). تاريخ المخلاف السليماني. الرياض: دار الوطن، 1993م.
- الزركلي، خير الدين. الأعلام. بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة، 2002م، 8 مجلدات.
- الهمداني، أبو محمد الحسن بن أحمد (ت. 334هـ). صفة جزيرة العرب. تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي. صنعاء: مكتبة الإرشاد، 1990م.
- ضيف، شوقي. المدارس النحوية. القاهرة: دار المعارف، الطبعة السابعة، 1968م.
- الجواري، أحمد عبد الستار. نحو التيسير: دراسة ونقد منهجي. بغداد: مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1984م.
- نصار، حسين. نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1968م.
- فؤاد، عبد المقصود محمد. تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب. الكويت: عالم المعرفة، 1986م.
- البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز (ت. 487هـ). معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع. تحقيق: مصطفى السقا. بيروت: عالم الكتب، 1983م، 4 مجلدات.
- الحميري، محمد بن عبد المنعم (ت. 900هـ). الروض المعطار في خبر الأقطار. تحقيق: إحسان عباس. بيروت: مكتبة لبنان، الطبعة الثانية، 1984م.
- بروكلمان، كارل. تاريخ الأدب العربي. ترجمة: عبد الحليم النجار. القاهرة: دار المعارف، 1977م، 6 مجلدات.
- سيزگين، فؤاد. تاريخ التراث العربي. ترجمة: محمود فهمي حجازي. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1983م، المجلد الثامن (النحو).
- العدواني، يحيى بن علي. “قبيلة بني الحارث بن كعب: دراسة تاريخية وأنثروپولوجية”. مجلة الدراسات التاريخية، العدد 15، 2010م، ص 45-78.
- البراقي، محمد حسين. تاريخ الكوفة. النجف: منشورات المكتبة الحيدرية، 1960م.
- الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل (ت. 550هـ). التعريف بالأنساب والتنويه بذوي الأحساب. تحقيق: عبد الله كنون. الرباط: دار الثقافة، 1984م.





اترك رد