تشتهر مصر بإنتاج البطارخ عالية الجودة، والتي تُعد من الأطعمة الفاخرة في المطبخ المصري والعالمي. تُصنع البطارخ المصرية تقليديّاً من بيض سمك البوري، الذي يُصطاد في مياه البحر المتوسط وبحيرة البرلس.
تسمية بطارخ بمعنى بيض سمك البوري المجفّف بالملح. من القبطية {پِطَرِخيُن} ⲡⲓⲧⲁⲣⲓⲭⲓⲟⲛ. من العربية {طِرِّيخ}، وهو الاسم العربي القديم لسمك بحيرة {وان} شرق تركيا المعاصرة. من الأرمنية القديمة {طَريخ} տարեխ، اسم سمك بحيرة {وان}. وعن الأرمنية خرجت كذلك الكلمة الإغريقية القديمة {طارِيخُس} τάριχος. بمعنى سمك مملّح. وحين استورد المصريّون قديماً منتجات أسماك بحيرة {وان} مجفّفة وصفوها بقولهم {بُطَارِخ}.
قديماً، استوردت كل بلاد الشرق الأوسط والبلقان أسماك بحيرة {وان} ومنتجاتها مجفّفة بالملح. ثمّ صار اسم هذه المنتجات {طَريخ} كلمة تشير إلى أي سمك مملّح في لغات كلّ الشعوب التي استهلكت هذه المنتجات، في الأناضول والبلقان ومصر على السواء.
مع الزمن، تحوّلت كلمة {طريخ} في مصر لتشير إلى السمك الصغير المعالج بالملح، وكلمة {بطارخ} في مصر وعموم شمال أفريقيا للتخصّص أكثر في وسم بيض السمك المملّح، وبالأخص البوري… إذ صدّرت مصر هذا المنتج إلى كل البلاد المتوسّطية بلا استثناء.
في نفس الوقت تحوّلت كلمة {تيريخوس} τᾰ́ρῑχος الإغريقية لتشمل في معانيها أي لحم مجفّف بالملح أو مخلّل أو مقدّد أو مدخّن وخاصّة إذا كان سمك مجفّف بالتدخين.
تبدأ عملية إنتاج البطارخ المصرية باصطياد أسماك البوري الإناث خلال موسم تكاثرها. يستخرج الصيادون بيض السمك بعناية فائقة، ثم يُنقل إلى ورش تصنيع البطارخ. تُغسل أكياس البيض جيّداً لإزالة أي شوائب أو دماء عالقة بها.

بعد التنظيف، تُملح أكياس البيض بكمية وفيرة من الملح البحري النقي. يستمر التمليح لعدة ساعات، مما يساعد على إزالة الرطوبة الزائدة وحفظ البيض. ثم تُغسل أكياس البيض مرة أخرى لإزالة الملح الزائد.

تُضغط أكياس البيض المملحة بين ألواح خشبية ثقيلة لتسطيحها وإعطائها شكلها المميز. تستمر عملية الضغط لعدة أيام، مع تغيير الألواح بانتظام لضمان التجفيف المتساوي.

بعد الانتهاء من الضغط، تُعلق أكياس البيض في الهواء الطلق لتجف طبيعياً. تستغرق عملية التجفيف عدة أسابيع، وتعتمد على الظروف الجوية. خلال هذه الفترة، يقوم الحرفيون بتقليب البطارخ بانتظام لضمان تجفيف متساوٍ.
عندما تجف البطارخ تمامًا، تُغمس في شمع العسل الذائب. يشكل الشمع طبقة واقية تحافظ على جودة البطارخ وتطيل مدة صلاحيتها. بعد تجمد الشمع، تصبح البطارخ جاهزة للاستهلاك أو التخزين.

تتميز البطارخ المصرية بلونها البرتقالي الداكن ونكهتها القوية المالحة. يفضل تناولها مقطعة إلى شرائح رقيقة، وغالباً ما تُقدّم كمقبلات مع زيت الزيتون واللّيمون وشرائح الخبز الرقيق المحمص.





اترك رد