ما أن يعلم قريبك عن وجودك في أوزبكستان وأنت القادم من ديار الحرمين الشريفين، حتى يترك أعماله ومشاغله ويتفرغ لشرف خدمتك ، وهذه الأخلاق والسجايا من الخصال الحميدة الجميلة عند الناس ، ولعل التربية في الأسرة وعادات المجتمع صقلت من شخصياتهم ، فغدت متعاونة تحب مساعدة الغريب والضيف.
لقد كان الحكم السوفيتي يغلب عليه النظرة المادية البحتة للحياة، إلا أنها لم تستطع محو الخصال والأخلاق الطيبة لدي النفوس، لقد كان المجتمع الأوزبكي وقتها- في بداية التسعينات- قد خرج للتو من الحكم السوفييتي وكان بعيد في مجمله عن شعائر الدين كالمحافظة على الصلوات وصيام رمضان والإلتزام بالحجاب، ولكن ما حيرني إنتشار مظاهر الصدق والأمانة وإكرام الضيف وتبجيل الكبير والعالم والتفاني في خدمة الغريب.
لقد كانت الأنانية الفردية تكاد تكون معدومة فيهم بعكس المجتمعات العربية والتي هي أقرب للإسلام وأعمق في معرفة أوامره ، وإني لأعزو ذلك إلى التربية في البيت وإلى النظام الشيوعي –الإشتراكي الذي كان أيضا يحارب الأنانية الفردية وأعتبرها من الأفكار الرأسماليةالهدامة السامة .
في أوائل يناير 1994 أصطحبني أحد أقربائنا لزيارة قريتهم التي تسمى “بوز” وهي ناحية من نواحي ولاية أنديجان كبرى مدن وادي فرغانة،بينما بقي والدي في طشقند محبذين المكان الدافئ حيث تتوفر الخدمات من ماء حار وماء بارد وتدفئة مركزية وغاز وكهرباء، على السفر في وسط تلك الأجواء التي قاربت الصقيع .
سافرت مع قريبي بالقطار وكان يمر وقتها عبر مدينة خوجند أو لينين آباد- كما كانت تسمى في عهد السوفييت – في طاجيكستان المجاورة لأن الجبال الشاهقة التي تفصل ما بين طشقند ووادي فرغانة كانت تقف حائلا لعبور القطار ، ناهيك عن خطورة السفر بالسيارة في وسط الثلوج وما قد يصاحبها من إغلاق للطريق بسبب الإنهيارات الثلجية المميتة.
بعد أن وصل القطار مدينة خوجند صعد القاطرة رجال الأمن الطاجيك وألقوا نظرة سريعة علينا ولم يسألوا عن أوراق أو جوازات ثم عادوا أدراجهم ، بينما واصل القطار طريقه حتى دخلنا أوزبكستان مرة أخرى عبر قوقند التي كانت عاصمة بلاد فرغانة وتركستان حتى عام 1883 ثم وقعت بيد الروس القياصرة، بعد مدة توقف القطار في مدينة مرغلان وهي بلدة أمي فجاشت نفسي إليها مغمورة بمشاعر وأحاسيس جياشة.
أخبرني قريبي أننا سنذهب مشيا إلى محطة الحافلات القريبة ونستقل من هناك حافلة إلى قريتهم، سرنا مسافة أكثر من كيلو مترين تقريبا في وسط جو بارد صقيع وأنا أتبع قريبي متسائلا في نفسي متى سنصل تلك المحطة “القريبة ” كما ادّعى ، كان قريبي يدرك ضجري بسبب سيرنا الطويل فكان يقوم ويلاطفني بالكلام بين الحين والآخر.
وصلنا المحطة وكنت أعتقد أنها مبنى مغطى دافئ أجد فيه بعض المشروبات الساخنة، ولكنها كانت موقف حافلات في طريق عام والرياح الباردة تصفع الوجوه، ووقتها فهمت لماذا اختار والدي البقاء في طشقند.
وقفنا مع مجموعة أخرى من المسافرين من رجال ونساء والكل يرتدي المعاطف الصوفية الثقيلة والقبعات ذات الإيحاء السوفييتي، فوقتها لم تكن موديلات الملابس العالمية قد دخلت أوزبكستان.
وصلت حافلة سوفيتية الصنع من ماركة LAZ695 وبعد مسافة نصف ساعة تقريبا وصلنا قرية قريبي وكانت الحياة فيها هادئة والضباب الكثيف يغطي المكان، والأعمال فيها متوقفة بسبب الشتاء، في المساء وبعد العشاء فرشت قريبتي فراشي وكان مكونا من طبقات من الفراش القطني ويسمى Kurpacha وأغطية ثقيلة تقيني من البرد ، كما أحضر إبنها مدفأة كهربائية ووعاء فيه ماء وعندما سألت عن السبب عرفت أن المدفأة الكهربائية تسبب جفافا في هواء الغرفة مما يؤدي إلى الشعور بآلام في الحلق والأنف مما يجعلهم يضعون الماء حتى يرطب هواء الغرفة.
في الصباح كان الفطور مكونا من خبز ومكسرات مثل الجوز واللوز والزبيب والعسل والقشطة الطبيعية والشاي الأخضر الدافئ، وكل هذه الأطعمة من إنتاجهم ، عدا الشاي و السكر ، فهم في النادر ما يشترون من الخارج ، وهذا هو أسلوب حياة معظم أهل القرى في أوزبكستان، ففي كل بيت يوجد مزرعة خاصة بالأسرة، يزرع فيها أنواع الخضروات ، كما توجد في أطراف البيت أشجار فواكه ومكسرات وخاصة الجوز واللوز والعنب ، ويكفيك في الصباح قطع من الجوز والزبيب والخبز لكي تشعر بطاقة ودفء طوال اليوم.
في الخريف تحضر النساء في برطمانات زجاجية يسمونها Banka وهي مثل المخللات في البلاد العربية ، إلا أنها ليست مالحة ، حيث تطبخ الخضروات كالخيار والطماطم والفلفل الرومي مع إضافة قليل من الزيت والثوم والملح والفلفل الأسود في قدر كبير ، ثم توضع بعد أن تبرد في البرطمانات الزجاجية، ثم تقفل بإحكام حتى يستفاد منها في الشتاء حيث تختفي الخضروات تقريبا، ويوجد أسفل كل بيت سرداب تحفظ فيه الأوعية الزجاجية والأطعمة ويكون هذا المكان باردا حتى في الصيف.
من عادات الأوزبك أيضا تناول الشوربة أولاً ثم تناول أي طعام دسم آخر معها في الغداء أو العشاء ولاحظت كثرة استخدامهم للملح وقد يعود ذلك لقلة مادة اليود حيث تفتقر أوزبكستان وباقي الجمهوريات إلى البحار.
الشعب مضياف جدا ولسفرة الطعام قدسيتها ومكانتها، فلا ترفع بعد الأكل بل تبقى مفروشة طوال اليوم، فبعد تناول الطعام يأخذون الأطباق الفارغة ويزيل كل شخص فتات الخبز أو قشور المكسرات والفواكه من أمامه ، ثم يستمر تجاذب أطراف الحديث وشرب الشاي الأخضر وهو الشائع في وادي فرغانة بعكس طشقند حيث يشربون الشاي الأحمر أو الأسود كما يسمونه.
بعد أن قضيت يومين في بيت ابنة عمي ، قررت زيارة مدينة نمنكان حيث يسكن فيها عمي وكان وقتها قد قارب الثمانين عاما، لقد هاجر أبي منذ أن كان في الرابعة من عمره بينما بقي أخوه وكان في الثانية عشرة في بلدتنا كاسان ينتظر أبيه المسجون ، ولم يلتق والدي بعمي إلا بعد مرور أكثر من خمسين عاما و تلك قصة أخرى .
كنت أشاهد في الطريق الحقول الشاسعة الجرادء بسبب الشتاء وقد مدت مد البصر ، عدا مجموعات من الغربان تحاول التقاط الديدان وبقايا البذور، وفوق الاعمدة الكهربائية الشاهقة رأيت أعشاش طائر اللقلق وهي فارغة بعد هاجرت إلى غرب بلاد الهند والسند الدافئة ، حيث لا تعود إلا في الربيع القادم، ولهذا الطير مكانة خاصة عند سكان آسيا الوسطى فلا يؤذونه ولا يخربون اعشاشه.
وصلت نمنكان المدينة التي خرج منها الكثير من العلماء ، كان بيت عمي عند سكة الحديد في ممر ضيق في حي شعبي قديم وعلى جدار البيوت كنت أشاهد أنابيب الغاز الصفراء الموصلة الى داخل كل بيت
.
بعد تناول العشاء خرجت أريد دورة المياة ويسمونها (خلاء) بلهجتهم وهذه الكلمة لا تستخدم في طشقند، وعندما مررت بجانب المطبخ جذبني منظر النار المشتعلة في الموقد دون وجود أي وعاء أو قدر عليه فلم أعط للأمر أهمية ، ولكن في الصباح شاهدت نفس المنظرـ، فتساءلت عن الغاز المشتعل هذا، ولماذا لم يطفأ بعد الإستخدام ؟ فضحك إبن عمي من السؤال وأجاب بأن الناس يستخسرون عود الثقاب في اشعال الغاز كل مرة!
كانت هذه الإجابة صاعقة بالنسبة لي حيث لم أسمع في حياتي أن يظل الغاز مشتعلا طوال الليل حتى لا تهدر ثقاب الكبريت ! وقتها شعرت كيف أن النظام الشيوعي الإشتراكي وفر الخدمات لمواطنيه ولكن في نفس الوقت قتل فيهم روح المسؤولية .
ينهض أهل البيت وبما فيهم الأطفال مبكرا مع الفجر وينصرف كل الى عمله، بينما تقوم النساء بكنس فناء البيت والشارع المقابل امام الباب ، فالشعب الأوزبكي يهتم جدا بالنظافة ، كان عمي في الثمانين من عمره ولكن قوامه ونشاطه يدلان أنه لا زال في الأربعين ، تزوج آخر زوجاته وهو في السادسة والسبعين من عمره بينما هي في الخامسة والثلاثين ولم يمر عام على زواجه حتى أنجب منها طفلة !
كان طعامه طبيعيا حيث يكثر من العسل والثوم والمكسرات وكل ليلة كنت أشاهده يضع حبات من المشمش المجفف في وعاء ويصب عليها الماء المغلي وفي الصباح يشربها على الريق لأنها تفيد القلب كما كان يقول ، وكان يحكي لي حكاياته التي لا تنتهي ، فقد شارك في الحرب العالمية الثانية ووقع في أسر الألمان ولولا درايته في الطبخ لكان من المعدومين ، كنت أساله عن سر نشاطه وقوته فكان يقول أنه كان يمشي من نمنكان إلى كاسان –البلدة التي ننسب إليها – مسافة 25 كم ، وأنه لم يدخن قط في حياته وكان كثير الحركة ، يكره الكسل والجلوس ، وكانت من عادته أن يلعق الصحن بعد الأكل ويقول أنها من السنة النبوية وفيها البركة، كان عمي قنوعا وبسيطا جدا ولم تفارق كلمة “الحمدلله” لسانه، لقد كان يعنيها قلبا وقالبا، وهذا هو سبب بلوغه المائة من العمر حسبما أعتقد.
بعد أن تمضي فترة في وسط هؤلاء ، تشعر أنهم بعيدون عن الحياة الصاخبة المدنية ، إلا أنهم أكثر راحة وسعادة ، ترى البساطة في حياتهم وفي نظراتهم لها ، معتقدا أنهم عرفوا سر السعادة في الحياة !





اترك رد