كانت شقتنا تقع في وسط طشقند وكان معظم سكانها من الروس والتتار والكوريين وبعض اليهود والأوزبك المتمدنين من ذوي أصحاب الدراسات العليا ، بني هذا الحي في بدايات السبعينات بعد زلزال عام ١٩٦٦، وبيوتها من الطابوق على الأغلب لتحمي سكانها من حر الصيف وبرد الشتاء وبشوارع نظيفة وفي جوانبها أشجار البلوط العالية التي تصل ارتفاع بعضها إلى الأدوار العليا ، حتى أن أصحاب الدور الأرضي كانوا لا يشعرون بحرارة الصيف بسبب كثافة تلك الأشجار.
لم أكن أجيد الروسية وقتها وبدت لي لغة صعبة وسريعة جدا ، إلا أن هذا الحي ومعظم الأجزاء الأوروبية من طشقند كان يجبرك على تعلمها وإلا لكنت تعاني الأمرين حتى في صالون الحلاقة.
لقد كانت طشقند وقتها تبدو كمدينة من مدن أوروبا الشرقية ، بعكس الأجزاء القديمة “ايسكي شهر” حيث تسمع الجميع يتحدث الأوزبكية بلهجة طشقندية قحة.
في مساء ذلك اليوم من نوفمبر عام ١٩٩٣ جاءت إحدى جاراتنا ودعوتنا لحفل زفاف أبنتها ، ذهبت مع والدتي والتي من ملامحمها لا تختلف البتة عن السكان المحليين إلا أن طريقة لبسها للحجاب وغطاء الرأس كان يبدو ملفتا أو إذا تحدثت مستخدمة مصطلحات عربية غير مفهومة عندهم كأسماء المخترعات الحديثة فهم يستخدمون المصطلحات الروسية فنحن مثلا نقول عن السيارة كما هي في العربية ولكن الأوزبك يستخدمون كلمة “ماشينا” الروسية.
كانت حفلات الزفاف في السابق تقام بين الأحياء فلا وجود وقتها لقاعات الزفاف الفاخرة كما هو في يومنا الحاضر ، وكان جميع سكان الحي يتعاونون في إعدادها، فهذا يجلب الكراسي وذاك يتكفل بالطاولات والشبان يجتمعون منذ الصباح لتقطيع الجزر والآخرون تراهم يمددون أسلاك الكهرباء والإضاءة.
كان الحفل صاخبا والناس يجلسون على الطاولات الممددة المزينة بشتى أنواع الأطعمة والمشروبات فالأوزبك كباقي الشعوب العربية والشرقية يتباهون ويبذخون في حفلاتهم، كيف لا وهي تقام مرة واحدة في العمر، وكلما كان عدد الحضور كبيرا كان مدعاة فخر وتباهي بعكس الروس والأوربيون الذين لا يتعد عدد الحضور في حفلاتهم عن العشرين أو الثلاثين ، إلا أن المتفق عليه كان الحضور الطاغي للمشروبات الكحولية .
كان العروسان يجلسان في صدر الشارع وخلفهما حاجز غطي بسجادة حمراء زاهية اللون مع دائرتين تجهز عادة من القطن وفي وسطها عبارة “بختلي بولين” ومعناها “نتمنى لكما السعادة” ، جلست في إحدى الطاولات ولم أكن ملفتا للنظر فالملامح هي نفس ملامح الأهالي ، اقترب والد العروس وعرفني بالجالسين ووقتها بدأت في لفت نظرهم . كان الشراب قد أخذ في الحاضرين وأصبحت الحمرة تعلو الوجوه والضحكات تتعالى من الجالسين خلفي ومن أمامي.
كنت في صغري أسمع عن أن المشروب يكون مفعوله شديدا مفقدا الشارب عقله، وكيف أنه يبدأ في الإعتداء، ولكن حالة هولاء لم تكن توحي بذلك بل نشوة وضحك.
التفت إلي الجالس جنبي وقال:
” أنت ضيف عزيز علينا ونحن نكرم الضيوف” وهم كذلك بالفعل، ثم أخذ القنينة وفتح غطائها ثم صب لي بعض الفودكا الروسية ثم قال منتشيا:
” هيا لنشرب نخب التعارف ..لنشرب هذا النخب حتى ينعم الزوجان بالسعادة ”
نظرت إليه وأعتذرت بلطف أني لا أشرب الكحول ، وقتها اتسعت نظراته متعجبا:
” كيف لا تشرب ؟ هذه إهانة لي أيها الضيف الكريم !”
لم أعرف بم أرد وعلمت أني وقعت في ورطة مع هولاء المنتشون ، كان معظم الحاضرين قد شربوا وبدأ مفعول الشراب عليهم !
وبينما أنا أحاول جاهدا رد هذا اللطف والكرم من هذا النبيل الكريم انتبه صاحب العرس وكان يعرف أننا قد أتينا من بيئة مختلفة، فتدخل وقال لمن جنبي بلطف:
“أنه لا يستطيع الشرب يا رجل ! إنه مصاب بقرحة في المعدة !”
نظر الرجل النبيل الكريم وقال:
” طبعا في هذه الحالة لا أستطيع أرغامك يا صديقي ولكني سعيد بالتعرف عليك ! ولكنك أهنتني يارجل !”
ابتسمت له وشكرت له دعوته واستمتعت بعدها بمشاهدة فقرات الغناء ورقص الحضور وعلمت وقتها كيف أتملص من دعوات الشراب الملحة!
الصورة لمحطة الترام الواقعة أمام فندق جهارسو في طشقند – 1990





اترك رد