على عكس المفهوم الشائع أنّ بُعد مصر شاسع، شهدت منطقة وسط آسيا تفاعلاً عميقاً مع مصر على مدى أربعة آلاف سنة. وتطوّر هذا التفاعل مع تطوّر وسائل التواصل والتجارة بين المنطقتين.
انتقلت المعارف والتقاليد المصرية إلى وسط آسيا في موجات متتالية، بدأت بالعصر البرونزي وامتدّت إلى العصر الحديث. وتجلّت آثار هذا التفاعل في أنماط العمارة والفنون والمعتقدات. وظهرت هذه الآثار بوضوح في مناطق مختلفة مثل باكتريا والصغد وخوارزم، وتركت بصمتها على تراث المنطقة وتقاليدها.

هُوِيَّة وسط آسيا
تُعرف المنطقة الوسطى من قارّة آسيا بمسمّيات مختلفة في ثقافات العالم، منها آسيا المركزية، وخُراسان الكبرى، وتركستان… وغيره الكثير. وعرفت هذه المنطقة العديد من الحضارات العظيمة والمؤثّرة في غيرها من مناطق العالم المختلفة، وفيها وبتجّارها تأسّس طريق الحرير الشهير.
وتصنّف حضارات وسط آسيا عادة إلى ثماني مراحل:
- حضارة أوكسوس \ بكتيريا من ٢٢٠٠ ق.م إلى ١٧٠٠ ق.م، حضارة صناعية برونزية. تميّزت بفن معدني متطوّر ومناجم تعدين.
- حضارة مرگيان \ بكتيريا من ٢٠٠٠ ق.م إلى ١٧٥٠ ق.م، حضارة زراعية مدنيّة. تميّزت بأنظمة ريّ متقدّمة وعمارة متقنة.
- حضارة الصغد القرن من ٦ ق.م إلى ٨ ميلادية. حضارة تجاريّة أسّست طريق الحرير. تميّزت بفنونها الراقية.
- حضارة خوارزم القديمة من ٦ ق.م إلى ٨ ميلادية. حضارة زراعية ووريثة مباشرة لحضارة المرگيان. تميّزت بأنظمة ريّ متقدّمة وتراث في الطبّ والرُصد الفلكيّة.
- حضارة السامان ٨١٩ إلى ٩٩٩. أوّل دول فارسية في التاريخ. حضارة زراعية اعتمدت أنظمة إقطاعية.
- حضارة خوارزمشاه ١٠٧٧ إلى ١٢٣١. حضارة تجاريّة. تميّزت بأنظمة التعليم وسخاء الإنفاق على المدارس والإنتاج العلمي، وبفنونها الراقية.
- حضارة التيموريّين من ١٣٧٠ إلى ١٥٠٧. حضارة زراعية مدنيّة. تميّزت بعمارة متطوّرة جدّاً وتراث في الطبّ والرُصد الفلكيّة.
- حضارة بخارَا من ١٥٠٠ إلى ١٩٢٠. حضارة زراعية تجارية. تميّزت بنظام ريّ متطوّر وطوّرت فنوناً وعمارة متميزة.

عبر مراحل تاريخها المتتالية عرفت منطقة وسط آسيا تأثّراً مباشراً بثقافة وعادات مصرية عدّة مرّات، دون تأثير مصري سياسي مباشر.
- في الحِقْبَة البرونزية المتأخر (١٥٠٠ ق.م – ١٢٠٠ ق.م): انتقلت بعض المعارف والتقنيّات المصرية عبر التجارة والتواصل بواسطة طريق الأرز.
- في الحِقْبَة الأشورية والأخمينية (٩١١ ق.م – ٣٣٠ ق.م): تأثّرت المنطقة بثقافة مصرية تنوّعت عناصرها بين فلسفية ودينية.
- في الحِقْبَة الهلنستية (٣٣٠ ق.م – ٣٠ ق.م): انتقلت عناصر ثقافية مصرية ممتزجة بالثقافة اليونانية، وصارت مدينة الإسكندرية قبلتها. بالإضافة إلى انتشار عبادة إيزيس (عيسه) في بعض مناطق وسط آسيا.
- في حِقْبَة طريق الحرير (القرن الثاني ق.م – القرن الخامس الميلادي): حدث تبادل ثقافي نشيطٌ شمل عناصر من التراث المصري القديم، وانتشرت بعض الديانات التي تأثّرت بالمعتقدات المصرية.
- في الحِقْبَة الإسلامية المبكّرة (القرن السابع – العاشر الميلادي): انتقل التراث المصري القديم من طريق الترجمات والعلوم الإسلامية.

من طيبة إلى باكتريا
في الحِقْبَة البرونزية المتأخّرة استقبل وسط آسيا عادات الكتابة والتدوين المصرية التي خرجت عن مدينة طيبة (الأقصر)، كما اقتبست دول المنطقة نظام المدارس المصري؛ الذي أدارته المعابد والكهنة واشتغل على نظام كهنوتي صارم.
وبعد انفراطها إلى دول أصغر أظهرت حضارة مرگيان \ بكتيريا تأثّراً واضحاً بسطوع مصر العلمي، ربّما لتشابه أنماط الإنتاج والاعتماد على اقتصاد زراعي. لكن الأهمّ كان هو كثافة التواصل التجاري ما بين بلدان مرگيان ومصر بواسطة القوافل التجارية العربية. جعلت هذه القوافل من مراكز المرگيان الحضرية، وبالأخصّ مدينة مرو، محطّة التبادل التجاري المركزية ما بين مصر ووسط آسيا. واكتشفت من آثار تلك الحِقْبَة بعض الأختام والرموز المصرية، وتقنيات مصرية الأصل لمعالجة المعادن، وبعض العناصر الفنّية في عمارة المعابد والمنشآت الحكومية.
عرفت تلك الحِقْبَة بداية استعمال وتدجين الخيول في وسط آسيا، وصارت الخيول من صادرات المرگيان إلى مصر. في المقابل انتقلت عادات وشعائر عبادة حتحور المصرية إلى وسط آسيا وأثّرت لاحقاً في تقديس ديانة تنيري (تنگري) لحجارة الفيروز وتقديرها رمز للسماء والخلود، حتّى صارت من أهم زينات الزفاف ورموز الزواج. لا سيّما أنّ الفيروز رمز في مصر للبعث والتجدّد واستُخدم في الزينات الجنائزية رمز للإحياء.

على حبّ سميراميس
في القرن الخامس قبل الميلاد يروي الطبيب والمتحفي الإيوني قطيسياس Κτησίας من قراءاته في المكتبة الملكية الأخمينية في بابل، أنّ إمبراطور نينوى وبعد فتح أرمينيا وماده، تحالف مع آريُس العرب وجمعا معاً جيشاً كبيراً فتح ووحّد أغلب ممالك آسيا، بما فيها باكتريا. ففتحوا عاصمتها بلخ بعد حصار طويل، وهناك أسّس آريُس مملكة عربيّة سمّاها على اسمه آريا، وبقيت عاصمتها في بلخ. قطيسياس ترك بحوثه باللّغة الإيونية في موسوعة في تاريخ أسوريا وإيران أسماها پِرسيكا Περσικά وهي موسوعة من 32 كتاب. وترك كذلك كتاباً في تاريخ الهند أسماه إنديكا Ἰνδικά.
في هذه الحِقْبَة من الفتوحات كانت زوجة إمبراطور نينوى شَمشِ-أدَد الخامس هي سميراميس (شَمُّرامَت). وسميراميس هي المهمّة لقصّتنا هنا، لأنّها (حسب ديودورس الصقلي) تأثّرت بالديانة المصرية وزارت معبد آمون في واحة سيوة. وبعد وفاة زوجها سنة ٨١١ ق.م حكمت سميراميس الإمبراطورية كلّها لمدّة ١٧ سنة، بما فيه أراضي الإمبراطورية في وسط آسيا. ولمّا كانت معجبة بالثقافة المصرية سمحت بنشرها في أرجاء إمبراطوريّتها، وبذلك في وسط آسيا.
في حِقْبَة سميراميس، تأثّر الصغد في وادي زرافشان بعناصر مصرية واضحة في أنماط العمارة والفنون. إلى جانب تأثّر الساكا في بلاد الباكتيريّين والخوارزميّين كذلك بعناصر مصرية متنوّعة، مختلفة عن التأثيرات في الصغد. ويبدو أنّ الساكا (السكيثيّون) تأثّروا بشدّة بواحدة من الثقافات المصرية في تلك الحِقْبَة، ربّما عن طريق شبه جزيرة القرم. لكن قلّة الناجي من التراث المدوّن من الساكا في تلك الحِقْبَة يصعّب دراسة هذا التأثّر.

المصريون في آسيا الوسطى
في العصر الهلنستي أطلق السلوقيّون على جزء شرق مملكتهم اسم باكتريا Βακτρία، وهو تحوير عن اسم عاصمة المنطقة باخترا، مدينة بلخ المعاصرة في أفغانستان. في العهد الأخميني كانت هذه المنطقة هي آريا التاريخية ومهد الثقافة الآرية. وفيها وُلد وعاش زرادشت وفيها كُتب الأڤستا المقدّس وبلغاتها القديمة. ثمّ، سنة ٢٥٥ ق.م استقلّ بها ضابط عربي حموي من أفاميا اسمه ديودوتُس تروفون Διόδοτος Τρύφων على نظام حكم إغريقي هلنستي تبع ديانة الإسكندرية في مصر. وتوسّع منها لتأسيس إمبراطورية باكتريا.
اسم القائد ديودوتُس تروفون معناه “المرهف نعمة زِوس” أو “المترف نعمة زِوس”. وكان هذا الضابط الحموي على ديانة داگون الفنيقيّة بنسختها الپطولميّة؛ ديانة پتاح. وبوجوده على سلطة أقوى إمبراطورية في وسط آسيا، نشر ديودوتُس تقاليد ديانة پتاح واندمجت بتقاليد وعادات المنطقة، فأنشأت فلسفات وعادات جديدة من مِزَاج التأثير المصرية والمفاهيم المحلّية.
ناقش المؤرّخ الفرنسي لوران كابوت في كتابه {الديانات الهلنستية في باكتريا} احتمال هجرة جالية مصرية كبيرة إلى باكتريا (بلخ) في الحِقْبَة الهلنستية، وهذه الجالية هي التي نشرت عبادة إيزيس في المنطقة. هذا إلى جانب تأكيد عالمة الآثار البريطانية راشيل ماكلين على وجود أدلّة أثرية على عبادة إيزيس في شمال أفغانستان، في كتابها {الديانات في طريق الحرير القديم}. وكانت شعائرها تجذب النساء بشكل خاص بسبب ارتباط مفاهيمها بالأمومة والخصوبة، وبممارسات الطبّ الأهلي، الذي اختصّت به عادة النساء.

من القاهرة إلى قرشي
في عهد خانية چگتاي وسط آسيا (١٢٢٧-١٤٦٢) اكتشف الخانات بسرعة ضرورة التحالف مع مصر العبّاسية في مواجهة إلخانات فارس؛ عدوّ الطرفين. وبرغم أنّهم من المغول، استفاد خانات الچگتاي من ارتباط العديد من عائلات مماليك مصر بقبائل تركية من مواطني الخانية. ثمّ، مع تحوّل الچگتاي إلى الإسلام صارت مصر (وفيها الخلافة) هي المصدر الأوّل لدعم هذا التحوّل. ولم تقتصر العلاقات ما بين البلدين على النواحي السياسية والعسكرية فقط، بل توسّعت إلى كلّ النواحي. فشملت جوانب اقتصادية وعلمية، ومنحت مصر موانئ على البحر الأحمر للبحرية الچگتائية، في حين امتلك مصريّون مصانعاً في بلاد الخانية. هذه العلاقة لم تكن عشوائية، بل نتيجة ظروف سياسية واقتصادية ودينية جمعت بين القوّتين لتعزيز مصالحهما المشتركة.

مع تحوّل خانات الچگتاي إلى الإسلام، أرسلوا الكثير من البعثات للدراسة في الأزهر في مصر، وصارت منهم جالية دائمة في القاهرة، لها الأسواق والأحياء السكنية. وأعتقد أنّ المشهد كان مكرّراً على الضفة المقابلة في الخانية كذلك. هذا التبادل نقل الكثير من العادات والتقاليد المعمارية والهندسية، إلى جانب الثقافية، من مصر إلى بلاد خانية الچگتاي. لا سيّما وأنّ السكّان المسلمين في الخانية كانوا بحاجة إلى مرجعية قيادية مسلمة، وجدوها في مصر، في غياب هذه المرجعية في بلادهم لكون الحكّام مغول غير مسلمين. واستمرّت هذه العلاقات العلمية المتميّزة حتى العهد البخاري. وحتّى مع نزول مصر تحت الحكم العثماني وانتقال الخلافة. مع ذلك، بقيت القاهرة بأزهرها هي المرجعية العلمية لمسلمي بلدان وسط آسيا.
تبرز العلاقة بين مصر ووسط آسيا مثال فريد على التفاعل الحضاري المستمر. إذ تنوّعت أشكال التأثير المصري في المنطقة بين عمارة وفنون ومعتقدات وعلوم. واستمرّت مصر مصدراً مهمّاً للمعرفة والتراث لشعوب وسط آسيا عبر العصور المختلفة. وتعمّقت هذه العلاقة في العصر الإسلامي مع تزايد التبادل العلمي والديني. فساهمت العلاقات التجارية والسياسية في تعزيز الروابط بين المنطقتين. وأثمر هذا التواصل الممتدّ تراثاً مشتركاً غنياً ما زال يظهر في المنطقتين حتى اليوم.

مراجع
- الجوزجاني، منهاج سراج. (١٩٦٣). طبقات ناصري. ترجمة عبد الحي حبيبي. كابل: انجمن تاريخ افغانستان.
- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. (١٩٦٧). تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف.
- بارتولد، فاسيلي فلاديميروفيتش. (١٩٨١). تاريخ الترك في آسيا الوسطى. ترجمة أحمد السعيد سليمان. القاهرة: دار الفكر العربي.
- Bactrian Documents from Northern Afghanistan. (2012). Ed. by Nicholas Sims-Williams. Oxford: Oxford University Press.
- Bernard, P. (1994). “The Greek Kingdoms of Central Asia.” In: History of Civilizations of Central Asia, Volume II. Paris: UNESCO Publishing.
- Holt, F. L. (1999). Thundering Zeus: The Making of Hellenistic Bactria. Berkeley: University of California Press.
- Leriche, P. (2007). “Bactria, Land of a Thousand Cities.” In: After Alexander: Central Asia before Islam. Oxford: Oxford University Press.
- Mair, V. H. (2006). Contact and Exchange in the Ancient World. Honolulu: University of Hawaii Press.
- Rtveladze, E. V. (2011). “Parthians in the Oxus Valley.” In: Proceedings of the British Academy, Vol. 133, pp. 171-191.
- Stark, S. (2008). Die Alttürkenzeit in Mittel- und Zentralasien. Wiesbaden: Reichert Verlag.





اترك رد