رسمة أمس السبت لمشهد من قصر ابن وردان في حماة عن صورة كنت التقطتها صيف 2007.

قصر ابن وردان واحد من حكايات سوريا الرومانسية، فالجدران العتيقة تلك وسط البادية السورية ملفوفة بالحكايات العاطفية البريئة، التي لا تخرج إلّا عن خواطر رعاة البوادي والسارحين تحت نجوم سماء غير مستورة. تذكّرنا بالقليل من قصص الحبّ التي كانت فيما مضى؛ كلّ ما يعصف بأذهان واهتمام العرب.
قصر ابن وردان هو في الواقع اسم لقرية في منتصف محافظة حماة السورية، وفي القرية مجمّع من مبان قديمة تسمّى قصر ابن وردان، فيها قصر وكنيسة وثكنة عسكرية متهدّمة وإسطبل للخيول، تعود فترة إنشائها إلى القرن السادس. وكان الإمبراطور البيزنطي جستينيان الأول Ἰουστινιανός قد أمر ببناء الثكنة أوّلاً منتصف القرن السادس لتكون قاعدة عسكرية تدعم الرُصافة وحلبيّة، ما يعني أنّها كانت لعساكر قبيلة بهراء العربية، وقد كلّفهم جستينيان بحراسة الشمال السوري بعد خلافه مع الغساسنة.
لاحقاً، بني القصر وكنيسة للقصر، وطرازهم فريد غريب عن المنطقة، يطابق طُرز الكنائس في القسطنطينية، ما يعني أنّ المعماريّ الذي صمّم وأشرف على التنفيذ روميّ من الأناضول لا عربيّ. وفي المباني حجارة بازلت مستوردة من حمص وأعمدة رخامية مستوردة من أفاميا على الغرب. والجميل في عمارة القصر والكنيسة أنهنّ مبنيّات بالأسلوب الأبلق، الذي بقي مميّزاً لكلّ العمارة الشامية الإسلامية فيما بعد… حيث تتناوب الأحجار في صفّين واحد أبيض والثاني أسود؛ وهكذا.
والقصر متعوب عليه، ومزخرف بسخاء، مبنيّ من حجارة منحوتة ومنقوشة، ومدلّل بحمّامات في داخله على نمط حمّامات السوق العربية. ما يعني أنّ من بنى القصر أراده كاملاً تامّاً يحتوي كلّ سبل الحياة؛ في منطقة معزولة في البادية السورية. والكنيسة أصغر من القصر، لكنّهما متطابقين معمارياً، ومن الواضح أنّهما مبنيّان معاً وفي الوقت ذاته.
كانت الكنيسة من طابقين، يصلّي فيها الرجال في الطابق الأرضي، في حين تصلّي النساء في الطابق الأعلى، وهو ما تحافظ عليه مساجد سوريا إلى اليوم من عادات؛ واضح أنّها مستمرّة عن المسيحية السورية ولم تنشأ مع الإسلام. والكنيسة كانت مستورة بقبّة كبيرة تكاد تغطّي صالتها كاملة، لكنّها تهدّمت مع الزمن، مع الأسف، ولم يبق منها اليوم شيء… مساحة أرض القصر حوالي 2000 متر مربّع والكنيسة أصغر بقليل.
يتداول أهل القرية والحموية من حولهم حكايات تغلّف تراث قصر ابن وردان برومانسية لطيفة وجميلة لماضيه. وهنّ حكايتين:
تروي الأولى حكاية ملك عربيّ عاش في القرية أخبره العرّافون بأنّ ابنه القادم سيموت بلدغة عقرب… تزوّج الملك، وأنجبت مليكته صبيّاً، فحبسه الملك في جدران القصر لا يخرج منها. وكان الملك قد بنى جدران القصر من طين معجون بخلطة سحريّة من الورود والزهور النادرة لكي تطرد رائحتها العقارب… تمضي الأيّام ويكبر الصبيّ محبوساً في القصر. ثمّ يرى ناقة ترعى خارج القصر فيدفعه الفضول للمس شعرها من نافذته، وكانت بين شعراتها عقربة صغيرة؛ لدغته فمات.
والثانية تتحدّث عن راعية غنم جميلة اسمها حمدة، طلب قلبها الحبّ من خلف الجبال وانتظرت وما رغبت بالزواج من أهلها، فهدّدها ابن عمّها بالذبح إن هي ما تزوّجته. فخافت حمدة الصبيّة تهديد ابن عمّها؛ ومن خوفها صارت صورة وجه ابن عمّها قبيحة في عينيها، لا ترى جمالاً فيه. ومن خوفها منه كرهته وما عادت طابت لها ولا حتّى القرابة منه.
مضى الوقت وخرجت حمدة بأغنامها لترعى قرب قصر ابن وردان، فجلست تستند على جدار من أطلاله وغفت من تعبها ونامت. ثمّ استيقظت على يد ابن عمّها تسترقّ وجهها وشعرها وهو الولهان يتأمّل جمالها، فنهضت تنتفض منه ثمّ استحكم منها السحر في رائحة جدران القصر المعجون بالورود، فرقّ قلبها ولانت، وانقلب القبح الذي رأته في وجه ابن عمّها إلى جمال ووسامة؛ حبّبتها به واسترقّ قلبها واستسلم للغرام.





اترك رد