رسمة أمس السبت عن صورة التقطتها ناسا لأحد الأنهار من الفضاء. لم أعثر على معلومات عن النهر مع الأسف، لكن لم أقدر على مقاومة ألوان هذه اللوحة الرائعة التي صنعتها الطبيعة.

وعلى سيرة الطبيعة، أحبّ استكشاف الأشياء في طبيعتي. دائماً ما أتساءل ماذا أنا وما أكون، والطبّ الحديث مكنّني من التعرّف على الكثير من تفاصيل طبيعتي التي جهلتها بداية إدراكي. جميعاً لا نعلم طبائعنا على فكرة، ندركها ونتعلّمها مع الزمن، فنكتشف من نكون وما يميّزنا عن بقيّة الناس. ومن المؤسف أنّ أغلب الناس تظنّ أنها نسخ عن بقية الناس لا تفصل بينها التفاصيل. بينما في الواقع نختلف في طبائعنا عن بعضنا كما تختلف بصمات البنان على أصابعنا.
خلال الدراسة الثانوية كنت أفشل باستمرار فيم ينجح فيه أغلب طلّاب الصفّ في موادّ الرياضيات. بينما أنجح بتفوّق في أغلب ما يخفق فيه طلاب الصفّ من هذه المواد. مثلاً كنت الوحيد الذي يستسهل مادّة الهندسة الفراغية، وأفهمها بسرعة وأحصّل فيها أعلى الدرجات. بينما يعاني معها بقيّة الطلّاب ويستغربون فهمي لها كما أستغرب عدم فهمهم لتمارينها.
في أثناء دراسة الفنون استغربت دوماً انبهار زملائي بقدرتي على تجسيم الرسومات بدقّة وبسرعة وتصويرها بقلم الرصاص، واستغربت أكثر اهتمامهم بما هو سهل جداً من وجهة نظري، وتحلّق الفتيات من حول مرسمي أملاً بتنفيذ تجسيم رسوماتهنّ. في نظري كانت رسوماتهم أجمل بكثير من أعمالي وأكثر إبداعاً وروعة، لكنّهم يتنافسون دوماً لحجز المرسم بجواري.
ثمّ، أتت أيّام ألمانيا، حين فاتحت طبيباً في سهرة مرّة بمحبّتي للهندسة الفراغية وطرافة ماضيّ معها في المدرسة. سألني بضع أسئلة ثمّ عرض عليّ زيارته في المشفى لإجراء بعض الاختبارات. ختاماً، تبيّن أن لا قدرة لدماغي على رؤية الأشكال بصيغة ثنائية البُعد، كلّ ما أراه في هذا العالم يتجسّد بصورة ثلاثية الأبعاد فقط. حتّى لو كانت رُسُوماً ثنائية الأبعاد، وحتّى لو كانت صورة فوتوغرافية مطبوعة على ورق؛ أراها مجسّمة.
عدم قدرتي على رؤية الأشكال بصيغة ثنائية الأبعاد هو المسؤول عن استسهالي التعامل مع القضايا المجسّمة ثلاثية الأبعاد. لذا لا ينشغل بالي في تفسير التفاصيل ثنائية البعد في حين أقوم بتحليل الأجسام والمنحوتات.
هذه الحالة صدمتني، في الأسابيع التالية لهذا التشخيص ساورني قلق شديد من حالتي واستصعبت استيعابها، ثمّ تقبّلتها وقبلت بها حين فكّرت بها كميزة. لكلّ منّا ميزة في هذا العالم تميّزه عن الآخرين من أقرانه؛ وتقدّم للآخرين الفائدة من بين ما يتميّز كلّ واحد منهم من ميزات.
نحن متمايزون، لا نتشابه في ميزاتنا، خدمة لحياتنا مع بعضنا، وتسهيلاً لتعاوننا لأجل الحياة. فالحياة تنوّع، ولو أنّ كلّ شخص منّا نسخة طبق الأصل عن الآخر لكانت الحياة فقيرة بلا إبداع ولا إنتاج، ولما تطوّرت حياتنا خطوة.





اترك رد