أسبوعين كثيريّ الضوضاء عبرا حياتي مؤخّراً. كثيرٌ من التشهير والتشويه والعنصريّة والتنمّر، حتّى غفلتُ عن ردّ كلمة طيّبة لمن عايدني بعيد ميلادي… لكنّ الجمال يأبى التراجع أمام الكراهيّة، ولطالما أصرّت نفسي على النظر بمحبّة لرؤية الجمال في كلّ تفاصيل هذه الحياة بلا استثناء. ولا أجمل من التعامل مع الجمال غير رسمه وتوثيقه.
رسمة أمس السبت لمشهد لنواعير حماة العظيمة على نهر العاصي، عن صورة التقطها سنة 2001 الألماني پيتير هايزكه Peter Heiske… ولطالما سحرني هذا المنظر. ولطالما ثار في نفسي تساؤل عن أثر وجود هذه النواعير في نفوس أهل حماة وعواطفهم. هذا الوجود الممتدّ لثلاثة آلاف وخمسمئة سنة على الأقل.

يشير علم الآثار إلى أنّ أقدم توثيق مكتشف للنواعير في العالم عُثر عليه في لوحة موزاييك من مدينة أفاميا المهجورة، يعود تاريخها إلى سنة 469 ق.م، أي إلى نحو 2500 سنة مضت، ومع ذلك، تعتقد أدريانا ميراندا في كتابها L’ERMA di BRETSCHNEIDER بعودة تاريخ النواعير على حوض العاصي إلى تاريخ يسبق لوحة موزاييك أفاميا بألف عام. وعنوان الكتاب بالعربية ”عجلات الماء، العمارة المائية في الأراضي السورية“.
ابتكار النواعير كان تلبية لحاجة فرضتها بيئة وشكل الأراضي الزراعية في وادي العاصي، حيث ينخفض مستوى جريان وتجمّع الماء عن أغلب الأراضي الخصبة من حوله. هذا الحلّ؛ النواعير، رفع الماء بطاقة ذاتية إلى مساحات زراعية أوسع، كما ساهم لاحقاً بإيصال الماء إلى أبعد نقطة عن مجرى النهر دون أيّ جهد من السكّان، لأنّ الرفع منح الماء طاقة مبعثها الجاذبية، ومن ثمّ تركها تجري في قنوات بناها الحموية عبر جميع الأحياء السكنية.
وبناء على كلام ميراندا وما اكتشفته؛ تكون النواعير اختراعاً عربيّاً كنعانيّاً، بدأ من على مجرى نهر العاصي، لتسهيل ريّ وزراعة الجبال والمرتفعات المحيطة بالوادي مستفيداً من طاقة المياه نفسها. وانتشر من منطقة العاصي ليملأ ربّما العالم كاملاً فيما بعد… في الواقع لم تخرج تكنولوجيا النواعير من منطقة العاصي قبل العصر الهيليني، حيث استعار مهندسو مملكة مصر الپطُلمية الإغريق تقنيّة النواعير من حماة لتطبيقها في مصر السفلى خلال القرن الثاني قبل الميلاد (قبل 2100 سنة)، وكان الغرض الأساسي من استعمالها بداية هو تفريغ الأراضي من المياه المالحة.
واستعار الإغريق كذلك ذات التسمية الحموية للناعورة آنذاك ”ساقية“ لتدخل اللّغة الإغريقية بصيغة ”ساكيى“ σακιά، وهذه الساكيا الإغريقية هي التي شاعت بتصميمها في شمال أوروپا وتطوّرت فيها حتى اليوم… لاحظ استخدام الحمويين لكلمة عربية واضحة لتسمية النواعير، وقبل العصر الهيليني بقرون، كلمة ساقية، تصريف على وزن فاعلة.
حوالي سنة 300 بعد الميلاد أضاف الحموية تطويراً على النواعير، فاستبدلوا صناديق زقّ الماء الخشبية بأوانٍ من الفخّار مثبّتة على المحيط الخارجي للناعورة، في حين كانت سابقاً وقبل تطبيق هذا الاختراع تزقّ الماء من طريق صناديق مبنيّة في جسم الناعورة الخشبي. هذا النموذج استعاره البيزنطيون لاحقاً لينتشر عن طريقهم في البلقان وفي شرق أوروپا. إذ كان البيزنطيون أوّل من نقل فكرة النواعير عن الحموية إلى أوروپا، وأسّسوا لها مصانع تنفق عليها الدولة. في حماة وخارجها. في عموم الإمبراطورية البيزنطية.
مع توسّع الإمبراطوريّة العربيّة في العهد الإسلامي، وحيث حلّ مزارعون مهاجرون من حماة، انتشرت معهم تكنولوجيا النواعير الحمويّة. إذ أسّسوا لها مصنعاً في مدينة البصرة جنوب العراق خلال القرن السابع، كما نقلوها معهم إلى مدينة مُرسيا على ساحل إسپانيا الشرقي، والتي كانت في الأساس قاعدة عسكريّة أمويّة لكتيبة سوريّة يقال أنّها من حمص. وانتقلت صناعة الناعورة كذلك إلى پاليرمو ومدن صقلّيّة خلال فترة الحكم الإسلامي الأفريقي فيها، وكانت تلك المصانع جميعاً مملوكة لعائلات من مهاجرين سوريّين كذلك. وبحلول القرن 11 شاعت مصانع النواعير في كلّ منطقة حكمتها حكومة مسلمة حول العالم القديم، علماً أنّ أغلب مهندسيها آنذاك كانوا مصادفة من المسيحيّين السريان. ولا بدّ أنّ عادات العرب في احتكار الصنعة وراثة في العائلة لها دور في بقاء صناعة النواعير في أيادي المسيحيّين لوقت طويل.
خلال العهد الأيّوبي في القرن 12 أضاف الحموية إلى نواعيرهم تطويراً جديداً حين استبدلوا الهيكل الخشبي بهيكل من الحديد. وشرعوا يضاعفون من حجومها وأقطارها حتّى تفوّقت نواعير حماة على كلّ مثيلاتها حول العالم، ولم تزل إلى اليوم أكبر النواعير الأيّوبية باقية في حماة بقطر 21,7 متر ويسمّيها الناس بالناعورة المحمّدية، هذه المحمّدية (أي العظمى) كان اسمها الرسمي يوم تركيبها هو الناعورة الذهبيّة. وتزن هذه المحمّدية خمسين طنّاً وتزقّ نحو 2400 ليتر من الماء في كلّ دورة، أيّ كلّ 20 ثانية… وقُبيل العصر الأيّوبي بدأ يشيع بين الناس اسم ”الناعورة“ بديلاً عن اسمها السابق ”الساقية“ بسبب صوت النعير المتصاعد عنها مع تنامي حجومها وأوزانها.
ما بين القرنين 11 و13 كانت النواعير هي عماد طاقة الصناعة الرئيسة جنوب أوروپا، واستثمرت لها الحكومات العربية مصانع عملاقة في الأندلس، وخاصّة في منطقة قرطاجنّة حيث لم يزل الناس تسمّيها وحتى اليوم ”ناعورة الدم“ noria de sangre بسبب شدّة تأثيرها على الحياة في مجتمعات مُرسيا. إذ أنّ تطبيقات الناعورة تطوّرت عن مجرّد ناقل للمياه لتصبح مصدر طاقة تشغيل مطاحن الحبوب، والعجن، ومشاغل الزجاج، وكان لها دور كذلك في مشاغل النحاس والتعدين.
اليوم، وبعد أن ملأتها قديماً مئات النواعير، بقي في مدينة حماة 17 ناعورة فقط، غير مستخدمة في الري، ولكن كانت قد سجّلتها اليونيسكو على قائمة مواقع التراث العالمي سنة 1999 لحمايتها من الزوال. ولأنّ صاحب الصورة المرسومة ألمانيّ فلا بدّ من ذكر اسم الناعورة باللّغة الألمانية كذلك، إذ يطلق الألمان على الناعورة اسم ڤاسرشوپفراد Wasserschöpfrad، وحرف الراء عادة لا يُلفظ إنما يُستبدل بمدّ صوت الحرف سابقه. ومعناها الحرفي عجلة دلو الماء.
_
يمكن قراءة كتاب أدريانا ميراندا هنا go.monis.net/Miranda
الصورة الأصل عن متحف الفن الإسلامي في برلين. سرديات التراث السوري.





اترك رد