رسمة اليوم رسمت فيها الأستاذ جودت سعيد، الذي توفى في إسطنبول ليلة أمس السبت. وهو أستاذي وأحد القلّة الذين استقيت عن آرائهم الكثير من مبادئ حياتي. وهي التي أسير عليها في بحوثي وتدويناتي وطرائق تفاعلي مع الناس.

ستقرأ اليوم الكثير في سيرة الأستاذ جودت الذاتية، لكن ما يهمّني منها هو أثره في ذاكرتي. الأستاذ جودت سعيد مدرّس لغة عربية وعاشق لها، وهو جولانيّ وعاشق للجولان، وشركسيّ ومحبّ لتراث الأديغا. درّس الأستاذ جودت اللّغة العربيّة في مدارس دمشق، في ذات الفترة التي وُلد فيها فكر حزب البعث العربيّ في مدارس دمشق وكان من منافسيه. ولمّا كان الأستاذ سعيد معارضاً للفكر القوميّ الفاشيّ فقد اعتُقل عدّة مرّات ثمّ طُرد أخيراً من قطاع التعليم عقب استيلاء حزب البعث على السلطة في سوريا. فلمّا فُصل المعلّم جودت عاد إلى قريته بيرعجم وأعاد ترميم بيت أهله من آثار احتلال إسرائيلي عابر. ثمّ اشتغل في تربية النحل والزراعة والدراسة والتدوين.
وأنا عرفته في مدينة عرطوز على الغرب من دمشق، حين أقمت في تلك المنطقة وعلى القرب منها لأكثر من أربع سنوات قبل الانتقال إلى داريا، وكان له عدد كبير من المريدين الذين يزرنه كلّ يوم، ومنهم من يحضر من بلاد بعيدة مختلفة، فقط لأجل لقاء شخصيّ. كان شخصاً بشوشاً لطيفاً، تيسّر له ابنته كوثر كلّ ما يحتاج من تنظيم وترتيب مع كثرة الناس من حوله. وكان إذا تحدّث لا يطيل خوفاً من أن يثير في الناس الملل، لكنّ الحضور دائماً ما يطلبون أكثر.
وهذه هنا مقتطفات من كتابات الأستاذ جودت اخترتها ممّ تركه في كتبه:
“إن اندفاع الإنسان للحركة المجدية، مرهون باقتناعه أنّ لكل مشكلة طريقة لحلها. فكذلك المسلمون لا يمكن لهم أن يتحرّكوا بجدّية لتغيير واقعهم ما لم يقتنعوا أنّ مشكلتهم تخضع لقوانين وسنن. أما اذا بقي لديهم شعور أن المشكلة لا تحلّ إلا بالمهدي أو بأنّ الزمن شارف على الانتهاء فإنّ المشكلة تبقى دون حل، بل تزداد تعقيدا”
“إن الإيمان يبدأ بإنقاذ الذات وينتهي بإنقاذ المجتمع”
“لا بد من إعادة قراءة الأفكار الجيدة، الفينة بعد الفينة، والفترة بعد الفترة لتجدها كأنّك لم تقرأها، ولم تمرّ عليها وليس كلّ الناس يصلون إلى هذا التقدير والتذوّق ولكن إذا حصّلت شيئا من ذلك فلا تضيّعه ولا يغرنّك كثرة المعرضين وقلّة الفاهمين، وتذكّر قولهم، انفرادك في الطلب دليل على صدق الطلب”
“الذين لا يثقون بالإنسان وبإمكاناته على التمييز هم الذين يحقّرون الناس ويفكّرون عنهم ويفرضون آرائهم عليهم”
“إنّ العلم شفاءٌ للنفوس المحطّمة، للنفوس الظمأى إلى العافية، فشهادة العالِم مقرونة بشهادة الله وملائكته”
“فلا يمكن تحصيل ملكة تغيير ما بالأنفس -كما لا يمكن تحصيل ملكة البيان والشعر- إلا بممارسة هذا الفن؛ وهو النظر في سنن الماضين وما حدث للأمم من تغيير بطيء أو سريع خلال التاريخ. ونحن إلى الآن لا ندرس التاريخ على هذا الأساس أو القصد، وإن كان القرآن يلحّ علينا في ذلك.”
“إن التخوّف من الفكر، قد يحمي المتحَصَّنَ به يوماً ما، ولكن لن يحفظه إلى الأبد، بل سيأتي اليوم الذي يحدث فيه الطوفان الذي يحرق الأخضر واليابس.”
“إن الأفكار المسيطرة تحول دون تفهّم الأفكار الصحيحة مهما كانت الأفكار الصحيحة واضحة جلية، والآن على المستضعفين في الأرض أن يعلموا وأنا على يقين من أن المستكبرين في الأرض لا يسخرون العالم بالقوة وأن قوتهم لا تساوي شيئاً. وأنّهم مثل سحرة فرعون يسترهبون الناس ويخيّلون للناس أنّ هذه القوى يمكن أن تفعل شيئا وهي لا تساوي شيئا ونحن المستضعفين في الأرض، لسنا في حاجة إلى أية قوة مهما كانت كبيرة أو صغيرة للتحرر، وإنما في حاجة إلى شيء واحد، أن نتمكن من كلمة واحدة أن نقول كلمة (لا) ولا ننفذ أمررك، فقط هذه الكلمة وليس شيء غيرها، هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم لقريش كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم.”
“طالما ظنّ الناس أنّ الباطل يجب قتله، فتوجهوا إلى الإعداد لقتل الباطل، بدل أن يتوجهوا إلى توضيح الحق وإظهاره، وترك الباطل لحاله، لأنّه عند ذلك سيموت موتاً طبيعياً، ولكن محاولة الناس قتل الباطل، قبل إظهار الحق بوضوح يجعلهم يمدّون في حياة الباطل ويعطونه حقّاً في البقاء، بل ويظهر الباطل كأنّه مظلوم ومعتدى عليه، وله حقّ الدفاع عن النفس، بل ويمكن أن يظهر بمظهر الشهيد، وبالمقابل يخسر الحق مضاءه ويظهر بمظهر المعتدي والظالم، بينما اهتمامه فقط، والتزامه البيان وعدم لجوئه إلى الاعتداء لقتل الباطل، يجعله في مكان السلطان المتألّق، الذي مجيئه فقط يكفي لزوال الظلام دون إعلان حرب”
“المأساة التي نعيشها نحن المسلمين مأساة معرفيّة، مأساة مرجعيّة، مأساة تسهيل المراجع، وما لم نكوّن الأداة المعرفية، ما لم نعد كتابة التاريخ من وجهة نظرنا، ونجعله ميسّراً لنا، وسهل الرجوع إليه، ونتناوله، لن نخرج من التيه”
“الحرب ماتت، و لا يمارسها إلا الجهلة والمغفّلين والخبثاء الذين يستغلّون جهل هؤلاء وغفلتهم”





اترك رد