يشهد العالم في الآونة الأخيرة تحوّلات جذريّة في مواقفه الدبلوماسيّة تجاه إسرائيل. ولطالما حظيت هذه الدولة بدعم لا يتزعزع من قوى كبرى، غير أنّ هذا المشهد بدأ يتغيّر بوتيرة متسارعة.
تسلّط هذه التدوينة الضوء على مسار هذا التحوّل التاريخيّ، بدءاً من التصويت الأمميّ البارز في عام 2011، وصولاً إلى التغيّرات الدراماتيكيّة في عام 2026، لتكشف أسباب هذا التراجع في الدعم وتداعياته على الساحة الدوليّة. أدعوك لقراءة تفاصيل هذا المشهد الجيوسياسيّ المتغيّر الذي يعيد رسم خريطة التحالفات العالميّة بشكل غير متوقّع.

تصويت اليونسكو عام 2011: ذروة الدعم الغربيّ
إليك هذه الخريطة التي أودّ عرضها. يعود عهدها إلى شهر تشرين ثاني نوڤمبر من عام 2011 لمّا عقدت الأمم المتّحدة تصويتاً عظيماً بشأن فلسطين. الدول الملوّنة بالأحمر فهي التي ساندت إسرائيل رافضة القرار، وامتنعت الدول الملوّنة الأزرق عن التصويت، وما هو إلّا شيء واحد.

ما تراه هنا هو عالم مناصر لإسرائيل في عام 2011، وأغلبه دول غربيّة وأمم صغيرة معتمدة عليها. سلّحت هذه الحكومات جيش إسرائيل، ودعمتها دبلوماسيّاً، وحمتها من الضغوطات الدوليّة. ولفهم مدى ذلك الدعم، يجدر النظر إلى الغاية من ذلك التصويت الأمميّ الظاهر في الخريطة.
طلبت الحكومة الفلسطينيّة الانضمام إلى وكالة أمميّة تُدعى يونسكو. ولم يكن الأمر جللاً في منظور الأمم المتّحدة، فقرار الأمم المتّحدة الذي أسّس إسرائيل عام 1947 نادى أيضاً بدولة عربيّة مستقلّة في فلسطين. وبناءً على ذلك، فلسطين دولة مثل إسرائيل تماماً وفقاً للأمم المتّحدة، ويحقّ لها الانضمام إلى هذه الوكالة. عارضت إسرائيل هذا الأمر رفضاً لأيّ شيء يشرعن فكرة فلسطين دولةً، ووقفت 65 دولة قوية إلى جانب إسرائيل مؤيّدة إيّاها.
رياح التغيير تعصف بالتحالفات التاريخيّة
كان ذلك في عام 2011، ولننظر إلى حال إحدى تلك الدول الحمراء اليوم. ها هي رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، تهاجم علناً ضربات إسرائيل لقوّات حفظ السلام، وتعلّق اتّفاقيّة الدفاع مع إسرائيل كلّيّاً. إيطاليا التي صوّتت مع إسرائيل عام 2011 تغلق الباب اليوم في عام 2026، وهذا تحوّل عظيم. تنقلب دولة تلو أخرى، وهذا التحوّل لا يتباطأ بل يتسارع.
في نيسان أپريل 2024، عقدت الأمم المتّحدة تصويتاً آخر حول الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضويّة، وحدث أمر استثنائيّ، فالدول التي ساندت إسرائيل لعقود غيّرت موقفها بغتة، كأستراليا، ونيوزيلاندا، واليابان، وكوريا الجنوبيّة، والدنمارك، وپولاندا، والپرتغال، وإستونيا. بدأ هؤلاء الحلفاء التاريخيّون بالتصويت ضدّ إسرائيل واحداً تلو الآخر للمرّة الأولى في التاريخ الحديث.

انهيار السدّ المنيع وعقوبات أوروپيّة غير مسبوقة
ثُمّ جاءت الحرب في إيران عام 2026 فانهار السدّ. تعطّلت إمدادات النفط، واهتزّت اقتصادات أوروپا، ونفد صبر الحكومات التي تسامحت مع إسرائيل بصمت سنوات طوال. وما حدث بعد ذلك لم يكن في الحسبان. إذ وقف وزير خارجيّة بلجيكا داعياً علناً إلى فرض عقوبات أوروپيّة على إسرائيل. نعم، عقوبات، وهو الإجراء الذي يُتّخذ ضدّ الدول المارقة المعاديّة. وصرّح بدعم بلجيكا لمقاطعة أوروپيّة شاملة، ثُمّ انضمّت إسپانيا، ثُمّ أيرلاندا، ثُمّ سلوڤينيا، مطالبين جميعاً علناً بفرض عقوبات على الدولة التي دافعوا عنها سابقاً بلا جدال.
واتّخذت فرنسا خطوة زلزلت قادة إسرائيل، فأغلقت مجالها الجوّيّ أمام الرحلات الإسرائيليّة الناقلة للأسلحة، فارضة حظراً هادئاً للأسلحة، وهي من كبار مورّديها لإسرائيل. فردّت إسرائيل بوقف كلّ مشتريات الأسلحة من فرنسا تماماً، ولكنّ الضرر وقع وانقضى.
زلزال سياسيّ في أروقة الإدارة الأمريكيّة
ويقع التحوّل الأكبر داخل الدولة التي كانت الحامي الأقوى لإسرائيل لقرابة ثمانين عاماً، وهي الولايات المتّحدة. إذ طرح السيناتور بيرني ساندرز هذا العام قراراً لمنع مبيعات الأسلحة الأمريكيّة لإسرائيل. وظنّ معظم الناس فشل القرار فشلاً ذريعاً، لكنّ ذلك لم يفشل، وصوّت 40 شيخاً أمريكيّاً لمصلحته من أصل 99 صوتاً لمصلحة حظر الأسلحة على إسرائيل.
قبل عقد من الزمان كان هذا الرقم يقارب الصفر. اليوم، يكاد نصف النظام السياسيّ الأمريكيّ ينقلب علناً على دولة دافع عنها سابقاً بولاء مطلق.

تحوّل جيليّ أعمق من السياسة وتلاشي سرديّات الماضي
يبدو السبب جليّاً بالنظر إلى الرأي العامّ. إذ تفوق الآراء السلبيّة تجاه إسرائيل بين الشباب الأمريكيّ اليوم الآراء الإيجابيّة بنسبة خمسة إلى واحد، وبين الأمريكيّين في الثلاثينيّات والأربعينيّات، تبلغ النسبة اثنين إلى واحد بالسلب. الجيل الأقدم وحده ما زال يدعم إسرائيل بقوّة، وهذا ليس تغيّراً سياسيّاً طفيفاً، بل زلزال جيليّ.
والسبب المباشر وراء ذلك هو حرب الإبادة في غزّة وحرب إيران، لكنّ الحقيقة أعمق غَوْراً. إذ بُني الدعم الغربيّ على ذكريات تتلاشى ببطء، كالمحرقة، والحروب العربيّة الإسرائيليّة، والحرب الباردة، وأحداث الحادي عشر من أيلول سپتمبر… تبتعد هذه الذكريات في غياهب التاريخ عاماً تلو عام، وتنظر الأجيال الشابّة إلى إسرائيل اليوم وتطالع مستوطنات، واحتلال، وحروب غير مبرّرة، والصور اليوميّة في هواتفهم، فلا يرون الدولة التي عُلّم ذويهم الدفاع عنها. بل يرون شيئاً مختلفاً كلّيّاً، ويختارون طريقاً آخر، وهذا ما يجعل التحوّل جيليّاً بامتياز. فما زال القادة الكبار يشعرون بوطأة الماضي، بخلاف الناخبين الشباب.
خطّة إسرائيل البديلة وسقوط الحلفاء الجدد
وهناك جانب من القصّة لا يذكره أحد تقريباً. أدركت إسرائيل هذا التحوّل منذ سنوات وبدأت تستعدّ بهدوء. إذ بنت استقلاليّتها عن الغرب لأكثر من عقد، فوسّعت صناعاتها العسكريّة المحلّيّة لتستغني عن الاعتماد الكامل على الأسلحة الأمريكيّة أو الأوروپيّة. وأبرمت اتّفاقيّات سلام مع أعداء سابقين كالسعوديّة ومصر. والأهمّ من ذلك كسبها أصدقاء جدداً من القادة اليمينيّين في دول كالهند والبرازيل والمجر، وهم قادة لا يدعمونها بسبب المحرقة أو الحرب الباردة، بل لما تمثّله إسرائيل باقتصادها اليوم.
نجحت هذه الاستراتيجيّة لبعض الوقت، وصارت المجر أقوى المدافعين عن إسرائيل داخل أوروپا، وتبعها زعيم البرازيل. ووقفت الهند بهدوء مع إسرائيل في كلّ عاصفة، لكنّ الخطّة البديلة تنهار الآن أيضاً. إذ خسر الحليف البرازيلي الانتخابات، وحُكم عليه بالسجن لمحاولة انقلاب فاشلة. وخسر الحليف المجري السلطة خلال حرب إيران. وأعلنت الحكومة المجريّة الجديدة نيّتها اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بتهم جرائم حرب لحظة دخوله أراضيها… يختفي الأصدقاء الجدد، ويدير الأصدقاء القدامى ظهورهم، وتُدفع إسرائيل نحو عزلة لم تشهدها في تاريخها الممتدّ لخمسة وسبعين عاماً قطّ.

مفارقة الشرق الأوسط: انفتاح متسارع على سوريا
في مقابل عزلة إسرائيل المتزايدة، شهدت المنطقة والعالم في العام المنصرم انفتاحاً متسارعاً صوب سوريا. فبعد عقود طوال من القطيعة والتحذير الدوليّ، اتّخذت العلاقات الإقليميّة والعالميّة مساراً مغايراً تماماً. فأعادت دول عظمى وإقليميّة فتح سفاراتها في دمشق، وتدفّقت الوفود الدبلوماسيّة والاقتصاديّة لإعادة بناء الجسور والروابط المشتركة.
يكشف هذا التناقض الصارخ في السياسة الدوليّة كيف تبدّلت الموازين، إذ تحوّلت الدولة المقاطعة بالأمس إلى مركز للتفاهمات الجديدة، وفي الوقت ذاته يتراجع الحلفاء التقليديّون عن دعم إسرائيل.
تجاوز هذا الانفتاح ملفّات الأمن والدبلوماسيّة ليتعدّاها إلى شراكات اقتصاديّة ومشاريع إعادة إعمار واسعة النطاق. كما تسعى عواصم عديدة الآن إلى حجز مقاعدها في صياغة مستقبل سوريا الجديد، مدفوعةً برغبة في تحقيق الاستقرار الإقليميّ وتأمين مصالحها الاستراتيجيّة. يضع هذا المشهد قادة العالم أمام مفارقة تاريخيّة؛ فالدولة التي واجهت حصاراً خانقاً لعقود تُستقبل اليوم بترحيب دبلوماسيّ متزايد، في حين تواجه إسرائيل، الحليفة التاريخيّة للغرب، طوقاً من العزلة يتّسع يوماً بعد يوم.
عزلة غير مسبوقة تلوح في الأفق
قبل عقد من الزمان، كانت فكرة فرض الدول الغربيّة حظر أسلحة على إسرائيل مدعاة للسخريّة، واليوم يحدث ذلك في دولة تلو أخرى بوتيرة تتسارع فوق كلّ التوقّعات. لذا، احتفظ بهذه التدوينة، فبعد خمس سنوات، ستعامل الدنيا إسرائيل بصورة مختلفة كلّيّاً عمّا عهدته في الخمسين عاماً المنصرمة.
مراجع ومصادر
- The Admission of Palestine to Unesco and Related Documents https://doi.org/10.5305/intelegamate.51.3.0606 يوثّق هذا البحث الأكاديميّ تفاصيل تصويت يونسكو عام 2011 وقبول فلسطين دولةً كاملة العضويّة، وتداعيات ذلك على الساحة الدوليّة.
- U.S. Foreign Policy Towards Unesco After Acceptance Of Palestinian Membership For The Period 2012-2017 https://scholarhub.ui.ac.id/cgi/viewcontent.cgi?article=1107&context=jsgs يحلّل هذا المصدر المنشور في مجلّة الدراسات الاستراتيجيّة والعالميّة ردود الفعل الأمريكيّة والضغوطات الممارسة عقب التصويت لصالح فلسطين في يونسكو.
- Support for Israel in a Changing America https://www.inss.org.il/wp-content/uploads/sites/2/systemfiles/SystemFiles/adkan15_4ENGe_Alterman%20and%20Brown.pdf تدرس هذه الورقة البحثيّة الصادرة عن معهد دراسات الأمن القوميّ التحوّل الجيليّ في الولايات المتّحدة وتراجع الدعم لإسرائيل بين الشباب والأجيال الصاعدة.
- Antiwar/Solidarity Activism on Gaza: New Generation, New Challenges https://pomeps.org/antiwar-solidarity-activism-on-gaza-new-generation-new-challenges يبحث هذا المنشور الأكاديميّ في تغيّر مواقف الشباب الأمريكيّ تجاه السياسات الإسرائيليّة، وتحديداً بعد حرب غزّة، وتأثير ذلك سياسيّاً واجتماعيّاً.
- Is Israel Still A State that “Dwells Alone” in Its Foreign Relations? https://dergipark.org.tr/en/download/article-file/2416396 ورقة أكاديميّة تتناول سياسة إسرائيل الخارجيّة وبناءها تحالفات بديلة ومستقلّة مع دول أخرى للتخفيف من وطأة الضغوطات الغربيّة.
- Populist sovereigntism and international cooperation: the case of Brazil and Hungary https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13569775.2023.2267364 يبحث هذا المصدر المرجعيّ في سياسات المجر والبرازيل الخارجيّة وتوجّهات قادتها اليمينيّين في بناء التحالفات الدوليّة، وهو ما يتقاطع مع الخطّة البديلة المذكورة في النصّ.
- Syria: The unbearable cost of normalization https://shs.cairn.info/journal-esprit-2023-3-page-XVIII?lang=en تغطّي هذه المقالة الأكاديميّة الانفتاح الإقليميّ المتسارع على سوريا، وتغيّر مسار العلاقات الدبلوماسيّة وكسر العزلة.
- From New to Normal: Two Years after the Abraham Accords https://www.giga-hamburg.de/publications/giga-focus/from-new-to-normal-two-years-after-the-abraham-accords يدرس هذا البحث الأكاديميّ مسار التطبيع وإبرام اتّفاقيّات سلام مع دول عربيّة، وإعادة صياغة التحالفات الإقليميّة في الشرق الأوسط.





اترك رد