رسمة أمس السبت لظلال طيور الفلامينگو الوردية الجميلة مع غروب الشمس، منظر دراميّ يشعل القرمزيّ في ألوانها أكثر، وأعترف كذلك أنّني أضفت المزيد من الأحمر طالما أنّه لون لا قدرة لي في حضوره على المقاومة.

للأحمر القرمزيّ الكثير في خاطري ومشاعري، لون اللّهب واللّبّ ولطالما عرفت العرب اللّبّ بمكنون الحبّ. ومن جهتي أراه دوماً لون الصرامة واتّقاد العاطفة في ذات الوقت، لون داكن شبه تام لا يعرف التلاعب ولا التحايل على المواقف. صادق بغير قصد وعنيد إلى أبعد حد.
هل تعلم مدى اقتران الأحمر بالأسود في عيون غيرنا من المخلوقات؟
تسمّي الناس اليوم هذا الطائر بالفلامينگو وهذه التسمية المعاصرة أتت أصولاً من اللّغة الپرتغالية حين سمّاه البحّارة الپرتغاليون ”فلامينقو“ flamengo أي ”لون اللّهب“ تحوير عن الصفة الجرمانية-القوطية القديمة ”فليميش“ flemig والتي تعني ببساطة ”لهبيّ“ و”ناري“.
قبل شيوع التسمية الپرتغالية شاعت بين الناس تسمية عالمية لهذا الطائر هي ”فينيقوپْطِرُس“ Phoenicopterus وهي تحوير عن تسمية إغريقية سبقتها هي ”فُينيگوپْطِيروس“ φοινικόπτερος وهي نفسها التي صارت في الكوينية ”فِنيگوپَرّس“ Phoenicoparrus وترجمتها الحرفية هي ”طير الفينيق“. وإذا رغبنا بترجمتها مع ترجمة كلمة الفينيق الإغريقية يصبح معنى التسمية هو ”ذو الريش بلون أحمر الدم“ طالما أنّ صبغة القرمزي الكنعانية هي سبب تسميتهم بالفينيقيّين من قِبل الإغريق.
هذا الطائر سمّته العرب قديماً بالعنقاء، ولا غرابة بالصيغة المؤنّثة فجميع أسماء الطيور في لهجة عرب الشمال مؤنّثة طالما انتشرت آنذاك عبادة ”هيرا“ التي اتّخذت من العنقاء جسداً لها، حَسَبَ الأسطورة المشرقية. وعرفت العرب العنقاء، الفلامينگو، في مواسم محدودة خلال السنة، إذ تعيش هذه الطيور في غرب آسيا وشرق وجنوب أفريقيا، وتهاجر عبر سماء الأهوار العراقية والساحل السوري والفلسطيني كلّ سنة متابعة رحلتها على ساحل البحر الأحمر الغربي.
قدّست العرب والإغريق قديماً هذا الطائر واحترمت حضوره لرهبة ما شهدت من تصرّفاته، إذ من عادات هذا الطائر إذا جاعت فراخه ولم يجد ما يطعمها أن يجرح رأسه ليسقي صغاره من دمه. ويقوم أحد الأبوين بثقب رأس الآخر في حين ينحني الأخير كي يسقط الدم مباشرة في منقار الفرخ الصغير. هكذا رأت العرب في العنقاء رمز التضحية والبقاء، وابتكرت الأساطير عن ولادة هذا الطائر من لهب شمس السماء وعودته كلّ عام للحياة من جمر احتراق الغابات وتفحّمها.
أكثر ما يبهرني من تصرّفات هذا الطائر، التي أراقبها باستمرار في حديقة حيوانات برلين، هي رقصاته الجماعية التي يمارسها يومياً بكلّ إتقان واتّزان. وتعلّمتْ الناس من هذه الطيور رقصاتها وتصرّفاتها ولطالما صاغت بناء عليها عاداتها الاجتماعية وتقاليدها وقلّدتها حتى في فكرة الزواج الأبديّ وحرمة الافتراق بالطلاق… وهكذا بقيت رهبة تسمية ”طائر الفينيق“ حيّة بيننا طيلة آلاف من السنين وحتّى اليوم.





اترك رد