رسمة أمس السبت لمدخل خان الشونة المواجه لقلعة حلب، رسمتها عن صورة كان التقطها المبدع صلاح مرعشي سنة 2010. ولخان الشونة تاريخ ملفت بسبب حكاية مبناه ومن ابتناه، وكذلك بسبب العمارة الفريدة للخان والمجمّع من حوله.

سنة 1532 عيّن السلطان العثماني سليمان الأول ذراعه خسرو پاشا الطواشي والياً على حلب سنتين فقط، ثمّ سحب السلطان خسرو پاشا ليكون إلى جانبه في القسطنطينية وزيراً للديوان الهمايوني. وخسرو پاشا الطواشي (طڤاچي tavaçi) كان تركياً من أسرة خدمت وناسبت آل عثمان فترة طويلة فصاروا من الأمراء، لكنّ تنك العامين في حلب أدخلا محبّة المدينة إلى قلب خسرو پاشا فلم ينس رعايتها وتكريمها.
قبيل وفاته ببضع سنوات أحبّ خسرو پاشا أن يترك لأهل حلب هدية في مدينتهم، وقفاً على سير العادات العثمانية الإسلامية يعود ريعه على الحلبية بالمجّان. فيتذكّرونه ويذكرونه بالخير قروناً بعد حياته. وكلّف خسرو پاشا مدير أعماله في مدينة حلب “فروخ بن عبد المنّان الرومي” أن يبني في المدينة تكية تشتمل على مسجد ومدرسة ونُزل مع مطبخ وقيسارية (خان). وكان فروخ أرمنياً مسيحياً.
ولتصميم المجمّع (التكيّة) اتّفق فروخ الرومي مع المعمار الشهير سنان، وكان سنان آنذاك قد عُيّن في القسطنطينية حديثاً كبير معماريّي الإمبراطورية العثمانية. وسنان كذلك أرمني مسلم. وصمّم المعمار سنان التكيّة الخسروية التي انتهى بناؤها سنة 1546. وقد ذكر المؤرّخ الحلبي ابن الحنبلي من القرن 16 أنّ مهندساً مسيحيّاً أرمنياً أشرف على الشروع في أعمال البناء، ولربّما يكون من حلب أو من تلامذة وموظّفي المعمار سنان، مُرسل من القسطنطينية.
يُظهر نقش التأسيس المتموضع فوق بوّابة مدخل مسجد التكية آية قرآنية واسمي السلطان والواقف (مانح الوقف) وشطر بيت من الشعر، الذي يزوّدنا بتاريخ مكتوب على طريقة حساب الجُمل، وينتج عنه التاريخ 953هـ:
“وأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع الله أحدا [القرآن 72:18].
عُمّر في دولة السلطان الأعظم سليمان عزّ نصره وأنشأه الوزير خسرو پاشا”
حرم التقوى الّذي من أمّه فهو في أمن به قد حرس
معبد في حلب تاريخه (مسجد مشرف قد أسّسا)= 953هـ.”
ويذكر المؤرّخ الحلبي “الغزّي” في كتابة “نهر الذهب” أنّ التكيّة اكتملت على مسجد ومنزل للمسافرين ومدرسة صوفيّة ومطبخ عام يقدّم الطعام للناس مجّاناً كلّ يوم، وحديقة وإسطبل، وقيسارية أو قاسارية؛ هي الخان المسمّى بالشونة، والذي قدّمت رسمتي له اليوم. أمّا الحديقة فقد احتوت على ضريح رُفاتُ قورت بك بن خسرو پاشا الطواشي وزوجته.
ويستمدّ خان الشونة اسمه من كونه مخزن تجميع محاصيل المزارعين الوافدة إلى مدينة حلب. فكلمة شونة بالعربية تعني مخزون الغلّة. وكان اختار “فروخ الرومي” موقع التكية الخسروية بذكاء ودراسة، إذ تقع في أكثر مناطق حلب العثمانية ازدحاماً. أمام ممرّ بوّابة حلب، جنوب شرق المحور الرئيس لسوق حلب المغطّى. وكان إلى جواره قصر والي حلب، الذي تغيّر سنة 1883 إلى المستشفى العثماني الذي تحوّل سنة 2010 إلى فندق كارلتون القلعة.
وكانت التكية الخسروية تقع وسط عدد كبير من أهمّ متاجر وخانات حلب، دمّرها جميعاً زلزال سنة 1822 ما عدا قيسارية الشونة. لكن، وقبل الزلزال وطوال العهد العثماني، كانت هذه المتاجر والخانات تتحلّق بشكل حدوة الحصان حول سوق الجمعة، السوق المفتوح، المعروف كمحطّة حجيج مكّة الرئيسية في طريقهم إلى دمشق، وقبل الانطلاق إلى الحجاز. فكانت هذه السوق هي أهمّ مقرّات التبادلات التجارية الدولية في مدينة حلب وكامل المنطقة الشمالية من شرق المتوسط.
سنة 1885 قام والي حلب “جميل نامق پاشا” بتحويل كامل التكيّة إلى مدرسة ما عدا خان الشونة. ثمّ سنة 1908 قام الشيخ الدمشقي رضا الزعيم بترميم مسجد المدرسة وبإعادة فتحه للعامّة بعد أن اقتصر على طلبة المدرسة. وبقيت المدرسة في الخدمة كمدرسة حتى نهاية القرن العشرين. لكن سنة 1989 أعادت الحكومة السورية افتتاح خان الشونة بتحويله إلى سوق للمهن اليدوية، بشكل بعيد عن الوظيفة الأصلية التي بني من أجلها الخان، كسوق تجارية دولية رئيسة.
تصف وثيقة وقف الخسروية الثالثة (الوقفية، بتاريخ 1566) الوجبات اليومية التي كان يتمّ إعدادها في المطبخ العام وتوزيعها على موظفي المدرسة وطلّابها، وعلى ضيوف التكيّة: حيث كان على الطهاة والخبّازين إعداد 260 رغيف خبز و 6.34 كلغم من لحم الضأن المطبوخ يوميا لتناول طعام الغداء والعشاء و 3.62 كلغم من لحم الضأن المطبوخ مع الرز كحساء ولوجبات الإفطار خلال شهر رمضان، أمّا في ليالي يوم الجمعة وليالي رمضان، فكانوا يستهلكون 4.5 كلغم من الأرز لصنع الحلويات، ربّما الرزّ بحليب!
لم تكن حلب مجرّد محطة عثمانية مهمّة تخدم طريق الحج جنوبا إلى الحجاز فحسب، بل أصبحت ثاني أهمّ مركز إقليمي في الإمبراطورية للتجارة الداخلية والخارجية، الواقعة على مفترق الطرق الرئيسية بين أوروپا وآسيا وأفريقيا. لذلك، ساهمت عائدات الدخل في وقف الخسروية الخيري، كالمحلّات التجارية والخانات، بشكل كبير في تحقيق نموّ اقتصادي لكونها استثمارات هامة في البنية التحتية التجارية للمدينة والولاية كليّاً.
كانت الخسروية بوصفها مدرسة دينية، إلى أن دُمّرت مع المجمع سنة 2014، أهمّ وأرقى مؤسّسة تعليمية إسلامية في حلب والمنطقة الشمالية من سوريا.





اترك رد