للوهلة الأولى قد يبدو أنّ للموضوع علاقة بالأشراف «آل البيت» أو قد يُظنّ أنّها من «الشرف» لمكانة الشام في تراث المسلمين. لكنّ الموضوع أبسط من ذلك. فأصلها «شام شرّيف» من العهد السلجوقي، ومعناها «عاصمة الشام». أي مكان إقامة «شرّيف الشام»، يعني نائبها، مشرفها.
في القرون الوسطى استُعملت كلمة «شرّيف» في آسيا كمصطلح سياسي بمعنى مختلف عن معناه في العربية المعاصرة. فكان من يمثّل وحدة إدارية ينال لقب «شرّيف» بمعنى نائب. فهو ينوب عن هذه المنطقة بالحديث باسمها في العاصمة الإدارية.
مثلاً، في بعض مراحل العهد السلجوقي نال الأتابك أو الأُتبك لقب شرّيف لأنّه يتحدّث باسم حاكم الإيالة، فهو الحاكم الفعلي لكنّه ليس الحاكم رسميّاً، واستلزم لقباً يمنحه صفة رسمية كحاكم دون استعمال ألقاب الحكم، فتداولت الطبقات السياسية كلمة «شرّيف».
أي أنّه يشرّف المنطقة أو العائلة المالكة بالحديث باسمها.
عن الدولة السلجوقية ورثت هذا التداول كل من الدولة الخوارزمية (وقد ورثت حماية الخلافة في بغداد)، وسلطة الروم المسلمة في الأناضول.
ثمّ ورثت عن الدولة الخوارزمية ذات النظام كلّ من إلخانية فارس والدولة الجغتائية. خصوصاً بعد التحوّل إلى الإسلام عن الشامانية والبوذية والمسيحية. فعاد استعمال كلمة «شرّيف» من باب العودة إلى المصطلحات الإسلامية.
وعن الدولة الجغتائية ورثت الدولة التيمورية نظامها الإدارية وحافظت على نفس المصطلحات، فصارت أسماء العواصم تُلحق بكلمة «شريف» مثل بخارى شريف، وسمرقند شريف. بتخفيف الراء المشدّدة إلى راء ليّنة. وكلمة شريف هنا ليست صفة للمدينة إنّما تعبّر عن أن هذه المدينة هي عاصمة الوحدة الإدارية. مثلاً بخارى شريف تعني أنّ هذه المدينة هي عاصمة الوحدة الإدارية التي تحمل اسم بخارى… على منوال الطريقة الإغريقية والرومية في إلحاق كلمة «پوليس» باسم عاصمة الوحدة الإدارية.
وعن سلطة الروم المسلمة في الأناضول ورثت الدولة العثمانية نفس النظام الإداري، وأحيته من جديد بعد فتح أراضي المماليك سنة ١٥١٧، فاستبدلت كلمة «نيابة» المملوكية بكلمة «شريف» القديمة وصار يقال: شام شرّيف، قدس شرّيف، مكة شرّيف… ومنها لقب حاكم الحجاز «شريف مكّة» وكذلك لقب «شريف طرابزون».
ومن الجدير بالاهتمام هنا أنّ المغرب استعملت لقب «شريف» بمعنى «نائب» في بعض مراحلها السياسية، مثلاً «شريف فاس» تحت حكم الأدارسة والعلويين. و«شريف مراكش» في عهد السعديّين.

مع الزمن حُذفت شرّيف من تسمية «شام شرّيف» وبقيت شام. وشام اسم البلد الذي تعصمه دمشق، وناله التقسيم وتغيرت تسميته إلى سوريِه سنة ١٨٦٢.
لكن، بقيت صفة العاصمة دمشق الشام، لأن الدولة العثمانية استعملت رسمياً اسم شام بدل اسم دمشق، وبُدّل رسميّاً إلى دمشق من جديد في عهد الانتداب الفرنسي. ويُذكر هنا أيضاً أنّ بيان «المؤتمر السوري الكبير» بتاريخ ٧ آذار ١٩٢٠ اعتمد اسم دمشق بديل عن شام للمدينة، وكان كذلك أوّل مؤتمر عربي يمنح اسم «سوريا» لكلّ منطقة الشام والعراق باسم «المملكة العربية السورية».
خلال حكم السلطان {عبد المجيد الأوّل} (١٨٣٩-١٨٦١) بدأت مرحلة التنظيمات العثمانية مع إعلان «خط شريف كولخانة» عام ١٨٣٩، وتطوّرت أكثر مع «خط شريف همايون» عام ١٨٥٦.
في القانون الهمايوني «خط شريف همايون» بدأ استعمال اسم «دمشق» بصفة رسميّة إلى جانب اسم «شام» في اسم المدينة.
ثمّ، خلال حكم السلطان {عبد العزيز الأوّل} (١٨٦١-١٨٧٦) وفي أعقاب الحرب الأهلية الشامية صدر قانون الولايات لعام ١٨٦٤ الذي نظّم الإدارة العثمانية فحوّلها إلى إدارة مركزية تعتمد نظام الولاية بدلاً عن نظام الإيالة (الدولة)، واستخدم هذا القانون اسم «ولايت سوريِه Vilâyet-i Sûriye» إلى جانب اسمها السابق «ولاية الشام».
ثمّ، في السالنامات العثمانية التي صدرت في دمشق منذ عام ١٨٦٨ صدرت باسم «سالنامة ولاية سوريٍه» واستُغني عن اسم «ولاية الشام» تماماً. ومن ذلك العهد بدأت المراسلات الرسمية للدولة العثمانية، بما فيها تلك مع القنصليات الأجنبية. تستعمل اسم «سوريِه» Sûriye للولاية و«دمشق» Dimaşk لعاصمتها.
مع ذلك، لم تزل لغة الجمهورية التركية إلى اليوم تستعمل اسم شام Şam اسماً لمدينة دمشق دون تغيير. ومع أنّ اسم المدينة رسميّاً في عربية سوريا هو «دمشق» غير أنّ السوريّين لا يتداولونها إلاً باسم «شام».
مراجع
- كتاب “تاريخ دمشق” لابن عساكر (499-571 هـ) – يعد من أهم المصادر التاريخية عن دمشق وتطور تسميتها
- العظم، رفيق (1986). “أشهر مشاهير الإسلام في الحروب والسياسة”. دار الرائد العربي، بيروت – يتناول التنظيمات العثمانية وتأثيرها على الشام
- الحلاق، حسان (2000). “دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية”. دار النهضة العربية، بيروت – يتضمن معلومات عن الفترة السلجوقية والخوارزمية
- Shaw, Stanford J. (1976). “History of the Ottoman Empire and Modern Turkey”. Cambridge University Press – مرجع مهم للتنظيمات العثمانية وقوانين الولايات
- المحامي، محمد فريد بك (2009). “تاريخ الدولة العلية العثمانية”. دار النفائس، بيروت – يوثق التغييرات الإدارية في عهد السلطانين عبد المجيد وعبد العزيز
- Hourani, Albert (1991). “A History of the Arab Peoples”. Harvard University Press – يتناول تطور المصطلحات الإدارية في المنطقة
- الصباغ، ليلى (1995). “المجتمع العربي السوري في مطلع العهد العثماني”. دمشق – تتناول التغيرات الإدارية والتسميات في دمشق
- Findley, Carter V. (1980). “Bureaucratic Reform in the Ottoman Empire”. Princeton University Press – يوثق الإصلاحات الإدارية العثمانية وتأثيرها على التسميات الرسمية





اترك رد