تتسلّل الأمثال المشحونة بالكراهية الطائفية في الروايات المتناقلة بين المجموعات الدينية. يخفيها أبناء كل طائفة خلف جدرانهم المجتمعية، ويحجبونها عن أعين الآخرين الذين يمارسون نفس أسلوب التخفّي. تعبّر هذه الأمثال عن معتقدات الجماعة وتصوّراتها، وتعكس نظرتها لذاتها وللآخرين وللعالم ضمن محيطها الاجتماعي وشبكات تفسيراتها. تختصر أفكارها بلغة موجزة ومؤثّرة وحادة. تبدو هذه المعتقدات في ميزان النقد والتاريخ مضلّلة وغير دقيقة، لكنها تهدف أساساً إلى تخليد الواقع القائم ورفع صورة الجماعة إلى مرتبة المثال الأعلى، برغم عدم تطابقها مع الحقيقة في جميع الأحوال.
من الأمثال السورية التي لا أحبّها متل يقول «هالبصلة سنّيّة» إشارة إلى أنّها حارّة وحادّة مثل السنّة! ومثله مقولة «تعشّى عند السنّي ونام عند المسيحي» إشارة أنّ العلوي يأتمن جانب المسيحي أكثر من المسلم السنّي و «عضم السنّي أزرق»! وعلى نفس المستوى مقولة «عدوّ جدّك ما بيودّك» في تأكيد تراثي على أنّ العداء العلوي-السنّي قديم وعتيق وجزء من طبيعة العلاقة بين الطائفتين. وفي نفس السياق يكرّر السوريّون القول «بحياتن ما حبّونا ليحبّونا هلّق» … وهو الذي ساق إلى المقولة «إذا سقط الحكم ليرجعونا على الجبال وليصير الدمّ للركب» التي شاعت مذ ذاع خبر موت حافظ الأسد عام ٢٠٠٠.
هذه «أمتال» حسب المصطلح السوري، يتداولها جزء من السوريّين في حديثهم اليومي، وما هي إلّا شيفرات تعزّز الكراهية والبغضاء منهجاً للتفكير، وطريقة لرؤية الآخر. هي النظرة التي تُبنى عليها المواقف المسبقة التي ستقابل أي مبادرة من الطرف الآخر.

يتطلّب فهم المثل معرفة كاملة بسياق ولادته الأصلي وأهدافه المرجوة، ويستدعي تحليل عناصره الواقعية والمضافة، وتفكيك رسائله المضمَرة. وتتغيّر ظروف استخدام المثل وتطبيقاته عبر الزمن، فلا تتطابق دائماً مع سياقه الأول، خاصّةً مع تجاوز الذاكرة الجمعية لهذه الظروف وتعميمها على كل الأزمان والأماكن. يبرز مثالاً على ذلك المثل «عدو جدّك ما بيودّك»، الذي يضيف عليه البعض في الساحل السوري ولبنان وفلسطين «ولو عبّدتو ربّك». يستخدم هذا المثل للتعبير عن عداوات يُفترض أزليتها بين السنّة والشيعة والعلويّين والدروز، وكذلك بين العرب والأكراد وغيرهم، برغم غموض تاريخ نشأته الأصلي.
تتميّز أمثال الكراهية الطائفية بتركيزها على كلمة محورية متناقضة، تؤسّس معنى المثل على أساس الانتماء للجماعة في مواجهة الطرف الآخر المحكي عنه. وتشير هذه الكلمة المحورية غالباً إلى اسم الطائفة أو الجماعة بنظرة متدنية مشكّكة، وتندر فيها الصور الإيجابية عن الآخر، مما يجعل المثل خطاب كراهية بطبيعته. وتؤدي هذه الأمثال دوراً مهمّاً في تشكيل «موجات مدّ الذاكرة»، كما يسميها المؤرخ الفرنسي {پيار نورا}. تؤكّد للجماعة صحة تصوّراتها عن الرموز المشكِّلة لصورة الآخر في ذاكرتها الجمعية.
يظهر هذا في المثل المتداول بصيغ متعدّدة في المشرق العربي: «كول عند يهودي ونام عند مسيحي» أو «تغدّى عند درزي ونام عند مسيحي». وتصوّر هذه الأمثال المسيحي شخصاً مسالماً آمناً لكنه غير نظيف، واليهودي أو الدرزي شخصاً نظيفاً وربما كريماً لكنه بجانب لا يؤتمن. وتعزّز هذه التصوّرات المتناقضة في اللّفظ والسرد صوراً نمطية تفتقر للدقّة، وتؤثّر في طريقة تعامل الجماعة مع الجماعات الأخرى على مستويات متعددة.
تتصدّر العلاقة بالآخر أمثال متداولة داخل حدود الطوائف وخارجها، أبرزها المثل القائل: «يلّي بياخد من غير ملّتو، بيموت بعلّتو»، أو بصيغة «بيوقع بعلّة غير علتو». ويحذّر المثل بوضوح من مصير الخارج عن الجماعة مهما كان السبب، خاصّةً في موضوع النسب والحسب، متوعّداً بموت غير طبيعي لمن يخرق نقاء الجماعة العنصري والعرقي المزعوم. يناقض هذا التصور الواقع الذي يشهد على التشابه في العادات والتقاليد والهموم والآمال بين مختلف المجموعات السورية.
تترادف الأمثال المماثلة مثل «الخروف يلي بيطلع من القطيع بياكلو الديب»، و «زيوان البلد ولا حنطة جلب». تشدّد هذه الأمثال على ضرورة البقاء ضمن المجموعة وتخوّف من عواقب مخالفة مسارها. وينعكس هذا الانغلاق في اللاوعي الجمعي للجماعات على انخفاض معدّلات الزواج المختلط طائفيّاً، كما يفسّر مواقف بعض المثقّفين السوريّين في نظرتهم لثورة الكرامة. يستخدم هؤلاء المثقّفون هذه الأمثال لتبرير دفاعهم عن تصرفات طوائفهم المرفوضة، متجاهلين أصول هذه الأمثال ومعتمدين صحّتها مطلقة، نابعة من تجربة صادقة لا من تحيز المجموعة، متمثلين بالمثل: «إن حزت المحزوزية، كل عنزة بتلحق قطيعها».
تتوزّع الأمثال الطائفية على مستويات متعدّدة بين الأديان الثلاثة الرئيسة في سوريا، وتتفرّع داخل كل دين بين جماعاته ومذاهبه. وتتنوّع حقولها الدلالية لتشمل المواسم الزراعية المتأثّرة بالمسيحيّين، مثل «بيفضل البرد قايم طالما المسيحي صايم». وتتركّز معظم الأمثال على العلاقة مع الآخر في مواقف مفصلية تؤطّر الصورة الكاملة لهذه العلاقة، مليئة بالعناصر السلبية العنصرية والتحذيرية والتعجيزية.

تبرز العنصرية ضدّ اليهود بشكل خاص في غالبيّة الأمثال، فتصوّرهم شخصيّات مداهنة محبّة للمال وبخيلة كما في «اليهودي إذا فلّس، بالدفاتر القديمة فتش»، وأنانية كما في «إذا احتاجوا لليهودي، قال اليوم عيدي». وعلى ذات السياق يعبّر السوري عن كرهيّته للدمشقي باستبدال الموصوف في هذه الأمثال، كقوله «الشامي إذا فلّس، بالدفاتر القديمة فتش» وكذلك «إذا عزت الشامي، قال اليوم عيدي» وكذلك قوله «الشامي أضرب من اليهودي».
تنتشر أمثال أخرى مثل «العلوية ألأم من اليهود»، و «قرف وبيتقرف، ورافضي وبيتشرّف»، برغم محدودية انتشاره. ويطلق على الشخص العنيد وصف «راسو حيط متل الرافضي» أو «عامل حالو أبو علي». تعود الكلمة المحورية «الرافضي» إلى عصور سابقة تصف من رفض فتاوى ومقرّرات الخلافة العبّاسية في بغداد، وتصف كذلك من تبع تيمور لنگ الذي عرّف دعايته السياسية برفض حال ومصير الأشراف آل البيت، فينزع عنه وصف «مسلم» ويختزل في كلمة «رافضي» مثل المرتدّ، في حين تشير «أبو علي» عموماً إلى من يكثر من تسمية أبكاره علي.
تحفل ذاكرة الشيعة وأقلّيّاتها بأمثال مماثلة، أبرزها «عدو جدّك ما بيودّك» و «الموت ولا شفاعة عمر» و «عند العقرب لا تقرب» و «يهود خيبر ولا أهل جوبر» (جوبر من أعرق أحياء دمشق). يضاف لها المثل محدود الانتشار «عضم السنّي أزرق». تشهد هذه الأمثال تحولاً في معانيها، فأصبحت كلماتها المحورية (الشفاعة، العقرب، أهل جوبر) ترمز للسنّة، مع ما يرافق ذلك من تعميم يشوّه معنى كل مثل.
تتضمّن أمثال العلاقة بين المسيحيّين والمسلمين رسائل تدعو للحذر من الآخر وتقلّل من قيمته الإنسانية والحضارية، برغم اقتباس المسلمين لكثير من عادات وأمثال المسيحيّين (بحكم التقادم). يظهر استخدام كلمة «مسيحي» في الأمثال ذات الأصل الإسلامي، في حين يستخدم المسيحيّون كلمة «النصارى» في أمثالهم. يعبّر المثل «أسلمت سارة، فلا زاد الإسلام، ولا نقصت النصارى» المنتشر في المشرق العربي عن ردّة فعل تقلّل من أهمّيّة تحوّل النصارى إلى الإسلام في مجتمعات المشرق. ويتجاوز استخدام هذا المثل اليوم أصله الديني ليشير إلى ضآلة تأثير الفرد مقابل الجماعة.
تنتشر في فضاء قرى العلويّين عادات لغوية طائفية متجذّرة بعمق. حين يتعلّم الأطفال شتم رموز دينية كعمر بن الخطاب وأبي بكر وعثمان دون إدراك معاني كلماتهم، فتصدر عنهم عبارات مثل «الله يلعنك وجهك بيقطع الرزق متل وجه عمر وأبو بكر». وتستمرّ هذه العادات عند الكبار في شكل نكات ومزاح، مثل قصة الشاب السليط اللّسان الذي أجاب رجل الدين في جلسة دينية مقدّسة بإجابة بذيئة عن أبي بكر وعمر وعثمان فقال: «إيري وإير كل شي موجود بهي الحضرة بقوط أمهاتهم». وتُتداول هذه القصص بعفوية ضمن الأحاديث العامّة، وتثير الضحك دون أي تحرّج أو استنكار. لكنّها لا تُذكر في حضور شخص غير علوي.
يمتدّ هذا التراث الشفوي ليشمل الإسماعيليّين أيضاً. وتصاحب كلمة «سمعولي» تعابير وجه مشمئزّة تعكس احتقاراً وكرهاً مضمراً لهذه الطائفة. وتصل التصوّرات عنهم حدّ الاعتقاد بشعائر غريبة عند الموت، كإجلاس المرأة الميت بين فخذيها مرددة: «شيخ مسعود يا شيخ مسعود منك طلعنا وعليك منعود». تروى أيضاً قصص تسخر من العلاقات بين الطوائف، مثل نكتة الشيخ العلوي الذي اتّصل بالخطأ برقم إسماعيلي ليدعوه لعيد خاص بالعلويّين، لتكشف النكتة عن جهله بالتكنولوجيا وكره العلويّين للإسماعيليّين معاً.
تتجلى النظرة السلبية للطوائف والأقوام الأخرى في تعابير يومية مثل «العمى شو يهودي» للأفعال المشينة ويشار بها إلى الدمشقي، و «العمى شو كردي» للعناد. تطغى شيطنة السنّة والإسماعيليّين على باقي الصور النمطية. وينعكس هذا التراث الشفوي في سلوك اجتماعي يتجنّب الاختلاط مع الطوائف الأخرى إلّا في أضيق الحدود، حتّى في المدن المختلطة. يندر الزواج بين الطوائف برغم عدم استحالته، مع نبذ أشدّ للفتاة المتزوّجة من طائفة أخرى مقارنة بالشاب. يعزى تساهل العلويّين النسبي في هذا الأمر، مقارنة بطوائف أخرى تصل لحدّ القتل، إلى نظرتهم الدونية العامّة للمرأة وإمكانيّة الاستغناء عنها.

يتجاوز فهم العلاقات بين الجماعات مجرّد تحليل أمثال الكراهية الطائفية وغيرها، فتتشابك العوامل المؤثّرة في هذه العلاقات بشكل معقّد. وتشكّل هذه الأمثال مصدراً غنيّاً لفهم فكر الكراهية الطائفي بتجلّياته المختلفة، مع ضرورة الحذر من المبالغة في تقدير تأثير هذا المخزون الجمعي على حركة المجتمع المحكومة بعلاقات وروابط أكثر عمقاً وقوة.
تعلّمنا الأمثال الشعبية السورية درساً عميقاً عن مخاطر التعميم والأحكام المسبقة. إذ تتوارث الأجيال هذه الأمثال دون تمحيص، فتترسّخ في وعيهم صوراً نمطيّة مشوّهة عن الآخرين. ويؤدّي هذا التراث الشفهي دوراً سلبياً في تغذية المخاوف والشكوك بين أبناء الطوائف المختلفة. حين تنقل الأمثال الطائفية رسائل التحذير والتنفير من الآخر، وتصوّره بصورة سلبية مبالغ فيها. كما تضعف هذه الأمثال نسيج المجتمع السوري، وتعيق التواصل الطبيعي بين مكوّناته. ويظهر تأثيرها جليّاً في انخفاض معدّلات الزواج المختلط، وفي تجنّب العلاقات الاجتماعية العميقة بين أتباع الطوائف.
يبرز الحل في تفكيك هذه الأمثال ودراسة جذورها التاريخية. وتكشف هذه الدراسة زيف ادّعاءاتها وعدم دقّتها في وصف الواقع. ويتطلّب تجاوز تأثيرها السلبي وعياً عميقاً بخطورة ترديدها دون تفكير، وإدراكاً لدورها في تأجيج الكراهية والعداء بين أبناء الوطن الواحد. تدعونا هذه الأمثال للتأمّل في قوّة الكلمات وتأثيرها على العلاقات الإنسانية. ويحتاج المجتمع السوري اليوم إلى تراث جديد يؤكّد على القواسم المشتركة، ويحتفي بالتنوّع، ويشجّع على التعارف والتواصل بين جميع مكوّناته.





اترك رد