تظهر في وسائل التواصل والإعلام العربي مقولة منتشرة تقسّم اللّغة العربية إلى مستويين: فصحى وعامّيّة. ويضيف بعض المتحدّثين مستوىً ثالثاً يسمّونه «العربية الوسطى» أو «البيضاء» أو «الفصحى المعاصرة» (فصحى الصحافة). يتجاهل هذا التقسيم البسيط تاريخاً طويلاً من البحث اللّغوي العربي، صنع تصنيفات دقيقة لمستويات اللّغة العربية.
تراكم عبر قرون من البحث والتحليل والتدريس فهمٌ عميق لطبيعة اللّغة العربية ومستوياتها المختلفة. وطوّرت المدارس النحوية العربية المتعاقبة نظريّات متكاملة في تحليل النصوص وتدريس اللّغة. ويبرز في هذا المجال منهج علماء بخارى الذين ابتكروا نظرية المستويات اللّغوية.
أدعوكم في هذه التدوينة إلى استكشاف التراث العربي في فهم مستويات لغتنا العربية، وتصحيح المفاهيم الشائعة عن تقسيماتها.

الفصحى
الفصحى هي اللّغة الوسط التي يتفاهم بها العرب في جميع أنحاء العالم العربي، وهي اللّغة الرسمية في جميع الدول العربية. وهي المستوى المعياري للّغة العربية التراثية، وهو الذي يُستخدم في النصوص الأدبية والعلمية والرسمية، ويتميّز بالالتزام بقواعد اللّغة العربيّة الفصحى، بما في ذلك قواعد النحو والصرف والبلاغة. والوضوح والدقّة في التعبير. والخلوّ من اللّحن والخطأ (نسبيّاً).
هذا التسلسل التاريخي يوضح تطوّر مفهوم الفصحى عبر الزمن:

مدرسة نحويّي بخارى
تأسّست في ٦٦١م وانتهت بحريق ٩٣٧ م وعادت في ١٠٥٠م ثمّ انتهت ١٦٨٩م
عرَّفت الفصحى بأنّها اللّغة الجامعة بين الفصاحة النحوية والبلاغية، مع التركيز على المعنى والسياق أكثر من التقيّد بالقواعد الشكلية. وكانت تتميّز بنظرة تكاملية تجمع بين علوم اللّغة والمنطق والفلسفة في تحديد معايير الفصاحة.
مدرسة نحويّي البصرة
تأسّست في ٦٨٥م وانتهت بمجزرة البصرة عام ٨٧١م
عرَّفت الفصحى في بداياتها بأنّها اللّغة المنطوقة الفطرية التي يستخدمها العرب في حياتهم اليومية، مع قبول التنوّع اللّهجي طالما حافظ على السليقة العربية الأصيلة. وكان معيارهم الأساسي هو سلامة النطق والتعبير، دون تشدّد في أصل المتحدث أو قبيلته.
مدرسة نحويّي الكوفة
تأسّست حوالي ٧٢٠م وانتهت عام ٩٥٠م بالانتقال إلى بغداد
عرَّفت الفصحى بأنّها اللّغة المشتركة التي تجمع بين فصاحة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وما تواتر من كلام العرب شعراً ونثراً (الشعر الجاهلي). وتميّزت برؤية أكثر مرونة في قبول الشواهد اللّغوية من مختلف القبائل العربية.
مدرسة نحويّي بغداد
تأسّست في ٨٥٠م وانتهت بمجزرة بغداد عام ١٢٥٨م
عرَّفت الفصحى بأنّها لغة التخاطب الراقية التي تجمع بين دقّة البصريّين في القياس، ومرونة الكوفيّين في السماع. وأضافت إلى ذلك معايير جديدة تتعلّق بالذوق الأدبي والجمال البلاغي.
مدرسة نحويّي الأندلس \ المغربية
تأسّست حوالي ٩٠٠م وانتهت بسقوط غرناطة عام ١٤٩٢م
عرَّفت الفصحى بأنّها اللّغة المعيارية التي تحقّق التوازن بين الأصالة والتجديد، مع التركيز على الاستعمال العملي للّغة في الحياة الثقافية والأدبية. وأضافت معايير تتعلّق بالجمال الصوتي والتناسق اللّفظي.
المدرسة المصرية \ الشامية
تأسّست حوالي ٩٠٠م في جامع عمرو بن العاص، ثمّ انتقلت إلى الأزهر في ٩٧٠م ثم انتقلت إلى كلّية دار العلوم في ١٨٧٢م ثم انتقلت إلى مجمع اللّغة العربية في ١٩٣٢م، ولم تزل مستمرّة إلى اليوم
عرَّفت الفصحى بأنّها اللّغة المتطوّرة التي تحافظ على أصولها مع قدرتها على استيعاب المستجدّات الحضارية. وأضافت معايير تتعلّق بالوضوح والدقّة في التعبير عن المفاهيم العلمية والفكرية الجديدة.
هذا التطور في تعريف الفصحى يعكس تحوّلاً مهمّاً في الفكر اللّغوي العربي، من التركيز على السليقة والفطرة في البدايات، إلى إضافة معايير تتعلّق بالجمال والوظيفة والتطوّر الحضاري. كما يعكس تأثير البيئات المختلفة على فهم طبيعة اللّغة ووظيفتها في المجتمع.
اتّفقت جميع مدارس نحويّي العربية على اعتبار الفصحى لغة معيارية مشتركة تجمع العرب، فجميع المدارس اتّفقت على أنّ الفصحى هي اللّغة الجامعة للعرب مع اختلاف تركيزهم على جوانب مختلفة منها. مع الالتزام بأصول اللّغة العربية الفصحى وقواعدها الأساسية. كما اتّفقت جميع المدارس على اعتماد القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي كمصادر أساسية للفصحى، وإن اختلفت درجة الاعتماد على كلّ مصدر.
مع ذلك اختلفت هذه المدارس في منهجية التقعيد، وفي مرونة القواعد، واختلفت على معايير الفصاحة، كما تمايزت حسب التطوّر الزمني.
- منهجيّة التقعيد:
- البصرة ركّزت على السليقة والفطرة اللّغوية
- الكوفة اهتمّت بالنصوص المتواترة والشواهد من مختلف القبائل
- بغداد جمعت بين منهجيّ البصرة والكوفة مع إضافة معايير جمالية
- بخارى ركّزت على التكامل بين علوم اللّغة والمنطق والفلسفة
- مرونة القواعد:
- المدرسة البصرية كانت أكثر تشدّداً في القواعد
- المدرسة الكوفية كانت أكثر مرونة في قبول الشواهد
- المدرسة الأندلسية سعت للتوازن بين الأصالة والتجديد
- المدرسة المصرية تبنّت نهجاً تطوّريّاً يستوعب المستجدّات
- معايير الفصاحة:
- بخارى: الجمع بين النحو والبلاغة مع التركيز على المعنى
- البصرة: سلامة النطق والتعبير
- الكوفة: التوافق مع النصوص المقدّسة والشعر العربي
- بغداد: الدقّة في القياس مع الجمال البلاغي
- الأندلس: الجمال الصوتي والتناسق اللفظي
- مصر: الوضوح والدقّة في التعبير عن المفاهيم الحديثة
- التطوّر الزمني:
- المدارس القديمة (البصرة والكوفة) ركزت على التأسيس والتقعيد
- المدارس الوسطى (بغداد وبخارى) اهتمّت بالتنظير والتطوير
- المدارس المتأخّرة (الأندلسية والمصرية) اهتمّت بالتجديد والتطوير المعاصر
ولنتعمّق في تفاصيل أعمق

مدارس نحويّي العراق (البصرة، الكوفة، بغداد)
كانت مدرسة البصرة في العصر الأموي تتميّز بمنهج مختلف في تعريف الفصحى عنه في العصر العبّاسي الأوّل، حيث تأثّرت بالبيئة البصرية الأمويّة المنفتحة على التجارة والثقافات المختلفة. وكان لموقع البصرة كمركز تجاري وعلمي أثر كبير في تشكيل نظرتهم للفصحى.
ويمكن تلخيص أهم سمات الفصحى البصْريّة في العصر الأموي كما يلي:
كانت تقبل تنويعات اللّهجات العربية المختلفة وتعتبرها جزءاً من الفصحى، طالما أنّها تتوافق مع السليقة العربية. وكان هذا يعني قبول روايات الأعراب من مختلف القبائل العربية، حتى تلك المقيمة في بلاد الترك والروم، عكس ما حدث لاحقاً في العصر العبّاسي.
ما بين عهد {علي بن أبي طالب} وعهد {أبو العبّاس السفّاح} اعتمدت مدرسة البصرة في تقعيد اللّغة على السماع المباشر من الأعراب الوافدين إلى البصرة، دون تشدّد في شروط الرواية كما حدث لاحقاً. وكان هذا المنهج أكثر مرونة وانفتاحاً على التنوّع اللغوي.
لم تكن تشترط نسباً معيّناً أو قبيلة محدّدة في الراوي، بل كان المعيار الأساسي هو الفصاحة والقدرة على التعبير بوضوح، بغض النظر عن أصل المتحدّث.
وهذا التحوّل في مفهوم الفصحى عند البصريّين؛ من المرونة والانفتاح في العصر الأموي إلى التشدّد والتقييد في العصر العباسي، يمكن فهمه في سياق التغيّرات السياسية والاجتماعية التي صاحبت قيام الدولة العباسية، وخاصّة انقلاب العبّاسيّين على معايير التعريب المروانية لإخراج تراث أغلب اليمانية من الهوية العربية. واحتجّ العبّاسيّون آنذاك بوسم الشعوب العربية التي غضبو عليها بأنّها أعاجم تلحن في اللغة العربية ظهور الحاجة إلى وضع معايير صارمة للحفاظ على نقاء اللّغة.
في العقد الأوّل من العهد العبّاسي في العراق اعتمدت مدرسة البصرة على منهج أكثر تشدّداً في تحديد الفصحى، حيث حصرت الفصاحة في لغة قريش الهاشمية وما جاورها من القبائل في نجد والحجاز. ورفضت الأخذ عن القبائل المجاورة للأمم الأخرى بحجة تأثّر لغتهم بلحن الأعاجم. واشترطت في الراوي أن يكون عربيّاً فصيحاً موثوقاً بعربيّته (من وجهة النظر العبّاسية)، واعتمدت على السماع والقياس في تقعيد اللّغة.
ثمّ، برزت مدرسة نحويّي الكوفة التي حدّدت معياراً جديداً للفصحى وهو المعيار الذي تعتمده اليوم أغلب البلدان العربية. وهو أنّ الفصحى هي اللّغة العربية التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة. هكذا، صارت رواية القرآن والحديث الشريف هي ما يقاس عليه، وكل ما خالفها غير فصيح، وكل ما فيها فصيح، حتّى لو خالف قواعد مدرسة البصرة. غير أنّ مدرسة الكوفة نشرت مفهوماً جديداً يمزج بين تعاريف «الفصحى» و «الفصيحة» فصنعت ارتباكاً لم يزل حيّاً إلى اليوم.
ثمّ، وبعد الكثير من المعارك اللّغوية بين مدرستي الكوفة والبصرة، وبعد انتهاء مدرسة البصرة بمذبحة مدرسة الزنج، تأسّست مدرسة بغداد (في القرن الثالث الهجري) التي جمعت بين منهجي البصرة والكوفة، وتوسّعت في القياس والتعليل، وقبلت بعض ما رفضه البصريّون من شواهد لغوية. وكانت بغداد هنا قد دخلت عهد الدولة العبّاسية الثانية، وصارت تسعى إلى استمالة القبائل اليمانية.
مدرسة نحويّي بخارى (مدرسة خراسان)
في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) برزت في آسيا مدرسة نحويّي بخارى، التي وضعت معايير علمية لفهم اللّغة العربية، فتميّزت بمنهجها التكاملي في دراسة اللّغة، حيث جمعت بين علوم اللّغة والمنطق والفلسفة. وآمن علماؤها بأنّ فهم اللّغة يتطلّب فهماً عميقاً للفكر الإنساني وطرق التعبير عن المعاني. وكانت المدرسة تولي اهتماماً كبيراً للسياق في تحليل النصوص. فبدلاً من التركيز فقط على القواعد النحوية المجرّدة، كان علماؤها يدرسون كيف يؤثّر السياق على المعنى وكيف تتغيّر دلالات الكلمات والتراكيب بتغير السياق. واهتمّت المدرسة بشكل خاص بالعلاقة بين اللّفظ والمعنى. إذ طوّروا نظريّات متقدّمة في دراسة المعنى، وكيف يمكن للتركيب النحوي الواحد أن يحمل معانٍ مختلفة. وهذا يعكس تأثّرهم بالفلسفة الطائية-الهلنستية التي كانت معروفة في بخارى آنذاك.
وكانت مدرسة بخارى ربحت الكثير من الناجين من مجزرة البصرة، وقد انتقلوا للعمل فيها. فأضافوا منهج البصرة إلى خراسان. مع ذلك، من الناحية التعليمية، طوّرت مدرسة نحويّي بخارى منهجاً فريداً في تدريس النحو العربي. إذ كانوا يبدؤون بتعليم الطلاب كيفية فهم المعنى الكلّي للنص، ثم ينتقلون إلى تحليل التراكيب النحوية. هذا المنهج كان مختلفاً عن المدارس الأخرى التي كانت تبدأ بالقواعد النحوية المجرّدة، وهو ما لم يزل مستمرّاً في بلاد العرب إلى اليوم حين اعتمده مجمع اللّغة العربية الحديث في القاهرة.
في مجال التأليف، تميز علماء بخارى بكتابة مؤلّفات تجمع بين النحو والبلاغة والمنطق. وكانت كتبهم تحتوي على تحليلات عميقة للنصوص الأدبية والقرآنية، مع التركيز على كيفية تفاعل المستويات المختلفة للّغة لإنتاج المعنى. وإحدى الإسهامات المهمّة لمدرسة بخارى كان نظريّتها في «المستويات اللّغوية» (وهو موضوع هذه التدوينة). إذ رأوا أنّ اللّغة تعمل على مستويات متعدّدة؛ صوتي وصرفي ونحوي ودلالي وتداولي، وأنّ فهم النص يتطلّب فهم كيفية تفاعل هذه المستويات مع بعضها البعض. كما اهتمّت المدرسة بدراسة اللّهجات المحلّية وعلاقتها بالفصحى. إذ كانوا يرون أنّ فهم اللّهجات يساعد في فهم تطوّر اللّغة وكيفيّة تكيّفها مع الاحتياجات المختلفة للمتحدّثين.
مع الأسف، فقد العالم الكثير من تراث مدرسة نحويّي بخارى بسبب حريق بخارى في القرن العاشر. ومع ذلك، فإنّ تأثيرها يمكن رؤيته في أعمال العلماء اللّاحقين الذين اقتبسوا من مناهجها وأفكارها.
مدرسة نحويّي الأندلس (المدرسة المغربية)
في القرن الرابع الهجري برزت مدرسة نحويّي الأندلس التي تأثّرت بالمدرسة البصرية بشكل كبير واهتمّت بالتطبيق العملي للقواعد النحوية، وعنيت بتيسير النحو وتبسيط قواعده. مع الاهتمام بقواعد النحو والصرف كأساس للفصاحة (من موروث الكوفة المازج بين الفصحى والفصاحة).
تطورت مدرسة الأندلس النحوية في بيئة ثقافية فريدة، حيث تمازجت الثقافة العربية فيما بينها ومع الثقافات الأخرى في شبه الجزيرة الأيبيرية. هذا التمازج الثقافي أثّر بشكل كبير على منهجها في دراسة النحو العربي وتعليمه. واتّسمت المدرسة بمنهج تعليمي مميّز يقوم على التدرّج في تقديم المادة النحوية. فكان علماؤها يبدؤون بالقواعد الأساسية البسيطة، ثم ينتقلون تدريجياً إلى المسائل الأكثر تعقيداً. هذا المنهج التدريجي ساعد في تيسير وتسهيل النحو العربي للمتعلّمين من غير العرب، وهو النظام الذي لم يزل متّبعاً إلى اليوم في تدريس اللّغات غرب الأوروپية.
كما تميّزت المدرسة الأندلسية باهتمامها الكبير بالتطبيق العملي للقواعد النحوية. فلم يكتفِ علماؤها بشرح القواعد نظرياً، بل كانوا يحرصون على ربطها بالاستعمال اليومي للّغة وتطبيقاتها في الأدب والشعر. هذا الربط بين النظرية والتطبيق جعل دراسة النحو أكثر فائدة وارتباطاً بالحياة العملية. وصنع كذلك جمهوراً يتذوّق جمال فصاحة الأدب والشعر، فصار أكثر ما يُشتهر به أمراء وأميرات ممالك الأندلس قصيدهم وبديع نتاجهم الأدبي.
ومن السمات المهمّة للمدرسة الأندلسية استقلالها الفكري. فبرغم تأثّرها بالمدرسة البصرية، إلّا أنّ علماءها ما كانوا مقلّدين، بل كانت لهم آراؤهم المستقلّة وتحليلاتهم الخاصّة للمسائل النحوية. هذا الاستقلال الفكري أدّى إلى ظهور نظريّات وتحليلات جديدة أثرت الدرس النحوي العربي. كما اهتمّت المدرسة أيضاً بالجانب الصوتي للّغة العربية. إذ أولى علماؤها عناية خاصة لدراسة مخارج الحروف وصفاتها، وكيف يؤثّر النطق الصحيح في فهم المعنى وإيصاله. هذا الاهتمام بالجانب الصوتي ارتبط بحرصهم على تعليم العربية الفصحى في بيئة فيها الكثير من غير العرب.
كذلك تميّزت المدرسة الأندلسية بمنهجها في التأليف النحوي. إذ كتب علماؤها مؤلّفات تجمع بين الأصالة والتجديد، وتمتاز بالوضوح وحسن التنظيم. ومن أشهر هذه المؤلّفات كتاب {الجمل في النحو} للزجاجي، الذي أصبح مرجعاً مهمّاً في تعليم النحو العربي. ومن الجوانب المهمّة في منهج المدرسة الأندلسية اهتمامها بالمعنى إلى جانب اللّفظ. فلم يكن علماؤها يهتمّون فقط بصحة التركيب النحوي، بل كانوا يحرصون على أن يكون المعنى واضحاً ومفهوماً. هذا التوازن بين اللّفظ والمعنى جعل دراساتهم النحوية أكثر عمقاً وشمولاً.
المدرسة النحويّة المصريّة (الشاميّة)
في القرن السابع الهجري برزت مدرسة نحويّي مصر والشام (المدرسة المصرية) التي مزجت بين مناهج المدارس السابقة، واهتمّت بالتجديد في عرض المادّة النحوية، وركّزت على التيسير والتبسيط. لكنّها حافظت على مبادئ مدرسة نحويّي الكوفة على أن القرآن الكريم أعلى مراتب الفصاحة، مع الاعتماد على الشعر العربي كمصدر للاستشهاد.
تطوّرت المدرسة النحوية المصرية في سياق ثقافي وتاريخي غنيّ، حيث كانت مصر ملتقى للثقافات المختلفة وموطناً للأزهر الشريف. هذا السياق الفريد أثّر بشكل كبير على منهجها في دراسة النحو العربي وتعليمه. وكانت بدأت المدرسة المصرية في التشكّل مع وصول علماء الأندلس والمغرب إلى مصر بعد سقوط الأندلس، ممّا أدّى إلى مزج المناهج المختلفة في دراسة النحو. وتميّزت هذه المدرسة بالجمع بين الأصالة والتجديد في طريقة تناولها للنحو العربي.
أولت المدرسة المصرية القديمة اهتماماً كبيراً بتيسير النحو وتبسيطه للمتعلّمين. إذ رأى علماؤها أنّ تعقيد القواعد النحوية يشكّل عائقاً أمام تعلّم اللّغة العربية. لذلك، عملوا على تقديم القواعد بأسلوب سهل وميسّر، مع التركيز على الجوانب العملية والتطبيقية. وكثيرة هي القواعد التي حُذفت من النحو العربي على قاعدة التيسير. ومن السمات المميّزة للمدرسة المصرية نظرتها التكاملية للّغة العربية. فلم تفصل بين النحو والصرف والبلاغة، بل نظرت إليها كوحدة متكاملة تخدم الفهم والتعبير. هذه النظرة التكاملية انعكست في مناهجهم التعليمية وكتبهم النحوية.
اهتمّت المدرسة المصرية أيضاً بربط النحو بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. إذ رأى علماؤها أنّ فهم النصوص الدينية يتطلّب فهماً عميقاً للنحو، وأنّ دراسة النحو ينبغي أن تخدم هذا الهدف. لذلك، كثرت في كتبهم الشواهد القرآنية والحديثية. ومن الجوانب المهمّة في منهج المدرسة المصرية اهتمامها بالمعنى والسياق. إذ أدرك علماؤها أنّ القواعد النحوية ليست غاية في حدّ ذاتها، بل هي وسيلة لفهم المعنى وإيصاله بشكل صحيح. لذلك، كانوا يركّزون على دور السياق في تحديد المعنى وتوجيه الإعراب.
تميّزت المدرسة المصرية أيضاً بمنهجها في التأليف النحوي. إذ كتب علماؤها مؤلّفات تجمع بين العمق العلمي وسهولة العرض. وقد اتّسمت كتبهم بالترتيب المنطقي والتدرج في عرض المسائل النحوية، مع الاهتمام بالتمثيل والتطبيق. كما أولت المدرسة المصرية اهتماماً خاصّاً بتعليم النحو لغير الناطقين بالعربية. إذ كان الأزهر الشريف يستقبل طلّاباً من مختلف أنحاء العالم المسلم، ممّا دفع علماءه إلى تطوير مناهج خاصّة تراعي احتياجات هؤلاء الطلّاب وخلفيّاتهم اللّغوية المختلفة.
ومن إسهامات المدرسة المصرية المهمّة تطويرها لنظرية في التعليل النحوي تجمع بين البساطة والعمق. إذ حاول علماؤها تجنّب التعليلات المعقّدة التي كانت سائدة في المدارس العراقية السابقة، واستبدالها بتعليلات أبسط وأقرب إلى الفهم.
تعدّدت مراكز المدرسة المصرية؛ وهذا سبب نحو البعض لتسميتها بالمدرسة الشامية، وآخرون بالمدرسة المصرية. كان الأزهر الشريف في القاهرة المركز الرئيس الأوّل للمدرسة، وفي دمشق، شكّل الجامع الأموي ومسجد يلبغا مراكزاً علمية مهمّة كذلك. وتميّزت هذه المراكز بتركيزها على الربط بين النحو والدراسات القرآنية، وكان له دور كبير في تطوير منهجية تعليم النحو للطلّاب غير العرب. أما في حلب، فبرز المركز العلمي في المدرسة الحلاوية كمركز مهمّ للدراسات النحوية. وتميّز هذا المركز بمنهجه الذي يجمع بين النظرية والتطبيق، وكان له دور مهم في تطوير الدراسات الصوتية للّغة العربية. وفي الإسكندرية، ظهر مركز علمي آخر تميّز باهتمامه بالجانب الفلسفي للنحو العربي، متأثّراً بتراث المدينة في الفلسفة والمنطق. وأسهم هذا المركز في تطوير نظريّات جديدة في التعليل النحوي.
كان التواصل بين هذه المراكز مستمرّاً ونشطاً، حيث كان العلماء ينتقلون بينها للتدريس والتعلّم، ويعقد لهم الأزهر مؤتمراً سنوياً جامعاً. وأدّى هذا التبادل العلمي إلى تطوير منهج موحّد يجمع بين خصائص كلّ مركز، مع الحفاظ على السمات المميّزة لكلّ منها. هذا التعدّد في المراكز العلمية أعطى المدرسة المصرية-الشامية ثراءً وتنوّعاً في المناهج والأساليب، ممّا جعلها قادرة على التكيّف مع احتياجات مختلف المتعلّمين وظروفهم.

مستويات اللّغة العربية
في إعلام اليوم، كثيراً ما أرى من الناس خلطاً ما بين مفاهيم مستويات اللّغة العربية، فصحى وفصيحة وعامّيّة وغيرها. وهذا طبيعي، مع تقصير أغلب مدارس اللّغة العربية في تدريسها، وبسبب انعدام وجود مؤسّسة أكاديميّة موحّدة تتّفق على مقرّرات كلّ البلاد العربية. بكلّ حال، وفق التراث العربي، تتنوّع مستويات اللّغة العربيّة إلى:
- الفصحى: وفق مدرسة نحويّي الكوفة، هي اللّغة العربية التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، وهي اللّغة التي يتفاهم بها العرب في جميع أنحاء العالم العربي، وهي اللّغة الرسمية في جميع الدول العربية. وهي المستوى المعياري للغة العربية التراثية، وهو الذي يُستخدم في النصوص الأدبية والعلمية والرسمية، ويتميّز بالالتزام بقواعد اللّغة العربيّة، بما في ذلك قواعد النحو والصرف والبلاغة. والوضوح والدقّة في التعبير. والخلوّ من اللّحن والخطأ.
- الفصيحة: هي اللّغة العربية التي تتكوّن من مفردات اجتمع كلّ العرب على معناها واتّفقوا على المقصد منها. وهي اللّغة التي يتحدّث بها الكتّاب والشعراء والخطباء. وقد تحتوي خطاباتها على مفردات من المحكيّة المحلّية، ويكون فيها لحن محلّي، لكنّها مفهومة عند أغلب العرب.
- الفصيحة لعربها: هي اللّغة العربية التي تتوافق مع تراث وقواعد لهجة معيّنة من لهجات العرب. فهي فصيحة بين أهلها، لكنّ مفرداتها ليست فصيحة بالضرورة لكلّ العرب.
- المولّدة: هي اللّغة العربية المستعملة في الصِّحافة والأدب. التي دخلت عليها كلمات من لغات أخرى، ويُتاح فيها مجال للإبداع واختلاق الكلمات الجديدة (توليدها)، لكنّها مع ذلك تلتزم تقاليد الفصحى الحديثة لتكون مفهومة عند أغلب العرب.
- المحكيّة (الدارجة): هي اللّغة العربية التي يتحدّث بها الناس في حياتهم اليومية. وهي اللّغة التي لا تتقيّد بقواعد اللّغة العربية المعيارية (الفصحى)، لكنّها تلتزم تقاليد التراث الخاص بلهجة عربيّة قديمة، وتتغيّر قواعدها في كلّ عدّة من قرون أو أكثر.
- لحن العامّة (العاميّة): هي اللّغة العربية التي يتحدّث بها عامّة الناس، وقد تتنوّع من شارع إلى شارع. وهي اللّغة التي لا تتقيّد بقواعد اللّغة العربية الفصحى، وتحتوي على العديد من الكلمات الدخيلة من لغات أخرى، ولو أنّها تعتمد بالأساس على مفردات المحكيّة.
وعلى هذا، فإنّ مستوى اللّغة العربية يعتمد على عدّة عوامل، منها:
- السياق الذي تُستخدم فيه اللّغة.
- المستوى التعليمي والثقافي للمتحدّث.
- البيئة التي يعيش فيها المتحدّث.

نظرية «المستويات اللّغوية» البخارية
نظرية المستويات اللّغوية عند مدرسة بخارى تمثّل رؤية متكاملة لفهم اللّغة العربية. وسأشرح هذه النظرية بشكل منهجي، بدءاً من أساسها الفلسفي وصولاً إلى تطبيقاتها العملية.
تنطلق النظرية من فكرة أساسية مفادها أنّ اللّغة نظام متكامل يعمل على مستويات متعدّدة متداخلة، وأنّ فهم النص يتطلّب فهم كيفية عمل هذه المستويات معاً. لنتعرّف على هذه المستويات وكيف تتفاعل:
المستوى الصوتي:
يمثّل الأساس المادّي للّغة. إذ رأى علماء بخارى أنّ الأصوات ليست مجرّد أدوات نطق، بل هي حاملة للمعنى في حدّ ذاتها. فالتنغيم وطريقة النطق والوقف كلّها تؤثّر في المعنى النهائي للكلام. على سبيل المثال، فإنّ تغيير نبرة الصوت في كلمة «نعم» يمكن أن يحوّلها من الموافقة إلى السخرية. وعليه، فلا يمكن التصلّب في معنى «نعم» المعجمي دون الخوض في سياق الاستعمال.
المستوى الصرفي:
يتعلّق بدراسة بنية الكلمات وتحوّلاتها. إذ يرى علماء بخارى أنّ الصيغ الصرفية تحمل معانٍ إضافية تتجاوز المعنى المعجمي للكلمة. فصيغة الوزن «فَعَّال» مثلاً لا تدلّ فقط على من يقوم بالفعل، بل تشير أيضاً إلى المبالغة والتكرار في الفعل.
المستوى النحوي:
يهتمّ بالعلاقات بين الكلمات في الجملة. إذ إنّ علماء بخارى نظروا إلى النحو نظرة أعمق من مجرّد القواعد الإعرابية. فهم يرون أنّ التركيب النحوي يعكس طريقة تفكير المتكلّم وكيفية تنظيمه للمعاني في ذهنه. فتقديم الفاعل أو تأخيره، مثلاً، ليس مجرّد خيار نحوي، بل هو اختيار يعكس أولويّات المتكلّم وتركيزه.
المستوى الدلالي:
يتناول المعاني المباشرة وغير المباشرة للكلمات والتراكيب. ابتكر علماء بخارى مفهوم {طبقات المعنى}، حيث يرون أنّ للكلمة معانٍ متعدّدة تتكشّف حسب السياق وحسب مستوى فهم المتلقّي. فكلمة «نور» في القرآن الكريم، مثلاً، لها معانٍ تتدرّج من الضوء المادّي إلى الهداية المعنوية.
المستوى التداولي:
يتعلّق باستخدام اللّغة في المواقف الاجتماعية المختلفة. طوّر علماء بخارى نظرية في «المقام» تشرح كيف يتغيّر معنى الكلام حسب السياق الاجتماعي والثقافي. فالعبارة نفسها قد تكون مدحاً في موقف وذمّاً في موقف آخر. لنأخذ عبارة بسيطة مثل: «ما شاء الله»؛ في المستوى اللّغوي البسيط، هذه العبارة تعني إرجاع الأمر إلى مشيئة الله. لكن في المستوى التداولي، يختلف معناها وتأثيرها حسب السياق الاجتماعي والثقافي والمقام الذي قيلت فيه. فعندما تُقال عند رؤية طفل جميل يكون معناها التداولي «التحصين من العين والحسد» ووظيفتها الاجتماعية «طمأنة الوالدين وإظهار حسن النية» وتأثيرها المتوقّع «شعور الوالدين بالارتياح والامتنان». لكن، عندما تُقال بعد سماع خبر نجاح شخص يكون معناها التداولي «الإعجاب والتهنئة». ووظيفتها الاجتماعية «تعزيز الروابط الاجتماعية وإظهار المشاركة الوجدانية». والتأثير المتوقّع منها «شعور الشخص بالتقدير والفخر». وعندما تُقال بنبرة مختلفة عند رؤية تصرّف غير متوقّع يكون المعنى التداولي «التعجّب أو الاستنكار». ووظيفتها الاجتماعية «التعبير عن الموقف بطريقة مهذّبة». والتأثير المتوقّع «إدراك المخاطب لموقف المتكلم دون حدوث صدام مباشر»
كان علماء بخارى يولون اهتماماً خاصّاً لهذه التحوّلات في المعنى، ويرون أنّ فهم هذا المستوى التداولي أساسي في تعليم اللّغة العربية للناطقين بغيرها (فلا يكفي أن يعرف المتعلم معنى العبارة، بل يجب أن يفهم متى وكيف يستخدمها). وفي تفسير النصوص (فكثير من النصوص لا يمكن فهمها دون فهم سياقها الاجتماعي والثقافي). وفي الترجمة (حيث يجب مراعاة المكافئ التداولي وليس فقط المعنى الحرفي).
التفاعل بين المستويات:
الجانب الأكثر أهمّيّة في نظريّة بخارى هو فهم كيفيّة تفاعل هذه المستويات معاً. فهم يرون أنّ المعنى النهائي للنصّ ينتج من التفاعل المعقّد بين جميع هذه المستويات. على سبيل المثال، فإنّ فهم آية قرآنيّة يتطلّب فهم أصواتها وصرفها ونحوها ودلالاتها وسياقها التداولي. وطبّق علماء بخارى نظريّتهم هذه في تحليل النصوص وتعليم اللّغة. فعند تحليل نص، كانوا يدرسون كل مستوى على حِدَةٍ ثمّ يدرسون كيفية تفاعل المستويات معاً لإنتاج المعنى الكلّي. وفي التعليم، كانوا يبدؤون بالمستويات الأساسية (الصوتي والصرفي) ثم ينتقلون تدريجيّاً إلى المستويات الأكثر تعقيداً.
تكشف معرفة المستويات المتعدّدة للّغة العربية عن خطأ النظر إلى لغتنا نظرة ثنائية تقسمها بين فصحى وعامّيّة. إذ تمتدّ لغتنا في طيف واسع يبدأ بالفصحى المتميّزة بالتزامها الصارم بقواعد النحو والصرف والبلاغة، مروراً بالفصيحة التي تقبل شيئاً من اللّحن المفهوم، وصولاً إلى لحن العامّة المتغيّر من شارع لآخر.
وتعكس نظرية المستويات اللّغوية البخارية فهماً عميقاً لطبيعة لغتنا، يتجاوز النظر السطحي في قواعدها إلى دراسة أصواتها وصرفها ونحوها ودلالاتها وسياقاتها. يدفعنا هذا الفهم إلى النظر في لغتنا نظرة أعمق، تدرك تعدّد مستوياتها، وتفهم وظائفها المختلفة، وتقدّر قدرتها على التعبير عن كلّ المعاني بالمستوى المناسب لكلّ مقام.
تعلّمنا مدارس النحو العربي أنّ الفصاحة لا تقتصر على مستوى واحد، وأنّ لكلّ مستوى لغوي دوره ومكانه في التعبير الإنساني.

مراجع
- ناصيروفا، مليكة (٢٠١١). مدرسة النحو العربى في تركستان. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية. طشقند.
- الأنصاري، ع. (١٩٨٥). نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد.
- حسان، تمام. (١٩٧٤). مناهج البحث في اللغة. دار الثقافة. الدار البيضاء.
- السامرائي، إبراهيم. (١٩٨٧). المدارس النحوية: أسطورة وواقع. دار الفكر. عمان.
- ضيف، شوقي. (١٩٦٨). المدارس النحوية. دار المعارف. القاهرة.
- الفارسي، علي. (١٩٩٠). الإيضاح العضدي. تحقيق حسن شاذلي. عالم الكتب. بيروت.
- القرطبي، مكي. (١٩٧٣). مشكل إعراب القرآن. تحقيق حاتم الضامن. مؤسسة الرسالة. بيروت.
- مختار، أحمد. (١٩٨٨). تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب. عالم الكتب. القاهرة.





اترك رداً على يونس بن عمارةإلغاء الرد