إشكالية الهُوِيَّة والصيرورة التاريخية
تشكّل دراسة تاريخ ”الكُرد“ وتتبّع نشوء كياناتهم السياسية واحدةً من أكثر المعضلات تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الوسيط والحديث. وتكمن الإشكالية البحثية الأساس هنا في الضبابية التي تكتنف مصطلح ”كُرد“ ذاته؛ هل هو توصيف لـ ”عرق“ محدّد بدمٍ واحد، أم هو نمط معيشي اجتماعي (سوسيولوجي) تحوّل عبر القرون إلى هُوِيَّة جامعة؟
يواجه الباحث في هذا الحقل فجوةً معرفيةً بين السرديات القومية المعاصرة التي تفترض وجوداً أزليّاً لأمّة موحّدة، وبين الوثائق التاريخية والأركيولوجية التي تشير إلى شتاتٍ من القوميّات والأديان والمذاهب، لم يجمعها سوى توصيف ”الظعن“ والترحال، وصدام السلطات المركزية. ومن هنا ينبع السؤال الجوهري لهذه الدراسة: كيف تحوّلت المجموعات البشرية المتناثرة، ذات الخلفيات العقائدية المتباينة (من الميتّانية والزرادشتية إلى الإسلام)، من مجرّد توصيف وظيفي للبدو والمحاربين، لتشكّل إماراتٍ كبرى (داسنية، هزاراسپيان، وكلّز) ساهمت في رسم الخريطة السياسية للمنطقة ما بين القرنين 7 و19؟ هذه المقالة هي محاولة لإعادة قراءة التاريخ بعيداً عن العاطفة القومية، واستناداً إلى ما توفّر من قراءات أكاديمية رصينة.
مقدّمة
تأخذنا هذه الورقة البحثية في رحلة تفكيكية لمفهوم ”الكردية“ وجذوره التاريخية، مستعرضةً التحوّلات الجذرية التي طرأت على دلالة الاسم واستخدامه السياسي والإداري عبر العصور. نناقش هنا فرضيةً مدعومةً بالدلائل اللّغوية والتاريخية مفادها أنّ مصطلح ”كُرد“ لم يبدأ اسمٍ لقومية، بل صفةٍ أطلقها الساسانيون والفرس – ومن قبلهم العرب – على فئات ”الظعن الراحلة“ والمطرودين ممن لا أرض لهم، لتشمل هذه التسمية أخلاطاً من شعوبٍ شتّى (عرب، پشتون، پهلويّون ساكا، فرس، پارثيين، وغيرهم) جمعتهم ظروف العسكرة والبداوة.
وترتكز الدراسة في متنها على تحليل صعود وسقوط ثلاث إمارات كبرى مثّلت أعمدة التاريخ الكردي في حقبٍ مختلفة، وهي:
- إمارة الداسنية: التي حافظت على موروثها الديني اليزداني (الميتّاني) وتحالفت بعد قرون مع العثمانيّين، مشكّلةً أطول الممالك عمراً.
- إمارة هزاراسپيان: النموذج الكردي المسلم الذي أسّسه السلاجقة، لتمثّل الامتزاج بين العنصرين الكاشي واللّري في الهضبة الإيرانية.
- إمارة كلّز المندية: التي نشأت في ظلّ الأيوبيّين وانتهت ضحية للصراعات العثمانية الداخلية، تاركةً بصمتها في شمال سوريَا (جبل الأكراد).
من طريق استعراض تاريخ هذه الإمارات، نبيّن كيف أنّ الهُوِيَّة الكردية لم تكن معطىً ناجزاً، بل كانت صيرورةً تشكّلت تدريجيّاً في رحم الإمبراطوريات الإسلامية، متأثّرةً بعوامل الجغرافيا، والاضطهاد الديني، والتحالفات العسكرية، لتنتج لنا في النهاية هذا النسيج الاجتماعي والسياسي الذي نعرفه اليوم.
الإمارات الكردية ما بين القرنين 7 و19
في هذه الخريطة نرى متوسّط الحدود التي تعبّر عن الإمارات الكردية الثلاث الكبرى التي اعتمدت لغة “كردية” وفق مسمّيات اليوم لغة رسمية لحكومتها، وعاشت على تقاليد كردية كما نسمّيها اليوم … علماً أنّ هذه الإمارات ما تحالفت يوماً، وما عدّت وجودها وجوداً قوميّاً لشعب واحد، ولم تستعمل كلمة “كردي” أو “كوردي” لوصف هويّتها. والسبب الأساس هو وجود الاختلاف الديني والثقافي واللّغوي والإثني ما بين قواعدها الشعبية.

من هذا البحث نستشفّ نقاطاً استنتجها الآثاريّون المؤرّخون للتاريخ الكردي في العصر الحديث سأسردها في هذه التدوينة. وهؤلاء المؤرّخون هم جميعاً من أبناء القرن العشرين ومن المشتغلين في الحقل العلمي الأميركي، حتّى لو كانوا من غير الأميركان. والحقيقة أنّ اشتغالهم جميعاً في الحقل العلمي الأميركي مؤسف، لا سيّما وأنّ جامعات الشرق الأوسط أولى بدراسة تاريخ شعوبها من جامعات على بُعد محيطات.
وكانت الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية أوّل من درس التاريخ الكردي نهاية القرن 19، ووصلت ذروة تمويل هذه الدراسات سنة 1910، ثمّ تخامدت في عقب الحرب العالمية الأولى مع اتّفاقية لوزان والقرار البريطاني-الفرنسي القاضي بإلغاء الدور الكردي على الساحة السياسية. ثمّ تخلّت بريطانيا عن تمويل دراسات التاريخ الكردي لمصلحة الولايات المتّحدة الأميركية في عقب الحرب العالمية الثانية، ولا سيّما مع تأسيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن سنة 1946. وعبر هذا المعهد مرّت أغلب مشاريع تمويل دراسات أكاديمية في تاريخ الكُرد، ولم ينشر العالم عن غيرها.
أهمّ النقاط
أسرد هنا النِّقَاط الأهمّ من تدوينات الإمارات الكردية الثلاث التي سنقرأها هنا، بالإضافة إلى رأيي الشخصي، الذي خلت منه سردية التدوينات الثلاث:
يحمل مصطلح “كُرد” في طيّاته الكثير من العوامل المختلفة، التي تشكّل اليوم ما يُعرف بالهوية الكُردية. وهذه العوامل متنوّعة ما بين دينية وقومية واجتماعية وسياسية، تداخلت فيمَا بينها ومزجت أقواماً من إثنيّات مختلفة؛ لا يجمعها “عرق” واحد ولا تراث واحد. فأنتج الامتزاج أخيراً الشعب الكردي.
هذه الطبيعة المتنوّعة لروافد التراث الكردي تشترك بعناصرها مع العديد من الحضارات القديمة في وَسْط وغرب آسيا، لكنّها لم تنتُج بمجملها عن حضارة واحدة، ما يعني أنّ التراث الكردي لا يمثّل استمراراً لحضارة قديمة بعينها، إنّما هو جمع من بقايا مختلفة لعدّة حضارات، لا تشترك في المنبع ولا في المسار.
حَسَبَ كتاب “العصر الذهبي لإيران (فارس)” لعالم الإيرانيّات السويدي-الأميركي ريتشارد فراي Richard N. Frye. استعملت الحكومات الساسانية والأشكانية كلمة كرد وكردان بمعنى ظعن راحل، وأطلقتها توصيف قانوني على جميع المجتمعات البدوية في البلاد، حتّى العرب.
في الواقع، دخلت كلمة كرد (گرد) اللّغة الإيرانية الپهلوية من العربية الأزدية، وكان الخليج العربي في الأساس بحيرة للعرب الأزد. وصارت تعني في الپهلوية “من يحمل حياته على أسفل رقبته” أي الظاعن الراحل الذي يحمل حقيبة أغراضه (البقجة) على أكتافه حين يرحل. وكلمة “كُرْدُ” كلمة عربية أزدية تقابل في العربية الفصحى صفة “مطرود” صفةً للمنفيّين أشتاتاً لا وطن لهم. مشتقّة عن الفعل “كَرْدُ” أي الطرد. والانكراد يساوي الانقراض.
إذاً، صفة كُرد هي صفة عربية غير أعجمية، صارت في اللّغة الپهلوية صفة للظاعن من لا أرض له، طالما أنّ القانون الإيراني ومنذ العهد الأخمينيّ؛ ربط المواطنة بامتلاك الأرض، وربط الحقوق المدنية بسداد الضرائب عن محاصيل الأرض. فالكُرد لغةً هم الجُرد من لا أرض لهم يملكنها، فهم بالتالي مجرّدين من حقوق مدنية لهم على الدولة، طالما أنهم لا يدفعون الضرائب (الزراعية).
في كتاب “القصد والأمم” للمؤرّخ القرطبي أبو عمر يُوسُف بن عبد الله النمري بن عبد البر (من القرن 10) نجد نسبة الكُرد إلى “عمرو بن مزيقياء بن عامر بن ماء السماء” وكان الكُرد آنذاك طائفة واضحة في شمال الأندلس. وشعب مزيقياء شعب مزارع من كهلان اليمن، من الأزد، نزحوا عن مأرب طرداً قُبيل انهيار سدّها، ثمّ استقرّوا على بحيرة غسّان في اليمن ثمّ طُردوا عنها فنزحوا إلى “وادي عك” (وادي مرّ) في منطقة مكّة، ثمّ تفرّقوا منه في البلاد الشِّمالية، وما عاد لهم مستقرّ. أي صاروا من البدو الرحّل. وإذ ذاك صار لقبهم الكُرد أي الأشتات المطرودين، وما عاد لهم وطن.
من هؤلاء الكُرد القحطان العرب من خدم في عساكر مملكة بسيانُس (الجسياسيّين) في سوريَا، ومنهم من خدم الأشكان الپارثيّين والساسانيّين، وهم ظعن صارت صنعتهم الحرب، فصارت كلمة كُرد في أعراف هذه الدول تعني الظعن العساكر ممّن لا أملاك لهم. ولغربتهم في هذه الممالك استعملتهم الحكومات على الشعوب المحلّية، فهم أغراب على الحياد. واستعمالهم هذا اقتضى استيطانهم في المناطق التي حكموها.
في القرن الثالث ومع ضغط الساسان على أتباع الملل والطوائف للتحوّل إلى الزرادشتية الساسانية، نزحت العديد من الناس إلى حياة البداوة والتشرّد وانضمّوا إلى سمات الكرد العرب بثقافاتهم وتراثهم، وكان منهم بقايا الميتّانيّون والپارثيّون (الساكا) والكرج المجوس والسريان الإميّون والفرس من عباد سين والإيلاميّون المردوقيّين. إضافة إلى هؤلاء عمّمت الحكومة الساسانية تسمية كُرد على كلّ ظعن وبدو البلاد فصار اللّر وعرب خُراسان والهياطلة (الپشتون) كذلك من الكُرد … أي المطرودين، أو المشتغلين بالزراعة دون امتلاك أرض، أو المشتغلين بالرعي.
نتيجة هذا التصنيف والاضطهاد الساساني، ولا سيّما منع امتلاك الأرض على غير الزرادشتي، امتهنت هذه الأقلّيات المنفية مهنة الكُرد العرب: الحرب. وصارت في خدمة من يدفع أكثر. والدولة سعيدة برميهم حيث يُقتلون دون خوف على خسارة زرادشتي، وامتزجوا جميعاً على نمط حياة واحد تكرّس بالعناصر الثلاث: حياة البداوة والعسكر والتجارة. وبقي كُرد الساسانية بالتالي خارج نظام التعليم العام، ومُنعوا عن الدراسة فانعزلوا عن حياة مجتمعات المدن، وصاروا مواطنين جهلة من الدرجة الثالثة.
في حضور الإسلام
مع انتشار الدولة الإسلامية في القرن السابع ميلادية (الأوّل الهجري) كان على الأرض مجتمعين يتمايزان تحت صفة الكرد:
- المجتمع الأوّل هم من حافظوا على الديانة الميتّانية وكان اسمهم اليزدانيّين ثم صاروا الداسنية. وهؤلاء نالوا اعترافاً سياسيّاً بوجودهم في كلا الدولتين الأموية والعبّاسية، وتحالفت معهم السلطنة العثمانية، ولم يتحوّلوا جميعاً إلى الإسلام إلّا في القرن 19. علماً أنّ الكثير منهم مازج ما بين العبادات الإسلامية والداسنية منذ القرن 17.
- المجتمع الثاني هم من تحوّلوا إلى الإسلام باكراً في القرن 10، وأغلبهم كانوا من الكاشيّين على لغة اللّر، ثمّ صارت الناس تسمّيهم الفيليّون (الفهیلی). وهذا الرأي لميخائيل گونتر Michael Gunter وهو مؤرّخ أميركي متخصّص في التاريخ الكردي. وهؤلاء عاشوا قروناً على تحالف مع التركمان، وإحدى عناصر السلطنة السلجوقية.
إذاً باختصار:
- كلمة كُرد كلمة عربية قحّ، تعني المطرودين أشتاتاً. وهذا لا يعني أن الكُرد المعاصرون هم بالضرورة من العرب.
- الكُرد اليوم هم نسل الشعوب التي شرّدتها الحكومة الساسانية وأجبرتها على حياة البداوة. وهم كذلك من نسل البدو الذين رفضوا الاستقرار في العهد الساساني.
- لا ينتمي كلّ الكُرد إلى الفرس، ولا ينتمي كلّ الكُرد إلى الپارثيّين. الكُرد أخلاط من كلّ الشعوب التي حكمت حضاراتها المنطقة أو خضعت للفرس. إذاً فالكُرد ليسوا بدو الفرس.
- الكُرد المعاصرون لا يمثّلون استمراراً لحضارة ماتت. ولا ينتمون جميعاً إلى حضارة سلفت. بل هم مثال حيّ عن نتائج اضطهاد الحكومات الشمولية لشعوبها وهي بنت الإمبراطوريات الباغية.
- قبل تشكّل الإمارة الداسنية في القرن 7، لا وجود لأي دولة كردية في التاريخ.
- قبل تحالف الكُرد مع التركمان المسلمين في القرن 11، لا وجود لأي دولة كردية مسلمة في التاريخ.
- قبل نشوء إمارة شبانكارة الفهیلیة المسلمة في القرن 12، لم تشتغل أي قبيلة كردية بالزراعة في التاريخ.
- ساهم السلاجقة بتحوّل أغلب الكُرد إلى دين الإسلام، كما ساهموا بانتشار الكُرد، فوطّنوا الكثير منهم منافسة للمسيحية الرومية والأرمنية، لا سيّما حول بحيرة وان.
- قبل الدولة الصفويّة في إيران لم يعرف العالم وحدة إدارية أو دولة باسم كردستان. وهي التسمية التي أطلقها الصفيّون الترك على مناطق إمارة شبانكارة.
- حيث يقيم الكُرد اليوم لا يمثّل بالضرورة وطناً أصليّاً للكُرد. فهم نسل شعوب امتهنت الحرب، واستوطنت حيث أراد أمراء العسكر.
- حيث حكم الكُرد سابقاً لا يعني أنّ الشعوب تحتهم كانت ذات أغلبية كُردية بالضرورة، وكثير من الشعوب استكردت تحت الحكم الكُردي.
- لم تتشكّل هُوِيَّة ثقافة واضحة للكرد إلّا في العهد الإسلامي. وبنتيجة الدول التي أسّسها الكُرد في ظلال الإمبراطوريّات الإسلامية وخدمة لها.

الإمارة الكردية: جبل داسن
هذه حكاية أوّل إمارة كردية أبدأها بالخلفية الدينية والتاريخية ثمّ أسير بتاريخها السياسي حتّى القرن 19.
خلفية تاريخية
قبل 3500 سنة نشأت في المنطقة ما بين شمال سوريَا المعاصرة وتركيا مملكة نعرفها اليوم باسم مملكة ميتّاني، واسمها هذا تحوير عن اسمها باللّغة الحثّية ”مي-إت-تا-ني“. أمّا اسمها المحلّي فكان حَنِرَبّات 𒄩𒉌𒃲𒁁. وتحدّث أهل هذا البلد اللّغة الحورية (حُرّيه أي غير المدنيّة (حُرّ= بادية)) وهي لغة يقال أنّها من بنات الأرمينيّة القديمة لكنّها تميّزت بأنّها لغة أهل البادية والرعاة دوناً عن سكّان المدن. وفي فرضية ثانية يُعتقد أنّ الحوريّين هم بدو المورو أسلاف العرب، ولا عَلاقة لهم بالأرمن.
عاشت مملكة حَنِرَبّات الميتّانية نحو ثلاثة قرون وامتدّت أراضيها من أشّور شرقاً حتى كامل گليگيا غرباً، ومن منابع الفرات شمالاً حتى أوگاريت جنوباً. فكانت تمثّل النصف الشمالي من أسوريا. وكانت هذه المملكة على عَلاقة طيّبة بالمملكة المصرية آنذاك، حتّى تناسبت أسرتيّ العروش بالزواج، وكانت حدود المملكة المصرية تنتهي في ذلك الوقت على مشارف أوگاريت في وادي العاصي.
المهمّ من الموضوع هو ديانة هذه المملكة الميتّانية حَنِرَبّات، التي استمرّت فيها شعوب المنطقة تعبد الشمس ”مَي“ على الديانة السومريّة القديمة، لكن بمذاهب وفلسفات جديدة، والمثير في الموضوع هنا هو اعتقاد علماء الأديان بانطلاق الديانة الهندوسية الحالية من هذا البلد ومن عاصمة هذا البلد ”وشّوكَنّي“، ما ترك في الهندوسية حتى اليوم عبادة الربّ ”سوريا“ सूर्य أي الربّ\الربّة الشمس، وكذلك الربّ ”ميترا“ मित्रः حامي الحقيقة ونظام الحياة.
يُعتقد أنّ العاصمة وشّوكنّي كانت على تل فخريّة بالقرب من موقع تل حلف في الحسكة شمال سوريَا، ويُعتقد كذلك أنّ اسم المدينة يعود إلى مصدر سانسكريتي هو ”ڤاسوخاني वसुखानी بمعنى ”عرش ڤاسو“ وڤاسو (ڤاشو) كان ربّ الذهب وواهب الثروة في الفلسفات السانسكريتية، وبقي من تراثه بيننا الكلمة “ڤازه” طالمَا كان ڤاسو يمنح الثروة في جرة تفيض ذهباً.
زالت المملكة الميتّانية حَنِرَبّات خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد (أي قبل نحو 3200 سنة)، لكنّ ديانتها استمرّت في أشكال مختلفة عبر شعوب الهضبة الإيرانية والشعوب الساكنة في شمال سوريا والنهرين، واندمجت عبادة ربّ حَنِرَبّات ”مَي“ في بعض الأديان المحليّة المختلفة كأحد فصولها وفلسفاتها، وتحوّرت معاني وأسماء ”مَي“ لأسماء مختلفة. كما نجد مثلاً تبجيل الإله ”ميثرا“ 𐬨𐬌𐬚𐬭𐬀 في الديانة الزرادشتية الأخمينية في بابل وفي عموم غرب آسيا. وهي الديانة نفسها التي استمرّت بأشكال مختلفة في الأناضول والجزيرة وعلى الجانب الغربي من الفرات وحول المتوسط.

الخارطة مقطع من خارطة بعنوان تركيا الآسيوية، من رسم الجغرافي الدنماركي-الفرنسي کنراد مالته-برون Conrad Malte-Brun سنة 1812 وتظهر عليها حدود أيالة شهرزور المعروفة باسم كردستان العثمانية المحصورة ما بين دجلة والمملكة القاجارية، حين كانت عاصمتها مدينة السليمانية، ويمكن تصفّح الخريطة الكاملة على إيزيزون من هنا
نشوء أوّل ما يمكن أن يسمّى إمارة كردية
في الشمال تطوّر عن الديانة الميتّانية أشكال مختلفة تبعاً لموقع أتباع الديانة ضمن التقسيمات السياسية في ذلك الزمن، وما تسبّبت به الدول المسيطرة على المنطقة من عزلة لبعض الشعوب على أطراف الحدود. بالإضافة إلى أنّ ربط بعض هذه الدول للمواطنة بالديانة واللّغة أجلى بقايا الديانة الميتّانية عن المراكز الحضرية وتركها حيّة فقط حيث المناطق النائية، التي لا تهتمّ الحكومة لنشر التعليم النظامي فيها. ومع تباعد المناطق النائية وعزلتها تحوّلت المذاهب الميتّانية إلى أديان جديدة وبمسمّيات جديدة.
تعرّض أتباع الديانة الميتّانية لاضطهاد شديد خلال حياة المملكة الساسانية، وكان من سنن الساسان فرض تغيير الديانة واللّغة ونمط الحياة على مواطني الدولة بما يتوافق مع وجهة نظر رأس المملكة، تماماً بما يشبه منطق الدولة القومية المعاصرة المؤسّسة على أسس فرنسا البوناپرتية وتركيا الأتاتركية… في الفترة الساسانية أطلقت الحكومة تسمية ”إيزيدي“ أو ”إيزيديان“ على من تبع الديانة الميتّانية، وهي كلمة فارسية پهلوية معناها ”عبد الخالق“. وتنحدر كلمة إيزيدي من الكلمة الپهلوية ”يزد“ بمعنى البداية أو الخلق، وهي كلمة منحولة عن كلمة فارسية قديمة هي ”يزته“ بذات المعنى. وهذه الكلمة هي سبب ورود اسم الملة كذلك بصيغة ”يزدانية“ في المراجع الفارسية.

قُبيل العصر الإسلامي ونهاية العهد الساساني؛ نشأت في منطقة جبل داسن شمال الموصل ملّة إيزيدية متفرّعة عن الميتّانية هي الداسنية، وانتسبت إلى اسم الجبل، فكانت بغالبيّتها من الأكراد والأشوريّين دون أن تنتمي إلى قبيلة واحدة. ومع وصول سلطة الدولة الإسلامية إلى المنطقة تركهم الأمويّون دون التدخّل في شؤونهم الدينية وولّوا عليهم حاكم أذربايجان (أضربايجان)، ثم نصّب عليهم العبّاسيّون أمراء منهم دون أن يتحوّلوا إلى الإسلام، وكان آخر أمراء الداسنية هو ”جعفر بن حسن الداسني“. وكان انتحر جعفر سنة 841 بعد هزيمة لحقت به إثر محاولته الاستقلال عن الدولة العبّاسية. ثمّ صارت الإمارة على مناطق الداسنية لأمراء الموصل القز التركمان، لكن بقي البيت الداسني الكردي على جبل داسن حتّى العصر العثماني.
خلال القرن 16 وبعد سيطرة السلطنة العثمانية على المنطقة منح السلطان سليمان الأول (القانوني) أيالة أربيل (شهرزور) التي ضمّت دهوك وسبران وداسن وما حولهنّ لأمير داسني هو ”حسن الداسني“ واستعان سليمان القانوني كذلك بقوّات الداسنية للسيطرة على وادي النصارى في سوريَا فنشأت قرية ”الداسنية“ قرب حِمْص في سوريَا المعاصرة. كما ولّى العثمانيّون ”ميرزا الداسني“ ولاية الموصل سنة 1650 بعد مساهماته الكبيرة في فتح بغداد أمام السلطنة العثمانية… كلّ هذا ولم يكن الداسنية قد تحوّلوا إلى الإسلام.
استمرّ التحالف العثماني-الداسني من القرن 16 إلى أن دخلت العثمانية طور الضعف والانهيار، وخلال القرن 18 نافست الداسنية عشيرة بابان على السلطة وانتقلوا بعاصمة الإمارة إلى مدينة السليمانية سنة 1784. ثمّ فرضت سيطرة بريطانيا على شؤون العثمانية الداخلية تحوّل الأكراد اليزيدية إلى الإسلام بدايات القرن 19، ثمّ أُخضِعت المنطقة سنة 1862 لوالي بغداد. ثمّ خسرت العائلات الكردية سلطاتها تماماً في فترة التنظيمات مع اعتماد قانون الولايات سنة 1864.

الإمارة الكردية: هزاراسپیان
في هذه التدوينة أتناول حكاية أقدم إمارة كردية مسلمة، وهي الشهيرة باسم كردستان إيران. وأبدأها بالخلفية الدينية والتاريخية ثمّ أسير بتاريخها السياسي حتّى القرن 15.
خلفية تاريخية
خلال القرن 16 ق.م استُجلبت إلى جَنُوب العراق قبائل محاربة راحلة وفدت من وَسْط آسيا، ثمّ استطاعت حكم بابل، أو مكّنها الأهالي من حكم بابل، بسبب النزاعات المحلّية التي اندلعت بانفراط المملكة البابلية الأولى على إثر الغزو الحثّي (الحتتي). ونعرف هذه الشعوب اليوم باسم الكيشيّين أو الكسّيّين، وعرفهم أهل بابل باسم كَشُّ.
حكمت الأسرة الكاشية مملكة بابل من مدينة عقرقوف وَسْط العراق، واستمرّت على العرش من سنة 1595 ق.م حتى 1155 ق.م. إلى أن قضت عليها إيلام وصارت سوسه هي عاصمة المنطقة كلّها، فتبنّى الإيلاميّون الشعب الكاشي كجزء من الشعب الإيلامي، وخدم الكاشيّون بالتالي في الجيش الإيلامي وانتشروا في مناطق إيلام.
في كتابه “أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث” Four Centuries of Modern Iraq يعتقد العسكري والمؤرّخ البريطاني ستيفن همسلي لونگريگ Stephen Hemsley Longrigg أنّ الكاشيّون هم أجداد اللُّر وأنّهم في الأصل پارثيّون مهاجرون من منطقة “پشت کوه” في خراسان أفغانستان، وبهذا يشترك اللُّر والتورك الجنوبيّون في الأصل الواحد العائد إلى الپارثيّين الپشتون.
عبد الكاشيّون ملوكهم، لكنّهم في العموم آمنوا بالخالق مَشحو الذي ورد في بعض النقوش الإيلامية باسم بشحو. وإلى جانب ملوكهم تبنّى الكاشيّون فلسفات وأديان الشعوب التي جاورنها في العراق وغرب إيران، فانتشرت بينهم مذاهب تدمج ما بين آلهة العراق والعبادات الپارثية المنتشرة وَسْط آسيا. في العهد السلوقي تحوّل قسم من الكاشيّين اللُّر إلى اليهودية ونشأ منهم بالتالي من نعرفهم اليوم باليهود الكرد.
وخلال العهد الساساني، وربّما ما قبله في العهد الأشكاني، ارتبطت مجتمعات الكاشيّين بعرب طيء المتحوّلين إلى الفارسية، فتجاوروا السكن في ذات المناطق، حتى في البلد الأم “پشت کوه” في أفغانستان، ما يعزّر من فرضية النسب ما بين الپشتون الپارثيّين واللُّر الكاشيّين.
عالم الإيرانيّات السويدي-الأميركي ريتشارد فراي Richard N. Frye وفي كتابه “العصر الذهبي لفارس: العرب في الشرق” The Golden Age of Persia: The Arabs in the East يقول بأنّ الحكومات التي حكمت الممالك الإيرانية ما قبل الإسلام دأبت على منح صفة كرد وكردان لجميع المجتمعات البدوية في البلاد، سواء أكانت هذه المجتمعات كردية أو لا، ولهذا السبب صارت صفة كردي تُنسب إلى قبائل لُرستان وقوہستان وبلوچستان وكرمان. وفي الواقع تتشابه معاني لُرستان وقوہستان فكليهن تعني “أرض الجبال”، لكنّ لُرستان تعني أرض الجبال الصافرة، بسبب صوت سرعة الرياح فيها.
عموماً، يعتقد المؤرّخ الأميركي ميخائيل گونتر Michael Gunter أنّ شعباً كردياً بدأ بالتميّز عن الكاشيّين في لُرستان في فترة القرن العاشر، وهؤلاء الكرد يسمّون اليوم بالفيليون أو الأكراد الفيلية (فهیلی)… وقد يكون مرجع هذا التميّز إلى تحوّل الفيليّين إلى الإسلام أو بسبب نزوعهم إلى الاستقرار ومخالفة العادات اللُّرّية التي كانت تنزع إلى الترحال.

الخارطة مقطع من خارطة بعنوان تركيا الآسيوية، من رسم الجغرافي الدنماركي-الفرنسي کنراد مالته-برون Conrad Malte-Brun سنة 1812 وتظهر عليها حدود كردستان إيران التي هي فعلياً مناطق كرمانشاه وخرم آباد وإيلام، ويمكن تصفّح الخريطة الكاملة على إيزيزون من هنا
نشوء إمارة هزاراسپیان
خلال القرن 12 نشأت المملكة التركمانية السلغورية تحت رعاية العرش السلجوقي وتميّزت باسم أتابكة فارس (اتابکان فارس). استعان السلغوريّين بفصائل كردية فيلية في عساكرهم وعيّنوا على رأس الجيش قائداً كرديّاً من الفيليّين اسمه أبو طاهر بن محمّد شبانكاره. وتسمية شبانكاره تحوير عن كلمة الشڤانكارة التي تعني “ممتهن الرعي”. وكان آل شبانكاره قد أسّسوا إمارة إقطاعية بويهيّة دامت من القرن 11 حتّى القرن 14. وصارت من إقطاعات السلاجقة اعتباراً من سنة 1071.
فيم بعد، عيّن السلغوريّين أبو طاهر شبانكاره حاكماً على محافظة کهگیلویه، فامتدّ سلطانه منها على لُرستان ثمّ أصفهان، فنال من السلاجقة لقب أتابك واستقلّ بإمارته الفيلية تحت اسم هزاراسپیان.

تحالفت إمارة هزاراسپیان مع الخوازرميّين الترك في مواجهة المغول، ثم استسلمت للمغول بعد هزيمة “جلال الدین خوارزمشاه”. سار جيش هزاراسپیان بصحبة جيش هولاگو لغزو بغداد، لكنّ الأمير “تكله شبانكاره” انسحب بفصائله بعد أن علم نيّة هولاگو تدمير بغداد وقتل الخليفة. وبقي الأمير “تكله” هارباً إلى أن اعتقله وأعدمه هولاگو لاحقاً.
خلال عهد “أباقا خان” ثاني ملوك إيلخانات فارس المغول، أُضيفت گلپایگان وخوزستان (الأحواز) إلى سلطة هزاراسپیان، ورُدّ اعتبار أسرة شبانكاره كأمراء على الإمارة التي عُدّت واحدة من إيلخانات مغول فارس، وانتقلوا بعاصمة الإمارة إلى مدينة “ايذه” شرق الأحواز.
نهاية القرن 13 حاول أمير هزاراسپیان “أفرسياب” الاستقلال بإمارته مع جَنُوب العراق عن سلطة المغول، لكنّه انهزم وأعدمه “غازان خان” حاكم مغول فارس سنة 1296. مع ذلك استمرّت إمارة هزاراسپیان بالوجود والازدهار كإمارة كردية إلى أن قضى عليها التيموريّون سنة 1424.

خلال العهد الصفوي في القرن 16 تحوّل كرد الفيلية (الفهیلیّين) إلى المذهب الشيعي ومُنحت بلادهم تسمية كردستان، التي بقيت تُستعمل إلى زوال الملك القاجاري. وطُرد الفيليّون السنّة ممّن رفضوا التشيّع إلى العثمانية وصاروا فيها لاجئين.

الإمارة الكردية: جبل الأكراد، كلّز
في هذه التدوينة أتناول حكاية ثاني إمارة كردية وأبدأها بالخلفية الدينية والتاريخية ثمّ أسير بتاريخها السياسي حتّى القرن 17.
خلفية تاريخية
خلال حياة الدولة السلجوقية عاشت أسرة كردية يزيدية من هكاري في بعلبك اللّبنانية وكانت تعدّ إيمانها على الإسلام الأموي. وُلد منها رجل اسمه مسافر بن إسماعيل، وقد يكون ”مسافر“ لقب للرجل بسبب سفره وترحاله وليس اسمه الحقيقي. المهمّ أنّ مسافر أحبّ أن يتعرّف على بلاد أجداده التي لم يعرفها أهله، وسافر من بعلبك ليستقرّ في هكاري، ثمّ عاد بعدها إلى بعلبك حيث أنجبت له زوجته ولداً سمّاه ”عُدَيّ“. تأثّر عُديّ بن مسافر بنمط حياة أبيه فسار هو الآخر على الترحال والسفر وعاش فترة في بغداد ثمّ البصرة ثمّ الموصل، وجال كثيراً في جبال كردستان وتعلّم الكثير من الفلسفات القديمة من أتباعها الزرادشت واليزيدية والنساطرة المسيحيّين.
بسبب كثرة ترحاله جمع عديّ بن مسافر الكثير من الحكمة التي جمعت الناس من حوله متأثّرين بفصاحته وبسعة كلامه. ما نتج عنه قيام الطائفة العدوية متفرّعة عن الطائفة الداسنية، وهي التي رأت في عديّ وفكره تجديداً للديانة اليزيدية وفلسفتها. ومن جهتي أراه قد حدّث منطق الديانة اليزيدية وعرّبها، فجعلها بموازاة ثقافة القرن 12 العربية، من بعد قرون من التبعثر والإهمال التي طالت هذه الديانة بفعل غضب العبّاسيّين عليها.
توفّي ”عديّ بن مسافر“ سنة 1162 في لالش في نينوى العراقية، فخلفه على رئاسة الطائفة أخوه الشيخ صخر أبو البركات الأموي، وهو الرجل الذي أسّس مؤسّسة الطائفة العدوية وشكّل تقاليدها وشعائرها بناء على الموروث عن الديانة الميتّانية القديمة والداسنية وأفكار أخيه عديّ. كما أنّه بنى معبد لالش على ضريح الشيخ عديّ في محافظة نينوى العراقية.

نشوء إمارة كلّز
خلال حياة الدولة الأيّوبية منح سلطان حلب الأيوبي إمارة مدينة كلّز (كلّس) لآمر قلعة القصير (قلعة كوز Altınözü) وكان ضابطاً كردياً عدويّاً من هكاري اسمه ”مِنتِش“ وهو الذي صار فيمَا بعد ”مند شاه“ حين أسّس إمارة كلّز واعزاز Mîrektiya Kilîsê، وهي المنطقة التي نعرفها اليوم باسم عفرين.
اعتمد مند شاه على الداسنية العدوية في قوّاته وتجمّع منهم الكثير في مناطق إمارته الصغيرة ما بين حلب وأنطاكية وعينتاب مهاجرين من هكاري والعمادية ومن عموم الإمارة الداسنية. وشاعت بينهم مع المحلّيّين جميعاً اللّغة الكردية بغضّ النظر عن انتماءاتهم الإثنية. لا سيّما وأنّ المنطقة أُخذت آنذاك من النورمان والفرنسيّين والأرمن وغيرهم من المستوطنين الصليبيّين المقيمين فيها منذ القرن 11.
خلال حياة الإمارة ادّعى بيتها الملكي المندي نسبّاً إلى الخليفة العبّاسي أبو العباس عبد الله السفّاح. وهو نسب لا يمكن إثباته.
بقيت إمارة كلّز لسلالة مند طيلة العهد الأيوبي والمملوكي ما بين القرنين 12-16 إلى أن دخلت سوريا عهد المماليك البرجية ”الجراكسة“ الذين رغبوا بإزالة سلطة الكرد عن المنطقة فدبّ الخلاف ما بين الأسرة المندية والمماليك، ودام حتّى نوى السلطان سليم الأول العثماني أخذ حلب والشام من المماليك، فتحالف أمير كلّز المندي مع العثمانيّين وصار من قوّاته.
سنة 1613 دخلت العشائر الكردية في الإمارة فترة نزاعات وحروب أهلية على إثر إعدام أميرها علي مندي سنة 1610، وكان إعدام علي في القسنطينية نتيجة محاولة حاول فيها مدّ نفوذ إمارته على مدينة حلب. استمرّت فترة النزاعات العشائرية حتّى نهاية القرن 17 حين أزالت العثمانية أيّ نفوذ سياسي للعائلة المندية.
نهاية القرن 17 انفرطت عشائر كلّز فتحوّلت عشيرة أوكچو عزالدينلي إلى الجريمة المنظّمة وقطع الطرق وصارت تعيش على نمط حياة المافيا، في حين كانت قد نزحت عشيرة جنبلاط إلى لبنان فترة ثلاثينيات القرن 17 وهي ذاتها بيت جنبلاط الدرزي اليوم.
خاتمة
إنّ تتبّع مسارات هذه الإمارات الكبرى — من الداسنية في جبالها المنيعة، مروراً بهزاراسپيان في الهضبة الإيرانية، وصولاً إلى إمارة كلّز في الثغور الشامية — يضعنا أمام حقيقة تاريخية مركّبة لا تقبل الاختزال؛ وهي أنّ “الكردية” لم تكن يوماً قالباً عرقيّاً جامداً أو موروثاً جينيّاً أحاديّاً، بل كانت وعاءً اجتماعيّاً وثقافيّاً ديناميكيّاً تشكّل عبر الزمن.
أثبتت الوقائع التي سردناها أنّ هذا المكوّن البشري هو نتاج قرونٍ من التراكم، حيث انصهرت فيه شتات الميتّانيّين، وبقايا الكاشيّين، والقبائل التي دفعها الاضطهاد الساساني إلى “الإنكراد” والبداوة، ليجمعهم نمط حياة “الظعن” ووظيفة “العسكرة” التي فرضتها عليهم إمبراطوريّات المنطقة، بدءاً بالساسانية وانتهاءً بالعثمانية.
وعليه، فإنّ قراءة تاريخ الإمارات الكردية بين القرنين 7 و19 تخرجنا من ضيق السرديات القومية الرومانسية إلى سعة الفهم التاريخي الواقعي. إذ يتبيّن لنا أنّ الكُرد المعاصرين هم خلاصة صيرورة معقّدة من التحالفات والتمزّقات، والاضطهاد والنزوح، وليسوا مجرّد امتداد خطّي لحضارة غابرة بعينها. وبهذا الفهم، ننتقل من أسطورة “الأصل العرقي الواحد” إلى واقعية “المصير المشترك” الذي صاغته الجغرافيا والسياسة، الذي حوّل تلك المجموعات المتناثرة أخيراً إلى رقمٍ صعب في معادلة الشرق الأوسط.
المراجع والمصادر
- ابن عبد البر النمري، أبو عمر يوسف بن عبد الله. القصد والأمم في التعريف بأصول أنساب العرب والعجم. (القرن 11م).
- البدليسي، شرف الدين خان. شرفنامه. (تأليف 1597م). ترجمة محمد علي عوني.
- الثعالبي، عبد الملك. غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم.
- الحموي، ياقوت. معجم البلدان. دار صادر، بيروت.
- الشدياق، طنوس. كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان. (مصدر أساسي لتاريخ الأسر اللبنانية).
- الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك.
- العُمري، شهاب الدين أحمد بن فضل الله. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. (القرن 14م).
- المسعودي، علي بن الحسين. مروج الذهب ومعادن الجوهر.
- النرشخي، أبو بكر محمد. تاريخ بخارى.
- أوليا چلبي. سياحتنامه (Seyahatname). (القرن 17م).
- نعيمة، مصطفى. تاريخ نعيمة (روضة الحسين في خلاصة أخبار الخافقين).
- الجندي، خليل إبراهيم. “الشيخ عدي بن مسافر ودوره في تأسيس الطائفة العدوية”. مجلة المؤرخ العربي.
- الدملوجي، صديق. إمارة بهدينان.
- الديوه جي، سعيد. اليزيدية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- الوردي، د. علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. بغداد.
- خوري، فؤاد إفرام. “تاريخ عائلة جنبلاط ودورها في جبل لبنان”. مجلة المشرق، العدد 45 (1951).
- علي، د. محمد عبدو. مقالات في تاريخ الكرد. (مجلة الحوار).
- أبو حسين، عبد الرحيم (Abu-Husayn). “The Jumblatts and the Hawrans”. Die Welt des Islams 33 (1993). (مصدر عربي/إنجليزي).
- Bozarslan, Hamit, et al. (eds.). The Cambridge History of the Kurds. Cambridge University Press, 2021.
- Bruinessen, Martin van. “Kurdish Ethno-Nationalism versus Nation-Building States”. Turkish Area Studies Review 3 (2000).
- Conlin, Jonathan & Ozan Ozavci (eds.). They All Made Peace – What is Peace? The 1923 Lausanne Treaty. Ginko, 2023.
- Frye, Richard N. The Golden Age of Persia: The Arabs in the East. Weidenfeld & Nicolson, 1975.
- Frye, Richard N. The Heritage of Persia. World Publishing Company, 1963.
- Gunes, Cengiz. The Kurdish National Movement in Turkey. Routledge, 2012.
- Gunter, Michael M. The Kurds: A Divided Nation in Search of a State. 3rd ed. Markus Wiener, 2019.
- Gunter, Michael M. A Modern History of the Kurds. (ملاحظة: هذا الكتاب غالباً لـ McDowall ولكن ورد في قائمتك تحت اسم غنتر أيضاً، الصواب هو McDowall).
- Gunter, Michael M. Historical Dictionary of the Kurds. 3rd ed. Rowman & Littlefield, 2018.
- Gunter, Michael M. (ed.). The Routledge Handbook on the Kurds. Routledge, 2018.
- Jwaideh, Wadie. The Kurdish National Movement: Its Origins and Development. Syracuse UP, 2006.
- Longrigg, Stephen Hemsley. Four Centuries of Modern Iraq. Oxford Clarendon Press, 1925.
- McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 3rd ed. I.B. Tauris, 2004.
- Owtram, Francis. “Oil, the Kurds and the Drive for Independence”. In Iraqi Kurdistan in Middle East Politics, Routledge, 2016.
- Owtram, Francis. “The State We’re In”. In Routledge Handbook on the Kurds, 2018.
- Romano, David. The Kurdish Nationalist Movement. Cambridge UP, 2006.
- Saeed, Yerevan. “Reflecting on the Centenary of the Treaty of Lausanne”. The Washington Institute, 2023.
- Tejel, Jordi. Syria’s Kurds: History, Politics and Society. Routledge, 2008.
- Yeğen, Mesut. The Kurdish Question in Turkey. Routledge, 2015.
- Açıkyıldız, Birgül. The Yezidis: The History of a Community, Culture and Religion. I.B. Tauris, 2014.
- Allison, Christine. The Yezidi Oral Tradition in Iraqi Kurdistan. Curzon Press, 2001.
- Guest, John S. The Yezidis: A Study in Survival. KPI, 1987.
- Kizilhan, Jan Ilhan. Die Yeziden: Eine anthropologische und sozialpsychologische Studie. 2013.
- Kreyenbroek, Philip G. Yezidism – Its Background, Observances and Textual Tradition. Edwin Mellen Press, 1995.
- Kreyenbroek, Philip G. & Khalil Jindy Rashow. God and Sheikh Adi are Perfect. Harrassowitz, 2005.
- Lescot, Roger. Enquête sur les Yézidis de Syrie et du Djebel Sindjâr. Beirut, 1938.
- Mohammadi Sarab, A. “Adi Ibn Musafir: The Sheikh of Yezidi Religion”. Journal of Seven Heavens, 2011.
- Omarkhali, Khanna. Yezidism in Europe. Harrassowitz, 2017.
- Rodziewicz, Artur. “The Nation of the Sur: The Yezidi Identity Between Modern and Ancient Myth”.
- Spät, Eszter. The Yezidis. 2nd ed. Saqi Books, 2017.
- Astour, Michael C. “The Origins of the Terms ‘Canaan,’ ‘Phoenician,’ and ‘Purple’”. JNES 24 (1965).
- Bartl, Peter V. & Dominik Bonatz. “Tell Fekheriye 2010”. MDOG 143 (2011).
- Beal, Richard H. “The History of Kizzuwatna”. Orientalia 55 (1986).
- Bonatz, Dominik. “Tell Fekheriye in the Late Bronze Age”. In Archaeology of Political Space, 2014.
- Cancik-Kirschbaum, Eva. Die mittelassyrischen Briefe aus Tall Šēh Hamad. 1996.
- Dillemann, Louis. Haute Mésopotamie orientale et pays adjacents. Paris: Geuthner, 1962.
- Gilibert, Alessandra. “Middle Assyrian Glyptic from Tell Fekheriye”. 2017.
- Klengel, Horst. Syria: 3000 to 300 BC. Akademie Verlag, 1992.
- Novák, Mirko. “Upper Mesopotamia in the Mittani Period”. (2013).
- Oates, David & Joan. “Excavations at Tell Brak”. Iraq Journal.
- Postgate, J.N. “The Land of Assur and the Yoke of Assur”. World Archaeology 23 (1992).
- Pruß, Alexander & Dominik Bonatz. “Tell Fekheriye 2006-2010”.
- Sanlaville, Paul. “Considérations sur l’évolution de la basse Mésopotamie”. Paléorient 15 (1989).
- Stein, Diana L. The Seal Impressions from Tell Fakhariyah. 2012.
- Thiele, Rüdiger. Die Beziehungen Ägyptens zu Vorderasien. 2001.
- Von Dassow, Eva. “Hurrian at Amarna”. Studies on the Civilization and Culture of Nuzi and the Hurrians (2003).
- Wilhelm, Gernot. The Hurrians. Aris & Phillips, 1989.
- AbuKhalil, As’ad. Historical Dictionary of Lebanon. Scarecrow Press, 1998.
- Bosworth, C. E. New Islamic Dynasties. Edinburgh UP, 1996.
- Firro, Kais M. Inventing Lebanon. I.B. Tauris, 2003.
- Humphreys, R. Stephen. From Saladin to the Mongols. SUNY Press, 1977.
- James, Boris. “Constructing the realm of the Kurds”. In Grounded Identities, Brill, 2019.
- James, Boris. “Mamlûk and Mongol peripheral politics”. In The Mongols and the Transformation of the Middle East, 2016.
- Lyons, M.C. & D.E.P. Jackson. Saladin: The Politics of the Holy War. Cambridge UP, 1982.
- Rondot, Pierre. Les Institutions politiques du Liban. 1947.
- Salibi, Kamal. The Modern History of Lebanon. Caravan Books, 1977.
- Zisser, Eyal. Lebanon: The Challenge of Independence. I.B. Tauris, 2000.
- Anderson, Benedict. Imagined Communities. Verso, 1983.
- Asatrian, Mushegh. “Iranian Elements in Arabic”. Iran & the Caucasus.
- Chyet, Michael L. Kurdish-English Dictionary. Yale UP, 2003.
- Hobsbawm, Eric & Terence Ranger. The Invention of Tradition. Cambridge UP, 1983.
- Mackenzie, D.N. Kurdish Dialect Studies I & II. Oxford UP, 1961.
- Malte-Brun, Conrad. Atlas Complet du Précis de la Géographie Universelle. Paris, 1812.
- Smith, Anthony D. The Ethnic Origins of Nations. Blackwell, 1986.
- Treaty of Lausanne (1923). (نص المعاهدة).
- Treaty of Sèvres (1920).
- United Nations Human Rights Council. “Report on the Human Rights Situation in Iraq… ISIS”. 2014.
- Yazda Organization. “Mass Graves of Yazidis”. 2016-2020.
- Cetorelli, Valeria, et al. “Mortality and kidnapping estimates for the Yazidi population”. PLOS Medicine 14 (2017).
- Murad, Nadia & Amal Clooney. The Last Girl. Tim Duggan Books, 2017.
- المجلات والدوريات المذكورة: Kurdish Studies, Middle East Journal, Iranian Studies, IJMES, The Middle East Quarterly.
- المعاهد والمراكز: Middle East Institute (Washington), Washington Kurdish Institute, Kurdish Institute of Paris.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد