تُمثّل دراسة حالات التفكك العسكري في الإمبراطوريّات المتأخّرة مدخلاً مهمّاً لفهم كيفية انهيار القوى الكبرى عبر التاريخ. ففي أواخر العهد العثماني، عندما أصبحت الإمبراطورية متهالكة بقيادة مفكّكة تكافح للحفاظ على السيطرة، برزت أشكال متعدّدة من الانقسام العسكري الداخلي.
في هذا السياق، تقدّم لنا حالة القوّات المسلّحة الكردية نموذجاً واضحاً لهذا التفكّك، حيث وجدت هذه القوّات نفسها منقسمة بحكم الظروف والتطوّرات التاريخية بين تيّارين مختلفين: الضبّاط الأكراد المدمجين في الجيش العثماني النظامي، والقوّات شبه النظامية المنظّمة في إطار الفرق الحميدية. ساهم هذا الانقسام في تعميق عدم الاستقرار العسكري والسياسي الذي أدّى في النهاية إلى انهيار الدولة العثمانية عام 1922.

جذور الانقسام العسكري الكردي
في ظلّ التحدّيات المتزايدة التي واجهت الدولة العثمانية من القوى الأوروپية والحركات القومية الداخلية، اتّخذ السلطان عبد الحميد الثاني قرارات عسكرية استراتيجية متعدّدة الأهداف أدّت، دون قصد، إلى انقسام عميق داخل النخب العسكرية الكردية. فقد وجد الضبّاط الأكراد أنفسهم منقسمين بين نظامين عسكريّين متمايزين: التيار الحداثي (العلماني) المتمثّل في الضباط الأكراد الذين تدرّبوا في المدرسة الحربية (مكتب حربية) في إسطنبول والتحقوا بالجيش العثماني النظامي، والتيار التقليدي (السلفي) المتجسّد في قوّات سلاح الفرسان الحميدية التي ضمّت القبائل الكردية تحت قيادة زعمائها التقليديّين.
لكن الانقسام العسكري الكردي لم يكن مجرّد نتيجة للسياسات العثمانية، بل كان جزءاً من تحوّل أوسع تشهده النخب العسكرية في الإمبراطورية برمّتها. فالضبّاط الأكراد المتخرّجون من المدرسة الحربية العثمانية لم يكونوا معزولين عن التيارات الفكرية الجديدة التي تسري في أوساط الضبّاط العثمانيّين. بل على العكس، شارك العديد منهم في الحركات الإصلاحية السرّية التي نشأت داخل الجيش العثماني منذ تسعينيّات القرن التاسع عشر، التي ستتبلور لاحقاً في جمعية الاتحاد والترقي.
نشأ هذا الانقسام من تطبيق سياسات عسكرية متوازية تخدم أهدافاً استراتيجية مختلفة. ففي حين واصلت المدرسة الحربية العثمانية – التي تأسّست عام 1834 – تخريج ضباط أكراد متعلّمين على النمط الأوروپي، أسّس السلطان في نوڤمبر 1890 أفواج الفرسان الخفيفة الحميدية على غرار وحدات القوزاق الروسية لأهداف متعدّدة: تعزيز دفاع الحدود الشرقية ضدّ التهديد الروسي، واحتواء القبائل الكردية وضمان ولائها للدولة العثمانية، خاصّة بعد أن جنّدت روسيا قسم من القبائل الكردية في حربها مع العثمانيّين مثل قبيلة حسناتلو الكردية. ومواجهة تصاعد الحراك القومي الأرمني في المناطق الشرقية، وتعويض النقص في وحدات الفرسان العثمانية. وكان عبد الحميد الثاني محبوباً من قبل الأكراد لدرجة أنّه كان يلقّب ب “باڤێ کوردان”، بمعنى “أب الأكراد”.

البناء المؤسّسي للتناقض
استوعب الجيش العثماني النظامي منذ عقود طويلة ضباطاً أكراد خضعوا لتعليم عسكري موحّد على الطراز الأوروپي. وبرز من هؤلاء شخصيات مهمّة مثل الكردي أحمد عزّت پاشا الذي أصبح والياً على ڤان ووزيراً، والكردي فؤاد پاشا الذي ترأّس المدرسة الحربية العثمانية نفسها. مثّل هؤلاء الضباط التيار الحداثي العلماني في القيادة العسكرية الكردية-التركية عموماً.
لم يقتصر تأثير التعليم العلماني في المدارس العسكرية العثمانية على الهوية المهنية للضباط، بل امتدّ ليشمل رؤيتهم السياسية والاجتماعية. فالكلية الطبّية العسكرية التي تأسّست عام 1827، التي كانت لغة التدريس فيها الفرنسية ومدرّسوها من الفرنسيّين والألمان، أصبحت بؤرة لانتشار الأفكار التنويرية الأوروپية. فلم يكن مستغرباً إذن أن تصبح هذه المؤسّسة مهد جمعية الاتّحاد العثماني عام 1889، التي ضمّت بين مؤسّسيها عدداً من الطلّاب الأكراد مثل عبد الله جودت وإسحاق سوكوتي، الذين تشبّعوا بالفكر المادّي الغربي ونبذوا الدين المؤسّسي التقليدي.
في المقابل، ضمّت الأفواج الحميدية حوالي 25 ألف جندي موزّعين على 46 كتيبة فرسان، معظمهم من القبائل الكردية السنّية على النهج السلفي في ولايات أرضروم وڤان وبتليس وديار بكر والموصل. وقاد هذه الأفواج زعماء قبليّون تقليديّون مثل إبراهيم پاشا الملّي وحاجي موسى بك وكور حسين پاشا، واحتفظوا بهياكل القيادة القبلية التقليدية بدلاً من الخضوع للتراتب العسكري المعتاد.
خلق التناقض المؤسّسي بين هذين التيارين توتّرات عملياتية فورية. ففي حين خضع الضبّاط الأكراد في الجيش النظامي للقانون العسكري العثماني الموحّد، تمتّعت أفواج الفرسان الحميدية بحصانة خاصّة من المحاكم المدنية ولا يمكن محاكمتها إلّا أمام المحاكم العسكرية، مع احتفاظها بهياكل القيادة القبلية (العسكرية-الدينية) التي تتجاوز التراتب العسكري المعتاد.

التيّارات الدينية والإسلام الأناضولي الشرقي
التفسير الديني لهذا التنافس العسكري الكردي أكثر تعقيداً من السرديات التقليدية التي تصوّره كصراع بين “العلمانية والسلفية”. فالتيار الديني بين القبائل الكردية في الأناضول الشرقي لم يتشكّل تحت تأثير السلفية العربية، بل تحت تأثير الطريقة النقشبندية الخالدية التي انتشرت في الأراضي العثمانية تحت تأثير تعاليم الشيخ خالد الشهرزوري (1779-1827)، وهو شيخ كردي درس في دلهي قبل أن يؤسّس هذه الشعبة المؤثّرة من الطريقة النقشبندية.
ركّزت الطريقة النقشبندية الخالدية على الالتزام الصارم بالشريعة الإسلامية ورفض البدع الدينية مع الاحتفاظ بالممارسات الصوفية، ممّا خلق توليفة فريدة ميّزت الحركات الدينية الكردية عن كل من الإسلام التركي العثماني والإصلاحية العربية. واكتسبت هذه الطريقة أهمّية خاصّة في منطقة ڤان والأناضول الشرقي عموماً من طريق شخصيات مثل الشيخ عبيد الله النهري (1826-1883)، الذي وصفه المبشّر الأمريكي روبرت سپير بأنّه “بعد السلطان وشريف مكّة أقدس شخص بين المسلمين السنّة”.
تأثير الشيخ عبيد الله يكشف لنا تعقيد السلطة الدينية الكردية في تلك الفترة. فخلافاً للمشاعر المعادية للمسيحيّين المنسوبة عادة للقادة الإسلاميّين المحافظين، أظهر الشيخ عبيد الله شمولية دينية ملحوظة، واضعاً ثقته في “الأرمن أكثر بكثير من الفرس والأتراك” ومعبّراً عن “أفكار غير تقليدية حول الشمولية الدينية والتسامح الديني” في محادثاته مع المبشّرين الأمريكيّين. مثّل نهجه هوية إسلامية كردية متميّزة عن الإسلام العثماني الرسمي والقومية التركية الناشئة على حدّ سواء.
الموقع الاستراتيجي لمنطقة ڤان منطقة حدودية بين الأراضي العثمانية والصفوية خلق ديناميكيّات دينية فريدة عزّزت المذهب الإسلامي السنّي والحركات غير التقليدية معاً. خدم علماء أكراد من هذه المنطقة وسطاء ثقافيّين، يتقنون الكردية والعربية والفارسية والتركية ويدرّسون في مؤسّسات مرموقة مثل الأزهر. لكن تدمير الإمارات الكردية بين 1834-1847 خلق فراغاً في السلطة سارع القادة الدينيّون، وخاصّة شيوخ الطريقة النقشبندية الخالدية، إلى ملئه.
أدّت الضغوط الأوروپية دوراً مؤثّراً في تدمير الإمارات الكردية، وإن لم تكن السبب المباشر الوحيد. فالاضطهاد الكردي للمسيحيّين أدّى إلى قيام القوى الأوروپية بالضغط على العثمانيين لوقف بدرخان بيك. وكان التدخّل الأوروپي واضحاً، حيث نشاهد حضور هيلموت فون مولتكه، وقتها ضابط شاب ومستشار عسكري، مع القوّات العثمانية في قتالها ضدّ الأكراد.
بعد أن شهدت كيف يمكن لحاكم محلّي قوي من مصر (إبراهيم باشا) أن يدمّر الجيش العثماني، قرّر الباب العالي تحت الضغط الألماني إزالة القوى المحلّية على الحدود الإيرانية. حقّق الروس والبريطانيّون، إلى جانب العثمانيّين والإيرانيّين، أكثر ممّا قصدوه بمعاهدة 1847، عندما دمّروا جميع الإمارات الكردية واستبدلوا المشايخ بضبّاط معيّنين من قبل الباب العالي. وكان هناك تفاعل معقّد بين الضعف العثماني الداخلي والضغوط الأوروپية، وليس مجرّد قرار عثماني مستقل.

سياسات التحالف القبلي والعزلة الجغرافية
التضاريس الجبلية للأناضول الشرقي وموقعها على الحدود الثلاثية العثمانية الروسية الإيرانية خلقت ظروفاً مثاليّة للاستقلال العشائري الكردي الذي واجهت الحكومة المركزية العثمانية صعوبة في السيطرة عليه. وكانت الأنظمة العثمانية القديمة نفسها قد دعمت واستعملت هذه العشائر الكردية للسيطرة على جزء العشائر العربية والتركمانية الرافضة للحكم العثماني.
حلف زيلان، الذي عمل عند تقاطع هذه الحدود الإمبراطورية من 1810-1860، جسّد كيف استغلّت القبائل الكردية المنافسة الإمبراطورية لمصلحتها المحلّي. وبالمثل، برهنت قبيلة المحمودي، التي وثّق الرحّالة أوليا چلبي في القرن السابع عشر أنّها تحت قيادة الزعيم صاري سليمان بك في منطقة بحيرة ڤان تضمّ 60 ألف مقاتل، على الإمكانات العسكرية طويلة الأمد للتحالفات الكردية المنظّمة.
حاول النظام الحميدي توجيه هذه القدرة العسكرية القبلية لخدمة الإمبراطورية مع الاحتفاظ بالهياكل التقليدية. لكن هذا خلق أشكالاً جديدة من المنافسة بين القبائل الكردية نفسها. اختار السلطان عبد الحميد الثاني عمداً قبائل كردية سنّية معيّنة فقط مع استبعاد أخرى، ممّا خلق طبقة عسكرية مميّزة أثارت استياء الجماعات غير المشاركة. وثّق القنصل الروسي إيڤانوڤ كيف “اضطهد الأتراك الأكراد الذين لم ينضمّوا لسلاح الفرسان بإثارة الخلافات القبلية أو مهاجمتهم عندما ينزلون من الجبال”.
كثّف هذا الإدماج الانتقائي التنافسات القبلية الموجودة مع خلق تنافسات جديدة قائمة على الوصول للرعاية الإمبراطورية. وحصلت القبائل الحميدية على رواتب من الدولة وأسلحة حديثة وأزياء عسكرية وأوسمة وإعفاءات ضريبية، في حين واجهت القبائل غير الحميدية الضغط العسكري العثماني والضرائب المستمرّة. فحوّلت الصراعات الكردية الداخلية الناتجة الموارد من الدفاع الخارجي وخلقت حروباً أهليّة محلّية أضعفت الأمن الإقليمي عموماً.

التداعيات السياسية والانحدار الإمبراطوري
تأثير التنافس العسكري الكردي على السياسة العثمانية المتأخّرة كان أكثر أهمّية ممّا فُهم سابقاً. عندما أجبرت جمعية الاتحاد والترقّي السلطان عبد الحميد الثاني على استعادة الدستور في تمّوز يوليو 1908، استجابت الوحدات العسكرية الكردية بطريقة غير متّسقة، فبعضها دعم الحكم الدستوري في حين بقي الآخر مخلصاً للشرعية الإسلامية للسلطان. منع هذا الانقسام العمل السياسي الكردي المنسّق خلال الفترة الانتقالية الأكثر حساسيّة في تاريخ الإمبراطورية.
يكشف هذا الانقسام عن حقيقة أعمق: أنّ الضباط الأكراد المتعلّمين أوروپياً لم يكونوا مجرد منفّذين لسياسات عثمانية، بل كانوا شركاء فاعلين في صياغة مستقبل الإمبراطورية. فعبد الله جودت، الذي وصف نفسه بـ”تركي من أصل كردي”، لم يكن حالة استثنائية، بل مثالاً على جيل كامل من النخب الكردية المتعلّمة التي تبنّت الهوية العثمانية الجديدة المبنية على المواطنة الدستورية بدلاً من الانتماء الديني أو القبلي. شارك هؤلاء الضباط بفعّالية في حركة “تركيا الفتاة” وساهموا في تشكيل أيديولوجيّتها، ممّا يعني أنّ تأثيرهم تجاوز حدود المسألة الكردية ليشمل إعادة تعريف الهوية العثمانية ذاتها.
تفكيك النظام الحميدي بعد 1909، عندما أعادت جمعية الاتحاد والترقّي تسمية هذه الوحدات إلى “أفواج الفرسان الخفيفة القبلية” وقلّلت من استقلالها، خلق استياءً بين القبائل الكردية المميّزة سابقاً مع فشلها في المصالحة مع الجماعات المستبعدة سابقاً. أدّى هذا إلى استمرار الانقسامات السياسية التي ستستمرّ طوال العقد الأخير من الإمبراطورية وحتى الفترة الجمهورية.
خلال الحرب العالمية الأولى، خدمت الوحدات العسكرية الكردية في الجيوش العثمانية النظامية والتنظيم الخاص (تشكيلات محسوسة)، لكن كما لاحظ المراقبون المعاصرون، طوّرت القوّات الكردية المساعدة بسرعة “سمعة في اللّصوصية والاغتصاب والقتل” و”لا يمكن الاعتماد عليها في الأزمات”. عدم الموثوقية العمليّاتية هذا فضح مشاكل هيكلية أعمق ناشئة عن الولاءات المتنافسة والتنافسات المؤسّسية داخل الصفوف العسكرية الكردية.
شهدت فترة ما بعد الحرب (1918-1922) انقسام الضباط العسكريّين الأكراد بين دعم المقاومة القومية التركية تحت قيادة مصطفى كمال، والسعي للاستقلال الكردي من طريق التعاون مع قوّات الحلفاء، والاحتفاظ بالولاء للسلالة العثمانية. وخلافاً للوحدات العسكرية الألبانية أو العربية التي حقّقت تنسيقاً سياسيّاً أكثر نجاحاً خلال انهيار الإمبراطورية، بقيت القوّات الكردية مجزّأة على طول الخطوط المؤسّسة خلال الفترة الحميدية.

التوثيق الأرشيفي والأدلّة التاريخية
يستند هذا التحقيق إلى وثائق مصادر أوّلية واسعة محفوظة في أرشيفات وطنية متعدّدة. تحتوي الأرشيف العثماني BOA في إسطنبول على سجلّات مفصّلة لتأسيس أفواج الحميدية وعمليّاتها، بما في ذلك مراسلات السلطان عبد الحميد الثاني الشخصية مع المستشارين العسكريّين والسجلّات الإدارية الإقليمية الموثّقة للشؤون القبلية.
يقدّم أرشيف وزارة الخارجية البريطانية وجهات نظر خارجية حاسمة بواسطة تقارير قنصلية من ڤان وأرضروم وديار بكر، في حين يقدّم أرشيف الدبلوماسية الفرنسية تقييمات للقدرات العسكرية الكردية والسياسات القبلية.
ملفّات البعثة العسكرية الألمانية، الموصوفة بأنّها “ثنائية اللّغة” (ألمانية – تركية عثمانية)، تقدّم وجهات نظر فريدة ثنائية اللّغة حول الشؤون العسكرية الكردية خلال فترة النفوذ الاستشاري الألماني. توثّق هذه المصادر باستمرار المشاكل العمليّاتية الناشئة عن الولاءات العسكرية الكردية المتنافسة وعدم الكفاءة الإدارية الناتجة عن الاحتفاظ بأنظمة عسكرية متوازية.
مذكّرات معاصرة لشخصيات مثل هـ.ف.ب. لينش، الذي لاحظ أنّ القوّات الحميدية كانت “عديمة الفائدة إلى حدّ بعيد في أوقات الحرب”، تؤكّد الأدلّة الأرشيفية حول مشاكل الفعّالية العسكرية الناشئة عن التنافس المؤسّسي الكردي. تعلّم القادة العثمانيون “من التجربة المريرة أنّه لا يمكن الاعتماد عليهم في الأزمة”، ممّا يسلّط الضوء على كيف أضعف التفتّت العسكري القومي قدرات الدفاع الإمبراطوري.

الأكراد في حركة الاتّحاد والترقي
لا يمكن فهم دور العسكريّين الأكراد في تفكّك الإمبراطورية العثمانية دون النظر إلى مشاركتهم الواسعة في جمعية الاتّحاد والترقي. فبرغم أنّ هذه الجمعية تُوصف عادة بـ”الأتراك الشباب”، إلّا أنّ مؤسّسيها لم يكونوا أتراكاً بالمعنى الإثني، بل كانوا خليطاً من القوميّات العثمانية، نصفهم من الأكراد. عبد الله جودت وإسحاق سوكوتي، وهما من الأعضاء المؤسّسين، مثّلا التيّار الكردي المتعلّم الذي تبنّى الأيديولوجية العلمانية وسعى لتحديث الإمبراطورية على النمط الأوروپي.
وضع هذا المسار النخب الكردية المتعلّمة في مواجهة مباشرة مع الهياكل التقليدية الممثلة في الأفواج الحميدية، مما عمّق الشرخ داخل المجتمع الكردي وأضعف قدرته على التحرّك السياسي الموحّد خلال المراحل الحاسمة من انهيار الإمبراطورية. لكنّه من جهة أخرى، ساهم مساهمة مباشرة في تدمير الإمبراطورية العثمانية، ما ساق ختماً لإنهاء السلطنة وإنهاء وجود الخلافة الإسلامية نفسها.

ثمن الانقسام
يجسّد التنافس العسكري الكردي خلال الفترة العثمانية المتأخّرة كيف يمكن لمحاولات إمبراطورية لموازنة المركزية مع الاستقلال المحلّي أن تسرّع عن غير قصد التفتّت السياسي. خلقت سياسات السلطان عبد الحميد الثاني تناقضات مؤسّسية بين الشرعية الإسلامية (التي تفضّل الاستقلال القبلي الكردي) والحكم الدستوري (الذي يتطلّب المركزية العسكرية) أثبتت أنّها غير قابلة للحلّ. هذا إلى جانب حقيقة أنّ تسليح شباب عشائر كردية ما اعتادت الانتظام من قبل؛ مغتاظة من تسليح الروس للفلّاحين الأرمن، ساهم بشكل مباشر في شروع حَمَلة السلاح الجديد بحَمْلات إبادة ممنهجة للفلّاحين المسيحيّين: أرمن وسريان وغيرهم.
تُظهر الأدلّة أنّ التنافسات العسكرية الكردية شكّلت عاملاً مهمّاً في الانحدار العثماني المتأخّر من طريق آليّات متعدّدة: عدم الكفاءة الإدارية التي تطلّبت انتباهاً إمبراطوريّاً مستمرّاً، والضعف الاستراتيجي من دفاعات الحدود المضعضعة، والتفتّت السياسي الذي منع السياسات الإقليمية الموحّدة، واستنزاف الموارد من إدارة الفصائل المتنافسة دون فوائد عسكرية متناسبة.
والأهمّ من ذلك، هذا التنافس أسّس سوابق للتنظيم العسكري القومي استمرّت في التأثير على السياسات الإقليمية بعد الفترة العثمانية بكثير. إرث الانقسام العسكري الكردي المؤسّس ساهم في تشكيل تركيا الحديثة وأسهم في القضية الكردية المستمرّة في الشرق الأوسط المعاصر، ممّا يبرهن على كيف يمكن للسياسات الإمبراطورية المتأخّرة أن تحمل عواقب تمتدّ عقوداً بعد انهيار الإمبراطورية.
الفشل في تحقيق الوحدة العسكرية الكردية خلال هذه اللّحظة التاريخية الحاسمة يُمثّل إحدى القصص غير المحكيّة عن الانحدار العثماني – دراسة حالة في كيف يمكن للتنافسات العسكرية القومية، عندما تُؤسّس بدلاً من حلّها، أن تُسهم في الانهيار الإمبراطوري مع ترك عدم استقرار إقليمي دائم في أعقابها.
المراجع والمصادر
- تاريخ كامبريدج للأكراد The Cambridge History of the Kurds. Bozarslan, Hamit; Gunes, Cengiz; Yadirgi, Veli (eds.) (2021). Cambridge: Cambridge University Press. https://www.cambridge.org/core/books/cambridge-history-of-the-kurds/BDA1E4CBEA98ADFDC471D89A251C3FD4
- الحركة الكردية ونهاية الإمبراطورية العثمانية The Kurdish Movement and the End of the Ottoman Empire, 1880–1923. Bajalan, Djene Rhys في: The Cambridge History of the Kurds, Chapter 4 https://www.cambridge.org/core/books/abs/cambridge-history-of-the-kurds/kurdish-movement-and-the-end-of-the-ottoman-empire-18801923/56AC07ABF6BDAF208E309EE76B871317
- نهاية الحكم الذاتي الكردي The End of Kurdish Autonomy: The Destruction of the Kurdish Emirates in the Ottoman Empire. Ates, Sabri. في: The Cambridge History of the Kurds, Chapter 3. https://www.cambridge.org/core/books/abs/cambridge-history-of-the-kurds/end-of-kurdish-autonomy/9FA3CB919480C3748DA40C082FC2E5BF
- الإسلام الإقصائي والقومية الكردية: حالة الشيخ عبيد الله النهري النقشبندي. Exclusionary Islam and Kurdish Nationalism: The Case of the Naqshbandi Sheikh Ubeydullah of Nehri. Soleimani, Kamal (2016) https://www.researchgate.net/publication/303542255_Exclusionary_Islam_and_Kurdish_Nationalism_The_Case_of_the_Naqshbandi_Sheikh_Ubeydullah_of_Nehri
- شيخ صوفي كردي وجيرانه المسيحيون A Kurdish Sufi Master and His Christian Neighbors Soleimani, Kamal (2018). Zanj: Global South Studies Journal, Vol. 2, No. 1. https://www.scienceopen.com/hosted-document?doi=10.13169/zanjglobsoutstud.2.1.0006
- الإحياء الإسلامي والقومية الكردية في شعر الشيخ عبيد الله. Islamic revivalism and Kurdish nationalism in Sheikh Ubeydullah’s poetic oeuvre. Soleimani, Kamal (2016). https://www.researchgate.net/publication/312129242_Islamic_revivalism_and_Kurdish_nationalism_in_Sheikh_Ubeydullahs_poetic_oeuvre
- ثورة الشيخ عبيد الله 1880-1881. In the Name of the Caliph and the Nation: The Sheikh Ubeidullah Rebellion of 1880–81. Ateş, Sabri (2014). Iranian Studies, Vol. 47, No. 5, pp. 735–798
- الجيش العثماني. Military of the Ottoman Empire. Wikipedia https://en.wikipedia.org/wiki/Military_of_the_Ottoman_Empire
- أفواج الفرسان الحميدية. Hamidiye Cavalry Regiments. مصادر متنوعة من المنتديات التاريخية والأرشيف العثماني. https://forum.axishistory.com/viewtopic.php?t=96806
- الأكاديمية العسكرية التركية (تاريخ المدرسة الحربية العثمانية) Turkish Military Academy (Ottoman Military College History). Military History Wiki. https://military-history.fandom.com/wiki/Turkish_Military_Academy
- الأرشيف العثماني. Ottoman Archives (Başbakanlık Osmanlı Arşivleri) إسطنبول، تركيا. https://en.wikipedia.org/wiki/Ottoman_archives
- دليل الأرشيف العثماني – جامعة كوچ Ottoman Archives Guide – Koç University. https://libguides.ku.edu.tr/archives_in_turkey/ottoman_archives
- أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية – تركيا. Turkey Archives – US State Department. https://history.state.gov/countries/archives/turkey
- الأرشيف والمكتبات التركية. Türkiye Archives and Libraries. FamilySearch. https://www.familysearch.org/en/wiki/Türkiye_Archives_and_Libraries
- صعود وسقوط الإمارات الكردية (القرنان الخامس عشر – التاسع عشر) The Rise and Fall of the Kurdish Emirates (Fifteenth to Nineteenth Centuries) James, Boris. في: The Cambridge History of the Kurds, Chapter 1 https://www.cambridge.org/core/books/abs/cambridge-history-of-the-kurds/rise-and-fall-of-the-kurdish-emirates-fifteenth-to-nineteenth-centuries/A75615835AE09CB5A625245A43C92171
- تاريخ حديث للأكراد A Modern History of the Kurds. McDowall, David (2004) London: I.B. Tauris
- الإمارات الكردية الشهيرة التي قاومت الاحتلال العثماني. The most famous Kurdish Emirates which fought back the Ottoman occupation. دراسة تاريخية تعتمد على الأرشيف العثماني. https://whiteink.info/a-history-of-hostility-and-bloodshed-the-most-famous-kurdish-emirates-which-fought-back-the-ottoman-occupation/?lang=en
- الأكراد والعشائر الكردية في الأرشيف العثماني. The Kurds and the Kurdish Clans in the Ottoman Archives. Ahmed, Muhammed Ali
- الشيخ عبيد الله النهري – تحفة الأحباب Tuhfatul ahbab: Mesnevi Şex Ubeydullah Nehri. Nehri, Sheikh Ubeydullah. منشورات حسيني، أرمية (2000)
- مذكرات الحكيم صاحب The Hakim Sahib, the Foreign Doctor: A Biography of Joseph Plumb Cochran. Speer, Robert E. (1911). New York: Revell





اترك رد