تحتلّ قبّة الصخرة مكانة استثنائية في تاريخ العمارة العالمية، فهي أكثر من كونها أقدم مبنى إسلامي احتفظ بهيئته الأصلية منذ أواخر القرن السابع الميلادي، وإنّما تمثّل نقطة مفصلية في حوار الحضارات المعمارية. يجمع هذا الصرح بين الموروث الهندسي النبطي والبيزنطي والروماني وبين الروح العربية الإسلامية الجديدة التي أعادت صياغة الخيال البصري نحو التجريد والكتابة. ولفهم هذا المبنى فهماً عميقاً، لا بدّ من استحضار سياقه الجغرافي والتاريخي، ثمّ الغوص في تفاصيله الهندسية والفنّية، ومقارنته بأبرز القباب التي سبقته أو عاصرته في تاريخ العمارة الدينية.

الموقع الجغرافي وجذوره الكنعانية
ترتفع قبّة الصخرة على أعلى نقطة في جبل موريا وسط مدينة القدس، على علوّ يبلغ 770 متراً فوق سطح البحر. ويُعرف هذا الجبل كذلك بهضبة الحرم وجبل بيت المقدس وجبل الصخرة، نسبةً إلى الصخرة الطبيعية الكبيرة التي شيّدت القبّة لتظلّلها. غير أنّ قداسة هذا الموقع تمتدّ إلى عصور أقدم بكثير من العصر الإسلامي، إذ أقامت على هذا الجبل مدينة يبوس الكنعانية، أولى المستوطنات في موقع القدس، وعاصمة مملكة اليبوسيّين العرب.

أطلق اليبوسيّون على مدينتهم اسم «سَليمُ»، ولفظها العرب القدماء بصيغتين: سَليمُ وشَليمو. ويحمل هذا الاسم في عربية المرحلة الأگّدية القديمة معنيين متقاربين: السلام والسِّلم، والتحالف عن وئام وتفاهم. وقد اقترح الآثاري البريطاني ثيوفِلُس پِنچس Theophilus Pinches في مطلع القرن العشرين الميلادي أنّ اسم «يبوس» ذُكر قبل نحو 4200 سنة بصيغة «يَبُسُ» Yabusu، ثمّ تحوّل مع قلب الحروف في النقوش إلى «جِبُس» Jebus و«يِڤُس» Jevus في الإغريقية. ولعلّ هذا الاسم تطوّر لاحقاً إلى يهوذا Judah. واليبوسيّون على الأرجح إحدى القبائل المورية، تلك القبائل التي أنتجت الأسرة البابلية الأولى وأسّست الإمبراطورية البابلية في بلاد سومر، ممّا يعني أنّ لغة يبوس كانت قريبة من لغة بابل ذاتها.
وپِينچس في مسعاه هذا لم يكن يريد أن يثبت أحقّيّة للصهاينة بالقدس إنّما أراد القول بأنّ اسم الديانة اليهودية مستوحى أساساً من اسم قبيلة يبوس، وأنّ اليهودية هي في الواقع ديانة اليبوسيّين التي انتشرت عنهم. واليبوسيّون هم الجِبُس في المصادر اللاتينية وهم اليِڤُشي في المصادر الإغريقية، وعلى الأرجح أنّهم واحدة من القبائل الموريّة، ذات القبائل التي أخرجت الأسرة البابلية الأولى التي أخذت بلاد سومر وأسّست فيها الإمبراطورية البابلية الأولى. ما يعني أنّ لغة يبوس هي لغة بابل ذاتها ولهجة عنها، ولربّما كانت القبائل الموريّة كلّها على ذات الديانة.

البناء الأموي: من التكليف إلى الاكتمال
في سنة 66 للهجرة، الموافقة 685 للميلاد أيلول سپتمبر، وبعد عقدين من تأسيس الدولة الأموية في دمشق، كلّف الأمير {عبد الملك بن مروان} الأموي اثنين من معماريّي القدس بتصميم قبّة فوق الصخرة المقدّسة. أوّلهما {رجاء بن حيوة الكندي البيساني}، وثانيهما {يزيد بن سلام المقدسي}. استلهم رجاء بن حيوة تصميمه من العمارة العربية-البيزنطية المنتشرة في الجليل ومحيط بيسان، ساعياً إلى انسجام المبنى الجديد مع النسيج المعماري لمدينة القدس القديمة.
استغرق البناء ستّ سنوات كاملة، استُثمرت في تمهيد هضبة موريا وإنشاء المسجد على أرض خالية لم يكن عليها لا كنيسة ولا كنيس ولا معبد سابق. واكتملت الزخارف والتزيينات سنة 72 للهجرة، 691 للميلاد كانون الثاني يناير، ليخرج المسجد تحفة معمارية فريدة لا مثيل لها في عمارة القرن السابع، بل في عمارة اليوم أيضاً. والجدير بالذكر أنّ هذا البناء سبق الجامع الأموي الكبير في دمشق بعشرين سنة كاملة.

التصميم المعماري: المخطّط المثمّن والفضاء الداخلي
يرتكز التصميم المعماري لقبّة الصخرة على مخطّط مثمّن مركزي، وهو اختيار فريد يجمع بين صرامة الهندسة الدقيقة وغنى البرنامج الزخرفي. يتكوّن المبنى من جدار محيط بثمانية أضلاع، يبلغ طول كلّ ضلع نحو 20 إلى 21 متراً، تحيط جميعها بنواة مركزية دائرية تعلو الصخرة المقدّسة. ويتوسّط هذا الفضاء قبّة يبلغ قطرها نحو 20 متراً ونصف، تستند إلى طبلون أسطواني مرتفع يحمله نظام إنشائي مختلط يتألّف من أربع دعائم حجرية ضخمة واثنتي عشرة سارية، تشكّل معاً الحلقة الحاملة للقبّة.
يلتفّ حول هذه الحلقة المركزية رواق مثمّن داخلي، يتكوّن من سلسلة من الدعامات والسواري التي تُشكّل ممشى داخلياً يُتيح الطواف حول الصخرة دون قطع النواة المركزية. ويخلق تتابع الممرّين الدائريين، الداخلي والخارجي، مع تدرّج الارتفاع من الصخرة صعوداً نحو القبّة، فضاءً عمودياً صاعداً يُبرز مركزية المكان ويشدّ البصر نحو الأعلى في حركة فراغية متّصلة لا تنقطع.

النظام الإنشائي: توزيع الأحمال وخفّة الهيكل
القبّة في أصلها هيكل خشبي مكسوّ من الخارج، يستند إلى طبلون مثقّب بالنوافذ، ويخفّف هذا التصميم الوزن الكلّي ويُتيح توزيع الأحمال على عدد كبير من النقاط الحاملة بدلاً من تركيزها في مركز واحد. ويجري توزيع الأحمال على مرحلتين: أولاهما من القبّة إلى الطبلون فإلى الحلقة المكوّنة من السواري والدعامات الستّ عشرة، وثانيتهما من هذه الحلقة إلى الأروقة المثمّنة فإلى الجدران الخارجية المثمّنة. يوفّر هذا النظام استقراراً إنشائياً ممتازاً لمخطّط مركزي واسع النطاق.
أتاح المزج بين الدعامات الضخمة والسواري الرشيقة تحمّل الأثقال الرأسية الكبيرة مع الحفاظ على شفافية بصرية بين النواة المركزية والممرّات المحيطة، في توازن دقيق بين المتطلّبات الإنشائية والفراغية. كما أنّ فتحات النوافذ في الطبلون والجدران الخارجية تخفّف الكتلة وتُصرّف الضغط الهوائي والرطوبة، وتؤمّن في الوقت ذاته حزاماً من الإضاءة العلوية يُظهر ضخامة القبّة وعظمة الفضاء الداخلي.

الكسوة الخارجية والزخارف
تتدرّج الواجهات الخارجية للمثمّن من الثقل الحجري إلى الخفّة الخزفية اللامعة: يُغطّي الجزء السفلي صفوف من ألواح الرخام، ويعلوه حزام واسع من البلاطات الخزفية الملوّنة التي أُضيفت في العصر العثماني. وتُنظّم الواجهات بفتحات عقود ونوافذ مستطيلة ومثلّثة، تعلوها كتابات بالخطّ الكوفي وعناصر تزيينية هندسية ونباتية، تجعل كلّ ضلع وحدة زخرفية مكتملة ومندمجة في إيقاع مثمّن شامل.
يُهيمن اللون الأزرق على الكسوة، مصحوباً بالأخضر والأبيض والذهبي، ويُشكّل لوحة لونية ترفع الكتلة البنائية بصرياً وتؤكّد الطابع السماوي للقبّة الذهبية المتربّعة فوق هذا السجّاد اللوني. أمّا في الداخل، فيغلب الرخام الملوّن والأشرطة الكوفية والفسيفساء الزجاجية ذات الخلفية الذهبية على الأسطح الجدارية والطبلون، مع تركيز خاصّ على الأحزمة المحيطة بدائرة الصخرة والأروقة المثمّنة.

التنظيم الضوئي والصوتي
يعتمد الفضاء الداخلي على إضاءة علوية تنساب من نوافذ الطبلون والجدران الخارجية، فتخلق طبقات متدرّجة من النور: ضوء قويّ حول القبّة يخفت تدريجياً نزولاً نحو الصخرة، في توزيع يُرسّخ محوراً عمودياً يصل الأرض بالسماء. ويُوزّع تكرار النوافذ في المثمّن والطبلون الضوء في حلقات متتالية، فيتحوّل الطواف حول الصخرة إلى رحلة بين مناطق الظلّ والنور، تُظهر الزخارف تبعاً لتغيّر زاوية الرؤية وشدّة الإضاءة.
أمّا صوتياً، فإنّ الأسطح المقوّسة للفسيفساء والرخام والقبّة تظهر الصوت وتُعيد توزيعه في الفضاء، في حين تكسر السواري والدعامات المتعدّدة الصدى المباشر، فينتج حيّز صوتي متوازن يُبرز مركزية النواة تحت القبّة. يخدم هذا التكوين شعائر الصلاة والطواف حول الصخرة، إذ يظلّ الصوت منبعثاً من المركز دون أن يتحوّل إلى ضجيج خانق، بل ينتشر في حلقات ناعمة متداخلة.

قبّة الصخرة ونجمة القدس: من العمارة إلى الرمز
لا ينفصل الحديث عن قبّة الصخرة عن نجمة القدس الثمانية التي صارت توقيعاً بصرياً لهذا الصرح المعماري الفريد. فالمخطّط المثمّن للقبّة ليس اختياراً هندسياً محضاً، بل هو تجسيد معماري لبنية رمزية ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، تمتدّ جذورها إلى بلاد النهرين القديمة منذ نحو 4700 سنة قبل الهجرة.
حين صمّم {رجاء بن حيوة الكندي} و{يزيد بن سلام المقدسي} مخطّط القبّة على هيئة مثمّن مزدوج يحيط بالصخرة المشرّفة، كانا يستعيدان ـ شعوريّاً أو لا شعوريّاً ـ تقليداً رمزيّاً عريقاً ارتبط بالنجمة الثمانية في حضارات سومر وأگّد وآشور وبابل. في تلك الحضارات، ظهرت النجمة الثمانية رمزاً للإلهة إننّة 𒀭𒈹 ونظيرتها الأگّدية عشتار، ربّات القوّة والسيادة والنظام الكوني. لم تكن هذه النجمة مجرّد علامة دينية، بل تحوّلت تدريجيّاً إلى شارة سلطة تُطبع على الأختام الملكية وتُنقش على الجدران الرسمية، تعلن عن «الشرعنة العمودية»: ربط الحكم الأرضي بالنظام السماوي.
انتقلت هذه البنية الرمزية عبر القرون إلى الفضاء الإسلامي، وبلغت ذروتها المعمارية في قبّة الصخرة سنة 72 للهجرة، 691 للميلاد كانون الثاني يناير. حين يُنظر إلى المبنى من الأعلى، تتجلّى القبّة الذهبية محاطة بالبنية الثمانية في صورة نجمة مشعّة، تجمع بين الدائرة (الكمال الإلهي) والمثمّن (الجهات الثماني للعالم) في تكوين واحد متماسك. الرواق الثماني الداخلي الذي يحيط بالصخرة يحوّل الطواف إلى تجربة حركية-تأمّلية: الزائر يدور حول المركز عابراً ثماني جهات، في كلّ جهة يرى زاويةً مختلفة من الزخارف والنوافذ والضوء، ما يخلق إحساساً بـ«الاكتمال المكاني»: الثمانية (الجهات الأربع والزوايا الأربع) تغطّي الفضاء كلّه.

تكثّف الزخارف الداخلية والخارجية هذا النمط الثماني: الفسيفساء الرومية-العربية الإسلامية على الجدران تحتوي على نجوم ثمانية متكرّرة، والبلاطات الخزفية العثمانية التي أُضيفت في القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي، تُظهر تنويعات لا حصر لها على النجمة الثمانية ورُبع الحِزب. الألوان السائدة ـ الأزرق والذهبي ـ تعزّز الإحالة الكونية: الأزرق يرمز إلى السماء، والذهبي إلى النور الإلهي.
من هذه العمارة وُلدت «نجمة القدس»، وهي تسمية شعبية-فنّية ظهرت في أوساط الحرفيّين والمعماريّين والنسّاخ الذين تعاملوا مع هذا النمط بوصفه «توقيع القدس» على المنتجات الفنّية. حين ينقش خزّاف دمشقي أو حلبي في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، نجمةً ثمانية على صحن أو إبريق، فهو يستدعي بصرياً قبّة الصخرة، أي يربط القطعة بالمقدّس المكاني الأعلى في الخيال الإسلامي بعد مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.
انتشر هذا الرمز لاحقاً عبر الإمبراطورية السلجوقية التي وظّفت النجمة الثمانية ـ المعروفة باسم Selçuklu Yıldızı (نجمة السلاجقة) ـ على شواهد القبور والعمارة والفنون التطبيقية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، نحو 400-550 للهجرة. صارت هذه النجمة علامة هوية دولة، توحّد البصر عبر مساحات جغرافية شاسعة وتربط السلطة السياسية بالمقدّس المعماري في القدس.
لم يقتصر تأثير قبّة الصخرة على الفضاء الإسلامي، بل امتدّ إلى أوروپا المسيحية. لاحظ الصليبيّون الذين احتلّوا القدس بين سنتي 492 و583 للهجرة، 1099 و1187 للميلاد، النمط المعماري الثماني وأُعجبوا به. وصفوا القبّة بـ Templum Domini (معبد الربّ)، وأشاروا إلى «الشكل الثماني المقدّس» الذي يحيط بالصخرة. استعارت بعض الكنائس الكاثوليكية في إيطاليا وجنوب فرنسا البنية الثمانية في تصميم المعموديّات أو الكنائس الصغيرة، تيمّناً بما كانوا يسمّونه خطأً «معبد سليمان». وفي الأدبيات الكاثوليكية اللّاحقة (القرنان الخامس عشر والسادس عشر)، ظهرت إشارات إلى Stella Hierosolymitana (نجمة أورشليم) أو Sigillum Templi (ختم المعبد) رمز للحجّ إلى الأراضي المقدّسة، ما يشير إلى تبادل رمزي عابر للأديان ارتكز على المرجع المعماري المشترك: قبّة الصخرة ذاتها.

في القرن العشرين، حين بحثت بعض الدول الإسلامية عن رموز سيادية تربطها بالتراث دون أن تقع في التشخيص المحظور، لجأت إلى الأشكال الهندسية الثمانية. استعمل المغرب النجمة الثمانية على أعلام الدولة المرينية (656-869هـ، 1258-1465م) والسعدية (915-1070هـ، 1554-1659م)، وأذربايجان وضعت النجمة الثمانية في قلب علمها الوطني منذ سنة 1336 للهجرة، 1918 للميلاد، وتركمانستان أدرجت رُبع الحِزب في شعارها الوطني. في كلّ هذه الحالات، الإحالة الضمنية واحدة: نحن ورثة الحضارة الإسلامية التي بنت قبّة الصخرة.
هكذا، ليست قبّة الصخرة مجرّد مبنىً ديني، بل هي نصّ بصري يُقرأ ويُعاد إنتاجه عبر العصور. صارت النجمة الثمانية التي تنبثق من مخطّطها المعماري ـ بفعل التكرار والانتشار ـ علامةً مسجّلة تُحيل فوراً إلى القدس والمقدّس والشرعية السياسية-الدينية المرتبطة بالأرض المباركة. فحين نرى نجمةً ثمانية على خزفية أو سجّادة أو علم، فنحن نرى ـ ولو بشكل لا واعٍ ـ صدىً بصريّاً لتلك القبّة الذهبية التي تتوسّط القدس منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.

مقارنة مع القباب الكبرى: آيا صوفيا والپانثيون وكنيسة القيامة
المخطّط والهيكل
تلتقي قبّة الصخرة مع الپانثيون Pantheon في روما (وهو من تصميم نبطي دمشقي) وكنيسة القيامة في القدس في اعتماد المخطّط المركزي المُغطّى بقبّة، لكنّها تنفرد بالشكل المثمّن الوسيط بين الدائرة والمربّع، ممّا يمنح الواجهات قابلية أفضل للانتظام والتوجيه مع الحفاظ على مركزية صارمة. فالپانثيون يعتمد أسطوانة دائرية بقبّة خرسانية مصمتة ذات فتحة مركزية، تُشكّل نصف كرة مهيمنة على التجربة البصرية كلّها. وكنيسة القيامة ذات تركيب مركّب يضمّ مدوّرة مركزية فوق القبر المقدّس تتّصل بفضاءات معمارية أخرى.
أمّا آيا صوفيا Ἁγία Σοφία في القسطنطينية، فتمزج بين المخطّط البازيليكي الطولي والمركزي، بقبّة ضخمة على نظام الپندنتيف Pendentif مدعومة بنصفَي قبّتين وأكتاف جانبية، تخلق انطباعاً بانفتاح أفقي وعمودي معاً. وبخلاف آيا صوفيا التي تسحب أذرعها الطولية الفضاء بعيداً عن المركز، تحافظ قبّة الصخرة على وحدة مركزية متماسكة، إذ تشدّ حلقات الطواف المتراكزة كلّ شيء نحو الصخرة والقبّة.
البرنامج الزخرفي
يبرز الفارق الجوهري في البرنامج الزخرفي: تسود في قبّة الصخرة الزخرفة الهندسية والنباتية والكتابة العربية، مع غياب التمثيل الآدمي تماماً، فتتحوّل الأسطح إلى نصوص وصيغ رياضية بصرية تشرح العقيدة في صيغة تجريدية. وفي المقابل، تحتلّ الصور الجدارية والفسيفساء التصويرية مكانة مركزية في آيا صوفيا وكنيسة القيامة، حيث تظهر شخصيات مسيحية داخل الفضاء.
يُقدّم الپانثيون نموذجاً أكثر تقشّفاً، والعمارة النبطية الدوسرية معروفة بتقشّفها، إذ تصير النسب الهندسية للقبّة والجدران التعبير الرئيس دون إفراط زخرفي. وتخلق قبّة الصخرة حالة وسطى بين هندسة الپانثيون الصامتة وغنى آيا صوفيا التصويري، إذ تمزج بين انضباط النسب والتوهّج الزخرفي في آن معاً.

أثرها في العمارة الإسلامية اللاحقة
يختلف نموذج قبّة الصخرة عن المساجد الجامعة اللاحقة، فالجامع الأموي في دمشق يعتمد صحناً مستطيلاً وقاعة صلاة عريضة ذات بلاطات موازية لجدار القبلة، بقبّة مضافة أمام المحراب، في بنية خطّية جماعية مغايرة للمركزية المكثّفة في قبّة الصخرة. كذلك تستخدم المساجد العثمانية الكبرى، مثل السليمانية والسلطان أحمد، القبّة الضخمة فوق فضاء مستطيل للصلاة مع أنصاف قبب داعمة، مستلهمةً آيا صوفيا أكثر من مثمّن قبّة الصخرة.
بيد أنّ نموذج قبّة الصخرة ظلّ حاضراً في عمارة الأضرحة والمزارات الإسلامية ذات المخطّط المركزي، إذ يُستحضر المثمّن أو المتعدّد الأضلاع وسيط بين الدائرة والمربّع في أضرحة إيران وآسيا الوسطى. وتتميّز قبّة الصخرة بأنّها من أوائل الصيغ الإسلامية التي استخدمت اللغة الإنشائية والزخرفية النبطية البيزنطية والرومانية ضمن إعادة صياغة تامّة للخيال البصري نحو التجريد الهندسي وسيادة الكتابة.

قبّة سابقة على الصخرة؟
ظنّ فرسان الهيكل الذين أقاموا في القدس إبّان الفترة الصليبية أنّ مسجد قبّة الصخرة كان كنيسة بيزنطية حُوّلت إلى مسجد، وذلك لتشابه نمطه المعماري مع العمارة البيزنطية. والحقيقة أنّ السنوات الستّ التي صُرفت في البناء استُثمرت كذلك في تمهيد هضبة موريا، ولم يكن في وسطها أيّ مبنى سابق.
مع ذلك، يعتقد الآثاري الأميركي-الفرنسي أوليگ گرابار Oleg Grabar أنّ قبّة خشبية سبقت المسجد الأموي، وأُنشئت بأمر {معاوية بن أبي سفيان} الأموي في مطلع حكمه. ويعتقد عالم الإسلاميّات الألماني هيريبيرت بوسّه Heribert Busse أنّ الصخرة كانت مغطّاة بقبّة بناها الإمبراطور الروماني {هِرقل} Φλάβιος Ἡράκλειος في النصف الأوّل من القرن السابع الميلادي. وتُشير هذه الفرضيات إلى قداسة أحاطت بالصخرة قبل اعتقاد المسلمين بإسراء النبيّ محمّد من عليها.

الحقبة الصليبية وفرسان الهيكل
في سنة 493 للهجرة، 1099 للميلاد تمّوز يوليو، مع بداية الحكم الصليبي للقدس، مُنح مسجد قبّة الصخرة للطائفة الأوغسطينية الكاثوليكية التي اتّخذته كنيسة لها. واتّخذ الصليبيّون من المصلّى المرواني مقرّاً لحاكم القدس. ثمّ في سنة 513 للهجرة، 1119 للميلاد، صار المصلّى المرواني المقرّ الرئيسي لمؤسّسة فرسان الهيكل، إلى أن استردّ {صلاح الدين الأيّوبي} القدس سنة 583 للهجرة، 1187 للميلاد.
روّج فرسان الهيكل خلال إقامتهم أنّ مسجد قبة الصخرة معبد سليمان القديم، وأطلقوا عليه اسم «معبد الربّ» Templum Domini، وصار شكله ختم مؤسّستهم الرسمي والنموذج المعماري لكنائسهم المدوّرة عبر أوروپا. وترك هذا التأثير أثراً عميقاً في العمارة الأوروپية الوسيطة.

العناية والترميم عبر العصور
نجت قبّة الصخرة، لروعة تصميمها وجماليّتها، من الهدم العبّاسي لآثار الأمويّين، إلّا أنّ الخليفة {المأمون} العبّاسي أمر في مطلع القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، بإزالة اسم {عبد الملك بن مروان} من نقوش القبّة الداخلية واستبداله باسمه. وفي عصر مماليك مصر، أنشأت الدولة مؤسّسة خاصّة بالمسجد نالت تمويلاً حكومياً ملكياً وتبعت الديوان السلطاني مباشرة، واستمرّت من سنة 648 للهجرة، 1250 للميلاد، حتّى سنة 916 للهجرة، 1510 للميلاد، حين انحلّت بانهيار النظام المملوكي.
وفي العصر العثماني، أنفقت الدولة على مشروع ترميم شامل في عهد السلطان {سليمان القانوني} بدأ نحو سنة 926 للهجرة، 1520 للميلاد، واستمرّ سبع سنوات، أي أطول من فترة بناء المسجد الأصلية. ثمّ جُدّد ترميم آخر سنة 1232 للهجرة، 1817 للميلاد، في عهد السلطان {محمود الثاني}، وجدّد السلطان {عبد العزيز آل عثمان} كثيراً من تزيينات الفسيفساء القديمة نحو سنة 1292 للهجرة، 1875 للميلاد.
سنة 1345 للهجرة، 1927 للميلاد تشرين الثاني نوڤمبر، انهارت أجزاء من المسجد إثر زلزال ضرب القدس، وانتظر المبنى حتّى سنة 1374 للهجرة، 1955 للميلاد، حين نفّذت الحكومة الأردنية ترميماً شاملاً بتمويل من حكومتَي تركيا والعراق.

إرث معماري حيّ
بعد مضيّ أكثر من ثلاثة عشر قرناً على بنائها، لا تزال قبّة الصخرة تحفة معمارية أموية تُزيّن إحدى أقدم مواقع العبادة الكنعانية-المورية، في قلب الموطن اليبوسي العتيق. تُجسّد هذه القبّة حواراً معمارياً فريداً بين حضارات الشرق الأدنى القديم والعالم البيزنطي والروح الإسلامية الناشئة، وتظلّ شاهدة حيّة على قدرة العمارة على تجاوز الزمن والتحوّلات السياسية. وما يزال مخطّطها المثمّن ونظامها الإنشائي الرشيق وبرنامجها الزخرفي التجريدي مصدر إلهام للمعماريّين والباحثين على حدّ سواء.
المراجع والمصادر
- Grabar, Oleg. The Dome of the Rock. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006. رابط: https://www.hup.harvard.edu/books/9780674023130
- Grabar, Oleg and Nuseibeh, Said. The Dome of the Rock. New York: Rizzoli International Publications, 1996. رابط: https://www.amazon.com/Dome-Rock-Oleg-Grabar/dp/0847819426
- Grabar, Oleg. The Shape of the Holy: Early Islamic Jerusalem. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996.
- Grabar, Oleg. “The Umayyad Dome of the Rock in Jerusalem.” Ars Orientalis 3 (1959): 33-62. متوفر على: https://archive.org/details/the-umayyad-dome-of-the-rock-in-jerusalem-oleg-grabar
- Creswell, K. A. C. Early Muslim Architecture: Umayyads, A.D. 622-750. Volume I, Parts 1 & 2. With a contribution on the mosaics of the Dome of the Rock in Jerusalem and of the Great Mosque in Damascus by Marguerite Gautier-van Berchem. 2nd edition. Oxford: Clarendon Press, 1969 (الطبعة الأولى 1932).
- Hillenbrand, Robert. Islamic Architecture: Form, Function and Meaning. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1994; New York: Columbia University Press, 2004. رابط: https://cup.columbia.edu/book/islamic-architecture/9780231101325
- Hillenbrand, Robert. Islamic Art and Architecture (The World of Art series). London: Thames & Hudson, 1999; 2nd edition 2021. رابط: https://thamesandhudson.com/islamic-art-and-architecture-world-of-art-9780500204559
- Khoury, Nuha N. N. “The Dome of the Rock, the Ka’ba, and Ghumdan: Arab Myths and Umayyad Monuments.” In Muqarnas X: An Annual on Islamic Art and Architecture, edited by Margaret B. Sevcenko, 57-65. Leiden: E. J. Brill, 1993. رابط: https://www.archnet.org/publications/3030
- Rabbat, Nasser. “The Meaning of the Umayyad Dome of the Rock.” Muqarnas 6 (1989): 12-21.
- Rabbat, Nasser. “The Dome of the Rock Revisited: Some Remarks on al-Wasiti’s Accounts.” Muqarnas 10 (1993): 67-75.
- Ettinghausen, Richard, Grabar, Oleg, and Jenkins-Madina, Marilyn. Islamic Art and Architecture: 650-1250. New Haven: Yale University Press, 2003 (first published as The Art and Architecture of Islam 650-1250, 1987).
- Necipoglu, Gulru. “The Dome of the Rock as Palimpsest: ‘Abd al-Malik’s Grand Narrative and Sultan Süleyman’s Glosses.” Muqarnas 25 (2008): 17-105.
- Blair, Sheila S. “What is the Date of the Dome of the Rock?” In Bayt al-Maqdis: ‘Abd al-Malik’s Jerusalem, Part One, edited by Julian Raby and Jeremy Johns, 59-87. Oxford: Oxford University Press, 1992.
- Elad, Amikam. “Why did ‘Abd al-Malik Build the Dome of the Rock? A Re-examination of the Muslim Sources.” In Bayt al-Maqdis: ‘Abd al-Malik’s Jerusalem, Part One, edited by Julian Raby and Jeremy Johns, 33-58. Oxford: Oxford University Press, 1992.
- van Ess, Josef. “‘Abd al-Malik and the Dome of the Rock: An Analysis of Some Texts.” In Bayt al-Maqdis: ‘Abd al-Malik’s Jerusalem, Part One, edited by Julian Raby and Jeremy Johns, 89-103. Oxford: Oxford University Press, 1992.
- Finkelstein, Israel and Silberman, Neil Asher. The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts. New York: Free Press, 2001.
- Finkelstein, Israel. Jerusalem in the Second Temple Period: Archaeology and History. Tel Aviv: Tel Aviv University, 2014.
- Pinches, Theophilus G. The Old Testament in the Light of the Historical Records and Legends of Assyria and Babylonia. London: Society for Promoting Christian Knowledge, 1902. متوفر على: https://archive.org
- Krautheimer, Richard. Early Christian and Byzantine Architecture. 4th edition, revised by Richard Krautheimer and Slobodan Ćurčić. New Haven: Yale University Press, 1986.
- MacDonald, William L. The Pantheon: Design, Meaning, and Progeny. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1976; 2nd edition 2002.
- Mainstone, Rowland J. Hagia Sophia: Architecture, Structure and Liturgy of Justinian’s Great Church. London: Thames & Hudson, 1988.
- Anwarul Islam, M. and Al-Hamad, Zaid F. “The Dome of the Rock: Origin of its Octagonal Plan.” Palestine Exploration Quarterly 139, no. 2 (2007): 109-128. رابط: https://www.researchgate.net/publication/233604991_The_Dome_of_the_Rock_Origin_of_its_Octagonal_Plan DOI: 10.1179/003103207×194145
- Milwright, Marcus. “The Dome of the Rock and Its Umayyad Mosaic Inscriptions.” Edinburgh: Edinburgh University Press, 2016. رابط: https://almuslih.org/wp-content/uploads/2024/11/Milwright-M-–-The-Dome-of-the-Rock-.pdf
- Johns, Jeremy. “Archaeology and the History of Early Islam: The First Seventy Years.” Journal of the Economic and Social History of the Orient 46, no. 4 (2003): 411-436.
- Islamic Art Museum. “Dome of the Rock – Jerusalem.” https://islamicart.museumwnf.org/database_item.php?id=monument%3Bisl%3Bpa%3Bmon01%3B4%3Ben
- Boston University – Michael Zank. “The Dome of the Rock.” https://www.bu.edu/mzank/Michael_Zank/Jerusalem/domeoftherock.html
- Architecture Lab. “Dome of the Rock.” https://www.architecturelab.net/architecture/landmark/dome-of-the-rock/
- Masjid Al-Aqsa. “Dome of the Rock.” https://masjidalaqsa.net/dome-of-the-rock/
- IRCICA – Research Centre for Islamic History, Art and Culture. “Dome of the Rock, Qubbat al-Sakhra.” https://www.islamicarchitecturalheritage.com/listings/al-aqsa-mosque
- Academia.edu – Multiple scholarly articles on the Dome of the Rock available at: https://www.academia.edu/60810940/The_Dome_of_the_Rock_Origin_of_its_Octagonal_Plan. https://www.academia.edu/4575489/The_Dome_of_the_Rock_A_Historical_Narrative_Through_Architecture
- Flood, Finbarr Barry. “Umayyad Survivals and Mamluk Revivals: Qalawunid Architecture and the Great Mosque of Damascus.” Muqarnas 14 (1997): 57-79.
- Rosen-Ayalon, Myriam. The Early Islamic Monuments of Al-Haram Al-Sharif: An Iconographic Study. Jerusalem: Institute of Archaeology, Hebrew University, 1989.
- Sharon, Moshe. Corpus Inscriptionum Arabicarum Palaestinae (CIAP). Multiple volumes. Leiden: Brill, 1997-.
- Park, Jeanam. (2018). “Cultural and Mathematical Meanings of Regular Octagons in Mesopotamia: Examining Islamic Art Designs”. Journal of History Culture and Art Research, Vol. 7, No. 1, pp. 301-318. https://doi.org/10.7596/taksad.v7i1.1354
- “المدفن الإسلامي في دربند (القرنان 11-12م)”. Caucasus History. https://caucasushistory.ru/2618-6772/article/view/1747
- “الحُلية الأخمينية: النجمة الثمانية من موقع فيليپوفكا”. Vostok Oriens. https://vostokoriens.jes.su/s086919080019626-5-1/
- “Rub el Hizb”. Justapedia. https://justapedia.org/wiki/Rub_el_Hizb
- “List of flags with Islamic symbolism”. Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_flags_with_Islamic_symbolism





اترك رد