لا أخفيك أنّ الاستراحة في الأمويّ كانت أكثر أوقاتي سكينة في دمشق. برودة حجارة جدرانه الحميميّة ورائحة العرق القديم ممزوجاً في الأرضية بالإخلاص. في أقدم مبنى لم يزل يُستخدم للعبادة في العالم. طبعاً، الأموي الدمشقي ليس أقدم معابد العالم، وليس المبنى الأقدم بين المعابد الموجودة إلى اليوم، لكنّه الأقدم بين المعابد التي لم تزل تُستخدم للعبادة إلى اليوم ودون انقطاع، ويعود عمر استخدامه الأوّل إلى 4500 سنة.
يقف المسجد الأموي الكبير في دمشق شاهداً على حضارات متعاقبة امتدّت عبر آلاف السنين، حاملاً في حجارته وجدرانه قصّة فريدة تجعل منه أقدم مبنى لا يزال يُستخدم للعبادة في العالم. تمتدّ جذور هذا المعبد المقدّس إلى أعماق التاريخ الإنساني، ليصل عمر استخدامه الأوّل إلى 4500 سنة، ممّا يجعله أكثر من مجرّد مسجد أو معبد، بل مرآة تعكس تطوّر الأديان والحضارات في المنطقة.

الجذور الحضارية العميقة: من أداد إلى يوپِتير
تحكي الآثار قصّة بدايات هذا المكان المقدّس، فقبل أن يتحوّل إلى مسجد أمويّ، احتضن كنيسة مسيحية مكرّسة ليوحنّا المعمدان، وقبلها معبداً رومانيّاً مخصّصاً ليوپِتير، الذي كان في الأصل معبداً كنعانيّاً لبعل، وقبل ذلك معبداً أگّدياً مقدّساً لأداد (دَگَن). وتشير الأدلّة الأثرية إلى وجود مكان مقدّس في هذا الموقع منذ حوالي 9000 سنة، وإن كانت طبيعة الاستخدام الديني في تلك الحقب السحيقة تبقى غامضة.
بدأت عبادة أداد (دَگَن) 𒀭𒅎 في أگّدة خلال عصر الإمبراطورية الأگّدية قبل 4500 سنة. ويحمل اسم {أداد} معنى “الهدية” أو “الأُعطية”، فهو أُعطية الإله شين (سين القمر) من زواجه بالربّة نِنگَال السومرية، ربّة القصب. في زمن كان القصب فيه أهمّ المواد الخام التي استعملها أهل المنطقة لصناعة أدواتهم بجميع صنوفها، اعتقد الناس أنّ علاقة حبّ عابرة جمعت بين شين ونِنگَال فأثمرت إنجاب أداد (دَگَن) وإننّه.
كان سين 𒂗𒍪، المرمّز بطائر البجع، يُنادى بلقب نَنّه في الصلوات السومرية، وهذا اللّقب يعني في العربية المعاصرة “نعمة” و”لقمة الحياة”. عُدّ سين ربّ القمر وخالق كلّ شيء والمتحكّم بالمد والجزر ومرسل المطر وباعث الحياة في الماء. بتزاوجه مع ربّة القصب نِنگَال أنجب الحضارة، إذ صنع الناس من القصب جميع الأدوات المنزلية والمفروشات وعمروا المنازل، كما يفعل أهل أهوار العراق اليوم، وصنعوا كذلك القوارب والسفن الكبيرة التي مكّنت سكّان المنطقة من التجارة عبر الإبحار في أنهار وبحار المنطقة.
خلال العصر الأشوري تطوّر مفهوم أداد (دَگَن) وصار اسمه في الصلوات “شين إشكُر” التي تعني ربما “بركة الله”. هذا التطوّر منطقي عندما نرى أنّ الناس عدّوا الحضارة بركة من الخالق، طالما أنّ أداد (دَگَن) هو ربّ الحضارة وروحها. ومع اشتغال الشعب الآشوري بالزراعة واعتماد اقتصادهم عليها بالكامل، صار أداد (دَگَن) صاحب البرق والرعد طالب المطر، إذ أنّ أداد (دَگَن) يطلب المطر من أبيه سين، حتى يرسلها الأخير على الناس فتسقي الزرع وتمكّن التجارة عبر مجاري المياه الوفيرة. صار رمز أداد البرق وتخيّله الناس حدّاداً يطرق بمطرقته الثقيلة على الحديد الحامي فتطلق طرقاته شرارات البرق في السماء.
في المصوّر أدناه نرى:
- باللّون الأزرق الطريق المحيطة بالسور الخارجي لمعبد حدد (داگون).
- باللّون البنفسجي “قدس الأقداس” peribolos حرم معبد حدد (داگون).
- باللّون البرتقالي المسجد الأموي، والمنطقة المنقّطة حواليه هي حرم المسجد temenos وسورها هو السور الخارجي لحرم المسجد الأموي اليوم، وداخل المنطقة التي يقع عليها المسجد الأموي اليوم كان فيها مكان يسمّى “بيت قدس الأقداس” cella حيث التماثيل المعظّمة.
- باللّون الأخضر الفاتح حرم الأگورا.
- باللّون البنّي الفاتح الطريق التي كانت تحيط بالسور الخارجي للأگورا.
- بالأخضر الداكن طريق اسمها “الطريق المقدّس” Via Sacra تصل الأگورا بحرم المعبد، وتتصل به عبر باب جيرون.
- باللّون البنّي الداكن الطريق الشرقي، وكان يصل ما بين ما هو اليوم باب توما وباب كيسان.
- باللّون الأحمر الشارع المستقيم، أقدم شوارع دمشق الناجية، ويصل باب شرقي بباب الجابية.
- المنطقة المؤطّرة بالأخضر الفاتح هي منطقة القيمرية اليوم، ونلاحظ باب جيرون في وسطها.

الأبواب:
- باللّون الأحمر باب جيرون.
- باللّون الأزرق باب الجابية، باب كوكب المرّيخ؛ وكان يخرج على بحيرة اصطناعية.
- باللّون الأخضر باب شرقي، باب شروق الشمس.
- باللّون البرتقالي باب توما، باب كوكب الزهرة. وهو في الأصل باب ديدِيمُوس Δίδυμος (التوأم) سبب تسمية المدينة بدمشق.
- باللّون الفوشي باب كيسان، باب كوكب زُحَل.

التحوّل الروماني: من المعبد المحلّي إلى المعبد الإمبراطوري
وصل الرومان دمشق في القرن الأول قبل الميلاد ووجدوا فيها معبداً لأداد (دَگَن) باسم “حَدَد رَمّن” مشيّداً على طراز كنعاني لا يختلف عن نمط معابد بعل في القسم الغربي من سوريا المعاصرة، مثل معبد بعلبك ومعابد كيليكيا التي لا تزال موجودة حتى اليوم. سنة 64 ق.م حوّل الرومان اسم “حَدَد رَمّن” إلى “يُپِتير” Jupiter الذي لفظت العرب اسمه جوبيتر وجبيطر. اسم يُپِتير تحوير في الأساس عن چوس عن ژوس عن زوس الإغريقي، ومعنى التسمية الروماني الحرفي هو “الرب يو” أو ببساطة “بابا يو” أي الربّ العظيم أو الأبّ العظيم.
في نهاية القرن الأوّل أجرى المعماري العربي “أپولّودورُس الدمشقي” تعديلات كبيرة على المعبد الدمشقي، وسّع فيها مساحته الداخلية واعتمد على نمط العمارة النبطي المعاصر لزمنه، خاصّة وأنّ أپولّودورُس نبطي أساساً ودرس العمارة في موطنه واشتغل فيه مهندساً عسكريّاً قبل الانتقال إلى روما ليصبح معماري مشاريع الإمبراطور تراجان.
شملت التعديلات المعمارية الرومانية على المعبد الدمشقي التأكّد من احتوائه على رموز ومواصفات معمارية توائم عبادة “أداد (دَگَن)” و”بعل شَمين” و”زِوس” و”دُشاره” المعروف رومانيّاً باسم “دوسرا” وعربيّاً باسم “ذو الشرى” أو “ذو السراة”، وهو الإله “شره” السومري نفسه ابن عشتار.
أراد الرومان من هذا التعديل جعل “يُپِتير” مهيمناً على الأديان المحلّية في المنطقة، وفتح المعبد لأتباع جميع الديانات العربية كذلك، دون إجبارهم على تغيير عباداتهم ومعتقداتهم الأصلية. ويُلاحظ اهتمام الرومان في هذه المرحلة بتخصيص المعبد الدمشقي للأديان الذكورية فقط، والاعتناء بالآلهة الذكور دون الإناث، على عكس معبدي حمص وبصرى مثلاً اللّذين تكرّسا لديانات أنثوية.
في بداية القرن الثالث أضاف الإمبراطور الروماني “سيپتِميُس سيڤيرُس” تزيينات تضيف الأبّهة على معبد دمشق وموّل توسيع بوّابته الرئيسة على الجهة الشرقية، وهي البوابة الموجودة اليوم مقابل مقهى النوفرة في دمشق القديمة. بهذه التعديلات صار معبد دمشق المعبد الروماني الأكبر في أبرشية المشرق واعتمدته روما معبداً رئيسيّاً للديانة الرومانية في الشرق.
الحقبة المسيحية: من الاضطهاد إلى التكريس
في مطلع القرن الرابع أصدر الإمبراطور الروماني “قسطنطين العظيم” أمراً بنهب وهدم جميع المعابد غير المسيحية في المنطقة وأطلق على أتباعها لقب “الوثنيّين” بغضّ النظر عن أسماء الديانات المحلّية المتنوّعة. فتح هذا باباً واسعاً لاضطهاد “الوثنيّين” وإكراههم على التحوّل إلى المسيحية.
في تلك الفترة التي امتدّت بين 306 حتى 337 أطلق قسطنطين حرّية المسيحيّين بنهب وتخريب أي معبد غير مسيحي في البلاد، وأعفاهم من العقاب، ممّا رفع حماية القانون عن جميع المنشآت التي خدمت طوائف غير مسيحية. وخشية النهب والتخريب في فترة اضّطهاد “الوثنيّين”، تحوّل معبد جوبيتر الدمشقي إلى كنيسة رفعت الصلاة للمسيح، إضافة إلى الآلهة المعبودة فيه أصلاً.
لاحقاً وخلال عهد الإمبراطور ثيودوسيُس الأول Theodosius I اعترف الإمبراطور بكنيسة دمشق وكرّسها ليوحنّا المعمدان (يحيى بن زكريا) الذي يؤمن المسيحيّون بأنّ رأسه مدفون في الحرم مقابل المعبد، اليوم داخل المسجد. لاحقاً صارت الكنيسة كاتدرائية بيزنطية.

بداية الحقبة الإسلامية: العيش والبناء المشترك
سنة 635 نزلت دمشق تحت حكم المسلمين، فبنت الدولة مسجداً للمسلمين في الباحة المقابلة لكنيسة يوحنا، بين الباب الشرقي والكنيسة. وهي المنطقة التي كانت «قدس أقداس» معبد حدد التي لم تبادر روما ولا المسيحية إلى إنشاء مبان فيها.
أطلق المسلمون على المسجد اسم مسجد الرفقاء وبقي في الاستخدام سبعين سنة. وأسّس المسلمون هذا المصلّى في الركن الجنوبي الشرقي من حرم معبد أداد (دَگَن) القديم، خارج الكنيسة وإلى شرقها، فيما بقيت الكنيسة للمسيحيّين لم تُمس.
بئر المسجد: حقائق تاريخية وادّعاءات باطلة
حفر المسلمون بئر ماء في داخل مصلّى الرفقاء بهدف تزويد المصلّين بماء الوضوء والشرب. وتستحقّ هذه البئر وقفة خاصة، إذ يخيّل للكثيرين أنّها كانت جرن تعميد الكنيسة التي كانت في موقع المسجد، كما يشاع، لكن الواقع مختلف تماماً.
تسمية البعض لهذه البئر بجرن الكنيسة تزوير يركب على أكتاف جهل أهل دمشق بتاريخ مدينتهم، وهجران الكتب العتيقة التي ترك قراءتها أغلب الناس.

هذه البئر حفرها المسلمون بعد السيطرة على دمشق في القرن السابع، وبعد إنشاء {مسجد الرفقاء} في حرم معبد أداد (دَگَن) القديم، وهو نفسه الذي سمّاه ابن كثير {مسجد الصحابة}، وسمّاه ابن بطوطة {مصلّى الرفقاء}. على الأغلب أنّ اسم المسجد كان مصلّى الصحابة، لأنّ المحراب الباقي عنه في المسجد الأموي يُدعى {محراب الصحابة}، ولأنّ أغلب التدوينات الإسلامية من زمنه ذكرته باسم {المصلّى}، ولم تذكره باسم المسجد ولا الجامع.
لم يكن من موضع للكنيسة قرب أو حول البئر، ولم تكن البئر موجودة قبل ضمّ الدولة الإسلامية لدمشق. حفرها وأنشأها المسلمون بعد إنشاء مصلّى الصحابة (الرفقاء)، إذاً فهذه البئر ما كانت في أيّ وقت من أوقاتها جرناً لتعميد المسيحيّين، ولم تصل جدران كاتدرائية يوحنّا إلى موضع البئر.
من جهة ثانية، ليس من عادة الكنائس المسيحية أن يكون في قلبها بئر ماء، ولا يُقام جرن التعميد على بئر ماء. في الكنائس الأرثوذكسية، يُقام جرن المعمودية المكرّس داخل الكنيسة على الشمال، وعلى شمال الداخل إليها، مع مغطس المعمودية كذلك مقابل الجرن. كان يُفترض، وفق العقيدة القديمة، أن يكون التعميد في ماء جارٍ، وعليه يكون جرن التعميد على ماء يجري من نهر أو ساقية وليس على بئر.
الكنيسة المشرقية الوحيدة التي تحتوي بئراً في داخلها هي كنيسة بئر يعقوب في فلسطين، التي أُقيمت على بئر ماء بسبب اعتقاد سائد في أنّ هذه البئر سقت المسيح في أثناء رحلة عودته إلى الجليل. ولم تكن إقامة البئر داخل الكنيسة وظيفية، بل بُنيت الكنيسة كلّها في موقعها لقدسية البئر نفسها.
من باب العقل والمنطق، لماذا يهدم الأمير الأموي كنيسة كاملة، ثم يترك منها جرن التعميد واقفاً في مكانه وفي قلب المسجد؟ هذا غير منطقي. كذلك، لماذا يهدم الأمير الأموي كنيسة ثمّ يترك منها أعمدة وأقواس متآكلة واقفة في مكانها، في منظر يسيء إلى تحفته المعمارية البهيّة: مسجد المسلمين الجامع؟ وهذا غير منطقي.
وصف البئر الموجودة داخل المسجد الأموي اليوم بجرن التعميد افتراء على تاريخ المسجد وتاريخ دمشق، وافتراء كذلك على خطى الأمويّين لإنشاء هذا الصرح المسمّى على اسمهم إلى اليوم.

بناء المسجد الأموي الكبير: حقائق جديدة تدحض الروايات القديمة
سنة 705 اشترى الوليد بن عبد الملك (الوليد الأوّل) الكاتدرائية من مسيحيّي دمشق مقابل إنشاء أربع كنائس بديلة موزّعة في المدينة حسب رغبة المسيحيّين وبحسب طوائفهم، كما أعاد بعض الكنائس المصادرة إلى أهلها. ثمّ في العام التالي بدأ بعمليّات بناء المسجد الجامع المعروف اليوم باسم مسجد بني أمية الكبير.
تكاد تُجمع الروايات المعاصرة على أنّ الأمير الأموي الوليد بن عبد الملك هدم كاتدرائية يوحنّا بعد أن اشتراها من المسيحيّين سنة 705. على الرغم من عدم وجود الكنيسة اليوم، لكنّ التنقيبات الأثرية أتت بنتيجة مختلفة عن الشائع المتداول في التدوينات الإسلامية والمسيحية على السواء، وهي أدلّة تناقض رواية هدم الوليد للكاتدرائية المسيحية.
في كتاب الأستاذ ألين جورج، أستاذ الفن والعمارة الإسلامية في جامعة أوكسفورد، {المسجد الأموي بدمشق: الفنّ والإيمان والإمبراطورية في الإسلام المبكّر} يتحدّث عن حملة تنقيب واستكشاف للمسجد الأموي والمعبد الروماني، وقعت في سنتي 1962-1963، قبل حملة الترميم التي حدثت في تلك السنة. في حملة التنقيب هذه اكتُشف temenos المعبد الروماني، وهو المدخل، على بُعد 57 متراً تقريباً من جدار المسجد الأموي. هذه هي الأقواس التي نراها بين السوق الحميدية وجدار المسجد. هذا يعني أنّ المعبد الروماني-الكاتدرائية كان في الواقع خارج أسوار المسجد الأموي المعاصر.
في التنقيب أتت مفاجأة أخرى، إذ اكتُشف سنة 1962 أنّ المعبد الروماني (الكنيسة) بقي واقفاً إلى جوار المسجد الأموي خارج الجدار الحالي، إلى أن دمره حريق سنة 1069، ممّا يعني أنّ الأمويّين لم يهدموا المعبد لبناء المسجد، ممّا يعني أنّ رواية هدم الكنيسة لأجل المسجد قد تكون كلّها مجرّد أسطورة غير حقيقية. بل إن ما تمّ هدمه في القرن الثامن هو مسجد الرفقاء، الذي كان داخل السور الداخلي للمعبد القديم، بالإضافة إلى منطقة قدس الأقداس، الخاصة بمعبد أداد (دَگَن)، التي لم تُمس في القرن الأول حين بنى أپولودورو الدمشقي معبداً لجوبيتر الروماني بين السور الخارجي والسور الداخلي للمعبد.

حقيقة الحريق الكبير وانهيار الكاتدرائية
الحريق الذي دمّر الكاتدرائية-المعبد الروماني هو فعليّاً حريق الأموي الأوّل الذي حدث سنة 1069 في عهد سلطة الدولة الفاطمية على الشام وحلب. واتّهم الأهالي العساكر الفاطميّين بإحراق المسجد عندما رغب الجنود الفاطمية بإحراق قصر الخضراء (البيت الأموي)، فامتدّت منه النار على المسجد وأُغلق عن الصلاة بعدها، ولم تحدث فيه أي ترميمات حتى عهد الدولة السلجوقية.
ضمّ السلاجقة حلب والشام على مراحل بين سنة 1071 و 1078 ودخلوا دمشق سنة 1076، وشرعوا بالترميمات بعد سنة 1080. ثمّ تكرّرت أعمال الترميم لإصلاح أثر الحريق الأوّل في عهد دولة دمشق (الشام)؛ النوريّين ثم الأيّوبيّين ثم المماليك.
أجمعت على رواية الحريق كلّ من الكتب: البداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ القلانسي، والدرّة المضية لابن صصرى، وخطط دمشق للعلبي. هذا يعني أنّ الحريق أتى على قصر الخضراء والمسجد الأموي والكاتدرائية المسيحية-المعبد الروماني، ثم بقي المسجد مغلقاً عن الصلاة لمدّة لا تقلّ عن 11 سنة، ولم يعد إلى أبّهته السابقة قبل ترميمات القرن الثالث عشر.
هذا يعني، كذلك، أنّ الكنيسة التي كانت في الموقع، بقيت واقفة دون أن يمسّها سوء من سنة شرائها سنة 705 إلى سنة الحريق 1069. أي أنّ الكنيسة انهارت بعد 364 سنة من انطلاق مشروع المسجد الأموي.
هنا يُطرح التساؤل: لماذا كذب المؤرّخون وقالوا أنّ الأمير الأموي الوليد بن عبد الملك هدم كاتدرائية يوحنّا؟ هو أغلقها نعم، لكنّه لم يهدمها، والكشوف الأثرية تُظهر ذلك. ما سبب الكذب؟ هل كان الكذب لتبرئة الفاطميّين من مسؤولية حرقها وهدمها؟ أم كانت نتيجة لاحقة لمحاولات مماليك مصر تبرير إصدار فتوى تسمح بهدم الكنائس في مناطق المسلمين؟
في المصوّر أدناه نرى:
- بالخطّ الأحمر حدود السور الخارجي لمعبد حدد رمّن القديم، الذي استُعملت بقاياه لبناء المسجد الأموي.
- وباللّون الأصفر حرم المسجد الأموي الكبير، وهو محاط بالسور الداخلي لمعبد حدد رمّن القديم، أي أنّها في الأصل منطقة قدس الأقداس للمعبد.
- باللّون الأزرق مكان المعبد الروماني القديم، وهو نفسه معبد يوپِتير الذي صمّمه أپولودورو الدمشقي، وهو بالتالي الكنيسة التي كانت محصورة بين السور الخارجي القديم وسور قدس الأقداس القديم، وحرقها الفاطميّون في القرن 11.
- باللّون الأخضر منطقة سوق البزورية الذي تأسّس في القرن 14، وكانت قبلها سوق العطّارين الذي تأسّس ربّما في عهد الأمير علم الدين سنجر الحلبي في القرن 13، وكانت قبلها سوق الدهيناتية (أي الأدوية)، وكانت قبلها سوق القمح الذي تأسّس في العهد الأيّوبي. وقبلها كانت موقع قصر الخضراء الأموي الذي تأسس سنة 661م ومجمع قصور للأمويّين في دمشق، التي حرقها الفاطميّون في القرن 11.

عمليّات البناء والإنشاء: تحفة معمارية خالدة
استمرّت عمليّات الإنشاء 11 سنة بين سنتي 706 و717، هُدم فيها مسجد الرفقاء، وأُنشئ مدخل رئيس على الجهة الجنوبية حيث سوق البزورية اليوم، ثم بُني حرم للمسجد على طول المساحة بين الجدارين الشرقي والغربي؛ جداري حرم معبد أداد (دَگَن) الداخليّين. استُعملت في بناء المسجد حجارة بقايا السور الخارجي لمعبد حدد القديم.
تحفّظ الوليد على بئر مصلّى الصحابة (الرفقاء) وأضاف إليها عمودين نفيسين مع توابعهما، قدّر ثمنهم بألف وخمسمائة دينار ذهبي، دفعها الوليد لخالد بن يزيد في أثناء التجهيزات التي أُجريت على البئر. مع التوسعة إلى المسجد الأموي صارت البئر داخل حرم المسجد. ترك الوليد بن عبد الملك هذه البئر في مكانها، وحسّنها وأنفق على صيانتها لتستمرّ، لأنّها كانت أوّل ما صنعه المسلمون في دمشق لأجل طهارة الوضوء، فهي أوّل خطوة اتّخذها مسلمو دمشق والوافدون عليها، للتهيّؤ لأوّل صلاة جماعة للمسلمين في المعبد القديم.

تقول التدوينات العربية القديمة أنّ العمل على بناء المسجد الأموي استغرق جهود 12 ألف عامل، فيهم مبدعون من كلّ أرجاء الإمبراطورية العربية الأموية تقريباً. وزُيّنت جدران المسجد بالذهب والفضّة والنحاس ولوحات الفسيفساء، حتى صار تحفة وهّاجة وسط أسواق مدينة دمشق القديمة.
الإضافات اللّاحقة والتطوير المستمرّ
خلال العهد العبّاسي أُضيفت العديد من المعالم المعروفة اليوم في بنية المسجد، منها مثلاً قبّة المدخل الشرقي سنة 780، وقبّة الخزينة سنة 789، ومئذنة العروس سنة 831، ثم أزال المأمون العبّاسي كلّ النقوش الأموية من جدران المسجد. وخلال القرن العاشر نُصبت ساعة ميكانيكية ضخمة فوق باب زيادة المدخل الجنوبي للمسجد ثم أُزيلت في القرن الخامس عشر.

رمز الاستمرارية الحضارية
تعدّدت الأديان، وتبدّلت المعتقدات وتغيّرت معها استعمالات المبنى ومساحته، ومع ذلك يبقى في النهاية معبداً تستخدمه الناس للعبادة، ولن تتغيّر هذه الطبيعة ما دام في دمشق ديانة تُتبع. يقف المسجد الأموي الكبير شاهداً على قدرة الحضارات على التفاعل والتطوّر، وعلى إمكانية التعايش والتبادل الثقافي عبر التاريخ.
كان المعبد القديم مكرّساً في الأساس للمعبود أداد رمّن، نسخة كنعانية من المعبود دَگَن السومري النهريني: حَدُّ 𐎅𐎄 بالأوگاريتية، وأدد 𒀭𒅎 بالأگّدية، وإشكُر بالسومرية وبذات الرسم الأگّدي.
تأسّس المبنى المعاصر حوالي سنة 1800 ق.م ممّا يجعل عمره حوالي 3800 سنة، وكان على طراز معماري كنعاني. تشير الأدلّة الأثرية إلى وجود معبد في المكان مكرّس لدَگَن (داگون) يسبق معبد أداد رمّن إلى حوالي 4500 سنة من اليوم، مع وجود أدلّة تعود إلى 9000 سنة، تشير إلى أنّ مكانه كان مكاناً مقدّساً في الأساس، لكن دون بيان سبب الاستعمال ولأيّ ديانة كان.
هكذا يحتفظ المسجد الأموي الكبير في دمشق بطبقات متراكمة من التاريخ الإنساني، كل طبقة تحكي فصلاً من فصول الحضارة في هذه المنطقة من العالم. من عبادة أداد (دَگَن) الأگّدي إلى يوپِتير الروماني، ومن كاتدرائية يوحنّا المعمدان إلى المسجد الأموي الكبير، يبقى هذا المكان شاهداً على قدرة الإنسان على البناء والإبداع، وعلى استمرارية الروح الدينية عبر تحولات التاريخ وتقلّباته.
يمثل المسجد الأموي اليوم أكثر من مجرّد مكان للعبادة، فهو متحف حيّ يضمّ في جنباته آثار حضارات متعاقبة، وهو رمز للتنوّع الديني والثقافي الذي ميّز تاريخ المنطقة. في كلّ حجر من حجارته قصّة، وفي كلّ زاوية من زواياه ذكرى، وفي كلّ صلاة تُرفع في محرابه استمرارية لتقليد ديني امتدّ آلاف السنين.
لا تزال الأسئلة التاريخية تحوم حول بعض تفاصيل هذا المكان المقدّس، خاصّة حول الروايات المتضاربة بشأن هدم الكاتدرائية وطبيعة البناء الأموي الأصلي. لكن ما يبقى واضحاً أنّ هذا المسجد يقف شاهداً على قدرة الحضارات على العيش المشترك والتكامل، وعلى إمكانية الحفاظ على التراث مع التطوير والتجديد.
في النهاية، يبقى المسجد الأموي الكبير في دمشق تحفة معمارية وتاريخية فريدة، تجسّد في مبناها وتاريخها رحلة طويلة من التطوّر الحضاري والديني، وتقف شاهدة على عمق الجذور التاريخية لمدينة دمشق وثراء تراثها الإنساني الذي يمتدّ عبر آلاف السنين من التاريخ المتواصل.
قائمة المراجع
- ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي. البداية والنهاية، تحقيق علي أبو زيد وآخرون، دار ابن كثير، دمشق-بيروت، الطبعة الثالثة، 1434هـ/2013م. النسخة الرقمية متوفرة في المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/30097
- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق عبد الهادي التازي، أكاديمية المملكة المغربية، 1417هـ/1997م. النسخة الرقمية متوفرة في مؤسسة هنداوي: https://www.hindawi.org/books/30615370/
- الطنطاوي، علي. الجامع الأموي في دمشق: وصف وتاريخ، مطبعة الحكومة، دمشق، 1960م. النسخة الرقمية متوفرة في المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/9287
- George, Alain. The Umayyad Mosque of Damascus: Art, Faith and Empire in Early Islam, Gingko Library, London, 2021. النشرة الجامعية: https://www.gingko.org.uk/publishing/books/the-umayyad-mosque-of-damascus/. مراجعة في مجلة Journal of Islamic Studies: https://academic.oup.com/jis/article-abstract/34/3/410/7000304
- Burns, Ross. Monuments of Syria: A Guide, I.B. Tauris, London, الطبعة الثالثة، 2009. الموقع الإلكتروني: https://monumentsofsyria.com/. أكاديميا: https://independent.academia.edu/RossBurns7
- Creswell, K.A.C.. Early Muslim Architecture, Oxford University Press, Oxford, 1932-1940
- Sauvaget, Jean. La Mosquée Omeyyade de Médine, G.-P. Maisonneuve, Paris, 1947
- Flood, Finbarr Barry. The Great Mosque of Damascus: Studies on the Makings of an Umayyad Visual Culture, Brill, Leiden, 2001
- Theodosius I. مراسيم الإمبراطور ثيودوسيوس الأول حول تحويل المعابد الوثنية، Codex Theodosianus
- تاريخ الكنيسة البيزنطية في دمشق. Byzantium and the Arabs in the Sixth Century, Irfan Shahîd, Dumbarton Oaks, 1995
- تنقيبات 1962-1963. التقارير الأثرية للتنقيبات في المسجد الأموي، مديرية الآثار السورية، دمشق، 1963
- Macaulay-Lewis, Elizabeth. “The Great Mosque of Damascus”, Khan Academy. الرابط: https://www.khanacademy.org/humanities/art-islam/chronological-periods-islamic/islamic-art-early/a/the-great-mosque-of-damascus
- Black, Jeremy, and Anthony Green. Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia, University of Texas Press, Austin, 1992
- Jacobsen, Thorkild. The Treasures of Darkness: A History of Mesopotamian Religion, Yale University Press, New Haven, 1976
- تراجان وأپولودورس الدمشقي. Dacia Inferior, Hadrian and Trajan’s Architect Apollodorus of Damascus
- المعابد الرومانية في سوريا. Roman Architecture in Syria, Warwick Ball, in Oxford Handbook of Roman Syria
- التازي، عبد الهادي. المستدركات على تحقيقي: رحلة ابن بطوطة، وزارة الثقافة المغربية، 2004
- فرج، إشعياء عبد السيد. مقدمة في علم اللاهوت الطقسي، دراسة في الممارسات الطقسية المسيحية
- Journal of Islamic Studies, Oxford University Press
- Journal of the Society of Architectural Historians
- Ars Orientalis: The Arts of Islam and the East
- International Journal of Middle East Studies
- موسوعة بريتانيكا، مادة “Umayyad Mosque”
- موسوعة أكسفورد للفن الإسلامي والعمارة
- موقع جامعة أكسفورد – كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية
- موقع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا – أرشيف العمارة





اترك رد