نقرأ في سورة التين من القرآن الكريم
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ⏣ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}
وبرغم قدسية هذه الفكرة عند المسلمين لورودها في القرآن الكريم، غير أنّ القرن السابع ما كان زمن أوّل مرّة تداولت فيها الناس هذه الفكرة «كلّ إنسان مخلوق بأجمل حالة، وكلّ إنسان مخلوق بأفضل صورة، وهو جميل كما هو أو على حاله». بل تتردّد أصداء هذه الكلمات باستمرار في عالمنا المعاصر، لتطرح تساؤلاً جوهريّاً حول أصل هذه الآراء الغامضة، ومرجعيّاتها، وبدايتها الأولى في وعينا.

ولا يرمي هذا البحث إلى نقض قدسيّة هذه الفكرة العظيمة في الإسلام، بل يتّجه نحو التّحقيق في التّشابه العميق بين الأديان والمعتقدات الإنسانيّة. إذ تكرّر الكثير من الفلسفات والأديان والمعتقدات هذه النّظرة المطمئنة تحديداً، ممّا يثير فضولاً جامحاً للبحث عن مصدرها الأقدم على الإطلاق. وتبرز فكرة خلق الكائن البشريّ في أحسن صورة وجماله الأصيل واحدة من أعمق الأفكار المشتركة في التّاريخ البشريّ، لتشكّل نقطة التقاء مذهلة تجمع الأديان السّماويّة، والفلسفات القديمة، وتيّارات علم النّفس الإنسانيّ الحديث.
يأتي تفصيل مصادر هذه الرّؤية وجذورها العميقة، انطلاقاً من المرجعيّات الأقدم تاريخيّاً، ليأخذ القارئ في رحلة استقصاء مليئة بالمفاجآت. تكشف هذه الرّحلة عن تناقضات صادمة وتاريخ خفيّ مذهل؛ فما يبدو اليوم حقيقة بديهيّة تمنح السّلام الدّاخليّ، واجه في عصور غابرة نظريّات قاسية تسلب الفرد كافّة أشكال الكمال الذّاتيّ. يغوص التّحليل الشّامل التّالي في أعماق النّصوص المقدّسة، والملاحم القديمة، والتّأمّلات الشّرقيّة، ليفكّك اللّغز ويجيب عن السّؤال الأكبر: متى بدأ البشر برؤية أنفسهم بهذا الكمال العظيم، وهل وافق الجميع حقّاً على هذا الجمال الفطريّ؟

التّصميم الإلهيّ واللّغز الأوّل للكمال
يبدأ التّوغّل في أعماق النّصوص المقدّسة من المصدر الأكثر رسوخاً ووضوحاً لهذه الرّؤية، ألا وهو الأديان الإبراهيميّة. يبرز النّصّ القرآنيّ في التّشريع الإسلاميّ صدىً مباشر ومطابق لعبارة الكائن المخلوق بأجمل حالة، متمثّلاً في الآية الكريمة المصرّحة بخلق الإنسان في أحسن تقويم ضمن سورة التّين. ويُقصد بمصطلح أحسن تقويم الوارد هنا (حسب المفسّرين)، بلوغ ذروة التّناسب والاعتدال التّامّ في الخلقة الجسديّة، مضافاً إليها امتلاك الفطرة السّليمة والنّقيّة في الجانبين العقليّ والرّوحيّ. ويؤسّس دّين الإسلام بذلك لقاعدة صلبة تتبنّى ولادة الأفراد على الفطرة، الممثّلة لحالة النّقاء الأصليّة، ليكون الفرد جميلاً ومكتملاً في أصله وجوهره.
بالانتقال إلى التّراث الدّينيّ في اليهوديّة والمسيحيّة، يتّصل جذر فكرة الصّورة الأفضل بنصّ أثريّ مدهش مدوّن في سفر التّكوين ضمن العهد القديم في التّوراة مختصر اليوم بـ {بِتْصَلِمْ إِلُوهِيم}، والّذي يقرّ بخلق الله للإنسان على صورته. وأسّس هذا المبدأ التّوراتيّ، المسمّى لاهوتيّاً في الكاثوليكية بمصطلح {إِمَگُو دَيّ} Imago Dei، للاعتقاد القطعيّ بامتلاك البشر قيمة جوهريّة مقدّسة، وجمالاً ذاتيّاً ينبع من محاكاة صفات الخالق بأيّ شكل، بمعزل تامّ عن تفاصيل الشّكل الخارجيّ. وتشكّل المرجعيّتان، التّوراتيّة والقرآنيّة، حجر الأساس الّذي بنى الوعي البشريّ عليه إيمانه باختزان الفرد لكامل القيمة والجمال بمجرّد وجوده. وينطلق هذا الاتّجاه من مصدر إلهيّ بحت يعتمد التّكريم لكون الفرد مصنوعاً بيد الخالق، ليرفع شعار التّكريم الإلهيّ للبشر. يفسّر هذا المنظور النّقص حدث طارئ قابل للإصلاح دوماً بالتّوبة والعودة إلى الفطرة الأساسيّة (التي تسمّى في الإسلام بالفطرة السليمة).

الصّدمة والتّاريخ القاسي لبلاد الشرق الأدنى
تكمن الصّدمة الكبرى عند الغوص في المصدر الأقدم تاريخيّاً، السّابق لظهور الكتب السّماويّة المعروفة، لاكتشاف إرث غنيّ في حضارات الشّرق الأدنى. إذ قدّست النّصوص الجنائزيّة المصريّة القديمة، مدعومة بتراث الحكمة المتمثّل في تعاليم الحكيم {پَتَح حُتِب}، الحياة بشكل مطلق، ووصفت البشر بقطيع الإله الّذي نال رعايته التّامّة. ويبرز الإيمان الضّمنيّ بكمال الخلقة في الحضارة المصريّة متجلّياً في ممارسة التّحنيط، الّتي توجب الحفاظ الدّقيق على الجسد البشريّ لقدسيّته.
على النّقيض التّامّ من ذلك، تكشف أديان بلاد النهرين، المضمّنة لحضارات سومر وبابل وآشور، عن زاوية نظر واقعيّة وقاسية للغاية، ناقلة الوجه المتشائم لإنسان المشرق القديم.
تُسقط هذه الحضارات النهرينية فكرة الكمال الذّاتيّ، ولا تضع الكائن البشريّ في مرتبة الغاية أو الخليفة، بل تنظر إليه كائن وظيفيّ مصمّم لخدمة الآلهة الحصريّة. وتطرح أساطير الخلق السّومريّة والبابليّة، مثل ملحمة {أَتْرَ هَسِيٓس} 𒀜𒊏𒄩𒋛𒅖، الأفراد بديل للعمالة، لحلّ أزمة مستعصية واجهت المجمع الإلهيّ. وتفسّر القصّة تمرّد الآلهة الصّغرى المسمّاة {إگِگِ} (إقِقِ) على الآلهة الكبرى المعروفة باسم {أَنُنَّكِي} بسبب التّعب من أعمال حفر الأنهار وشقّ القنوات.

اقترح الإله {إنكِ} إيجاد كائن جديد يتحمّل العبء نيابة عن الآلهة، ليتحوّل الكائن البشريّ إلى أداة مفيدة خالية من الجمال الذّاتيّ. حيث تُربط قيمة الفرد بقدرته الفعليّة على إنجاز العمل وتقديم القرابين لإطعام المجمع الإلهيّ. لذا، يُلغى مبرّر الوجود البشريّ بتوقّف الخدمة، وهو المبرّر ذاته الّذي دفع الآلهة لإرسال الطّوفان المدمّر لإبادة البشر عند انزعاجها منهم. وتشير بعض النّصوص السّومريّة أيضاً إلى مزج دماء الآلهة بالطّين لخلق البشر، لمنحهم جانباً عُلويّاً مقدّساً.
تطرح أسطورة التّكوين البابليّة {إِنُومَ إِلِشْ} تفصيلاً صادماً مغايراً للنّفخة الرّوحيّة الإبراهيميّة، موضّحة المادّة الأساسيّة لتكوين الكائن البشريّ.
تروي الأسطورة قرار الإله {مَرْدُك} 𒀭𒀫𒌓، المنتصر على إلهة الفوضى {تِيَامَت} 𒀭𒋾𒀀𒆳، تكوين البشر من دماء الإله المتمرّد وقائد جيش الشّرّ المسمّى {قِنْگُ} 𒀭𒆥𒄖. يفسّر هذا التّكوين الممزوج بدم شيطانيّ فوضويّ طبيعة البشر المضطربة والعنيفة. وتنكر هذه النّظرة الخلقة في أحسن تقويم أخلاقيّاً، وتجعل من الفرد حاملاً لبذور الفوضى في دمائه، ممّا يفرض خضوعه لسلطة الملك والقانون الصّارمة للسّيطرة عليه.
تُنسف فكرة الكمال البشريّ بشكل قاطع في ملحمة {گِلْگَامِش} 𒀭𒄑𒂆𒈦 ({بِلْگَامِش} 𒀭𒉋𒂵𒈩)، درّة أدب المشرق القديم، عبر طرح حقيقة الموت الحتميّة. إذ تحصر الملحمة صفتي الكمال والخلود بالآلهة فقط، وتجعل من الكائن البشريّ، مهما بلغ من القوّة والجمال شخصيّة گِلْگَامِش، ناقصاً حتماً لتعرّضه للموت.
تصرّح صاحبة الحانة لگِلْگَامِش بتقدير الآلهة العظام الموت على البشر عند خلقهم، واستئثارها بالحياة لنفسها. فيفرز هذا المعتقد كائناً مأساويّاً يفنى حتماً، ومطالباً بالاستمتاع بيومه عوضاً عن البحث العبثيّ عن كمال مستحيل. هنا تظهر فكرة القبول الشّكليّ والجمال الأصليّ ساذجة ضمن ديانات الشّرق الأدنى القديمة، المعتقدة بفلسفة شديدة القسوة والواقعيّة، تؤسّس لخلقة مخصّصة للعمل، وطبيعة ميّالة للفوضى، ومصير ينتهي بالموت، وتطالب الفرد بأن يكون مفيداً لنيل الرّضا الإلهيّ. ينبثق من هذا المفهوم الوظيفيّ شعار يؤكّد الغاية العمّاليّة وينفي التّكوين الكامل، ويصنّف النّقص جزء من التّصميم البشريّ المرتبط بالفناء والدّم المتمرّد.

الجوهر الخفيّٓ ورحلة الشّرق الأقصى نحو الاستيقاظ
تأخذنا الرّحلة الاستقصائيّة بعيداً نحو الفلاسفة القدماء الّذين سبقوا الكتب السّماويّة بقرون، أو عاشوا بالموازاة معها، في طرح آراء متقاربة من منطلق طبيعيّ وعقليّ بحت. إذ رسّخ الرّواقيّون الإيمان بوجود شرارة إلهيّة أو جزء من العقل الكونيّ، المسمّى اللّوگوس Λόγος، في داخل كلّ شخص. وينبع الكمال والجمال عند الرّواقيّين من حمل هذا العقل حصراً، بعيداً عن المناصب والأموال، ليستمرّ الجمال ما دام الفرد متناغماً مع طبيعته البشريّة العميقة.
تطرح الفلسفات الشّرقيّة، الممثّلة بالبوذيّة والطّاوية والهندوسيّة، منظوراً مبايناً تماماً للأديان الإبراهيميّة في تحليل الفكرة ذاتها. تتجاوز المدارس الشّرقيّة مفهوم الخلقة من قِبل خالق مصمّم، لتتبنّى حقيقة كون الكائن البشريّ هو الجمال والكمال نفسه في صميم جوهره، وتفسّر غياب هذا الجمال بتراكم طبقات الوهم والتّعقيد المجتمعيّ المغلّفة لهذا الجوهر.
ترتكز الفلسفة الشّرقيّة في نظرتها للكمال على الجوهر المرتبط بالطّبيعة أو الحقيقة المطلقة، وتنسب غياب الجمال للنّسيان والغفلة. فيرفع هذا الاتّجاه شعار الإيقاظ، مخاطباً الفرد بكونه الجوهر الّذي يحتاج للاستيقاظ فقط، ومصنّفاً النّقص وهم وغفلة وتراكم مجتمعيّ بحت. لكن، يتوافق كلا الاتّجاهين، الغربيّ والشّرقيّ، على نفي حاجة الشّخص للتّغيير ليصبح ذا قيمة، فقيمته وجماله متأصّلان في تكوينه الأصليّ.

تطرح الفلسفة الطّاوية الصّينيّة القديمة مفهوم الكتلة الخشبيّة غير المنحوتة دليل على وجود الجمال الفطريّ في البساطة المطلقة. فتنظر الطّاوية إلى المولود كائن كامل وبسيط وطبيعيّ، يشابه قطعة خشب خام لم يمسسها إزميل النّحات. ويتضمّن هذا الخشب الخام كافّة الاحتمالات، ويستمدّ جماله من بقائه على طبيعته الأولى. وينصّ كتاب {تاو تي تشينگ} 道德經، للحكيم {لاو تزو} 老子، على استغناء الفرد عن التّحسين المفرط أو التّعليم لاكتساب الصّلاح والجمال. وتتّهم الطّاوية القوانين والمجتمع والرّغبات المصطنعة بنحت الكائن البشريّ وتشويه كماله الفطريّ. تفرض العودة إلى الجمال الرّجوع إلى البساطة الأولى والتّناغم المطلق مع مكوّنات الطّبيعة.
يقدّم المنظور البوذيّ تفسيراً بالغ الرّوعة عبر مفهوم الجوهرة في اللّوتس، الدّالّ على الكمال المحجوب والمستتر. إذ تنكر البوذيّة صفة الخطيئة عن الكائن البشريّ، وتصفه بالغافل عن حقيقته الدّاخليّة العظيمة. وترتكز مدارس الماهايانا البوذيّة على إيمان مطلق بوجود طبيعة البوذا، أو بذرة الاستنارة، داخل كلّ كائن حيّ. ويحمل هذا المفهوم إقراراً بكون كلّ شخص مستنيراً وكاملاً كالبوذا، لكنّه لم يصل لمرحلة الإدراك بعد.
تُشبّه الماهايانا الطّبيعة البشريّة بالذّهب المدفون في التّراب، أو بتمثال من ذهب تغطّيه خرق بالية وممزّقة. يصمد هذا المعدن الذّهبيّ البشريّ في وجه الفساد ويحافظ على نقائه وجماله، ولا يحتاج سوى لإزالة الغبار المتراكم عنه. هنا تستنتج البوذيّة غنى الكائن البشريّ عن أيّ إضافات لاكتساب الجمال والكمال، وتشترط بالمقابل إزاحة غيوم التّعلّق وغرور الأنا لتتمكّن الشّمس الدّاخليّة من الإشراق والتّجلّي.
تصل الفلسفة الفيدانتيّة ضمن الهندوسيّة إلى ذروة التّقديس للجوهر البشريّ، متّكئة على مفهوم الألوهيّة الدّاخليّة المعبّر عنه بعبارة {أنت هو ذاك}. وتتأسّس الرّؤية على التّطابق المطلق بين الرّوح الفرديّة للإنسان، المسمّاة {آتمان} आत्मन्، والرّوح الكونيّة المطلقة، المسمّاة {براهمان} ब्रह्मन्. ويتجاوز هذا المعنى حدود الجمال ليُعطي الجوهر البشريّ صفات مقدّسة ولانهائيّة وأبديّة. يوصف النّقص والقبح بوهم خادع يسمّى {مايا} माया يصيب العقل، تاركاً الرّوح الدّاخليّة في حالة كمال أبديّة ودائمة. وتؤكّد العبارة المرجعيّة الهندوسيّة {تات تڤام آسي} तत्त्वमसि على كون الفرد مساوياً للكون والحقيقة المطلقة، ممّا يجعل جماله نابعاً بشكل مباشر من اتّحاده مع هذا الوجود المطلق والإلهيّ.

عبور المحيطات نحو النّسيج العلائقيّٓ في الأمريكتين
يعبر استقصاءنا المحيطات ليصطدم بفلسفات السّكان الأصليّين في الأمريكتين، الشّماليّة والوسطى والجنوبيّة، الواهبة لمنظور رابع مستقلّ تماماً ومغاير لما سبقه. إذ تتجاوز هذه الفلسفات الجمال المعتمد على صورة الخالق الإبراهيميّة، أو الجوهر الشّرقيّ، أو الوظيفيّة النهرينيّة، لتجد الكمال في متانة العلاقة وقوّة الاتّصال حصراً. حيث يُسلب الأفراد صفتي السّيادة والعبوديّة هنا، ليصبح كلّ شخص خيطاً دقيقاً مندمجاً في نسيج كونيّ متكامل. ويصاغ شعار هذه الفلسفات حول اكتساب الجمال عند المشي بتوازن تامّ مع جميع المكوّنات، وتحدّد النّقص في خروج متعمّد عن التّناغم، أو حالة من العزلة المدمّرة.
تتمحور الفلسفة الخاصّة بقبائل {الدينيه}، المعروفة باسم {نَڤَهو} في أمريكا الشّماليّة، حول مفهوم مركزيّ حاكم للحياة يسمّى {هوژو} Hózhó. ويتجاوز هذا المفهوم التّعريف الشّكليّ للجمال، ليغطّي معاني النّظام والصّحّة والتّوازن والتّناغم المتكامل. فترفض هذه الفلسفة وصم المولود بالنّقصان الدّائم أو الكمال الجامد. وتترافق الولادة مع تكليف بمهمّة مستمرّة تُعرف بالمشي في الجمال.
يتحوّل الجمال في عرف النّڤهو إلى طريقة عيش وفعل تطبيقيّ بعيداً عن الصّفة التّكوينيّة. فيبلغ الكائن البشريّ أجمل حالاته عندما تحقّق أفعاله وأفكاره التّناغم المرجوّ مع الطّبيعة والآخرين. ويُفسّر المرض والخطأ حالة خروج مؤقّتة عن هذا التّناغم، ولا ينفيان الجمال بالمطلق، بل يستدعيان اللّجوء لشعائر علاجيّة وروحيّة لإعادة التّوازن المفقود. وتمثّل هذه النّظرة فلسفة وجوديّة عمليّة بالغة الرّقيّ، لربطها الجمال بمسؤوليّة يوميّة وجهد حركيّ، مانحة حالة من السّلام والتّناغم المريح نفسيّاً.

تتبنّى حضارة المايا في أمريكا الوسطى مبدأً فلسفيّاً بالغ العمق لتقييم البشر يُعرف بعبارة {إن لاك إيش} In Lak’ech. تترجم هذه العبارة بمقولة «أنا أنتَ الآخر»، لتلغي فكرة استقلاليّة الذّات. ويُشترط لبلوغ الكمال والجمال إدراك الفرد لكونه انعكاساً دقيقاً لغيره. تُنكر هذه الحضارة وجود ذات فرديّة قادرة على الاستئثار بوصف الجمال منفردة. وينسحب تطبيق هذا المبدأ على المشاعر والأفعال، فالتّسبّب بالأذى للآخر أو حبّه هو أذى أو حبّ موجّه للنّفس مباشرة. يختبئ كمال الشّخص في قدرته على رصد انعكاسه في الطّبيعة ووجوه الآخرين، ليغدو الاتّصال منبعاً للجمال، والانعزال سبباً مباشراً للتّشوّه.
يقدّم فلاسفة الأزتيك، المعروفون باسم {تْلَمَتِنِمِه} Tlamatinime (العارفون أصحاب الحكمة) في حضارة {النَاوَه} Nāhua، طرحاً واقعيّاً يقترب من مبادئ المدرسة الوجوديّة الحديثة، ويبتعد عن الصّور الرّومانسيّة. أطلق هؤلاء الحكماء صفة {الأرض الزّلقة على مسرح الحياة}. حيث يتعرّض المرء باستمرار للسّقوط الجسديّ والأخلاقيّ وارتكاب الأخطاء بسهولة، نتيجة لطبيعة الأرض الزّلقة ذاتها، وليس لاحتوائه على شرّ متأصّل. ولا تصاحب الولادة بناء شخصيّة محدّدة أو وجه حقيقيّ، بل ينحصر غرض الحياة في صياغة إرادة صلبة وشخصيّة بيّنة، ضمن عمليّة تسمّى {بناء الوجه والقلب}. يولَد البشر بصفة إمكانيّة محتملة فقط، ويستعينون بالشّعر والفنّ والتّعليم أدوات لتجذير ذواتهم وتثبيتها في هذه البيئة الزّلقة. فينبثق الجمال هنا ثمرة لجهد شاقّ وعمل دؤوب، مبدّداً وهم المنحة المكتسبة يوم الولادة.
يحكم مفهوم {أَيْنِي} Ayni، الدّالّ على التّبادليّة المقدّسة، رؤية شعوب الأنديز، ومثالها حضارة {إِنْكَ} Inka في أمريكا الجنوبيّة. يُجرّد الشّخص من مركزيّته الكونيّة الغربيّة المحدثة، ومن العبوديّة البابليّة، ليتسلّم دور الرّاعي لبيئته. هنا يقاس الجمال البشريّ بحجم العطاء المتواصل للمجتمع وللأرض المسمّاة {پَچَمَمَ} Pachamama . وتتحقّق الحالة المثلى بوصول المجتمع لحالة {سُمَق كَوْسَيْ} Sumaq Kawsay، (الحياة الجيّدة)، الّتي تفقد جودتها إن لم تكن جماعيّة بالمطلق، ممّا يلغي أيّ تركيز على الشّكل الفرديّ.

التّقاطع المذهل لفيزياء الكمّ والزّنّ والأزتيك
يصل الاستقصاء إلى تقاطعات مذهلة وغير متوقّعة بين فلسفة النَّاوَه التّابعة للأزتيك، وفلسفة الزّنّ اليابانيّة المعاصرة، متجاوزاً البعد الجغرافيّ الشّاسع الّذي يفصل المكسيك عن اليابان. إذ تتعامل الفلسفتان بأسلوب مشابه تماماً مع دور الفنّ وحقيقة هشاشة الحياة وعدم استقرارها. وتقابل الأرض الزّلقة المليئة بالفناء والمخاطر والحياة مثل حلم في النَّاوَه، مبدأ {مُجُو} むじょう في الزّنّ، المشير إلى عدم الثّبات والزّوال في العالم المسمّى {أُكِيُ} うきよ أو العالم العائم. وترفض المدرستان السّعي وراء الخلود المادّيّ، وتستخرجان الجمال من اللّحظات العابرة حصراً، مثل سقوط ورقة الشّجر عند راهب الزّنّ، أو ذبول الزّهرة في أشعار الأزتيك.
يشكّل الانضباط الصّارم وبناء الشّخصيّة نقطة الالتقاء الأقوى بين الفلسفتين، لرفضهما كمال الولادة الجاهز، ورؤيتهما للإنسان مشروع طويل يتطلّب عملاً شاقّاً. يسعى النَّاوَه لخلق إرادة صلبة وشخصيّة، أي وجه وقلب، انطلاقاً من تكوين بدائيّ يشبه كومة لحم بلا هويّة، متسلّحين بالتّعليم الصّارم والانضباط. ويشابه هذا المسار نظرة الزّنّ للعقل حجر غير مصقول أو مرآة يعلوها الغبار، وتحديداً داخل أماكن التّدريب المسمّاة {دُوجُو} どうじょう. وتوفّر الممارسات اليوميّة الحازمة والمستمرّة، مثل تنسيق الزّهور، أو الرّماية، أو التّأمّل، أو صناعة وشرب الشّاي، عمليّة صقل متواصلة لبناء الشّخصيّة المستنيرة. هنا يغدو الجمال نتاجاً مباشراً للانضباط والسّيطرة التّامّة على الذّات، وهو المطلب الرّئيس للسّاموراي أو راهب الزّنّ ومحارب الأزتيك على حدّ سواء.
تبرز الحاجة للفنّ أداة وحيدة لتثبيت الحقيقة في هذا العالم الزّلق والعائم. مثلاً يلامس النَّاوَه الجذور العميقة عبر تثبيت الحقيقة بمفهوم الزّهرة والأغنية، المسمّى {إِنْ شُوچِتْل إِنْ كْوِيكَتْل} In xochitl in cuicatl، المتجسّد في الشّعر والفنّ. ويطبّق الزّنّ المبدأ ذاته عبر الممارسة الفنّيّة المسمّاة {دُو} 道 (مبدأ الطّريق)، مسقطاً الثّقة في الكلمات والنّصوص الدّينيّة المجرّدة. وتتحوّل طرائق السّيف المسمّاة {كِنْدُو} 剣道، والخطّ المسمّاة {شُودُو} 書道، والشّاي المسمّاة {چَادُو} 茶道، إلى ممارسات روحيّة كاشفة للحقيقة، بعيداً عن أهداف الزّينة. هنا تمنح فلسفتا النَّاوَه والزّنّ منهجاً صارماً لمواجهة قسوة الواقع وصناعة الجمال باليد والجهد الدّائم.
تطوّرت هذه المفاهيم في العصر الحديث لتتبنّى المدرسة الإنسانيّة مساراً نفسيّاً يتّفق معها. ورسّخت المدرسة الرّومانسيّة في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، بقيادة {جان جاك روسو} Jean-Jacques Rousseau، فكرة الخير والجمال الفطريّ، متّهمة المجتمع بإفساد الكائن البشريّ. كما أسّس روّاد علم النّفس الإنسانيّ في القرن العشرين، مثل العالمين {كارل روجرز} Carl Rogers و {ماسلو} Abraham Maslow، لمفهوم القبول غير المشروط نفسيّاً Unconditional positive regard. إذ يقرّ هذا المفهوم باستحقاق الأفراد الكامل للتّقدير والحبّ دون قيد، وينفي أيّ حاجة لتغيير النّفس بغرض إرضاء الآخرين. ويصنّف هذا الاتّجاه النّفسيّ النّقص جزء طبيعيّ يستوجب الاحتضان لا المحاربة، ليطلق شعار الكفاية الدّاخليّة للمرء بحالته الرّاهنة دون إضافات.
يصل التّقاطع المعرفيّ إلى ذروة التّعقيد والذّكاء بدمج التّفكير العلميّ مع فلسفة الأحاديّة (الأَحَدِيَّة) وممارسات الزّنّ، لتفسير الميل نحو واقعيّة الأرض الزّلقة.
تشكّل هذه المكوّنات رؤية بالغة التّماسك تواجه الوجود بوضوح تامّ وشجاعة، وترفض الطّمأنينة الجاهزة. إذ تحكم قوانين التّطوّر والدّيناميكا الحراريّة المنهج العلميّ، مؤكّدة حالة التّغيّٓر المستمرّ للكون. وتنفي النّظرة العلميّة أيّ ثبات أو كمال نهائيّ، فكلّ شيء يتحلّل ليتشكّل من جديد، متطابقة تماماً مع وصف حكماء الأزتيك، ومفهوم مُجُو في الزّنّ.
يبرز الجمال نتاجاً للحظة عابرة من الانتظام تتوسّط الفوضى، نافياً التّصميم المسبق. وتُسقط فلسفة الأحاديّة ثنائيّات الجسد والرّوح، والخالق والمخلوق، والإنسان والطّبيعة، جاعلة من الوجود نسيجاً واحداً ومادّة موحّدة. ويمحو هذا النّسيج الموحّد فكرة نزول الفرد من مرتبة الكمال، أو تصنيفه كائن مخصّص لخدمة قوّة عليا. كما تجسّد ممارسات الزّنّ اليوميّة من شرب الشّاي وتأمّل ومشي هذه الأحاديّة بدقّة، لتدمج الفاعل مع فعله في تجربة نقيّة مطلقة دون وسائط ذهنيّة. هنا يصنع هذا التّركيز على اللّحظة الرّاهنة والتّفاصيل اليوميّة الوجه والقلب، مولّداً الجمال المعتمد على الصّفاء الذّهنيّ والانضباط، ومبعداً الأوهام والإسقاطات الرّغبويّة لرؤية الأشياء كما هي.
يعمّق التّقاطع المذهل بين ميكانيكا الكمّ وممارسة الزّنّ والأحاديّة فهم طبيعة الوجود، لتلتقي الرّؤية العلميّة الدّقيقة للعالم المادّيّ مع التّجربة التّأمّليّة المباشرة. إذ يعجّ الفضاء الفارغ في نظريّة المجال الكمّيّ بالطّاقة والتّموّجات المفرزة للجسيمات الافتراضيّة بلمح البصر في أجزاء من الثّانية، مطابقاً مفهوم الفراغ المملوء بالاحتمالات في الزّنّ. وتتكثّف المادّة المتشكّلة من هذا المجال لتلغي الفصل التّقليديّ بين اللّاشيء والشّيء، واصفة الفراغ منبع ديناميكيّ خالق ومفني للأشياء باستمرار.
يسري مفهوم الأحاديّة النّافي لوجود مراقب منفصل على تجربة الشّقّ المزدوج التّابعة لفيزياء الكمّ. إذ يتصرّف الجسيم موجة احتماليّة لا تتّخذ موقعاً ثابتاً إلّا عند حدوث عمليّة الرّصد، لتستحيل عمليّة فصل الرّاصد عن المرصود، متّحداً مع جهاز القياس والعالم في نظام متكامل واحد، تماماً كما الاتّحاد الحاصل بين المتأمّل ومحيطه في التّجربة المباشرة. دفع هذا التّطابق الفيزيائيّ {إرڤين شرودينگر} Erwin Schrödinger، صائغ المعادلة الموجيّة، لإيجاد انسجام عميق بين تجاربه والفلسفات الشّرقيّة والأحاديّة، معتنقاً رؤية تتقاطع مع الرّوحيّة الشّاملة المسمّاة الپانسيكيزم Panpsychism، المؤكّدة لوحدة الوعي الكونيّ. ويُضاف التّشابك الكمّيّ دليل تجريبيّ ورياضيّ يسقط فكرة الانفصال المكانيّ المطلق، عبر التّبادل اللّحظيّ للتأثير بين جسيمات متحابكة ومتباعدة مهما كانت المسافة.
تترجم هذه التّجارب والمعدلات المخبريّة رؤية الفلسفات الشّرقيّة الواصفة للكون شبكة عملاقة، تضمّ كلّ عقدة فيها معلومات بقيّة العقد، لتؤكّد زيف مظهر الانفصال وتبرهن التّرابط السّريّ المتأصّل سرّ كونيّ مستتر في جذور المادّة.

نهاية الرّحلة وبداية الاستيقاظ
أنتجت استجابات الحضارات المختلفة لسؤال الهويّة ومصدر الجمال البشريّ، المطروح منذ الأزل، صورة بالغة التّعقيد والعمق والتّشويق. وتشكّل فكرة {الإنسان في أحسن تقويم} حصيلة مسار تاريخيّ وروحيّ وفيزيائيّ ممتدّ الأطراف. إذ منحت الأديان الإبراهيميّة قاعدة راسخة لجمال المصنوع المتّصل بصفات خالقه، لتتعارض بشدّة وصدمة مع واقعيّة المشرق القديم، الّتي أطّرت الكائن ضمن غاية وظيفيّة عماليّة تتخبّط في الفوضى وتستسلم للفناء الحتميّ. وفي مسار موازٍ أشدّ سحراً، تعمّقت الفلسفات الشّرقيّة في الجوهر الدّاخليّ لتنفي الحاجة لأيّ تحسينات إضافيّة، واصفة النّقص المجتمعيّ بالوهم الغاشي لبصيرة البوذا الدّاخليّة، ومطالبة باستيقاظ الرّوح المتّصلة بالمطلق.
تفرّدت حكم الشّعوب الأصليّة في الأمريكتين بصياغة الكمال البشريّ عبر معادلة التّناغم البيئيّ والاتّصال العلائقيّ، محوّلة الجمال إلى مسؤوليّة يوميّة وجهد حركيّ على أرض زلقة لا تدعم الثّبات. وتضافرت هذه النّظرة العمليّة القاسية مع انضباط راهب الزّنّ، لتتجاوز التّنظير وتبني الوجه والقلب عبر الفنّ والممارسة الحازمة في عالم عائم تحكمه حتميّة التّغيّٓر ومبدأ الزّوال.
وفي جانب آخر، توّج التّقاطع الدّقيق بين دعوات علم النّفس الإنسانيّ الحديث للاحتضان النّفسيّ الكامل للذّات، والمعطيات العلميّة لفيزياء الكمّ، حقيقة هذا التّرابط. وأثبت الفراغ الكمّيّ الممتلئ بالاحتمالات، والتّشابك اللّحظيّ للجسيمات، والتّأثير المباشر للرّاصد على المرصود، وحدة النّسيج الكونيّ المطلقة. هنا تتّحد كافّة هذه الخطوط المتشابكة لتثبت انبثاق الجمال البشريّ من حالة وعي مستمرّ، واتّصال روحيّ ومادّيّ لا ينفصم مع الكون، مشكّلاً استكشافاً شجاعاً للوجود بكلّ احتمالاته المذهلة.
مراجع ومصادر
- القرآن الكريم, سورة التين (95:4-5).
- The Holy Bible, Genesis 1:26-27.
- Simpson, W. K. (2003). The Literature of Ancient Egypt. Yale University Press.
- Lambert, W. G., & Millard, A. R. (1999). Atra-hasis: The Babylonian Story of the Flood. Eisenbrauns.
- George, A. R. (2003). The Babylonian Gilgamesh Epic: Introduction, Critical Edition and Cuneiform Texts. Oxford University Press.
- Dalley, S. (2000). Myths from Mesopotamia: Creation, the Flood, Gilgamesh, and Others. Oxford University Press.
- Heidel, A. (1951). The Babylonian Genesis: The Story of Creation. University of Chicago Press.
- McCall, H. (1990). Mesopotamian Myths. University of Texas Press.
- Frankfort, H. (1948). Kingship and the Gods. University of Chicago Press.
- Jacobsen, T. (1976). The Treasures of Darkness: A History of Mesopotamian Religion. Yale University Press.
- Laozi. (1993). Tao Te Ching (Trans. D. C. Lau). Wordsworth Editions.
- Zhuangzi. (1968). The Complete Works of Chuang Tzu (Trans. B. Watson). Columbia University Press.
- Suzuki, S. (1970). Zen Mind, Beginner’s Mind. Weatherhill.
- Watts, A. (1957). The Way of Zen. Pantheon Books.
- Olivelle, P. (1998). The Early Upanishads: Annotated Text and Translation. Oxford University Press.
- Radhakrishnan, S. (1953). The Principal Upanishads. HarperCollins.
- Watson, B. (1993). The Lotus Sutra. Columbia University Press.
- Herrigel, E. (1953). Zen in the Art of Archery. Pantheon Books.
- Okakura, K. (1906). The Book of Tea. G. P. Putnam’s Sons.
- Suzuki, D. T. (1964). An Introduction to Zen Buddhism. Grove Press.
- Cleary, T. (1993). The Flower Ornament Scripture: A Translation of the Avatamsaka Sutra. Shambhala Publications.
- Aurelius, M. (2006). Meditations (Trans. M. Hammond). Penguin Classics.
- Seneca, L. A. (1969). Letters from a Stoic (Trans. R. Campbell). Penguin Classics.
- Epictetus. (1928). Discourses (Trans. W. A. Oldfather). Loeb Classical Library.
- Rousseau, J.-J. (1979). Emile, or On Education (Trans. A. Bloom). Basic Books.
- Sartre, J.-P. (2007). Existentialism Is a Humanism. Yale University Press.
- Hadot, P. (1995). Philosophy as a Way of Life: Spiritual Exercises from Socrates to Foucault. Blackwell Publishing.
- Maffie, J. (2014). Aztec Philosophy: Understanding a World in Motion. University Press of Colorado.
- León-Portilla, M. (1963). Aztec Thought and Culture: A Study of the Ancient Nahuatl Mind. University of Oklahoma Press.
- McNeley, J. K. (1981). Holy Wind in Navajo Philosophy. University of Arizona Press.
- Witherspoon, G. (1977). Language and Art in the Navajo Universe. University of Michigan Press.
- Freidel, D., Schele, L., & Parker, J. (1993). Maya Cosmos: Three Thousand Years on the Shaman’s Path. William Morrow and Company.
- Tedlock, D. (1996). Popol Vuh: The Definitive Edition of the Mayan Book of the Dawn of Life. Touchstone.
- Allen, C. J. (1988). The Hold Life Has: Coca and Cultural Identity in an Andean Community. Smithsonian Institution Press.
- Harrison, R. (1989). Signs, Songs, and Memory in the Andes. University of Texas Press.
- Estermann, J. (1998). Filosofía Andina: Estudio Intercultural de la Sabiduría Autóctona Andina. Abya-Yala.
- Townsend, R. F. (2009). The Aztecs. Thames & Hudson.
- Rogers, C. R. (1961). On Becoming a Person: A Therapist’s View of Psychotherapy. Houghton Mifflin.
- Maslow, A. H. (1954). Motivation and Personality. Harper & Row.
- Maslow, A. H. (1968). Toward a Psychology of Being. Van Nostrand.
- May, R. (1953). Man’s Search for Himself. W. W. Norton & Company.
- Frankl, V. E. (1946). Man’s Search for Meaning. Beacon Press.
- Schrödinger, E. (1944). What Is Life? The Physical Aspect of the Living Cell. Cambridge University Press.
- Capra, F. (1975). The Tao of Physics: An Exploration of the Parallels Between Modern Physics and Eastern Mysticism. Shambhala Publications.
- Bohm, D. (1980). Wholeness and the Implicate Order. Routledge.
- Heisenberg, W. (1958). Physics and Philosophy: The Revolution in Modern Science. Harper & Brothers.
- Rovelli, C. (2014). Seven Brief Lessons on Physics. Allen Lane.
- Skrbina, D. (2005). Panpsychism in the West. MIT Press.
- Radin, D. (2006). Entangled Minds: Extrasensory Experiences in a Quantum Reality. Paraview Pocket Books.
- Barad, K. (2007). Meeting the Universe Halfway: Quantum Physics and the Entanglement of Matter and Meaning. Duke University Press.





اترك رد