رسمة أمس السبت لمشهد من مدينة دوسيلدورف الألمانية مع الغاينتورم برج الراين وتحته مبنى البرلمان المحلّي.

الغاينتورم Rheinturm هو برج إسمنتي بارتفاع 240 متر؛ بُني من الخرسانة سنة 1979 واستغرق إنشاؤه سنتين. وكانت أنشأته حكومة شمال الراين وفاليا الغربية Nordrhein-Westfalen في عاصمتها دوسيلدورف Düsseldorf لخدمة شبكات البثّ الإذاعي والتلفزة في عموم أراضي الإدارة الاتّحادية الألمانية لشمال الراين وفاليا الغربية… وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المنطقة من ألمانيا تحتوي أعلى كثافة سكّانية في عموم البلاد.
أمّا مدينة دوسيلدورف فقد أسّسها استيطان بعض القبائل الجرمانية على مصبّ نهر دوسيل في نهر الراين، وكان الاستيطان على الضفة الشرقية لنهر الراين خلال العصر الروماني؛ لكن لم تتبع هذه المنطقة للإدارة الرومانية. إنّما استفاد الجرمان من الجوار الروماني لتعزيز التبادل التجاري، فنشأ معبر تجاريّ أدّى لانتعاش المستوطنة الجرمانية التي تطوّرت لاحقاً إلى مدينة دوسيلدورف.
كانت منطقة مصبّ دوسيل منطقة سبخات كأهوار العراق تماماً، فاشتغل المستوطنون الجرمان فيها على صيد السمك والزراعة. وأقدم ذِكر مدوَّن للمدينة باسمها المعاصر يعود إلى سنة 1135 لكن بصيغة دوسيلدورپ، وكلمة دورپ dorp تعني قرية نائية أو ضيعة بلهجة منطقة الراين السفلى Rheinmaasländisch.
سنة 1288 ونتيجة المعارك والتنافس على السلطة ما بين دوقية بيرگ ومطران كولونيا، سقطت المطرانية تحت سلطة دوق بيرگ؛ وبنتائج الحرب صارت قرية دوسيلدورپ مدينة تجارية صغيرة، خاصّة وأنّ أبناء القرية قد ساهموا بفعّالية في جيش بيرگ. ثمّ سنة 1380 اختار الدوق مدينة دوسيلدورف مكاناً جديداً لعاصمة دوقيّته. وكان الاختيار لأسباب جغرافية؛ منها وقوع دوسيلدورف في وسط الحدود السياسية للدوقية، بالإضافة لموقعها الاستراتيجي على الراين. وباعتمادها عاصمة لدوقية بيرگ تحوّلت البلدة إلى مدينة تتّسع باستمرار.
استمرّت حياة دوقية بيرگ من سنة 1101 وحتى 1815، وكانت قد ابتلعت دوسيلدورف سنة 1186… حكمت دوقية بيرگ أسرة ملكية تعود بأنسابها الملكية إلى القرن التاسع حين كانت هي الأسرة المالكة للمملكة اللّوثَرية Reich des Lothar، ما يعني أنّ بيرگ هي واحدة من أطول الممالك عمراً في ألمانيا، إذ عاشت ألف سنة. إلى أن ضمّتها في النهاية مملكة پروسيا، بناء على مقرّرات مؤتمر ڤيينّا سنة 1814 وبنتيجة هزيمة ناپليون بوناپرت سنة 1815.
انتعشت منطقة شمال الراين بعد انضمامها إلى المملكة الپروسية بسبب الثورة الصناعية ومناجم الفحم الثرية في المنطقة، فعاشت مدينة دوسيلدورف نهضة سريعة ضاعفت سكّانها مرتين خلال القرن 19، وصارت من أثرى المدن الپروسية. لكنّ المدينة دُمّرت عن آخرها خلال الحرب العالمية الثانية حين اتّخذتها قوّات الحلفاء هدفاً استراتيجياً للغارات الجويّة. استمرّ قصفها لعامين وكانت تتلقّى أحياناً 700 غارة في اللّيلة الواحدة.
بكلّ حال، عادت المدينة وانتعشت بعد الحرب؛ ونزلت تحت الاحتلال البريطاني إلى أن تشكّل اتّحاد ألمانيا الغربية. ولم تزل إلى اليوم؛ دولة شمال الراين وفاليا الغربية الاتحادية، أكثر مناطق ألمانيا إنتاجية والأعلى سكّاناً على مستوى الاتّحاد الألماني كلّه. فهذه البلد المعروفة باسم ”أرض الفحم والفولاذ“ Land von Kohle und Stahl غذّت التعافي الصناعي لألمانيا الغربية بعد الحرب، وتُقدّم اليوم لوحدها ربع الناتج الاقتصادي الألماني (حوالي 700 مليار يورو سنوياً)، ويقيم على أراضيها 40٪ من أهمّ الشركات الألمانية.
وعلى الرغم من هذا الناتج الاقتصادي الهائل لشمال الراين وفاليا الغربية، إلّا أنّ هذه المنطقة تبقى الأقلّ دخلاً على مستوى الفرد فيها بين حكومات غرب ألمانيا الصناعية، لأسباب عديدة، أهمّها تسجيل أغلب شركات المنطقة كاستثمارات أجنبية عاملة في ألمانيا… وعلى الرغم من تبدّل أحوال الناس في المدن وازدهارها وتقهقرها، يبقى منظر غروب الشمس ساحراً بألوانه؛ مهما اختلفت أحوال الناس من تحته.





اترك رد