يفتح البحث في تاريخ الشرق الأدنى القديم آفاقاً واسعة للاكتشاف وإعادة التقييم. تشكّل دراسة الحضارات القديمة، وخاصة تلك التي ازدهرت في بلاد ما بين النهرين، مجالاً خصباً للتحليل والتفسير. في هذا السياق، برزت قضية “الحوريّين” كموضوع مثير للجدل والنقاش بين الباحثين والمؤرّخين من جهة، وصنّاع القوميّات من جهة أخرى. تسعى هذه التدوينة إلى تسليط الضوء على أصل هذه التسمية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بها، مستندة إلى قراءة دقيقة للنقوش الأصلية والمصادر التاريخية الموثوقة.
يتداول الكثير من الناس مقالات وتدوينات في تاريخ الحوريّين وقد أغفل أكثرها قراءة النقوش الأصلية القديمة. إذا لا يوجد في التاريخ حوريّين وشعب حوري. فمن تقصدهم الكتب القديمة بالحوريّين هم شعب وصفه أهل العراق القدامى بكلمة حرّ، أمّا كلمة حوري فهي ترجمة عربية خاطئة للنقحرة الفرنسية والألمانية لتسمية هذا الشعب.
في النقوش العراقية القديمة ترد تسمية هذا الشعب بصيغة 𒄷𒌨𒊑 التي تتكوّن من ثلاث أحرف، هي: حُ+أُر+رِ. لا يوجد حرف و في النقش ولا حرف ي. لذلك احتارت التفاسير الألمانية والفرنسية القديمة في قراءة هذا الاسم تارة بصيغة Hari وتارة Khurrites وتارة Hourri وتارة Churri وتارة Hurri وتارة Hurriter.
لكن بالعربيّة ننقحر النقش الأصلي بثلاث صيغ فقط، هي: حُرِّ و خُرِّ و چُرِّ التي يمكن أن تُقرأ شُرِّ ذات التسمية التي استعملها الأشوريّون على أنفسهم في الفترة التي عاصرت تأسيس مملكة مات أُرَرْطُ māt Urarṭu (مملكة ڤان) في القرن التاسع قبل الميلاد. وهي أولى ممالك “الحوريّين”.
تشير الكثير من التدوينات القديمة إلى أنّ الحُرّيّين كانوا حلفاء للموريّين (أموريّين) وفي بعض الدوينات نقرأ أنّهم أنسباء وأقرباء، وهم فعلاً حكموا معاً الإمبراطورية الحرّية القديمة. فهم على الأغلب من بقي على البداوة من المورو بعد استقرارهم في المدن وتأسيس بابل سنة 2300 ق.م.

وعلى الأغلب أنّ الحُرّيّين (الحورو) هم عِباد الإله المصري القديم المعروف اليوم باسم حورس.
اسم حورس كان في الأصل يكتب 𓅃 ويُلفظ حُر Ḥr. وحتى حين صار يكتب 𓁹𓂋𓅃 بقي يُلفظ حُر وعابده يسمّى حُرّي. وطريقة لفظ الكلمة المكتوبة بالرموز التصويرية (الهيروگليفية) 𓁹𓂋𓅃 هي كالتالي:
- 𓅃 هذا الرمز يمثل الصقر، وهو في الواقع رمز تصويري (أيديوغرام) يشير إلى الإله نفسه ولا يُنطق بشكل منفصل. فهو يسبق الكلمة ليؤكّد المقصود من الكلمة المكتوبة بعده.
- 𓁹 هذا الرمز الذي يصوّر عيناً يرمز للصوت “ح” (Ḥ صوت حلقي).
- 𓂋 هذا الرمز الذي يصوّر فماً يُنطق عادة صوت “ر” (r).
بجمع هذه الأصوات نحصل على الكلمة {حر} فقط، ولا شيء آخر.

ثم جاء العهد البطولمي الذي لفظ فيه الإغريق اسمه حور Hōr وهي نفسها في القبطية. ثم جاء الرومان-الإغريق من البلقان الذي أضافوا صبغة يونانية على الاسم فصارت Hōros وهي التي خرج عنها الاسم اللاتيني Horus وهي في الأصل صفة عابد حُر وليست اسماً للمعبود.
في العربية الحديثة نستخدم “حورس”، وهو تعريب للاسم اليوناني/اللاتيني. وليس اللّفظ المصري الأصلي. وهذه الألفاظ المصرية: حُر، حور، حورو. تتقاطع بدقّة مع الألفاظ الآرامية حُرِّ، حور، حورو، حوري.
في اللّغة التي سادت في عهد الإمبراطوري الأگدية، أُشير إلى البدو رُحّل بتسمية شيرِ وكذلك شورِ. وأشير إلى البدو عموماً بتسمية شاب شيرِ ṣāb ṣēri وكذلك شاب شورِ ṣāb ṣūri. ومعناها الحرفي شعب حر، شعب راحل. غير مرتبط.
من التسمية الأگدية للبدو يبدو واضحاً أنّ من نقصّ عنهم اليوم على أنّهم شعب حوري هم في الواقع أمورو من ذات الشعب المكوّن للعراق من عهد المملكة البابلية الأولى، وتميّزوا عن المورو الآراميّين بأنّهم حافظوا على التزامهم نمط حياة البداوة حتّى القرن التاسع ق.م على الأقل. فهم ليسوا شعباً مختلفاً عن بقيّة مكوّنات العراق والشمال العربي آنذاك، إنّما كانت لهم دولة مختلفة ولهجة مختلفة لا أكثر.

تعود عبادة الصقر في جزيرة العرب القديمة إلى عصور موغلة في القدم، إذ كان يُنظر إلى هذا الطائر الجارح رمز للقوّة والسيادة. في الجزيرة العربية، ارتبط الصقر بآلهة السماء والشمس عند بعض القبائل، مثل إله الشمس “نسر” 𐢕𐢔𐢓 عند الأنباط. ومنها الإله “حرن” 𐎃𐎗𐎐 (حورون) الذي انتشرت عبادته في فلسطين وسوريا القديمة، ويربط الآثاريّون عبادته بعبادة “حورس” في مصر، الذي قدّمنا أن اسمه في الحقيقة هو “حر” وليس حورس.
أمّا في العراق القديم، فظهرت رموز الصقر في الفن والأساطير السومرية والبابلية، حين ارتبط أحياناً بالإله “د نِنُرته” 𒀭𒊩𒌆𒅁 (نينورتا). في الأناضول، حيث كان للصقر مكانة في الديانات الحثية والفريجية، واعتُبر في بعض الأحيان رمزاً للآلهة الحامية. هذه العبادة التي انتشرت للصقر تعكس أهميّته الرمزية والدينية في ثقافات المنطقة القديمة، مع وجود تنوّع في التفاصيل والممارسات بين الحضارات المختلفة.

لم يكن في الوجود من شعب حوري، إنّما هم حُرّان: القبائل من أهل بلاد النهرين الذين عبدوا الصقر.
نستنتج مما سبق أن مصطلح “الحوريين” كما نعرفه اليوم هو نتيجة لسوء فهم وترجمة خاطئة للنصوص القديمة. فالشعب الذي نشير إليه بهذا الاسم كان يُعرف في الأصل بـ”الحُرّيين” أو “الحُرّان”، وهم في الحقيقة جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي لبلاد ما بين النهرين القديمة.
هؤلاء “الحُرّيّون” لم يكونوا شعباً منفصلاً أو غريباً، بل كانوا في الأساس من البدو الرحل الذين حافظوا على نمط حياتهم البدوي لفترة أطول من أقرانهم الذين استقرّوا في المدن. ارتبطت هويّتهم بشكل وثيق بعبادة الصقر، وهي عبادة كانت منتشرة في أنحاء مختلفة من الشرق الأدنى القديم.
هذه الرؤية المحقّقة تدعونا إلى إعادة النظر في فهمنا للتاريخ القديم للمنطقة، وتسلّط الضوء على أهمّيّة قراءة النصوص الأصلية والنقوش القديمة بدقّة، بدلاً من الاعتماد على الترجمات والتفسيرات الأوروپية اللّاحقة التي قد تكون مضلّلة. كما تؤكّد على الترابط الثقافي والديني بين مختلف الشعوب في المنطقة العربية، وتبرز الحاجة إلى نهج أكثر شمولية في دراسة تاريخ الشرق الأدنى القديم.

تدفعنا هذه المراجعة النقدية لمفهوم “الحوريّين” إلى إعادة النظر في طرق تفسيرنا للتاريخ القديم. تبرز أهمّيّة العودة إلى المصادر الأصلية والنقوش القديمة، بدلاً من الاعتماد على التفسيرات الثانوية التي ربّما شابها الخطأ أو سوء الفهم. يفتح هذا النهج الباب أمام فهم أعمق للتداخلات الثقافية والدينية بين شعوب المنطقة، ويؤكّد على ضرورة تبنّي منظور شامل في دراسة تاريخ الشرق الأدنى القديم. إن إعادة تقييم مثل هذه المفاهيم التاريخية لا تعزز فقط دقة معرفتنا بالماضي، بل تساهم أيضاً في تشكيل فهم أكثر تكاملاً لهويتنا الثقافية العربية المعاصرة.
مراجع
- الجبوري، سهيل. (2010). “تاريخ الكتابة المسمارية”. بغداد: دار الوراق للنشر.
- حسن، سليم. (1996). “مصر القديمة”. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- الدليمي، عبد الله. (2015). “اللغات السامية القديمة”. عمان: دار المناهج للنشر والتوزيع.
- Wilhelm, G. (1989). The Hurrians. Warminster: Aris & Phillips.
- Speiser, E. A. (1941). Introduction to Hurrian. New Haven: American Schools of Oriental Research.
- Gelb, I. J. (1944). Hurrians and Subarians. Chicago: University of Chicago Press.
- Wegner, I. (2007). Einführung in die hurritische Sprache. Wiesbaden: Harrassowitz.
- Dietrich, M., & Loretz, O. (1998). “Amurru, Yarih und Nikkal und die Frage der ‘Hurriter’ in Ugarit”. Ugarit-Forschungen, 30, 155-179.
- Kühne, C. (1999). “Imperial Mittani: An Attempt at Historical Reconstruction”. In D. I. Owen & G. Wilhelm (Eds.), Nuzi at Seventy-Five (pp. 203-221). Bethesda: CDL Press.
- Salvini, M. (1996). The Habiru prism of King Tunip-Teššup of Tikunani. Rome: Istituti Editoriali e Poligrafici Internazionali.
- de Martino, S. (2014). “The Mittani State: The Formation of the Kingdom of Mitanni”. In E. Cancik-Kirschbaum, N. Brisch, & J. Eidem (Eds.), Constituent, Confederate, and Conquered Space (pp. 61-74). Berlin: De Gruyter.
- Richter, T. (2012). Bibliographisches Glossar des Hurritischen. Wiesbaden: Harrassowitz.
- Giorgieri, M. (2000). “Schizzo grammaticale della lingua hurrica”. La Parola del Passato, 55, 171-277.
- Buccellati, G., & Kelly-Buccellati, M. (2007). “Urkesh and the Question of the Hurrian Homeland”. Bulletin of the Georgian National Academy of Sciences, 175(2), 141-151.
- Steinkeller, P. (1998). “The Historical Background of Urkesh and the Hurrian Beginnings in Northern Mesopotamia”. In G. Buccellati & M. Kelly-Buccellati (Eds.), Urkesh and the Hurrians (pp. 75-98). Malibu: Undena Publications.





اترك رد