في 4 تمّوز يوليو 2026 \ 19 محرّم 1448 هـ، تستعدّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة لإحياء الذّكرى 250 لتأسيسها وتوقيع إعلان الاستقلال. ولا تقف هذه المناسبة عند حدود الاحتفالات العابرة والألعاب النّاريّة، بل تفتح باباً واسعاً لمراجعة «التّجربة الأمريكيّة» مراجعةً تاريخيّةً واجتماعيّةً شاملةً. فهذه المسيرة الطّويلة حافلة بالتّناقضات الفكريّة، والنّجاحات المؤسّساتيّة، والإخفاقات الأخلاقيّة، والتّحوّلات المجتمعيّة الكبرى.
وبرغم صياغة وثيقة إعلان الاستقلال بكلمات تؤكّد المساواة والحرّيّة الإلهيّة، اصطدمت تلك المبادئ السّامية منذ يومها الأوّل بواقع مجتمعيّ معقّد؛ واقع أقصى النّساء عن المشاركة السّياسيّة، واستعبد ملايين الأمريكيّين الأفريقيّين، وهمّش السّكّان الأصليّين بقسوة بالغة.

الدول المتّحدة الأمريكيّة وليست الولايات المتّحدة الأمريكيّة
يجدر توضيح نقطة جوهريّة تتعلّق بالمصطلح المستعمل لوصف الوحدات المكوّنة لهذا الكيان. إذ شاع استعمال كلمة «ولاية» ترجمةً للكلمة الأصليّة State، غير أنّ هذه التّسمية خطأ ترجميّ قديم لا يقدّم وصفاً دقيقاً ولا تعريفاً صحيحاً لطبيعة الوحدة الإداريّة والسّياسيّة الأمريكيّة. كلمة «ولاية» في التّنظيم الإداريّ تشير إلى مقاطعة خاضعة كلّيّاً لسلطة مركزيّة عليا ويحكمها والي معيّن تعيين؛ وتفتقر إلى السّيادة الذّاتيّة. أمّا التّسمية السّليمة والمصطلح الصّحيح هو «دولة» مفردةً، و«الدّول المتّحدة» جمعاً United States. فكلّ وحدة من الوحدات الخمسين هي دولة كاملة تملك سيادتها الدّاخليّة، ودستورها الخاصّ، وسلطاتها التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة المستقلّة، برئيس يُنتخب شعبيّاً. وتتشارك هذه الدّول سيادتها مع الحكومة المركزيّة استناداً إلى اتّفاق دستوريّ، ممّا يجعلها دولاً متّحدةً في كيان اتّحاديّ، لا مقاطعات إداريّة تابعة لمركز واحد.

مقدّمة
لفهم كيف تطوّر المجتمع الأمريكي ليصل إلى شكله المعاصر في عام 2026، وهو مجتمع يتّسم بالتنوّع الديموغرافي الهائل والاستقطاب السياسي الحادّ في آن واحد، يستلزم الأمر تحليلاً أكاديميّاً معمّقاً.
تعتمد هذه المقالة على مقاربة «التاريخ الاجتماعي الجديد» الّتي ظهرت في عقد 1960 لتركّز على الفاعلين من القاعدة الشعبيّة والطبقات العاملة والأقليّات، بدلاً من التركيز الحصري على النّخب السياسيّة والسرديّات التقليديّة للآباء المؤسّسين. ولتعميق هذا الفهم الهيكلي، تدمج المقالة أداة “التاريخ البديل” أو “التاريخ المغاير للواقع” Counterfactual History؛ وهي منهجيّة أكاديميّة صارمة تتجاوز التكهّنات الخياليّة لتطرح سؤال «ماذا لو؟» بشكل منهجي لاستكشاف التداعيات المحتملة لعدم وقوع أحداث تاريخيّة معيّنة. وتساعد هذه الأداة التحليليّة على تفكيك “الانحياز للإدراك المتأخّر” Hindsight Bias الّذي يجعلنا نعتقد أنّ مسار التاريخ كان حتميّاً، لتؤكّد بدلاً من ذلك دور العوامل السببيّة، والفاعليّة البشريّة، وهشاشة المكتسبات المجتمعيّة الّتي تشكّل نسيج الأمّة الأمريكيّة.
عبر هذا الإطار المنهجي الشامل، تستعرض هذه المقالة التفصيليّة 5 منعطفات كبرى شكّلت البنية الاجتماعيّة للولايات المتّحدة: الحرب الأهليّة وإعادة البناء، وحقّ النّساء في التصويت، والكساد الكبير والصفقة الجديدة، وحركة الحقوق المدنيّة، وأخيراً التعديلات الديموغرافيّة الناتجة عن قانون الهجرة لعام 1965. ستُفكّك كلّ محطّة من أسبابها الهيكليّة، ونتائجها المجتمعيّة، ومقارنتها بسيناريو التاريخ البديل الّذي يشرح كيف كان سيبدو المجتمع الأمريكي اليوم لو اتّخذ التاريخ مساراً مغايراً.

المنعطف 1: الحرب الأهليّة وإلغاء العبوديّة 1861 – 1877
شكّلت مؤسّسة العبوديّة الخطيئة الأصليّة والتناقض الأكبر في قلب التجربة الديمقراطيّة الأمريكيّة. فمنذ تأسيس الجمهوريّة، بُني الاقتصاد الأمريكي والمجتمع على أساس مزدوج ومفارقة أخلاقيّة صارخة: تنمية صناعيّة وحضريّة متسارعة في ولايات الشمال، واقتصاد زراعي شاسع في ولايات الجنوب يعتمد كلّيّاً على العمل القسري للأمريكيّين الأفريقيّين المستعبدين في حقول القطن والتبغ والسكر.
بحلول منتصف القرن 19، لم تعد هذه الازدواجيّة قابلة للاستدامة سياسيّاً أو اجتماعيّاً. إذ أدّى التوسّع الإقليمي المستمرّ نحو الغرب إلى تفاقم الأزمات السياسيّة حول ما إذا كانت الولايات الجديدة المنضمّة للاتّحاد ستكون ولايات حرّة أم ولايات تشرّع العبوديّة، ممّا هدّد التوازن الهشّ في الكونگرس.
لم تكن الحرب الأهليّة 1861-1865 صراعاً عسكريّاً طاحناً على السيادة الفيدراليّة أو حقوق الولايات فقط، بل كانت صراعاً وجوديّاً دمويّاً حول طبيعة المجتمع الأمريكي وهويّته الأخلاقيّة والاقتصاديّة.
أسفرت هذه الحرب، الّتي أودت بحياة مئات الآلاف ودمّرت البنية التحتيّة للجنوب، عن انتصار الشمال وتمرير التعديلات الدستوريّة الثلاث الكبرى في فترة ما بعد الحرب (13، و14، و15). وشكّلت هذه التعديلات ثورة دستوريّة واجتماعيّة أنهت مؤسّسة العبوديّة قانونيّاً، ومنحت الجنسيّة والمساواة أمام القانون لجميع المولودين في الولايات المتّحدة، وكفلت حقّ التصويت للرّجال السود.
أُطلق على الفترة الّتي تلت الحرب اسم «إعادة البناء» Reconstruction، وشهدت محاولات فيدراليّة جادّة لدمج المحرّرين في الحياة السياسيّة والمجتمعيّة، إذ تمكّن الأمريكيّون الأفريقيّون من التصويت، وشغل مناصب عامّة، وتأسيس مدارس ومجتمعات مستقلّة تحت حماية القوّات الفيدراليّة. ومع ذلك، أدّى فشل فترة إعادة البناء وانسحاب القوّات الفيدراليّة في تسوية عام 1877 إلى انتكاسة مجتمعيّة هائلة. إذ عادت النّخب الجنوبيّة البيضاء للسيطرة السياسيّة، مؤسّسةً لنظام الفصل العنصري الشامل المعروف بقوانين «جِم كرو» Jim Crow economy، ونظام المزارعة Sharecropping الّذي استمرّ شكل جديد ومقنّع من أشكال العبوديّة الاقتصاديّة.
ترافقت هذه الردّة مع موجات من العنف المنظّم والإرهاب المحلّي من قبل جماعات التفوّق الأبيض مثل {الكو كلوكس كلان} Ku Klux Klan لترويع الناخبين السود وسلب حقوقهم. وبرغم هذا التراجع المأساوي الّذي استمرّ لقرن آخر، ظلّ الإلغاء القانوني للعبوديّة بصفة مُلكيّة بشريّة خطوة لا رجعة فيها غيّرت وجه المجتمع الأمريكي ووفّرت الأساس الدستوري الّذي ستعتمد عليه حركات الحقوق المدنيّة لاحقاً.

في مقاربة التاريخ البديل، يطرح المؤرّخون والروائيّون تساؤلات عميقة حول شكل المجتمع الأمريكي لو أنّ الكونفدراليّة الجنوبيّة نجحت في فرض صلح يُبقي على انفصالها، أو لو أنّ الاتّحاد فاز ولكن دون التطرّق لتحرير العبيد. وفي ظلّ هذا السيناريو المضادّ للواقع، كان المجتمع الأمريكي سيعاني من تشوّهات هيكليّة تجعله متخلّفاً بقرون عن مساره الحالي. كان الجنوب سيظلّ معتمداً على نظام اقتصادي راكد وقائم على الزراعة الكثيفة، متخلّفاً عن اللّحاق بركب الثورة الصناعيّة الثانية، ومفتقراً إلى الابتكار التكنولوجي الّذي يزدهر عادة في المجتمعات الحرّة.
بدلاً من ظهور الولايات المتّحدة قوّة عظمى موحّدة ومهيمنة في أواخر القرن 19 وبدايات القرن 20، كانت القارّة الشماليّة ستعاني من البلقنة والتشرذم، مقسّمة إلى دولتين أو أكثر تعيشان في حالة حرب باردة دائمة، وتستنزفان مواردهما في عسكرة الحدود والصراعات الإقليميّة المستمرّة. ما يعني تدخّل قوى خارجية في مسار العمليّة السياسيّة لهذه الكيانات المتناحرة.
علاوة على ذلك، كان بقاء مؤسّسة العبوديّة سيحول دون نشوء وتطوّر الحركات الحقوقيّة الأخرى في أمريكا الشماليّة. التبرير الأيديولوجي للعبوديّة كان سيعزّز بالضرورة من النزعات الذكوريّة والهرميّة في كافّة مناحي الحياة، ممّا يعني أنّ حركات حقوق المرأة أو حقوق العمّال كانت ستُقمع بوحشيّة أكبر، لكونها تهدّد النظام الطبيعي الصارم الّذي تأسّست عليه مبرّرات العبوديّة.
كانت الولايات المتّحدة، بشقّيها، ستتطوّر إلى دول تطبّق نظام الفصل العنصري المطلق بشكل دستوري راسخ يمتدّ حتّى القرن 20 وربّما 21، ممّا يجعلها دولاً منبوذة أخلاقيّاً في الساحة الدوليّة الحديثة، ومحرومة من القوّة الناعمة الّتي ميّزت النفوذ الأمريكي لاحقاً.
تجلّى هذا الرعب في الأدب الأمريكي الّذي تناول التاريخ البديل، إذ استخدم كتّاب مثل {هاري تورتليدوڤ} Harry Norman Turtledove في روايته {بنادق الجنوب} The Guns of the South و{كولسون وايتهيد} Arch Colson Chipp Whitehead في {السكك الحديديّة السرّيّة} The Underground Railroad هذا السيناريو لتسليط الضوء على وحشيّة النظام واستحالة بناء ديمقراطيّة حقيقيّة في ظلّ استعباد البشر، مشيرين إلى أنّ أيّ تنازل عن التحرير كان سيحيل أمريكا إلى ديستوبيا قائمة على التفوّق العرقي المقنّن.

المنعطف 2: الحركة النسويّة وإقرار التعديل 19 (1920)
لم يتصوّر الآباء المؤسّسون للولايات المتّحدة إدراج النّساء جزء من «نحن الشعب» We the People الّذين يحقّ لهم ممارسة السلطة السياسيّة وصياغة القوانين. كانت البنية الاجتماعيّة والسياسيّة المبكّرة ذكوريّة بحتة، تستند إلى مبادئ القانون العامّ الإنگليزي الّذي كان يسلب المرأة المتزوّجة هويّتها القانونيّة المستقلّة لمصلحة زوجها.
على مدار القرن 19 وأوائل القرن 20، نمت وتجذّرت حركة المطالبة بحقّ النّساء في التصويت جزء أساسي من التحوّلات التقدّميّة الأوسع الّتي سعت لمعالجة مفاسد العصر المذهّب. وترافقت هذه المطالب السياسيّة مع تغيّرات سوسيولوجيّة عميقة ناتجة عن التصنيع السريع، وتزايد انخراط النّساء في قوّة العمل المأجورة، وارتفاع مستويات التعليم بين الإناث. علاوة على ذلك، أدّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى إلى تسريع هذا التحوّل، إذ أثبتت النّساء كفاءتهنّ القصوى في تحمّل أعباء المجتمع المدني، والإنتاج الصناعي، والاقتصاد الوطني في أثناء غياب الملايين من الرّجال في جبهات القتال الأوروپّيّة، ممّا جعل من المستحيل أخلاقيّاً وسياسيّاً الاستمرار في حرمانهنّ من حقّ المواطنة الكاملة.
بعد عقود طويلة من الصراع المرير الّذي تميّز بالاحتجاجات السلميّة، وحملات التوعية، والعصيان المدني، والإضرابات عن الطعام، أُقرّ أخيراً التعديل 19 للدستور الأمريكي في عام 1920، الّذي نصّ على عدم جواز حرمان أيّ مواطن من حقّ التصويت بناءً على الجنس. وأدّى هذا التحوّل التاريخي إلى كسر الاحتكار الذكوري المطلق للفضاء العامّ والقرار السياسي. وبرغم أنّ النّساء لم يصوّتن في البداية بصفة كتلة سياسيّة متجانسة كما كان يخشى بعض السياسيّين، إلّا أنّ دخولهنّ المعترك الانتخابي أجبر المشرّعين على إعادة صياغة الأجندة الوطنيّة.
بدأت القضايا الّتي كانت تُعدّ سابقاً شأناً أسريّاً خاصّاً تجد طريقها إلى قاعات التشريع، فبُدئ في إدراج القضايا المتعلّقة بالرعاية الاجتماعيّة، وحقوق الأطفال، والصحّة العامّة للأمّهات ضمن الأولويّات الوطنيّة، وهو ما تجلّى سريعاً في تمرير قانون شيپارد-تاونر Sheppard–Towner Act الّذي وفّر الدعم للأمّهات ورعاية الرضّع. وبحلول أواخر القرن 20، بدأ يظهر ويتّسع ما يُعرف سياسيّاً بـ «الفجوة الجنسيّة»، إذ أصبحت النّساء، وخاصّة الشابّات، يملن بشكل متزايد نحو السياسات الداعمة لشبكات الأمان الاجتماعي، والمساواة الاقتصاديّة، وحقوق الإنجاب، ممّا أحدث تحوّلات زلزاليّة في موازين القوى بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

يبيّن التاريخ البديل هشاشة هذا المسار الديمقراطي عندما نتساءل: ماذا لو فشلت الحركة النسويّة، واستمرّ حرمان النّساء من حقّ التصويت طوال القرن 20؟.
في ظلّ هذا السيناريو، كانت الخريطة السياسيّة والمجتمعيّة للولايات المتّحدة ستكون مشوّهة وبعيدة كلّ البعد عن شكلها الحالي. كان يُنظر إلى السياسة على أنّها شأن ذكوري يُعنى بالاقتصاد الكلّي، والتجارة، والجيش، والأمن القومي فقط. فغياب الصوت النسائي المنظّم والمؤثّر انتخابيّاً كان سيؤدّي إلى إهمال شبه تامّ لقضايا الأسرة، والمساواة في الأجور، والرعاية الصحّيّة، وشبكات الأمان الاجتماعي الّتي بُنيت لاحقاً خلال فترة الصفقة الجديدة ومجتمع الستينيّات العظيم. ولم تكن القيادات السياسيّة لتشعر بأيّ ضغط مؤسّساتي لتمرير تشريعات تحمي الفئات الأضعف، بل كانت النزعة المحافظة القاسية ستهيمن على التشريعات المدنيّة.
على المستوى الانتخابي المباشر، توضّح التحليلات الإحصائيّة الدقيقة لنتائج الانتخابات الرئاسيّة الحديثة أنّ الفجوة الجندريّة حسمت العديد من الاستحقاقات الكبرى. ففي ظلّ غياب تصويت النّساء، كان المشهد السياسي سيهيمن عليه تيّار محافظ واحد بشكل شبه دائم، ممّا يغيّر مسار التاريخ الأمريكي والعالمي.
تُظهر نتائج انتخابات حاسمة كيف كان سيكون الوضع لو اقتصر حقّ التصويت على الرّجال فقط، مستنداً إلى بيانات استطلاعات الخروج الفعليّة. ففي الانتخابات الرئاسيّة لعام 1996، فاز {بِل كلِنتُن} Bill Clinton الديمقراطي بمشاركة النّساء، ولكن في النتيجة الافتراضيّة للتاريخ البديل لو صوّت الرّجال فقط لفاز {بوب دول} Bob Dole الجمهوري بـ 272 مقابل 266 صوتاً انتخابيّاً في المجمّع الانتخابي. والأثر المجتمعي والسياسي المفترض لهذه النتيجة هو إلغاء مبكّر لسياسات الرعاية الاجتماعيّة اللّيبراليّة وتراجع في التعيينات القضائيّة التقدّميّة.
وفي انتخابات عام 2012، فاز باراك أوباما Barack Obama الديمقراطي بمشاركة النّساء، ولو اقتصر التصويت على الرّجال لفاز {مِت رومني} Mitt Romney الجمهوري بـ 322 مقابل 216 صوتاً انتخابيّاً، ولو اقتصر التصويت على النّساء البيض لفاز {رومني} بـ 346 صوتاً. وكان سيؤدّي ذلك إلى احتماليّة إلغاء قانون الرعاية الصحّيّة الميسّرة {أوباماكير} Obamacare وتغيّر جذري في السياسة الضريبيّة لمصلحة الشركات.
أمّا في انتخابات 2016، الّتي فاز بها {دونالد ترمپ} Donald Trump الجمهوري، فلو صوّتت النّساء فقط لفازت {هيلاري كلينتون} Hillary Clinton باكتساح هائل بواقع 412 صوتاً مقابل 126 لـ {ترمپ}. ويشير هذا التفاوت إلى الانقسام الجنسيّ الحادّ؛ إذ كان غياب النّساء سيعزّز من سيطرة اليمين الشعبوي بشكل مطلق ودون معارضة مجتمعيّة تُذكر.
ونقرأ هكذا بوضوح أنّ المجتمع الأمريكي كان سيصبح أكثر صرامة، ويمينيّة، وأقلّ تسامحاً وانفتاحاً على الإصلاحات الهيكليّة، لولا القوّة التصويتيّة للنّساء الّتي ساهمت في فرض أجندة اجتماعيّة توفّر قدراً أكبر من التوازن السياسي والاقتصادي. غياب الوجه الثاني للقوّة المتمثّل في قدرة النّساء على وضع قضايا معيّنة على طاولة النقاش الوطني، كان سيترك المجتمع الأمريكي متخلّفاً عن ركب الديمقراطيّات الغربيّة الأخرى، محتَجزاً في قوالب اجتماعيّة تعود للقرن 19.

المنعطف 3: الكساد الكبير والصفقة الجديدة (عقد 1930)
مثّلت حقبة عقد 1920 من القرن الماضي فترة ازدهار اقتصادي جامح مبني على المضاربة الماليّة وغياب التنظيم الحكومي لأسواق المال. وفي تشرين الأوّل أكتوبر 1929 (جمادى الأولى 1348 هـ)، انهار سوق الأسهم الأمريكي ليُدخل البلاد والعالم في أسوأ وأطول أزمة اقتصاديّة في التاريخ الرأسمالي الحديث، والّتي عُرفت بـ «الكساد الكبير» The Great Depression.
كانت التداعيات الاجتماعيّة كارثيّة بكلّ المقاييس؛ فبحلول عام 1933م \ 1349 هـ، وصلت معدّلات البطالة إلى مستويات فلكيّة ناهزت 25% من القوّة العاملة، وتشرّدت ملايين العائلات، وانهار النظام المصرفي بالكامل جرّاء تهافت المودعين المذعورين لسحب مدّخراتهم الّتي تبخّرت. فكشفت هذه الأزمة الطاحنة عن الهشاشة البنيويّة لنظام الرأسماليّة غير المقيّدة Laissez-faire الّذي ساد في العقد السابق، وأثبتت بصورة قاطعة أنّ التوجّهات الفرديّة الاستهلاكيّة وحدها، دون تدخّل دولة ضامنة، لا يمكن أن تحمي المجتمع من الصدمات الهيكليّة المدمّرة.
استجابة لهذا الانهيار المجتمعي، أطلق الرئيس {فرانكلين ديلانو روزڤلت} Franklin Delano Roosevelt فور تولّيه السلطة في عام 1933 حزمة غير مسبوقة من التشريعات وبرامج الإغاثة والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الّتي عُرفت مجتمعة بـ «الصفقة الجديدة» The New Deal.
يمثّل هذا التدخّل نقطة التحوّل الأهمّ أيديولوجيّاً ومؤسّساتيّاً في تاريخ أمريكا الاجتماعي والسياسي خلال القرن 20. إذ لأوّل مرّة في تاريخ الجمهوريّة، أخذت الحكومة الفيدراليّة على عاتقها مسؤوليّة مباشرة لضمان حدّ أدنى من الرفاهيّة الاقتصاديّة للمواطنين. فأُسّست شبكات الأمان الاجتماعي الحديثة، وعلى رأسها قانون الضمان الاجتماعي لعام 1935 الّذي وفّر رواتب للتقاعد وتأميناً ضدّ البطالة.
كما ضمنت تشريعات الصفقة الجديدة حقوق العمّال في التنظيم النقابي الحرّ والمفاوضة الجماعيّة، ووضعت حدّاً أدنى للأجور، ووظّفت الحكومة ملايين العاطلين في مشاريع كبرى لتحديث البنية التحتيّة العامّة وبناء السدود والجسور. باختصار، نقلت «الصفقة الجديدة» الولايات المتّحدة من دولة الحدّ الأدنى الّتي تكتفي بحماية الملكيّة الخاصّة، إلى دولة الرفاه التنظيميّة الّتي تتدخّل بنشاط لحماية النسيج الاجتماعي من غوائل الأسواق الحرّة.

يُعدّ سيناريو غياب «الصفقة الجديدة» من أكثر السيناريوهات الّتي تثير قلق واهتمام المؤرّخين المتخصّصين في التاريخ الاقتصادي والبديل، نظراً لحجم المخاطر الوجوديّة الّتي كانت تحيط بالولايات المتّحدة حينها. ففي حال التزام الإدارة الأمريكيّة بمبادئ السوق الحرّ الصارمة ورفض التدخّل الحكومي الإغاثي، كما طالب بذلك بعض المحافظين الكلاسيكيّين حينها، كانت العواقب ستكون مزلزلة على الصعيدين المحلّي والدولي.
سياسيّاً، كان اليأس الجماهيري المطلق سيخلق بيئة شديدة الخصوبة لانتشار الأيديولوجيّات المتطرّفة. ويشير المؤرّخون إلى أنّ «الصفقة الجديدة» قدّمت حلّاً وسطاً براگماتيّاً، وأعطت أمريكا جرعة صغيرة من التدخّل شبه الاشتراكي لمنع تفشّي الاشتراكيّة الراديكاليّة المطلقة أو الفاشيّة. بدون هذه البرامج، كان يُحتمل أن تشهد الولايات المتّحدة ثورة شعبيّة دمويّة تقودها النقابات الراديكاليّة والجماعات الشيوعيّة، أو وهو الاحتمال الأرجح بالنظر لتاريخ البلاد، انزلاقاً نحو الفاشيّة الاستبداديّة المدعومة من كبار الصناعيّين حصن ضدّ الشيوعيّة، على غرار ما حدث في إيطاليا وألمانيا في نفس الفترة المأزومة.
اجتماعيّاً واقتصاديّاً، كانت معدّلات الجريمة، والتشرّد، والمجاعة أدّت إلى انهيار كامل للنظام الاجتماعي، وغياب تامّ للطبقة الوسطى الّتي كانت لاحقاً المحرّك الأساسي للاستهلاك والنموّ في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية.
أمّا على الصعيد الاستراتيجي والعسكري، فبدون مشاريع البنية التحتيّة الضخمة وإعادة الهيكلة الاقتصاديّة الّتي وفّرتها برامج الصفقة الجديدة، كانت الولايات المتّحدة ستدخل عقد 1940 وهي دولة ممزّقة، جائعة، وضعيفة صناعيّاً، ممّا يعني عجزها التامّ عن تولّي دور ترسانة الديمقراطيّة.
في سيناريو بديل متطرّف يطرحه روائيّون مثل {فيليپ ك. دِك} Philip K. Dick في رواية {الرّجل في القلعة العالية} The Man in the High Castle أو فيليپ روث Philip Roth في {المؤامرة ضدّ أمريكا} The Plot Against America، فإنّ غياب {روزڤلت} أو سياساته كان من الممكن أن يدفع أمريكا للتحالف مع النازيّة أو السقوط أمامها، ممّا يترك أوروپّا وبريطانيا تسقطان كلّيّاً بيد قوى المحور، ويترك العالم غارقاً في ظلام الفاشيّة الشاملة لعقود طويلة.
إنقاذ الرأسماليّة الأمريكيّة من نفسها عبر الصفقة الجديدة كان شرطاً مسبقاً لإنقاذ الديمقراطيّة الغربيّة بِرُمَّتها.

المنعطف 4: حركة الحقوق المدنيّة (عقدي 1950 و1960)
على الرغم من انتهاء العبوديّة القانونيّة في القرن 19، استمرّ نظام «جِم كرو» Jim Crow في فرض الفصل العنصري المطلق والقمعي في المدارس، والمرافق العامّة، ووسائل النقل، والإسكان، خاصّة في ولايات الجنوب، مدعوماً بترهيب مستمرّ وتجريد منهجي من حقّ التصويت. وبعد نهاية الحرب العالميّة الثانية، إذ حارب مئات الآلاف من الأمريكيّين السود ضدّ الفاشيّة والعنصريّة النازيّة في الخارج، تصاعد الوعي بضرورة ومفارقة محاربة العنصريّة الممنهجة في الداخل.
انطلقت حركة الحقوق المدنيّة الحديثة معتمدة على تنظيم شعبي واسع النطاق، مدعوماً بالكنائس السوداء والجمعيّات الطلّابيّة، ومتبنّية تكتيكات العصيان المدني السلمي والعمل المباشر اللّاعنفي. وشملت هذه التكتيكات مقاطعة حافلات مونتگومري، واعتصامات العدّادات في المطاعم، وحملات تسجيل الناخبين، ومسيرة واشنطن الكبرى، بقيادة شخصيّات تاريخيّة كاريزميّة مثل الدكتور {مارتن لوثر كينگ جونيور} Martin Luther King Jr.، وقيادات راديكاليّة مثل {مالكوم إكس} Malcolm X الّتي وسّعت من أفق المطالب لتشمل الحقوق الاقتصاديّة والإنسانيّة الشاملة.
أجبرت هذه الحركة الشعبيّة المستمرّة، الّتي دفعت أثماناً باهظة من دماء نشطائها، الحكومة الفيدراليّة والمشرّعين على تفكيك بنية الفصل العنصري القانوني. وتوّجت هذه الجهود بإقرار تشريعات تاريخيّة أحدثت ثورة ليبراليّة واجتماعيّة في عقد 1960. كان أبرزها قانون الحقوق المدنيّة لعام 1964، الّذي جرّم صراحة التمييز على أساس العرق أو اللّون أو الدين أو الجنس أو القوميّة في المرافق العامّة وسوق العمل، وقانون حقوق التصويت لعام 1965 الّذي حظر الممارسات التمييزيّة مثل اختبارات المعرفة بالقراءة والكتابة والضرائب على الرؤوس، ممّا سمح بمشاركة سياسيّة غير مسبوقة للأقليّات في الجنوب لأوّل مرّة منذ فترة إعادة البناء.
لم يقتصر تأثير هذه القوانين على الأمريكيّين الأفريقيّين فحسب، بل فتحت الباب واسعاً أمام فئات أخرى مضطهدة، مثل النّساء، والمهاجرين اللّاتينيّين، ومجتمع الميم، وذوي الإعاقة، للمطالبة بحقوق مماثلة بناءً على السوابق القانونيّة والمؤسّساتيّة الّتي أسّستها حركة الحقوق المدنيّة، ممّا جعلها حجر الزاوية للمجتمع الأمريكي التعدّدي الحديث.

عند تطبيق منهجيّة التاريخ البديل لافتراض إجهاض أو فشل حركة الحقوق المدنيّة، تظهر صورة قاتمة جدّاً لمجتمع مشوّه، محتقن، ومعزول. فلو لم تُمرّر قوانين عقد 1960، كانت الولايات المتّحدة ستتّجه لتصبح دولة تطبّق الفصل العنصري الصريح والمقنّن Apartheid مدعومة بقوّة عسكريّة عظمى، إذ تُضفى الشرعيّة القانونيّة على سياسات التفوّق الأبيض بشكل لا لبس فيه.
داخليّاً، ونظراً لانسداد الأفق السياسي وفشل الدولة في الاستجابة للمطالب السلميّة، كانت تكتيكات اللّاعنف الّتي انتهجها {مارتن لوثر كينگ} ستُعدّ سذاجة سياسيّة فاشلة. وكان هذا الفشل سيدفع الجماهير السوداء الغاضبة والأقليّات الأخرى نحو تبنّي العمل المسلّح والتمرّد الشامل المستلهم من حركات التحرّر الوطني الماركسيّة في العالم الثالث. وكانت المدن الأمريكيّة ستتحوّل إلى ساحات قتال أهليّة دائمة، تتخلّلها تفجيرات، واغتيالات سياسيّة، وحرب عصابات حضريّة، تقابلها حملات قمع أمني وحشي من قبل أجهزة الدولة والميلّشيات البيضاء الّتي ستعمل أذرع شبه عسكريّة مدعومة حكوميّاً.
دوليّاً، وفي ذروة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي، استُخدمت صورة «الديمقراطيّة الأمريكيّة» سلاح ناعم ضدّ السوڤييت. واستمرار الفصل العنصري الوحشي كان سيدمّر مصداقيّة الولايات المتّحدة عالميّاً بشكل لا يمكن إصلاحه، ويدفع الدول المستقلّة حديثاً في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللّاتينيّة نحو المعسكر الشيوعي، لرفضها التحالف مع نظام قائم على التفوّق الأبيض، ممّا يغيّر موازين القوى العالميّة بشكل كامل وربّما يؤدّي لخسارة أمريكا للحرب الباردة.
مجتمعيّاً، بدون الإنجازات التشريعيّة لحركة الحقوق المدنيّة، لم تكن الحركات النسويّة أو حركات حماية البيئة أو حقوق العمّال في عقدي 1960 و1970 لتجد الأساس الأخلاقي، أو الاستراتيجيّات التنظيميّة، أو الغطاء القانوني للتّحرّك، ممّا يُبقي المجتمع الأمريكي عالقاً في قوالب اجتماعيّة وتنمويّة تعود إلى أواخر القرن 19.

المنعطف 5: قانون الهجرة والجنسيّة لعام 1965 (قانون هارت-سيلر)
لعقود طويلة في أوائل ومنتصف القرن 20، حُكمت سياسة الهجرة إلى الولايات المتّحدة بوساطة «نظام الحصص القوميّة» الصارم الّذي أُقرّ في عقد 1920 (تحديداً قانون الهجرة لعام 1924). كان ذلك النظام هرميّاً وعنصريّاً بامتياز؛ إذ حظر هجرة شرق الآسيويّين والعرب والأفريقيّين بالكامل تقريباً، وخصّص الغالبيّة العظمى من تأشيرات الدخول للمهاجرين من شمال وغرب أوروپّا، بهدف صريح ومعلن هو الحفاظ على التركيبة الديموغرافيّة والتفوّق الحضاري للأنگلو-ساكسون البيض، ومنع “تلوّث” البيئة الأمريكيّة بأعراق تُعدّ أدنى.
في سياق ثورة الحقوق المدنيّة في عقد 1960، ومحاولات أمريكا تحسين صورتها العالميّة قائدة للعالم الحرّ، أصبح من النفاق السياسي والأخلاقي الفاضح إدانة العنصريّة في الداخل وتفكيك قوانين جِم كرو، مع الاستمرار في تطبيق سياسة هجرة خارجيّة قائمة على التمييز العرقي المطلق ضدّ معظم شعوب الأرض.
استجابة لهذه التناقضات، صدر قانون الهجرة والجنسيّة لعام 1965 ليُحدث قطيعة جذريّة غير مسبوقة مع الماضي. فألغى القانون نظام الحصص القوميّة بالكامل واستبدله بنظام تفضيلي يعتمد على فكرتين أساسيّتين: «لمّ شمل الأسرة» أولويّة قصوى، وجذب العمالة الماهرة والمحترفين الّذين يحتاجهم الاقتصاد، وذلك دون تمييز بناءً على القومية أو البلد الأصلي.
اللّافت في هذا التحوّل هو أنّ المشرّعين في ذلك الوقت، بمن فيهم الرئيس {ليندون جونسون} Lyndon B. Johnson والسيناتور {إدوارد كينيدي} Edward Kennedy، دافعوا عن القانون مؤكّدين أنّه لن يغيّر التركيبة القومية أو الديموغرافيّة للبلاد بشكل جذري، معتقدين أنّ الهجرة ستستمرّ أساساً من أوروپّا عبر مبدأ لمّ الشمل. إلّا أنّ النتائج الفعليّة كانت بمنزلة أضخم تغيير ديموغرافي واجتماعي غير مقصود في العصر الحديث.
فتح القانون أبواب الهجرة على مصراعيها لملايين البشر من آسيا، وأمريكا اللّاتينيّة، وإفريقيا، والشرق الأوسط، مدفوعين بالحروب، والفرص الاقتصاديّة، وحركات التحرّر. ونتيجة لذلك، تحوّلت الولايات المتّحدة من مجتمع كان يشكّل فيه البيض غير الهسپانيّين حوالي 85% في عام 1960، إلى مجتمع تعدّدي يقدّر مكتب الإحصاء أن يتحوّل إلى مجتمع تتجاوز فيه مجموع الأقليّات نسبة الأغلبيّة البيضاء بحلول عام 2043.

لفهم سرّ التنوّع الكبير الّذي يعيشه المجتمع الأمريكيّ اليوم، يجب أن نتخيّل ما كان سيحدث لو استمرّ العمل بقانون الهجرة الصادر عام 1924. فلو لم يُلغَ نظام “الحصص العرقيّة” ذلك، لكانت البلاد ستواجه كوارث سكّانيّة واقتصاديّة لا حصر لها.
من النّاحية الديموغرافيّة، كانت أمريكا ستبقى منغلقة وذات أغلبيّة ساحقة من البيض ذوي الأصول غرب الأوروپّيّة بنسبة تتجاوز 80% حتّى يومنا هذا. وكان هذا الانغلاق سيجعل نمط الحياة اليوميّ، من فنون وطعام وموسيقى وإعلام، باهتاً ومحروماً من الحيويّة الّتي أضافها المهاجرون القادمون من شرق وجنوب آسيا وأمريكا اللّاتينيّة، لتصبح البلاد معزولة تماماً عن التغيّرات العالميّة.
اقتصاديّاً، كانت الولايات المتّحدة ستعاني أزمة شيخوخة سكّانيّة خانقة وتراجعاً اقتصاديّاً مخيفاً، يشبه تماماً الأزمة الّتي تضرب اليابان ودولاً أوروپّيّة عديدة اليوم بسبب نقص الأيدي العاملة وعجز أنظمة التّقاعد. لكنّ وصول المهاجرين بعد عام 1965 أنقذ البلاد من هذا المصير، فجلبوا معهم نسب ولادات أعلى، وقدّموا قوّة عمل متعلّمة وشابّة حافظت على نموّ الاقتصاد الأمريكيّ وجدّدت دماء المجتمع.
على الصّعيد العلميّ، تؤكّد الدّراسات الاقتصاديّة أنّ إغلاق الأبواب في وجه أصحاب العقول يدمّر الابتكار التكنولوجيّ. فمنع الكفاءات شرق الآسيويّة واللّاتينيّة وشّرق الأوسطيّة من الدّخول، كان سيحرم الولايات المتّحدة من التفوّق وتصدّر صناعات المستقبل، وكان وادي السّيليكون سيخسر مكانته ليترك أمريكا متأخّرة جدّاً في سباق التّطوّر العالميّ.
أخيراً، كان شكل الخلافات المجتمعيّة سيتغيّر جذريّاً، ليصبح صراعاً مباشراً وحادّاً بين أغلبيّة بيضاء ساحقة وأقليّة سوداء حصراً. فغياب الفئات المتنوّعة الّتي تؤدّي دور الوسيط وتخفّف من حدّة التوتّر، كان سيؤدّي إلى تكرار أشكال القمع القديمة وتعميق الانقسام القاتل بين الطّرفين.

الولايات المتّحدة في ذكرى تأسيسها 250: التّنوّع العظيم والانقسام الحادّ عام 2026
مع حلول الذّكرى 250 لتأسيس الأمّة في صيف عام 2026، تظهر نتائج المنعطفات التّاريخيّة الخمس وغيرها من التّحوّلات الكبرى واضحةً في واقع المجتمع الأمريكيّ المعاصر. إذ يقف هذا المجتمع اليوم في مفترق طرق تاريخيّ فاصل؛ فهو يعيش أوج تنوّعه وثرائه الفكريّ والمدنيّ من جهة، ويعاني أسوأ فترات الانقسام السّياسيّ والاجتماعيّ والطّبقيّ منذ أيّام الحرب الأهليّة من جهة أخرى.

التّحوّل الدّيموغرافيّ بين اليوبيل المئويّ الثاني عام 1976 واليوبيل الحاليّ عام 2026
لإدراك حجم التّغيير الجذريّ النّاتج عن قوانين الحقوق المدنيّة وتعديلات أنظمة الهجرة، تكفينا مقارنة إحصائيّة دقيقة بين تركيبة المجتمع خلال احتفالات الذّكرى 200 لتأسيس البلاد عام 1976 والذّكرى الحاليّة عام 2026. ويظهر هذا التّحوّل المذهل في غضون 5 عقود فقط في تغيّر نسب المكوّنات المجتمعيّة تغيّراً جذريّاً.
انخفضت نسبة البيض غير الهسپانيّين من 84% عام 1976 إلى 57% عام 2026، ممّا أثار قلقاً كبيراً لدى الفئات المحافظة إثر تراجع أغلبيّتهم التّقليديّة. أمّا ذوو الأصول اللّاتينيّة أو الهسپانيّون فتضاعف عددهم خمس مرّات لترتفع نسبتهم من 4% إلى 20%، ليصبحوا بذلك القوّة النّاخبة الأسرع نموّاً. واستقرّت نسبة الأمريكيّين الأفارقة بين 11% و13%، مع زيادة نفوذهم السّياسيّ والفكريّ عقب تجاوز إرث حركات الحقوق المدنيّة. ونمت نسبة ذوي الأصول شرق الآسيويّة نموّاً ملحوظاً من 1% إلى 6%، وتحديداً في مجالات التّعليم المتقدّم والتّكنولوجيا. وظهرت الأعراق المختلطة بنسبة 6% بعد أن كانت شبه معدومة، في دلالة واضحة على زيادة الاندماج الاجتماعيّ وتراجع القيود العرقيّة التّاريخيّة. ووصلت نسبة المواليد خارج الولايات المتّحدة إلى 15% مقارنة بنسبة 4.7% سابقاً، لتقترب بذلك من أرقام ذروة الهجرة الكبرى أواخر القرن 19.
أثار هذا التّغيير السّكّانيّ السّريع تناقضاً وجدانيّاً وقلقاً عميقاً في تقييم أطياف المجتمع للتّجربة الأمريكيّة. ففي استطلاعات الرّأي الشّاملة المواكبة لاقتراب الذّكرى 250، وتحديداً استطلاع گالوپ وأسوشيتد پرس ونورك في نيسان أبريل 2026 \ شوّال 1447 هـ، أظهر الأمريكيّون تراجعاً حادّاً في إيمانهم بالاستثناء الأمريكيّ والحلم الأمريكيّ. إذ يرى أقلّ من النّصف بقليل أنّ بلادهم هي الأفضل عالميّاً، ويقرّ 44% بأنّها واحدة من أفضل الدّول فحسب، وتظنّ نسبة متزايدة بوجود دول أخرى تفوقها أداءً واستقراراً. وما زال 33% فقط يؤمنون بوجود الحلم الأمريكيّ واقعاً معاشاً، ويراه الآخرون وهماً أو مجداً غابراً. وبرغم هذا التّشاؤم وتراجع الفخر بأداء الدّيمقراطيّة والنّفوذ العالميّ، يظلّ التّنوّع والحرّيّة في صدارة أسباب الفخر الوطنيّ الدّاخليّ.
تتوزّع مصادر الفخر بالماضي الأمريكيّ عبر 250 عاماً وفقاً لنسب استطلاع گالوپ وأسوشيتد پرس ونورك لعام 2026. إذ تتصدّر الحرّيّات الشّخصيّة والمدنيّة القائمة بنسبة 35%، ويأتي التّنوّع الدّيموغرافيّ والفكريّ للشّعب تالياً بنسبة 28%. وتحلّ فرص العمل الجادّ لتحسين الظّروف، أو ما يُسمّى «الحلم الأمريكيّ» American Dream، في المرتبة 3 بنسبة 24%. ويشعر 19% بالفخر بمرونة الشّعب وقدرته الصّلبة على تجاوز المحن، ويفخر 18% بقدرتهم الفائقة على التّكاتف والاتّحاد وقت الأزمات.

تناقض الاحتفالات: الاستقطاب يطغى على التّوحيد
لم تسلم احتفالات الذّكرى 250 من تداعيات الانقسام المجتمعيّ النّاتج عن إرث تاريخيّ شائك. إذ تتنازع جهتان رئيستان، تظهران الانقسام الفكريّ الحادّ في البلاد، على تنظيم الاحتفالات الرّسميّة وتوجيه الرّواية الوطنيّة.
تعمل لجنة أمريكا 250، المشكّلة بقرار من الكونگرس ويشارك فيها كلا الحزبين منذ 10 سنوات، على إظهار تعقيدات التّاريخ الأمريكيّ، وإشراك الأقليّات، وإبراز قصص المواطنين العاديّين، وفتح باب النّقاش النّقديّ حول مدى تطبيق وعود إعلان الاستقلال على جميع الفئات.
وتظهر في المقابل مبادرة حرّيّة 250 الّتي أطلقها الرّئيس {دونالد ترمپ} بأمر تنفيذيّ جديد للسّيطرة على المشهد الاحتفاليّ، لتركّز تركيزاً تامّاً على الرّواية التّقليديّة الفخورة بالبطولات القوميّة، وتستبعد أيّ نقاش نقديّ يخصّ العبوديّة والتّمييز العنصريّ. ويهاجم النّقّاد هذه الخطوة ويرونها تكريساً للقوميّة البيضاء المبطّنة، ونهجاً سياسيّاً محافظاً يسعى متعمّداً إلى تجاهل تعقيدات التّاريخ.
أثار هذا التّضارب الكبير في الرّؤى رفضاً واسعاً، فامتنعت دول عديدة ذات أغلبيّة ديمقراطيّة عن المشاركة في فعاليّات حرّيّة 250 الكبرى في العاصمة واشنطن. وانسحب فنّانون وشخصيّات عامّة من المشاركة خوفاً من تسييس هذه المناسبة القوميّة. وحوّل هذا الخلاف الاحتفال المنتظر لتوحيد الصّفوف إلى مسرح مفتوح يفضح الانقسام العميق داخل البلاد.
ونتيجة لهذا الاستقطاب والخوف الدّائم من تراجع الحقوق، يظنّ 77% من المواطنين اليوم أنّ الآباء المؤسّسين سيشعرون بإحباط شديد لو رأوا حال البلاد ومستوى النّقاش العامّ الحاليّ. ويخالف هذا الشّعور القاتم حالة التّفاؤل واليقين السّائدة خلال احتفالات الذّكرى 200 عام 1976. وفي الوقت نفسه، يبحث الجيل الجديد المعروف بالجيل Z عن طرق بديلة للاحتفال، مفضّلاً قضاء الوقت في المساحات الثلاث للالتقاء المجتمعيّ غير الرّسميّ، ومبتعداً مسافة شاسعة عن الرّوايات المؤسّساتيّة لمصلحة التّفكير النّقديّ الجادّ في مستقبل الدّيمقراطيّة وطرق إصلاح البنية الاجتماعيّة المتصدّعة.

خلاصة اجتماعيّة وتاريخيّة
لا تكفي قراءة تسلسل الأحداث لفهم مسار التّاريخ الاجتماعيّ للولايات المتّحدة عبر 250 عاماً، بل يجب إدراك هشاشة المكاسب الحقوقيّة والاجتماعيّة الّتي نظنّها اليوم مسلّمات لا تتزعزع. وتثبت قراءة التّاريخ البديل أنّ وصول المجتمع الأمريكيّ إلى مزيد من الشّمول والمساواة لم يكن أمراً محتوماً، بل كان ثمرة نضالات قاسية وقرارات سياسيّة صعبة في أوقات حاسمة.
فالعبوديّة كانت نظاماً اقتصاديّاً واجتماعيّاً متجذّراً، ولولا نشوب حرب دمويّة أودت بحياة مئات الآلاف لبقيت مستمرّة. وكذلك إقصاء النّساء عن السّياسة، لولا كفاحهنّ المتواصل الّذي غيّر شكل السّياسة الدّاخليّة بالكامل ودفع الدّولة إلى تبنّي برامج الرّعاية. ولولا التّعامل الحاسم مع الأزمة الاقتصاديّة عبر الصّفقة الجديدة، لانزلقت البلاد نحو الفاشيّة أو الانهيار التّامّ بسبب الرّأسماليّة الجامحة. وكان وارداً جدّاً أن تظلّ الولايات المتّحدة دولة تفصل بين الأعراق، ومنغلقة فكريّاً، ومتأخّرة تكنولوجيّاً وسكّانيّاً، لولا تضحيات حركات الحقوق المدنيّة وقوانين الهجرة المنفتحة والشّجاعة في عقد 1960.
وفي الذّكرى 250 للتّأسيس، تظهر التّجربة الأمريكيّة كما تخيّلها المؤسّسون الأوائل؛ ورشة عمل لا تتوقّف ولا تكتمل أبداً. فكلّما ظهرت مطالب بالعدالة وتوسيع دائرة الشّعب لتضمّ فئات أكثر تنوّعاً وأشدّ تهميشاً، واجهتها حركات محافظة مضادّة تسعى إلى إيقاف التّغيير وحماية مكاسبها التّاريخيّة. وتخيّل السّيناريوهات المظلمة الّتي كادت أمريكا أن تسقط فيها، يجعلنا نقدّر حجم النّجاحات الّتي تحقّقت، ويؤكّد للمجتمع الأمريكيّ اليوم أنّ الدّيمقراطيّة وتقبّل الآخر ليسا هبة من الطّبيعة، بل هما نتاج صراع وتفاوض لا يتوقّفان، ويتطلّبان وعياً تاريخيّاً، وحماية مستمرّة للمؤسّسات، ويقظة لا تنام لضمان بقائهما في القرون القادمة.
مصادر ومراجع
- كتاب Reconstruction: America’s Unfinished Revolution, 1863-1877 إريك فونر Eric Foner. https://www.harpercollins.com/products/reconstruction-updated-edition-eric-foner
- كتاب Virtual History: Alternatives and Counterfactuals نايل فيرگسون Niall Ferguson. https://www.basicbooks.com/titles/niall-ferguson/virtual-history/9780465023233/
- كتاب Altered Pasts: Counterfactuals in History ريتشارد إيڤانز Richard J. Evans. https://brandeisuniversitypress.com/title/altered-pasts/
- كتاب Freedom from Fear: The American People in Depression and War, 1929-1945 ديڤيد كينيدي David M. Kennedy. https://global.oup.com/academic/product/freedom-from-fear-9780195144031
- كتاب Impossible Subjects: Illegal Aliens and the Making of Modern America ماي نگاي Mae M. Ngai. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691160825/impossible-subjects
- كتاب Century of Struggle: The Woman’s Rights Movement in the United States إلينور فلكسنر Eleanor Flexner. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674106536
- كتاب The New Jim Crow: Mass Incarceration in the Age of Colorblindness ميشيل ألكسندر Michelle Alexander. https://thenewjimcrow.com
- تقرير مركز پيو للأبحاث حول التّغيّرات الدّيموغرافيّة وقانون الهجرة لعام 1965 Modern Immigration Wave Brings 59 Million to U.S., Driving Population Growth and Change Through 2065 https://www.pewresearch.org/hispanic/2015/09/28/modern-immigration-wave-brings-59-million-to-u-s-driving-population-growth-and-change-through-2065/
- بيانات التّعداد السّكّانيّ الأمريكيّ حول تحوّل الأغلبيّة والأقليّات بحلول عام 2043 U.S. Census Bureau Projections Show a Slower Growing, Older, More Diverse Nation a Half Century from Now https://www.census.gov/newsroom/releases/archives/population/cb12-243.html
- مركز النّساء والسّياسة الأمريكيّة (جامعة روتگرز) حول الفجوة الجنسيّة في التّصويت Gender Differences in Voter Turnout https://cawp.rutgers.edu/facts/voters/gender-differences-voter-turnout
- استطلاعات گالوپ حول الفخر الوطنيّ الأمريكيّ American Pride Hits New Low; Few Proud of Political System https://news.gallup.com/poll/472298/american-pride-hits-new-low-few-proud-political-system.aspx
- استطلاعات مركز نورك في جامعة شيكاگو ووكالة أسوشيتد پرس حول الدّيمقراطيّة AP-NORC Poll: Most adults say the US democratic system is not working well https://apnorc.org/projects/most-adults-say-the-u-s-democratic-system-is-not-working-well/
- اللّجنة الرّسميّة لاحتفالات الذّكرى 250 لتأسيس الدّول المتّحدة America250 Official Commission https://america250.org/
- رواية The Guns of the South هاري تورتليدوڤ Harry Turtledove. https://www.penguinrandomhouse.com/books/175024/the-guns-of-the-south-by-harry-turtledove/
- رواية The Underground Railroad كولسون وايتهيد Colson Whitehead. https://www.penguinrandomhouse.com/books/249706/the-underground-railroad-by-colson-whitehead/
- رواية The Man in the High Castle فيليپ ك. دِك Philip K. Dick. https://www.harpercollins.com/products/the-man-in-the-high-castle-philip-k-dick
- رواية The Plot Against America فيليپ روث Philip Roth. https://www.penguinrandomhouse.com/books/158223/the-plot-against-america-by-philip-roth/





اترك رد