يواجه الباحث في تاريخ المشرق العربي إشكالية معقّدة تتّصل بفهم هوية السريان وأصولهم، إذ شابَ هذا الموضوع كثير من التشويه والخلط، نتيجة قراءات متعجّلة للمصادر التاريخية، أو تأويلات أيديولوجية فرضتها مدارس الاستشراق الغربي. فقد جرى فصل السريان عن محيطهم العربي، ونُسبوا إلى أوطان ليست أوطانهم، بل رُوِّج لفكرة قومية سريانية مستقلّة لا سند لها في المصادر الأصيلة. وهذا الخلط يستدعي منّا وقفة تأمّل ومراجعة، لإعادة الأمور إلى نصابها، وكشف الحقائق التي طمستها القراءات المغلوطة.
السريان في سياقهم التاريخي الصحيح
تمتدّ جذور المشكلة إلى سوء فهم العلاقة بين الاسم والمسمى، بين الجغرافيا والسكّان، بين الدين والقومية. فالسريان ليسوا قومية مستقلّة عن العرب، بل هم عرب نالوا هذه التسمية انتساباً إلى وطنهم الذي عُرف بأسوريا أو أسورإستان أو سوريستان. والقاعدة هنا أنّ الشعب منسوب إلى اسم البلد لا العكس، وهذا أصل متين في فهم التسميات التاريخية.
وكان السريان، على الأقل في العهدين الأشكاني والساساني قبل الإسلام، من القبائل العربية المستقرّة في الجزيرة بين دجلة والفرات. أصولهم من تغلب وربيعة ومضر وإياد، وجاورهم مزارعون من طيء ومن الأزد، فأطلقت عليهم باقي العرب تسمية سريان نسبة إلى عاصمة ولايتهم الساسانية، سوريستان، وهي اليوم مدينة الكوفة في العراق. أمّا ربط السريانية بالكنيسة المسيحية فتشويه للحقيقة التاريخية، ذلك أنّ اسم الكنيسة السريانية منسوب إلى البلد الذي نشأت فيه لا العكس، وإن كانت هذه الكنيسة قد قبلت في رعيّتها أناساً من شعوب شتّى ولم تقصر خدمتها على السريان وحدهم.

الخلط الجغرافي: سوريا المعاصرة وأسورإستان التاريخية
يقع كثير من الباحثين في فخّ الخلط بين سوريا المعاصرة وأسورإستان التاريخية موطن السريان، وهو خلط فادح يُفضي إلى نتائج مغلوطة. فسوريا المعاصرة، أي الجمهورية العربية السورية، ما كانت موطن السريان قط، ولا تمتّ إليهم بصلة جغرافية أو تراثية. هذا الكيان الحديث تشكّل من دمج ثلاث قطع مقتطعة من الشام وحلب والجزيرة العليا، منحتها فرنسا تسمية “سوريِه” سنة ١٨٦٤ حين طردت قوّات محمد علي عنها ثم قطّعتها، فأطلقت هذا الاسم على ما بقي من إيالة الشام (ایالت شام).
وقبل الإسلام، كانت منطقة هذه الجمهورية قطعتين متمايزتين: الجنوبية اسمها فنيقيا، والشمالية اسمها إسَوريا، وهذه الأخيرة منسوبة إلى المملكة السلوقية التي سبقت الأشكان والرومان. أمّا أسوريا أو أسورإستان الحقيقية فهي منطقة العراق المعاصرة، وتاريخيّاً هي الجزيرة العليا الواقعة بين دجلة والفرات، ومتنها نينوى وهي الموصل المعاصرة، ولا علاقة لها بأي مدينة غيرها منذ القرن التاسع قبل الميلاد.
ما فتئ إعلام الجمهورية السورية المعاصرة (في أيّام نظام الأسد) يرمي بنفسه على تراث السريان دون وجه حق، فيزعم وراثة ما لا صلة له به، لا من ناحية الجغرافيا ولا من ناحية التراث.
التقسيمات الإدارية في العهود القديمة
العهد السلوقي والتحوّلات الپارثية
خلال العهد السلوقي، ظلّت سوريا (أسوريا) ضمن حدود المملكة الأسورية القديمة التي سبقت الأخمينيّين. لكنّ التحول الكبير جاء مع الأشكان الپارثيّين، إذ قسّموا هذه المنطقة الواسعة إلى ثلاث وحدات إدارية متمايزة: عربإستان، وأسورإستان، وإيلام (سوسيانا). وحين آلت السلطة إلى الساسان، زادوا في التقسيم فشطروا إيلام إلى حوزإستان وميسان، ثمّ خسروا القسم الغربي من عربإستان للرومان بموجب معاهدة نصيبين سنة ٢٩٩ ميلادية. وكانت حدود عربإستان قبل ذلك تسير مع مجرى نهر الفرات.

تُظهر هذه الخريطة التقسيمات الإدارية الساسانية في القرن السادس، قُبيل الحرب الساسانية-البيزنطية التي طردت فيها الدولة الساسانية القوّات البيزنطية عن كلّ المشرق تقريباً، فوصلت بحدودها حتى غرب الأناضول ووسط السودان، بل حاصرت القسطنطينية نفسها. ثمّ انتهت هذه الحرب العالمية ببداية نشوء الدولة الإسلامية، وهي الحقبة المعروفة في التراث باسم الفتوحات الإسلامية.
نقش شابور الأوّل ودلالته
رُسمت الأسماء والخرائط وَفْق النقش الذي تركه شابور الأول (سابور) 𐭱𐭧𐭯𐭥𐭧𐭥𐭩، ثاني ملوك الساسان، منذ القرن الثالث. يحتوي هذا النقش على فِهْرِست كامل بأسماء الأستانات الساسانية وأسماء شعوبها، وهو منقوش على كعبة الزرادشت الموجودة اليوم في محافظة فارس في إيران. وتُعدّ هذه الوثيقة من أهمّ المصادر الأوّلية لفهم التقسيمات الإدارية والتركيبة السكّانية في تلك الحقبة.
الأستانات الساسانية ذات الوجود العربي
نستعرض فيما يلي البلاد التي عرفت تواجداً ملحوظاً للعرب في الدولة الساسانية، سواء أغلبية أو أقلية كبيرة، أو عرفت حكماً من ضبّاط عرب في الجيش الساساني أسّسوا لأنفسهم مدناً عربية من حولهم. ونبدأ من الغرب نحو الشرق ومن الشمال إلى الجنوب:
أران (أردان)
عاصمتها جبلة (گَبَلَه). سماها الإغريق في العهد الهيليني ألبانيا، وأطلق عليها الپهلويون عدّة أسماء منها آريان وآريا وأران وأردان، والمقصود أنّها بلاد العرب الذين يستعملون صفة «آرا» لملوكهم، أي الأسد. ذلك أنّ آران كانت إحدى أسماء العرب عند الپارثيّين، نسبة إلى مملكة آريا العربية على نهر المُرغاب، أو العكس.
عربإستان (عربستان)
عاصمتها نِسِبِس وهي اليوم مدينة نصيبين في تركيا. عرفها السريان باسم بيت عربايى، وعرفها الپهلويون باسم أرواستان (أروى إستان، أرڤه ستان) أي بلد الوعل (المقدّس)، ومذكورة في بعض المصادر العربية باسم عرفه وعربه. ومع أنّ مؤسّسات عاصمة الأستان كانت في مدينة نِسِبِس، فإنّ القيادة العسكرية للإستان كانت في قلعة سِسَڤرانُن على الحدود البيزنطية-الساسانية، وهي اليوم على الجانب التركي من الحدود السورية-التركية بالقرب من يزيورت Yazyurdu.
حذيعب (حذيأب) ܚܕܝܐܒ
عاصمتها مدينة أربيل وهي اليوم في العراق. أطلق عليها الإغريق في الحقبة الهلنستية تسمية أديَبِيني Ἀδιαβηνή، وأطلق عليها الپهلويون تسمية نودشيرَگان أي عرش شيرَگان (شيريخان) خان الشرق. وأطلق عليها البابليّون في القرنين الخامس والسادس تسمية حَذياڤ. واسم حذيفة العربي منسوب إليها.
أسورإستان (سوريستان): قلب البلاد السريانية

هذه هي البلاد الأم للسريان، عاصمتها سوريستان وهي اليوم مدينة الكوفة في العراق. وهي نفسها بيت أرَمايى ܒܝܬ ܐܪܡܝܐ، وهي كذلك بابل وبابيل والإرخ والكرخ وعراق. وهذه الأخيرة تسمية بلسان طيء معناها نهر أو أرض مروية بنهر. أطلق الپهلويون على أهلها تسمية آسوريگ (آسوريچ)، وأطلق عليهم العرب تسمية سوريان. وكان على رأسهم قبيلة إياد العدنانية.
أطلق الساسان على الوحدة الإدارية الشاملة لسوريستان الكبرى تسمية بيه قُباد (ڤيه كَڤات، بيه جواد)، وهي اليوم مدينتي الكوفة والنجف وضواحيهما.
حوزإستان (خوزستان)
عاصمتها جنديسابور (گُندیشاپور)، وسماها الپهلويون ويه-أنطيوك-شابور 𐭥𐭧𐭩𐭠𐭭𐭣𐭩𐭥𐭪𐭱𐭧𐭯𐭥𐭧𐭥𐭩، ومعناه: شابور أحسن من أنطاكية. أما اسمها السرياني قبلها فكان بيت لپط ܒܝܬ ܠܦܛ. وحوزإستان في الأصل هي إيلام، سمّاها السلوقيّون سوسياء أو سوسيانا. وسمّاها العرب من طيء أهواز.
في عهد سابور الأول منتصف القرن الثالث، أُجبرت إيلام على ترك السريانية وتبني الپهلوية، كما غيّر سابور اسمها إلى حوزإستان. وحوز هي التسمية التي كان يصف بها الپارسيون أهل إيلام قبل تأسيس الدولة الساسانية. ويُعتقد أنّ حوز أو خوز منحولة عن اسم الإوزة قوز، كونها كانت أهمّ صادرات إيلام قديماً. وهذا الأخير اعتقاد شائع في الأوساط الأكاديمية غير مثبت بدليل.
ميسان (ميشان)
عاصمتها مدينة فرات ميسان (ڤهمن أردشير) في العراق. أطلق عليها الپهلويّون تسمية ميشان 𐭬𐭩𐭱𐭠𐭭، والياء فيها صوتها ألف مائلة صوب الياء. واسمها معناه الشمسية أو أهل الشمس أو بلد الشمس، بسبب عبادة أهلها للشمس مي أو ميس. وكان أغلب أهلها آنذاك من طيء.
مژان (مژُن)
عاصمتها مژان وهي اليوم مدينة صُحَار في عُمان، ومن أسمائها القديمة عُمَانَة. ومژان هي نفسها مجان ومگان، وأطلق الساسان على أهلها تسمية طازِيگان (طاژيگان) أي الطيايا (طاجيگ)، وهي إحدى أسماء العرب ونسبتها طيء.
أبَارشَاهر (اَبهَرشَهر)
عاصمتها نيسابور وهي اليوم مدينة نیشابور في إيران. اسمها الأصلي هو أپَرن خشاهر، أي مملكة الأپارنيّين. سمّاها الجغرافيّون العرب بلاد السحاب. وتُعدّ البلد الذي نشأ فيه تحالف أپارني التركماني المؤسّس للإمبراطورية الأشكانية الپارثية، التي تحوّلت فيها اللّغة الپارثية إلى الپهلوية، باندماج الپارثية بلهجة عربية قديمة قريبة من الآرامية.
گِرمان (كِرمان)
عاصمتها شيرَگان وهي اليوم مدينة سيرجان في إيران. يتطابق اسم العاصمة مع اسم أستان حذياب شمال العراق. أما كلمة گِرمان (جِرمان) فتعني المحاربين أو العساكر بلسان بابل. ولطالما ازدهر الوجود العربي في جنوبها، وبخاصة العرب من الأزد الذين كانت لهم الإقطاعات الكبيرة في المنطقة، قبل أن يُجليهم الساسان إلى الضفّة المقابلة من الخليج العربي، إلى مدينة مژان (صُحَار).
مرو (مرگوش)
عاصمتها مرو وقد زالت اليوم من الوجود، وهي نفسها مملكة مروة ومروى في التراث العربي. أطلق عليها الإغريق في الحقبة الهلنستية تسمية مرگيانى Μαργιανή وتعني العربية، ذلك أنّ مرگيان كانت إحدى أسماء العرب في الإغريقية ونسبتها مرگ.
هرو (هرات)
عاصمتها هرو وهي اليوم مدينة هرات في أفغانستان. وهرو هي نفسها خراسان (خور آسان = مشرق الشمس)، وعرفها الپهلويون باسم هَرِڤ 𐭧𐭥𐭩𐭥، وعرفها الصُغديون باسم هَريو. وكان اسمها في العهد الأخميني آريا. والعرب موجودون بأغلبية في جنوبها منذ ما قبل العهد الأخميني، ثم استعان بهم دارا الأول عماداً لقوّاته في المنطقة.
مگران (مكران)
عاصمتها تُربَت. وتسميتها مگران منسوبة إلى مگان جارتها الغربية، فالتسمية مگران أضافت الراء البابلية التي تُكتب ولا تُلفظ، ويُقصد منها وجود مدّ في صوت الحرف التالي أو إشارة إلى الشدّة. فالتسمية مگران معناها المگانيّون، أي أنّهم الشقّ الشرقي من العُمانيّين.
الوجود العربي التاريخي: حقائق لا أوهام
بعد هذا العرض المفصّل، يتبيّن لنا أنّ انتشار العرب في هذه المناطق الواسعة لم يبدأ بالإسلام ولا بالفتوحات الإسلامية. بل هم منتشرون بشكل طبيعي في بلاد رأوها بلادهم، تشاركوها مع الساكا وغيرهم، وساهموا في تراثها بما حملوه من معارف وخبرات. أمّا كل الخرافات عن التعريب والهجرة العربية من شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام، فأوهام لا أساس لها، نتجت عن قراءة خاطئة للتاريخ، وإسقاط للتصوّرات الحديثة على الماضي البعيد.
وكيف بعد كل هذا تكون السريانيّة غير العربيّة!

عربيّة السريانيّة
يصرّ البعض على أنّ السريانيّة هي لغة منفردة في هذا العالم، لا علاقة لها باللّغة العربية، ولا علاقة لها بالعرب، ويصرّون بالتالي على أنّ السريان شعب غير العرب، أكرهه المسلمون على الاستعراب. هذا كلّه هراء. كيف تكون السريانيّة غير العربيّة ومن صنعها هم في الأساس سلالة ملكيّة عربيّة؟ حكمت بلداً عربيّاً! ثمّ أنتجت في عاصمته ما صرنا نعرفه باللّغة السريانيّة، والأبجديّة السريانيّة. إليك حكايتها باختصار.
ما تُعرف باللّغة السريانيّة تسمّى كذلك بالآراميّة السريانيّة، وتسمّى بلهجتها الشرقية: لشانا سُريايا ܠܸܫܵܢܵܐ ܣܘܼܪܝܵܝܵܐ، وبلهجتها الغربيّة: لِشونو سُريويو ܠܶܫܳܢܳܐ ܣܽܘܪܝܳܝܳܐ. ويفصل نهر الفرات ما بين اللّهجتين الشرقيّة والغربيّة. وتفصيح التسمية باللّهجتين هو: لسان سوريّين. أي لغة السوريّين. وهي في الأساس لهجة آراميّة نشأت في القرن الأوّل الميلادي من تقعيدها في مدينة الرها وما حكمته من المناطق من حولها باسم مملكة الرها (أورهي)، ثمّ تطوّرت وصارت لغة آداب وعلوم مع اعتمادها لغة رسمية للكنيسة المسيحية في القرن الثاني. (1)(2)(3)(4)(5).
فما هي مملكة الرها؟
سنة 312 ق.م نشأت على أنقاض الإمبراطورية الأخمينيّة المملكة السلوقيّة Βασιλεία τῶν Σελευκιδῶν التي حكمت مناطق شاسعة، يقيم على قسم كبير منها العرب. ثمّ مع تضعضع هذه المملكة وبدء انهيارها، بدأت العديد من أقسامها الغربيّة بالانفصال عنها في ممالك عربيّة، تحكمها سلالات عربية، وتطلب الدعم العسكري والسياسي من دول الجيران القويّة، ضماناً لاستقلالها. وكان من هذه الممالك مملكة حمص، وإمارات اليطوريّين، ومملكة الحضر، ومملكة الرها، ومملكة حَضيأب، ومملكة گُمُّخُ المعروفة لاحقاً باسم گُمَّجينه… وغيرها. وعلى مجرى المملكة السلوقيّة التي اعتمدت اللّغة الإغريقيّة لغة رسمية، حافظت هذه الممالك العربية على الإغريقيّة لغة رسمية، ثمّ بدأت بصناعة لغاتها الرسمية الخاصّة اعتماداً على لهجاتها من الآراميّة المحلّيّة. والآراميّة كانت باقية في هذه الشعوب مذ حكمتها الإمبراطورية الأسورية الحديثة: مات أشُّر.
سنة 132 ق.م ومع انهيار المملكة السلوقيّة استقلّ ضابط عربي نبطي بمحافظة أُسرُوينة (خُسرُوينة) السلوقيّة، ومنحها اسم عاصمتها أورهي (الرها) فصار اسمها مملكة أورهي: ملكوته دبيت أورهي ܡܠܟܘܬܐ ܕܒܝܬ ܐܘܪܗܝ. والضابط، أو الملك المؤسّس هو من سلالة عربيّة واضحة (6)(7)، اسمه أريُ (أريو) (8)، وحكم حتّى سنة 127 ق.م، ووضع قبيلته النبطية على قيادات البلد. ثمّ صار القسم شرق دجلة من المملكة يسمّى مملكة حَضيأب ܚܕܝܐܒ، والقسم غرب الفرات من المملكة يسمّى گُمُّخُ (گُمَّجينه) ܓܡܚ (9).

سنة 127 ق.م خلف أريُ الملك عبدو بن زرعو، ثمّ فردشت بن جبارو، ثمّ بكر الأوّل بن فردشت، ثمّ بكر الثاني، ثمّ معن الأوّل، ثمّ بكر الثاني وأبجر الأوّل.
سنة 92 ق.م دبّ الخلاف على السلطة ما بين بكر الثاني وأبجر الأوّل، كان الخلاف في الواقع بين تيّارين، أحدهم يوالي الإمبراطورية الأشكانية المحاذية من الجَنُوب، والثاني يوالي المملكة الأرمنية المحاذية من الشمال. المهم، انتصر تحالف أبجر الأوّل مع الملك الأرمني الأرضاشيسي ديكرانوس الثاني Տիգրան Բ، فتمكّن أبجر الأوّل من الاستفراد بالحكم وحده، ونزلت مملكته تحت حماية المملكة الأرمنية.
استمرّ تداول السلطة في المملكة من بعد أبجر، فخلفه معن الثاني، ثمّ باقور، ثمّ أبجر الثالث، ثمّ الرابع، ثمّ معن الثالث، ثمّ أبجر الخامس بن معن، ثمّ معن الرابع، ثمّ عاد أبجر الخامس إلى السلطة… وهذه نقطة مهمّة.
ميلاد اللّغة السريانيّة
في عهد أبجر الخامس (4 ق.م – 50 م) بدأت رغبة المملكة بالتبلور للحصول على هويّة مستقلّة عن الحماية الأجنبيّة، وقرّرت المملكة التخلّي عن اللّغة الإغريقيّة الموروثة عن المملكة السلوقيّة لغة رسميّة، وصارت إلى تقعيد لهجتها الآراميّة التي سمّتها لسان السوريّين: لشانا سُريايا. هنا تماماً نشأت اللّغة السريانيّة. تحت حكم ملك عربي، من سلالة عربية حكمت هذا البلد خمسة قرون.
هكذا نشأت اللّغة السريانيّة في القرن الأوّل الميلادي في مدينة الرها (أورهي) المعروفة اليوم باسم أورفا Şanlıurfa، وصارت لغة رسمية لكلّ مناطق المملكة. وكانت توسّعت وشملت على العديد ممّا حولها من المناطق، أوسع من هذه الحدود في الخريطة. فأضافت إلى لسانها العديد من العرب من سكّان الأناضول وشمال العراق وسوريا وإيران المعاصرات، ممّن كانوا في الأساس على اللّغة الآراميّة، فصاروا على لهجة منها، صارت تسمّى: سريانيّة.
خلال القرن الثاني صارت مملكة الرها تتمايل بالولاء تارَة للأشكان وتارة للرومان، إلى أن أخضعها الأشكان بشكل كامل وغيّرن اسمها إلى عرب إستان سنة 163 ميلادية (10)(11)، تحت عرش الملكين معن الثامن و وائل بن سَحر، ثمّ تقاسمنها مع الرومان سنة 212 تحت عرش الملك أبگر (أبجر) التاسع، ثمّ أزال الرومان عرش بني آري الأباگرة سنة 242 لتحويل البلد إلى محافظة رومانيّة. وكان آخر ملوكها (صوريّاً) أبگر (أبجر) العاشر بن معن.
وهذه المملكة، مملكة أورهي، هي موطن المسيحيّة الأوّل في هذا العالم، هي أوّل بلد يتّخذ من المسيحيّة بنجاح ديانة رسمية للبلد، ما جعل من لغته الرسميّة السريانيّة لغة للمسيحيّة النسطورية المبكّرة. امتصاص الدولة الرومانية للقسم الغربية من مملكة أورهي (الرها) هو من جعل للمسيحيّة مكانة وعزّة في ختام حياة الإمبراطورية الرومانيّة، وعزّ نهضة الإمبراطوريّة البيزنطية (12). ففي حوالي عام 200، تبنى أبگر (أبجر) التاسع المسيحيّة، ما مكّن أورهي من أن تصبح أوّل دولة مسيحيّة في التاريخ كان حاكمها العربيّ وبشكل علنيّ مسيحيّاً. (13)
تراجع مكانة السريانيّة
وبسبب تقاسم الأشكال والرومان للبلد، تطوّرت لهجة كلّ من القسمين بشكل مستقل، فنشأت في المناطق التي حكمها الأشكان باسم عرب إستان اللّهجة السريانيّة الشرقيّة. بينما نشأت في المناطق التي حكمها الرومان باسم أُسرُوينة اللّهجة السريانيّة الغربيّة. وصارت لكلّ من اللّهجتين أبجديّتها وقواعدها وأصواتها. وهو ما أثّر كذلك على لغة الكنيسة السريانيّة الرسميّة، فصارت الكنائس تراعي الفروق ما بين اللّهجتين.
في القرن السابع، ومع حكم الأمير الأمويّ عبد الملك بن مروان؛ الذي أمر بالتعريب (14)(15)، صارت اللّغة الرسميّة لكلّ مناطق ومرافق الدولة الإسلاميّة هي العربيّة على مدرسة البصرة (16). فتراجعت السريانيّة إلى لغة كنيسة وما عاد لها مكانة رسمية على المستوى السياسي. مع ذلك بقيت لغة شارع في مناطقها، حتّى بين من تحوّلوا إلى الإسلام من عرب الجزيرة، من كانوا تحت حكم مملكة الرها.
لكن، تدمير إيلخان مغول فارس لمدن الجزيرة جميعاً في القرن 13 وتهجير سكّانها؛ غيّر التركيبة السكّانية للمنطقة كليًّا، ومنح قَدماً للأكراد ولغاتهم على حساب السريانيّة. ثمّ جاءت كارثة تيمور لنگ الذي أباد معظم المسيحيّين في المنطقة (17)(18) تماماً كما أباد سكّان العديد من مدن المسلمين من بعدهم. فتراجعت السريانيّة من بعده، حتّى استبدلت العربيّة محلّ السريانيّة كلغة للقدّاس في بعض الكنائس السريانيّة الغربيّة (19)، وقد نشأ مسيحيّوها في غياب عن لغة الأجداد السريانيّة.
الآن، مادام أنّ الناس قد تحوّلت من عربيّة سريانيّة إلى عربيّة البصرة الفصحى أو غيرها، فكيف نقول أنّهم عُرّبوا أو استعربوا وحُوّلوا إلى عرب؟ هم عرب أساساً وقد تبدّلت لهجاتهم لا أكثر. تماماً كما لو فُرضت اليوم لهجة مصر العربيّة بديلاً للعربيّة الفصحى في كلّ الدول العربيّة. هذا لا يغيّر من هويّة العرب العاربة، إنّما يغيّر لهجتهم الرسمية. لا أكثر.
عائلة مالكة عربيّة، جعلت من لهجتها لغة رسميّة، ثمّ صارت الناس تسمّيها بالسريانيّة. لا شعب آخر غير العرب ولا لغة غير العربية.

خرافة القومية السريانية ومحرقتها
نشأة المشروع القومي السرياني في القرن التاسع عشر
في القرن 19 وقد بدأت إمبراطوريّات العالم باختلاق قوميّات جديدة في موالاتها داخل السلطنة العثمانيّة، صنعت بريطانيا من الكنيسة اليونانيّة قوميّة ومن اليهوديّة قوميّة. في الوقت الذي صنعت فيه روسيا من الكنيسة الأرمنيّة قوميّة كذلك. هنا، سعت فرنسا بدورها المنافس إلى صناعة قوميّات في موالاتها كذلك في المشرق. فسعت إلى تحويل كلّ من الكنيسة المارونيّة، والكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة وكنيسة المشرق الآشورية، إلى قوميّات جديدة.
في الواقع، تحويل كنيستي المشرق الآشورية والسريانيّة إلى قوميّة كان مصلحة تدخّل فيها الجميع. فرنسا، روسيا، بريطانيا، ألمانيا، النمسا، حتّى الولايات المتّحدة الأميركيّة تدخلت بدورها في الحِقْبَة ما بين 1840 و 1884. وهذا ما فتح مكاناً لمشروع الدولة الأشوريّة-الكلدانيّة في مؤتمر 1919 الذي قرّر فيه الحلفاء كيفيّة تقاسم غنائم الحرب العالميّة الأولى.
الاستراتيجية الفرنسية ومشروع الدولة المسيحية
فرنسا التي سبق وحاولت السيطرة على الشام وسلب دمشق من النفوذ البريطاني حين حرّضت كاثوليك دمشق إلى تنفيذ مجزرة قضت على يهودها سنة 1840. اتّبعت ذات الأسلوب في مدن الجزيرة. فإذا تحالفت عشائر مع قِوَى تنافس فرنسا، حرّكت عليها فصائل من غير طائفتها تذبح أبناءها وتبيدها عن الوجود. وهدف فرنسا كان، وإلى جانب إقامة دولة تواليها وتسيطر على أهمّ حقول النفط في المنطقة، السيطرة كذلك على منابع نهري دجلة والفرات.
في الواقع، لعبت فرنسا آنذاك على وترين، وشاركت في صناعة مشروعين آنذاك، إن فشل واحد كان لها الآخر. والمشروع الثاني إضافة إلى مشروع الوطن القومي الأشوري-الكلداني، كان مشروع الوطن القومي الكردي. لهذا، سلّحت الطرفين، ولهذا تجد اليوم الكثير من منشورات المستشرقين الفرنسيّين الباقية من تلك الحِقْبَة؛ التي تتحدّث في القوميّة الكرديّة والقوميّة السريانيّة على السواء. ولا يوجد منشورات في الموضوع أسبق من منشورات المستشرقين الفرنسيّين.
المجازر المبكّرة قبل الحرب العالمية الأولى
عقب الحرب العثمانية-المصرية الأولى، وعلى أمل توسيع إمارته سوران، قام الأمير الكردي {محمد الراوندوزي} سنة 1833 بعدّة مجازر استهدفت المسيحيّين واليزيديّين في مناطق الجزيرة الفراتيّة في وقت كان فيه العثمانيّين مشغولين بحملة {محمد علي باشا} في الشام. غير أنّ العثمانيّة سرعان ما أسقطت أمارة سوران سنة 1838 وأعادت السيطرة على تلك المناطق.
سنة 1895 اجتاحت ولاية ديار بكر بِرُمَّتها سلسلة من المجازر التي استهدفت الأشوريّين والسريان والأرمن ورفعت نسبة السكّان الأكراد في الولاية إلى 50٪، سيّما في طور عابدين. استغلّت روسيا هذه المجازر وبدأت بتجنيد واستمالة الأشوريّين والسريان والكلدان والأرمن من مواطني العثمانية. كانت هذه العمليّات جزء من عمليّات الضغط على السلطان العثماني {عبد الحميد الثاني}، وعلى الأغلب أنّ المخابرات الروسية كانت وراءها، بهدف تخويف المسيحيّين من المسلمين.
الحرب العالمية الأولى ومذابح سيفو
سنة 1912 فاز حزب الحريّة والائتلاف الموالي لبريطانيا بالانتخابات البرلمانيّة العثمانية. ما دفع جمعيّة الاتّحاد والترقّي للانقلاب على السلطة سنة 1913 وتشكيل حكومة عسكريّة توالي ألمانيا.
سنة 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، ودخلتها العثمانية في حلف ألمانيا والنمسا. واستمرّت حتّى 1918.
في نيسان أبريل 1915 بدأت فصائل كرديّة بعمليّات إبادة جَنُوب بحيرة {وان} شملت قرى أرمنيّة وأشوريّة وكلدانيّة على السواء، فكان ردّ البطريرك {مار إغناطيوس عبد المسيح الثاني} من القدس في أيّار 1915 التحالف مع الروس والبريطانيّين وإعلان الحرب على الدولة العثمانية (كما فعل العرب). ثمّ توفّى البطريرك في القدس، وتدحرجت كرة المجازر في الجزيرة من بعدها.
لتدمير هذا المشروع وبدفع من ألمانيا، ارتكبت فصائل كردية سنة 1915 مذابح واسعة في حقّ السريان معروفة باسم مذابح سيفو. وهذه ما كانت المجازر الأولى ما بين الأكراد والسريان في المنطقة. إذ سبقتها إرهاصات على نطاق أضيق قبل عقود قليلة.
مؤتمر باريس ونهاية المشروع القومي
في عقب الحرب العالميّة الأولى، وفي مقابل مشروع الكولونيل لورنس لتأسيس مملكة هاشمية للأمير {زيد بن الحسين} في الجزيرة العليا، طرحت بعض الجهات الفرنسيّة مشروع تأسيس وطن قومي للأشوريّين والكلدان، وناقش المشروع وفد فرنسي في مؤتمر پاريس للسلام سنة 1919. وكانت هذه الخريطة أدناه هي خريطة المشروع المقترح لحدود ما سُمّي آنذاك بالأمّة الأشوركلدانية … طبعاً هذه تسمية تستند إلى جهل عميق بالتاريخ. ما يوضح ماهيّة المشروع القومي. لكن، لو وافقت بريطانيا والولايات المتّحدة الأميركية على المشروع لكانت هذه حدود دولة مسيحيّة في المنطقة، تحكمها أقلّيّة تضطهد الأغلبيّة، كما حال معظم دول الشرق الأوسط المعاصرة.

عنوان الخريطة من مصدرها: خريطة إثنوغرافية وسياسية للأمّة الآشور-كلدانية
Carte ethnographique et politique de la nation assyro-chaldéenne
المصدر: Bulletin du Comité de l’Asie française, 1920
نظّفت أثر التقادم على الورق باستعمال فوتوشوپ.
بكلّ حال، أتت نتائج مؤتمر پاريس سنة 1919 رافضة المشروعين البريطاني والفرنسي، وتفوّق المشروع الأميركي القاضي بتشكل جمهوريّة تركيّة علمانية. وجرى عام 1926 تقسيم الجزيرة العليا ما بين الدول الثلاث: العراق وسوريا وتركيا.
إعادة النظر في الهويّات التاريخية
نخلص من هذا العرض التاريخي إلى أنّ العلاقة بين السريان والعرب أعمق وأقدم ممّا ظُنّ سابقاً. فالسريان، وَفْقاً للأدلّة التاريخية المقدّمة، كانوا جزءاً لا يتجزّأ من النسيج العربي في المنطقة قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة. وهذه الحقائق التاريخية تدعونا إلى مراجعة مفاهيمنا حول الهويّات القومية والدينية في المنطقة، إذ يُظهر التاريخ أنّ الحدود بين الشعوب كانت أكثر مرونة وتداخلاً ممّا نتصوّره اليوم.
يجب أن نعيد النظر في طريقة فهمنا وتفسيرنا للتاريخ، وأن نحذر من الإسقاطات المعاصرة على الماضي، فالهويّات الإثنية تتشكّل عبر قرون من التفاعل والتمازج، ولا يمكن اختزالها في تصنيفات بسيطة أو ثابتة. وهذه الدراسة تدعونا إلى تبنّي نظرة أكثر شمولاً وعمقاً لتاريخ المنطقة، نظرة تأخذ في الحسبان التعقيدات والتداخلات بين الشعوب. فهم هذا التاريخ المشترك قد يُعيننا على تجاوز الانقسامات الحالية، وبناء مستقبل أكثر تماسكاً وتفاهماً بين أهل المنطقة.
خاتمة: إلى من يبحث عن هويّة في الوهم
إلى كلّ من استهوته خرافة القومية السريانية المنفصلة عن محيطها العربي، وإلى من راح يتلمّس في الدين والإثنية والعنصرية ما يُبرّر له الانفصال عن جذوره، نقول بصراحة لا مواربة فيها: إنّ ما تبحثون عنه سراب، وما تستندون إليه أوهام صنعتها أيدي المستشرقين والمستعمرين، وغذّتها مصالح الإمبراطوريّات المتصارعة على المنطقة.
أثبتنا لكم بالأدلّة التاريخية والوثائق الموثّقة أنّ السريان لم يكونوا يوماً قومية مستقلّة، بل كانوا عرباً انتسبوا إلى أرضهم أسورإستان، وحملوا اسمها كما يحمل كلّ شعب اسم وطنه. وأنّ لغتهم السريانية ما كانت إلّا لهجة عربية قديمة متطوّرة من الآرامية، وأنّ كنيستهم ما نُسبت إلى قومية بل إلى جغرافيا، وأنّ انتشارهم في تلك الأصقاع الواسعة من الجزيرة والعراق وخراسان وما وراءها لم يكن غزواً ولا هجرة طارئة، بل وجوداً أصيلاً وتاريخاً عريقاً يمتدّ لقرون قبل الإسلام.
الثمن الباهظ للوهم
ماذا جنيتم من هذا الوهم غير المآسي والدماء؟ ماذا أفادتكم تلك القومية المزعومة إلّا أن جعلتكم وقوداً لمشاريع الآخرين، وأدوات في أيدي من لا يريد لكم إلّا أن تكونوا جسراً لمصالحه؟ رأيتم كيف صنعت لكم فرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا قومية لم تكن، ثمّ تركتكم تدفعون الثمن وحدكم حين جاءت مذابح سيفو، وحين تبخّر حلم الدولة الأشورية-الكلدانية في مؤتمر پاريس، وحين تشرّدتم في المنافي تبحثون عن وطن وهمي لم يكن لكم يوماً.
أيّ كرامة في أن تتنكّروا لأصولكم وتنسبوا أنفسكم إلى ما لا يمتّ إليكم بصلة؟ أيّ عزّة في أن تفصلوا أنفسكم عن أهلكم وعشيرتكم الكبرى بحجج واهية وتصنيفات عنصرية ما أنزل الله بها من سلطان؟ أيّ مستقبل تبنون حين تؤسّسون هويّتكم على الكراهية والانفصال، على التمييز الديني والإثني، على احتقار من تشاركونهم الأرض والتاريخ واللغة؟
العودة إلى الحقيقة
إنّ الحقيقة التاريخية واضحة وضوح الشمس لمن أراد أن يرى: السريان عرب، وأسورإستان أرض عربية منذ أقدم العصور، والمحاولات الاستعمارية لتفتيت هذه المنطقة بصناعة قوميّات مصطنعة قد فشلت وستفشل، لأنّ الباطل مهما علا فإلى زوال، والحقّ مهما طُمس فسيظهر.
أنتم لستم غرباء في هذه الأرض، ولا أنتم أقلّية منبوذة يجب أن تتشبّث بهويّة مصطنعة كي تحفظ وجودها. بل أنتم جزء أصيل من نسيج هذه الأرض، من تاريخها ومن حاضرها ومستقبلها. وإنّ محاولة الانفصال بحجج دينية أو “عرقية” لن تزيدكم إلّا ضعفاً وتشرّداً، ولن تُثمر إلّا مزيداً من الفُرقة والخسران.
دعوة إلى المصالحة مع الذات
نختم بالقول: ليس عيباً أن يُخدع الإنسان، ولكنّ العيب أن يصرّ على البقاء في الخداع بعد أن تبيّن له الحقّ. وليس ضعفاً أن يعترف المرء بخطئه، بل القوّة الحقيقية في الشجاعة على مواجهة الحقيقة وإن كانت مرّة.
تخلّوا عن هذا الوهم القاتل، وارجعوا إلى أصولكم الحقيقية، إلى انتمائكم الطبيعي، إلى محيطكم العربي الذي لم يكن يوماً غريباً عنكم. ليس في هذه العودة ذلّ ولا انكسار، بل فيها عزّة وكرامة وقوّة، لأنّها عودة إلى الحقّ، وإلى الجذور، وإلى الهويّة الأصيلة التي لم تُفرض عليكم من مستشرق أو مستعمر، بل هي هويّتكم التي ولدتم عليها وعاش عليها أجدادكم قروناً كثيرة.
إنّ المستقبل لن يُبنى على الأوهام والتفرقة، بل على الحقائق والوحدة. والمنطقة لن تنهض بتفتيتها إلى قوميّات مصطنعة تتصارع فيما بينها، بل بعودة شعوبها إلى وعيها بوحدة مصيرها وتاريخها المشترك. فهل أنتم مستعدّون لأن تكونوا جزءاً من هذا البناء، أم ستبقون أسرى أوهام صنعها لكم من لا يريد لكم إلّا الفُرقة والضياع؟
الخيار بين أيديكم، والتاريخ شاهد، والحقيقة ماثلة أمامكم. فاختاروا بحكمة، واعلموا أنّ كلّ يوم تمضونه في الوهم هو يوم ضائع من عمر أمّة تحتاج إلى كلّ أبنائها، لا أن يتفرّقوا عنها بحجج واهية وتصنيفات عنصرية ما أنزل الله بها من سلطان.
المراجع والمصادر
- نقش شابور الأول على كعبة زرادشت (SKZ) Shapur I’s Ka’ba-ye Zartosht Inscription (c. 262 CE) الموقع: نقش رستم، محافظة فارس، إيران. متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Shapur_I’s_inscription_at_the_Ka’ba-ye_Zartosht وأيضاً: https://sites.uci.edu/sasanika/sapur-is-inscription-kaba-ye-zartost-skz/
- Daryaee, Touraj (2009). Sasanian Persia: The Rise and Fall of an Empire. London & New York: I.B. Tauris.
- Frye, Richard N. (1984). The History of Ancient Iran. Munich: C.H. Beck.
- Wiesehöfer, Josef (1996). Ancient Persia: From 550 BC to 650 AD. London: I.B. Tauris.
- Dignas, Beate and Winter, Engelbert (2007). Rome and Persia in Late Antiquity: Neighbours and Rivals. Cambridge: Cambridge University Press.
- Shahbazi, A. Shapur (various articles). Encyclopaedia Iranica. متاح عبر: https://iranicaonline.org/
- Rawlinson, George (1873). The Seven Great Monarchies of the Ancient Eastern World, Vol. 7: The Sassanian or New Persian Empire. London: Longmans, Green, and Co.
- Boardman, John et al. (2005). The Cambridge Ancient History. Cambridge: Cambridge University Press.
- Rapp, Stephen H. (2014). The Sasanian World through Georgian Eyes: Caucasia and the Iranian Commonwealth in Late Antique Georgian Literature. Ashgate Publishing.
- Barnes, Timothy David (1981). Constantine and Eusebius. Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Peace of Nisibis (299) متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Peace_of_Nisibis_(299)
- Dignas and Winter (2007). Rome and Persia in Late Antiquity, pp. 124-125.
- Asoristan – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Asoristan
- Brock, Sebastian P. (1997). A Brief Outline of Syriac Literature. Kottayam: St. Ephrem Ecumenical Research Institute.
- Brock, Sebastian P. (2006). An Introduction to Syriac Studies. Piscataway, NJ: Gorgias Press.
- Murre-van den Berg, Heleen (ed.) (1999). Scribes and Scriptures: The Church of the East in the Eastern Ottoman Provinces. Leuven: Peeters.
- Britannica, Encyclopaedia (1998). “Aramaic language.” متاح عبر: https://www.britannica.com/topic/Aramaic-language
- Nöldeke, Theodor (1904). Compendious Syriac Grammar. Translated by James A. Crichton. London: Williams & Norgate.
- Kiraz, George Anton (2012). Turoyo: Studies in the Aramaic Dialect of Tur Abdin. Piscataway, NJ: Gorgias Press.
- Suret language – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Suret_language
- Moffett, Samuel Hugh (1998). A History of Christianity in Asia, Vol. 1: Beginnings to 1500. Maryknoll, NY: Orbis Books.
- Baum, Wilhelm and Winkler, Dietmar W. (2003). The Church of the East: A Concise History. London: RoutledgeCurzon.
- Vööbus, Arthur (1958-1988). History of Asceticism in the Syrian Orient (3 volumes). Leuven: Peeters.
- Church of the East – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Church_of_the_East
- Syriac Christianity – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Syriac_Christianity
- Drijvers, Han J. W. (1980). Cults and Beliefs at Edessa. Leiden: Brill.
- Segal, Judah Benzion (1970). Edessa: The Blessed City. Oxford: Clarendon Press.
- Duval, Rubens (1892). Histoire politique, religieuse et littéraire d’Édesse jusqu’à la première croisade. Paris: Ernest Leroux.
- Bivar, A. D. H. (1983). “The Political History of Iran Under the Arsacids.” In The Cambridge History of Iran, Vol. 3(1): The Seleucid, Parthian and Sasanian Periods, edited by Ehsan Yarshater. Cambridge: Cambridge University Press.
- Colledge, Malcolm A. R. (1967). The Parthians. London: Thames and Hudson.
- Curtis, Vesta Sarkhosh and Stewart, Sarah (eds.) (2007). The Age of the Parthians. London: I.B. Tauris.
- Parthian Empire – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Parthian_Empire
- Hoyland, Robert G. (2001). Arabia and the Arabs: From the Bronze Age to the Coming of Islam. London: Routledge.
- Shahid, Irfan (1984-2002). Byzantium and the Arabs (6 volumes). Washington, DC: Dumbarton Oaks.
- Pre-Islamic Arabia – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Pre-Islamic_Arabia
- Tribes of Arabia – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Tribes_of_Arabia
- Fisher, W. B. (ed.) (1968). The Cambridge History of Iran, Vol. 1: The Land of Iran. Cambridge: Cambridge University Press.
- Donner, Fred McGraw (1981). The Early Islamic Conquests. Princeton: Princeton University Press.
- Kennedy, Hugh (2007). The Great Arab Conquests: How the Spread of Islam Changed the World We Live In. Philadelphia: Da Capo Press.
- al-Ṭabarī, Muḥammad ibn Jarīr (838-923). Tārīkh al-Rusul wa’l-Mulūk (History of Prophets and Kings). Translated into English as The History of al-Ṭabarī (39 volumes). Albany: State University of New York Press, 1985-2007.
- al-Balādhurī, Aḥmad ibn Yaḥyā (d. 892). Futūḥ al-Buldān (Conquests of the Lands). Translated by Philip Hitti as The Origins of the Islamic State. New York: Columbia University, 1916.
- Britannica, Encyclopaedia (2000). “History of Mesopotamia – The Sasanian Period.” متاح عبر: https://www.britannica.com/place/Mesopotamia-historical-region-Asia/The-Sasanian-period
- Potts, Daniel T. (1997). Mesopotamian Civilization: The Material Foundations. Ithaca: Cornell University Press.
- World History Encyclopedia (2013). “Sasanian Empire.” متاح عبر: https://www.worldhistory.org/Sasanian_Empire/
- Britannica, Encyclopaedia (2023). “Assyrian (people).” متاح عبر: https://www.britannica.com/topic/Assyrian
- Assyrian people – Wikipedia متاح عبر: https://en.wikipedia.org/wiki/Assyrian_people
- Gzella, Holger (2015). A Cultural History of Aramaic: From the Beginnings to the Advent of Islam. Leiden: Brill.
- Kolesnikov, A. I. (various articles on Sasanian administrative divisions). In History of Civilizations of Central Asia, Vol. 3. UNESCO Publishing.
- Mizan Project – “The Arab Conquests and Sasanian Iran” متاح عبر: https://mizanproject.org/the-arab-conquests-and-sasanian-iran-part-1/
- Madain Project – “Ka’ba-ye Zartosht” متاح عبر: https://madainproject.com/kaba_ye_zartosht
- Bulletin du Comité de l’Asie française (L’Asie française)، العدد 180، مارس 1920، باريس. متوفر على: https://fr.wikisource.org/wiki/Bulletin_du_Comité_de_l’Asie_française أرشيف متاح على: https://commons.wikimedia.org/wiki/Category:Bulletin_du_Comité_de_l’Asie_française
- Naayem, Joseph (1920). Les Assyro-Chaldéens et les Arméniens massacrés par les Turcs: Documents inédits recueillis par un témoin oculaire. Paris: Bloud & Gay. نسخة محدثة (2016) بمقدمة من Joseph Yacoub، Le Cercle d’écrits caucasiens. متوفر على: https://www.imprescriptible.fr/documents/naayem/
- Gaunt, David; Atto, Naures; Barthoma, Soner O., eds. (2017). Let Them Not Return: Sayfo – The Genocide Against the Assyrian, Syriac, and Chaldean Christians in the Ottoman Empire. War and Genocide, vol. 26. New York & Oxford: Berghahn Books. https://www.berghahnbooks.com/title/gauntlet
- Gaunt, David (2006). Massacres, Resistance, Protectors: Muslim-Christian Relations in Eastern Anatolia during World War I. Piscataway, NJ: Gorgias Press.
- Yacoub, Joseph (2016). “Joseph Naayem (1888-1964), témoin oculaire majeur du génocide assyro-chaldéen et arménien” [مقدمة]. في: Naayem, J., Les Assyro-Chaldéens et les Arméniens massacrés par les Turcs, pp. 3-11. Paris: Le Cercle d’écrits caucasiens.
- Yacoub, Joseph (2018). “Longtemps méconnu par la communauté internationale: le génocide assyro-chaldéen de 1915”. Relations internationales, 173(1), 45-67. https://shs.cairn.info/revue-relations-internationales-2018-1-page-45
- Papers Relating to the Foreign Relations of the United States: The Paris Peace Conference, 1919. 13 volumes. Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office, 1942-1947. متوفر على: https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1919Parisv13
- Lundgren, Svante. “The Failure of the Assyrian Lobbies at the Paris Peace Conference in 1919”. Chronos History Journal. https://www.cmes.lu.se/article/failure-assyrian-lobbies-paris-peace-conference-1919
- “Assyriens”. Wikipédia en français. https://fr.wikipedia.org/wiki/Assyriens
- “Sayfo”. Wikipedia (English). https://en.wikipedia.org/wiki/Sayfo
- “Paris Peace Conference (1919–1920)”. Wikipedia (English). https://en.wikipedia.org/wiki/Paris_Peace_Conference_(1919–1920)
- “Les Assyro-Chaldéens au XXe siècle”. Les clés du Moyen-Orient. https://www.lesclesdumoyenorient.com/Les-Assyro-Chaldeens-au-XXe-siecle.html
- Assyrian Policy Institute. Various reports on Assyrian demographics and political history.
- Seyfo Center (Seyfo Research Center) – مركز أبحاث متخصص في الإبادة الآشورية. https://seyfocenter.com/
- Œuvre d’Orient. “99e anniversaire du génocide arménien et assyro-chaldéen” (24 avril 2014). https://oeuvre-orient.fr/actualites/99e-anniversaire-du-genocide-armenien-assyro-chaldeen/
مراجع عربيّة السريانيّة
- 1 Healey, John F. (2012). “Syriac”. The Semitic Languages: An International Handbook. Berlin-Boston: Walter de Gruyter. pp. 637–652.
- 2 Brock, Sebastian P. (1998). “Syriac Culture, 337-425”. The Cambridge Ancient History. Vol. 13. Cambridge: Cambridge University Press. pp. 708–719.
- 3 Butts, Aaron M. (2011). “Syriac Language”. Gorgias Encyclopedic Dictionary of the Syriac Heritage. Piscataway, NJ: Gorgias Press. pp. 390–391.
- 4 Butts, Aaron M. (2018). “The Greco-Roman Context of the Syriac Language”. Les auteurs syriaques et leur langue. Paris: Geuthner. pp. 137–165.
- 5 Butts, Aaron M. (2019). “The Classical Syriac Language”. The Syriac World. London: Routledge. pp. 222–242.
- 6 Ramelli, Ilaria L.E. (2018). “Abgarids”. In Hunter, David G.; van Geest, Paul J.J.; Peerbolte, Bert Jan Lietaert (eds.). Brill Encyclopedia of Early Christianity Online.
- 7 Sartre, Maurice (2005). “The Arabs and the desert peoples”. In Bowman, Alan K.; Garnsey, Peter; Cameron, Averil (eds.). The Cambridge Ancient History: Volume 12, The Crisis of Empire, AD 193-337. Cambridge University Press.
- 8 Segal, J.B. (1982). “ABGAR”. In Yarshater, Ehsan (ed.). Encyclopædia Iranica, Volume I/2: ʿAbd-al-Hamīd–ʿAbd-al-Hamīd. London and New York: Routledge & Kegan Paul. pp. 210–213.
- 9 Leonard William King. THE ORIGIN OF THE PROVINCE OF KOMMAGENE. Journal of Hellenic Studies. Vol. 33 (1913), pp356‑259
- 10 Segal, Judah (1982). “Abgar”. In Yarshater, Ehsan (ed.). Encyclopædia Iranica, Volume I/2: ʿAbd-al-Hamīd–ʿAbd-al-Hamīd. London and New York: Routledge & Kegan Paul. pp. 210–213.
- 11 Lieu, Samuel (1997). “EDESSA”. In Yarshater, Ehsan (ed.). Encyclopædia Iranica, Volume VIII/2: Economy V–Education XX. London and New York: Routledge & Kegan Paul. pp. 174–175.
- 12 Ball, W (2001). Rome in the East: the transformation of an empire. Routledge. p. 91.
- 13 Frankfurter, David (1998). Pilgrimage and Holy Space in Late Antique Egypt. BRILL. p. 383.
- 14 Duri, Abd al-Aziz (1965). “Dīwān”. In Lewis, B.; Pellat, Ch. & Schacht, J. (eds.). The Encyclopaedia of Islam, New Edition, Volume II: C–G. Leiden: E. J. Brill. pp. 323–327.
- 15 Wellhausen, Julius (1927). The Arab Kingdom and its Fall. Translated by Margaret Graham Weir. Calcutta: University of Calcutta. https://archive.org/details/arabkingdomandit029490mbp
- 16 Blankinship, Khalid Yahya (1994). The End of the Jihâd State: The Reign of Hishām ibn ʻAbd al-Malik and the Collapse of the Umayyads. Albany, New York: State University of New York Press https://books.google.de/books?id=Jz0Yy053WS4C&redir_esc=y
- 17 Nestorianism, Christian sect. https://www.britannica.com/topic/Nestorianism
- 18 T’ovma Metsobets’i’s, History of Tamerlane and His Successors. https://web.archive.org/web/20081121013427/http://rbedrosian.com/tm3.htm
- 19 Maronites. Aramaic Maronite Center. ܫܠܡܐ. https://web.archive.org/web/20160711194639/http://www.aramaic-center.com/maronites.html





اترك رد