من الطيور التي قدّسها العرب قديماً البوم… هذا الطائر البديع كان أحد أقدس آلهة العراق ومصر القدامى، تكاد تكون قد قدّسته كلّ شعوب العالم القديم تقليداً عن العرب. على عرض أوراسيا؛ من اليابان حتّى البحر المتوسط، ارتدى ملوك وقادات الجنود في جيوش العالم المعطف الموشّى كنقش ريش البوم، وكذلك الخوذة بالريشتين تقليداً لشكل رأسه. ونجده منقوشاً في أغلب النقوش المصريّة التصويريّة (الهيروگليفية)، وله حرف وصل أبجديّتنا الجزميّة العربيّة هو حرف الواو.

سمّاه العرب القدامى وُو، وَو، أُف، فوُول، بول، وعنها صارت كلمة بوم. ويسمّيه عرب اليوم بوهة، ويصفونه بأنّه البوهة الفرعونيّة أو البوهة الصحراوية، وكان لها رمز في الأبجديّة التصويرية القديمة هو 𓅱 وكذلك رُمز له قديماً بالرمز 𓌉 حين كان الوَو (الوُف) هو سلاح يحمل اسم البوم. وسمّاه اللاتين بُبو bubo، وعرّفه تراث منطقة المتوسط كلّها بصفات يشترك فيه الصقر والبوم، لذا تختلط المفاهيم في أساطير هذا الطير حين تتحدّث تارة عن صقر حوّام وتارة عن بوم حكيم.
قبل الإغريق وفي بلاد ما بين النهرين، كانت البومة تعتبر كائناً ليليّاً ومخيفاً، ويربطونها بالعالم السفلي والأرواح الميّتة. في الميثولوجيا السومريّة مثلاً، ارتبطت البومة بالإلهة ليليث الليلية الشيطانية التي تظهر في النصوص الأگّدية القديمة. كانت ليليث تجسّد اللّيل والظلمة، وكانت ترتبط أحياناً بالأرواح الشريرة، أو الملعونة بشكل أدقّ، خاصة الأرواح التي تتجوّل في الليل. يقابل هذه الأرواح الملعونة في الإسلام “المجرمين” الخالدين في الجحيم دون فرصة لمغفرة خطاياهم، لكثرتها وعظمتها.
عبر التاريخ، انتشرت هذه التصورات مع التفاعل الثقافي بين الشعوب، وانتقلت بعض الرموز مثل البومة من الشرق الأوسط إلى الثقافات الإغريقية واللاتينية، ممّا أسهم في تطوّر رمزيّة البومة لتصبح رمزاً للحكمة في الأساطير الإغريقية، بعد أن كانت رمزاً للغموض والخوف في الأساطير الشرقية القديمة.
مقارنة بالأساطير العربية الشمالية، لم تكن الأساطير العربية الجنوبية والفينيقيّة تمنح البومة دور مركزي، ولكن التركيز الأكبر كان على الآلهة المرتبطة بالطبيعة، مثل الشمس والقمر والمطر، والتي تعتبر القوى المحورية في الحياة اليومية. كانت الأساطير المتعلّقة بالروح مرتبطة بالعالم الّليلي والآلهة التي تراقب البشر، في حين لم تظهر البومة كرمز قوي في هذه الثقافة. المكانة الأكبر كانت للمقة (مكّة) ربّ القمر، وكان الليل وقتاً للأرواح والقوى الخفية في نظرة مشابهة لمعتقدات شمال العربية. كذلك كانت لعثتر ربّ(ة) الأمطار والخصوبة (ذكر في اليمن وأنثى في حضرموت).
في الأساطير المصرية القديمة كان يُعتقد أنّ البومة تحرس العوالم المظلمة، فهي طائر ليلي قادر على الرؤية في الظلام، وهو رمز للبصيرة الداخلية والقدرة على الوصول إلى الأسرار المخبأة. كانت البومة تُعتبر مرافقة للروح بعد الموت، تقود الروح إلى العالم الآخر أو العوالم الروحية.
في الثقافات الكلتية كانت البومة تُعتبر حاميةً للأسرار والروحانيّات. بعض التقاليد الكلتية ربطت بين البومة والروح التي تظل تراقب وتوجّه الإنسان خلال رحلته الحياتية. وبشكل مشابه للتقاليد العربية، كانت البومة ترى ما لا يراه الإنسان العادي، وهو ما أدّى إلى ارتباطها بالحكمة الروحية والتبصر.
في الأساطير الأمريكية كانت البومة تُعتبر روحاً مرشدة، قادرة على التحرّك بين العالمين: عالم الأحياء وعالم الأرواح. وبشكل مشابه للعادات النهرينية، كانوا يرون أن البومة تحذّر من الأخطار وتُرشد الأرواح المفقودة.
بؤبؤ العين والبُبّو
كلمة بُبو bubo اللاتينية على قرابة بكلمة بوَّس βύας الإغريقية عن بوهة العربية، بمعنى البومة. وعلى قرابة بكلمة بَوّة ܒܐܘܐ (باوا، بأواء، بعواء) السريانية بمعنى البومة. وبكلّ حال كلمة بُبو bubo اللاتينية القديمة صار بوبو būbō في لاتينية القرون الوسطى، وهي عن بوبون βουβών الإغريقية بمعنى: ينمو، يسمن، ينتفخ. وجُمعت بوّاء βοῦᾰ بمعنى مجموعة أطفال صغار… هذه الكلمة اللاتينية بُبو bubo هي مصدر تسمية بعض العرب للطفل الرضيع بُبّو. وهي كذلك مصدر تسمية بؤبؤ العين (بُبّو)، بسبب الأساطير القديمة التي ربطت الطفل الرضيع بالبومة، والبومة بالله، وربطت بؤبؤ العين بالروح على أنّ البؤبؤ هو نافذة على الروح داخل الإنسان، وعلى أنّ البؤبؤ هو نافذة البومة تراقب منها ما نراه وما نفعله، لأنّها عين الله فينا.
الأساطير المتعلقة بالعلاقة بين البومة والروح الإنسانية، وبين بؤبؤ العين والبومة، موجودة في عدة ثقافات حول العالم، خاصّة في الحضارات القديمة التي كانت تميل إلى الربط بين الحيوانات والطبيعة و القوى الروحية أو الآلهة. في الأساطير الإغريقية كانت البومة تعتبر رمز للحكمة، وهي الطائر المرتبط بالإلهة أثينا، إلهة الحكمة والحرب في الأساطير اليونانية. في بعض التفسيرات، البومة ترى ما لا يراه الآخرون، ممّا جعلها ترمز للبصيرة والفهم العميق. وقد يكون هذا الاعتقاد هو الذي أوحى بالربط بين البومة والروح البشرية، كونها ترى في الظلام وتملك قدرة مراقبة الأمور الخفية.
في عدة ثقافات قديمة، كان يُعتقد أنّ بؤبؤ العين هو “نافذة الروح”، حيث يُمكن بواسطته رؤية الروح أو التواصل مع القوى الروحية. هذه الفكرة موجودة في العديد من الثقافات التي ربطت العين بالقوى الداخلية، حيث كانوا يعتقدون أنّ النظر إلى عين الشخص يمكن أن يكشف عن حالته الروحية أو نواياه. وكان يُعتقد في بعض الأساطير القديمة أنّ البومة تتجسّد كعين للآلهة أو كمرسال لهم. هذه البومة قادرة على مراقبة البشر ومعرفة ما يفعلونه، وعلى هذا ارتبط بؤبؤ العين بالبومة على أنّه النافذة التي تراقب منها الأرواح.
في الثقافات الرومانية واليونانية القديمة كان يُعتقد أن البؤبؤ يعكس الروح الداخلية. وقد شاع بينهم اعتقاد بأنّ النظر في عيون الشخص يمكن أن يكشف عن مشاعره الحقيقية أو حتى حالته الروحية. كان بؤبؤ العين يُعتبر وسيلة لاكتشاف النوايا الخفية أو الروح نفسها. وفي المعتقدات الشعبية العربية والإسلامية هناك اعتقاد بأنّ الروح مرتبطة بالنفس وبالعين. وفي بعض التفاسير الدينية، للعين ارتباط بالروح والعالم الداخلي، لذلك كان يُعتقد أنّ النظر في العيون أو في بؤبؤ العين يكشف عن حال الإنسان الداخلي. كان يُعتبر بؤبؤ العين “مرآة” تُظهر الروح أو الجوهر الداخلي للشخص.
في الأساطير الهندية يرتبط مفهوم “العين الثالثة” أو عين الحكمة بالعلاقة بين البصر الخارجي والداخلي. بينما البومة في بعض التقاليد تُعتبر مراقبةً للعالم البشري، ترمز إلى العين التي ترى الحقائق الخفية. هذه الفكرة من الممكن أن تكون قد تطورت لتشمل بؤبؤ العين كنافذة تراقب الروح، ممّا يجعلنا نفهم فكرة أنّ البومة “تراقب” من طريق بؤبؤ العين.
في الأساطير السومرية كانت البومة تُعتبر رمز للآلهة إننّة (عشتار)، إلهة الحبّ والحرب. عُرفت إننّة بأنّها تمتلك القدرة على التنقّل بين العوالم البشرية والإلهية، وكانت عينها ترمز إلى المعرفة والقدرة على المراقبة. بشكل مشابه للمفاهيم الأميركية القديمة.
في بعض الثقافات الشعبية، وخاصة في الفلكلور الأوروبي الموروث عن التراث اللاتينية، كان يُعتقد أنّ البومة ترمز إلى الأرواح الطفولية أو الأرواح الجديدة. هذه الفكرة ربما تُفسّر ارتباط كلمة “بُبّو” بالطفل الرضيع، حيث أنّ البومة ترمز إلى الولادة الجديدة أو الرعاية الروحية.
الأساطير التي تربط بين البومة وبؤبؤ العين ليست مجرّد قصص سطحية، بل تعكس تصوّرات عميقة عن الروحانية والرؤية الداخلية. من خلال البؤبؤ، يُعتقد أن الإنسان يُراقب أو يُكشف عن روحه، والبومة في هذه الأساطير تُجسّد القوة التي تراقب وتحرس هذه الروح، وتؤدّي دور العين الخفية التي تراقب من وراء الظلام. هذه المعتقدات تتنوّع من ثقافة إلى أخرى، ولكنها تتشارك في فكرة أن البؤبؤ ليس مجرّد جزء من العين، بل نافذة تطل على الروح وتجسد الحكمة الروحية والقدرة على الاتصال مع العالمين الفيزيائي والروحاني.
طائر البوهة الفرعونية هو اليوم واحد من التسعة أنواع من البوم التي تعيش في العراق. واعتبره العرب القدامى في شبه الجزيرة العربية، وقبل آلاف السنين، أنّه رسول الخالق إلى الأرض وعينه ويده. ولمّا عبد العرب الشمس في منطقة النهرين اعتقدوا كذلك أنّ لون عينيّ البوهة هو تجسيد لعينيّ الشمس، بسبب لونها البرتقالي المحمرّ، ما زاد من قداسة الطائر. وفي اليمن القديم وممالك الإغريق انتشر نقش البوم على العملات الرسمية، وراثة عن التراث العراقي. إلى هذا المدى احترم القدامى طائر البوم.
في العهد السومري اعتقد أهل مدينة أُر (أور) أنّ الربّة عشتار تتلبّس البوهة الفرعونيّة ليلاً فأطلقوا عليها صفة ملكة الليل، واستمرّت هذه المعتقدات حيّة حتّى بعد تبديل الديانة طيلة العهد البابلي المبكّر. ولهذه الملكة نقش مشهور باسم برني Burney Relief نحته أهل جنوب العراق قبل نحو أربع آلاف سنة.

واعتقد العراقيّون القدامى في ذلك الزمن أنّ البومة تمثّل الربّة إرِش كِ گَل 𒀭𒊩𒌆𒆠𒃲 أي ربّة كلّ الأرض. وكانت في نظرهم قرينة عشتار في العالم السفلي، إذ حين كانت عشتار (إنَنّه) 𒈹 تحكم عالم السماوات، عالم الأحياء، كانت ربّة الأرض إرِش كِگَل تحكم العالم السفلي، عالم الأموات. لذا، كانت تخرج في اللّيل في جسد بوم البوهة الفرعونيّة لكي تجمع أرواح الموتى وتسوقهم إلى عالمها. ولمّا كانت إرِش كِگَل هي قرينة عشتار وتجسيد لها في العالم السفلي، فقد تاه الآثاريّون في قراءة نقش برني (ملكة الليل) واحتاروا هل هو نقش لعشتار أم لربّة العالم السفلي.
في العهد البابلي غيّر الناطقون بالأگّدية اسم ملكة اللّيل إلى ليليتْ عن الكلمة الأگّدية ليليتُ التي تعني الأرواح بصيغة الجمع، ولا بدّ أنّ هذا التحوّل جاء من وصف ملكة اللّيل إرِش كِگَل بأنّها ربّة الأرواح، وسارقة الأرواح بالموت، فنسي الناس الموصوف وبقيت الصفة؛ ليليت. ولو أنّ اسم اللّيل في الأگّدية هو ليلُ كذلك. وتحوّلت هذه الصفة في عبرية بابل إلى ليليث לילית وليليط، التي انتقلت عنها إلى اللاتينية. واعتبرها الإغريق صرخة البومة، على اعتبار أنّ صراخ البومة ليلاً يُخرج روح الميت من جسده فتسحبها، وتصطحبها إلى العالم السفلي.
لكن، بهذه الوصوف في العهدين البابلي والسرياني، صارت ليليت هي النسخة المؤنّثة من الشيطان. التي نُفيت من جنّة عدن بسبب تقاعسها عن طاعة آدم (الرجل)، وهبطت منفيّة إلى العالم السفلي تعيش بين الأفاعي والعفن، فصارت تنتقم من بني الإنسان بسحب الأموات من عالم السموات إلى موطنها في العالم السفلي، متجسّدة بالبومة المقدّسة ذات العيون المشتعلة، البوهة الفرعونية. لذا، قالت العرب قديماً، إن التقيت ببوهة فلا تنظر في عينيها، إنّما عليك أن تشيح بنظرك إلى الأرض فلا تخطف منك روحك إلى العالم السفلي.
هذه الأساطير هي ذاتها التي تطوّرت بين بعض الشعوب إلى مفهوم الساحرات خطّافات الأطفال، لا سيّما في العهد الروماني الثاني، يوم كانت الإمبراطورية الرومانية المقدّسة تحت حكم الألمان المسيحيّين. وتحوّل البوم من رمز للحكمة ومرسال من الخالق، إلى رسول من العالم السفلي، وجالب للشؤم والخراب والموت. لكن، في نظري هذه الأساطير وعلى جمالها كلّها هراء. أحبّ البوم، أحبّ البوم جدّاً، وأتفاءل بصحبة صوته في الغابات، وأستأنس بحضوره. وإن تبنّيت بوماً من نوع البوهة الفرعونية لوجدّته في البيت كما القطّة تماماً، يلعب ويصاحبك ويؤنس وحدتك، ويصبح رفيقاً لا غنى عن رفقته.
البوم والإسلام
في بداية عصر الإسلام ورث المسلمون عن المسيحيّين الغربيّين التشاؤم من رؤية وسماع صوت البوم. ثم في الدول الإسلامية وفي عصرها الذهبي، ذهبت الحكومات إلى تشجيع العرب على عدم التشاؤم من البوم، وبرّرت ذلك بعدم وجود حديث نبويّ يذكرها. وكانت الحكومات الإسلاميّة آنذاك قد لاحظت أنّ البومة تأكل يومياً ما يعادل 15 فأر، وهي تصطاد القوارض والجرذان والفئران والأفاعي والحشرات الأخرى، وهذه كانت مخلوقات تحضّ الحكومات على الخلاص منها لتأمين الحياة في مدنها وقراها.
وفي الحديث: أَنّ النبي، صلى الله عليه وسلم قال: لا عَدْوَ ولا هامةَ ولا صَفَرَ؛ الهامَة: الرأْس واسمُ طائر، وهو المراد في الحديث، وقيل: هي البومة. أَبو عبيدة: أما الهامَةُ فإن العرب كانت تقول إن عظام الموتَى، وقيل أَرواحهم، تصير هامَةً فتطير، وقيل: كانوا يسمون ذلك الطائرَ الذي يخرج من هامَة الميت الصَّدَى، فنَفاه الإسلامُ ونهاهم عنه؛ ذكره الهرويّ وغيره في الهاء والواو، وذكره الجوهري في الهاء والياء؛ وأَنشد أَبو عبيدة: سُلِّطَ الموتُ والمَنونُ عليهمْ، فَلَهُمْ في صَدَى المقابِرِ هامُ وقال لبيد: فليس الناسُ بَعْدَكَ في نَقيرٍ، ولا هُمْ غيرُ أَصْداءٍ وهامِ ابن الأَعرابي: معنى قوله لا هامَةَ ولا صفَر؛ كانوا يتشاءمون بهما، معناه لا تتشاءموا.
لسان العرب. هوم
هناك العديد من الأساطير والمعتقدات المسيحية المبكرة التي تشاءمت من طائر البوم، خاصّة في الحضارتين البيزنطية والرومانية. في العصر البيزنطي، كان يُعتقد أنّ صوت البوم نذير شؤم وموت وشيك. وارتبط هذا الاعتقاد بفكرة أن البوم يظهر في اللّيل، وقت كانت تُعتبر فيه الأرواح الشريرة نشطة. وفي روما القديمة، كان ظهور البوم في النهار يعتبر نذير شؤم. ويقال إنّ الإمبراطور أغسطس تشاءم عندما دخل بوم إلى مجلس الشيوخ الروماني. وارتبط البوم في المعتقدات المسيحيّة المبكّرة بالظلام والموت، وكان يُنظر إليه كرمز للشيطان بسبب عاداته الليلية.
في بعض التفسيرات المسيحية المبكرة للكتاب المقدّس، رُبط البوم بالخراب والدمار، استناداً إلى ذكره في سفر إشعياء (34:11) في سياق العقاب الإلهي. البابا گريگوريوس الأول (540-604 م) كتب في إحدى رسائله: “صوت البوم في الّليل هو تذكير بالظلمة الروحية التي تحيط بالنفوس الضالة.”. ثمّ في القرن الثالث عشر، نُسب إلى البابا إنوسنت الثالث قوله: “كما أنّ البوم يتجنّب ضوء النهار، كذلك يتجنّب الخاطئ نور الحقيقة الإلهية.”، ومن المهمّ ملاحظة أنّ هذه المعتقدات والأقوال تعكس الفهم الثقافي والديني للعصور القديمة والوسطى، وليست بالضرورة وجهات النظر الحالية للكنيسة أو العلم الحديث حول طائر البوم.
وكان المسلمون في العراق قد ورثوا حكاية عن يهود بابل، دخلت في التراث الإسلامي عن طريق ابن مسعود وما سجّله من نقاشاته مع كعب الأحبار. إذ ورد في الصفحة 248 من الجزء السادس من كتاب تفسير القرآن العظيم: “وقد ذكر ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنّه سمع كعباً يقول لعمر: إنّ سليمان، عليه السلام، قال للهامة – يعني البومة -: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنّه أخرج آدم بسببه من الجنّة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأنّ الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنّه ميراث الله عزّ وجلّ، ثمّ تلا: (وكنّا نحن الوارثين).”
هذه الحكاية استعملتها الخلافة الإسلامية بكثافة لتشجيع الناس على احترام البوم في كلّ أرجاء الدولة العبّاسية الواسعة آنذاك. مع ذلك، لم يصعد احترام البوم في الخلافة العبّاسية إلى درجة اعتباره رمزاً من رموز الدولة، كما فعلت عرب اليمن والحبشة والإغريق من قبل. غير أنّ الخلافة العبّاسية بذلت جهدها أن ترفض عن الناس أثر المسيحيّة الرومانيّة والبيزنطيّة التي حضّت على كراهة البوم والتشاؤم به.
أخيراً، إذا كنت كائناً ليليّاً كأغلب المبدعين في هذا العالم، فستحبّ حتماً صحبة البوم في بيتك. البوم كائن ليلي عموماً، ولو أنّه قد يعتاد حياتك النهارية مع الوقت. غذاؤه بسيط وغير مربك. والبومة بطبعها قادرة على تكوين علاقة اجتماعية جميلة بمربّيها. كما القطط تماماً، تألف مالكها وتسمح له بما لا تسمح لغيره، وتحبّ الصحبة واللعب. ولا تحتاج إلى مجتمع من البومات الأخرى في حياتها. كما أنّ البوم قليل الحركة، لكي يتفادى صرف طاقة تدفعه لأكل المزيد. لذا، فإبقاء البوم داخل البيت باستمرار سلوك مريح وغير مزعج. ليس للبومة ضجيج في البيت ولا تصدر أصواتاً، وقد تعيش لسبعين سنة! فهل تستأنس بوماً في بيتك؟
مراجع ومصادر:
- أبو شادي، نزار (2010). “البوم”. موسوعة الطيور العربية. الطبعة الثانية. عمان، الأردن: دار الفكر.
- الجحافي، عبد العزيز (2007). “البوم”. الموسوعة العربية الميسرة. الطبعة الرابعة. بيروت، لبنان: دار العلم للملايين.
- الشامي، عز الدين (2008). “البوم في التراث والحضارة العربية”. مجلة البحوث العلمية والإنسانية. المجلد 15، العدد 2، صفحات 285-302.
- عبد العظيم، محمد (2015). “البوهة الفرعونية في الثقافة العربية القديمة”. دراسات في التراث العربي. المجلد 42، العدد 2، صفحات 145-160.
- محمد، عبد الرازق (2012). “البوهة الفرعونية: دراسة تاريخية وثقافية”. مجلة الآثار المصرية. المجلد 88، العدد 2، صفحات 127-144.
- Hawass, Zahi (2005). “The Pharaoh’s Bubo: A Defense of the Owl”. KMT: A Modern Journal of Ancient Egypt. Vol. 16, No. 3, pp. 52-57.
- Wilkinson, Richard H. (2003). The Complete Gods and Goddesses of Ancient Egypt. Cairo, Egypt: The American University in Cairo Press.
- Allen, James P. (2010). Middle Egyptian: An Introduction to the Language and Culture of Hieroglyphs. Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press.
- Budge, E. A. Wallis (2014). The Book of the Dead: The Papyrus of Ani in the British Museum. London, United Kingdom: British Museum Press.





اترك رد