حابب احكي لك اليوم عن شوربة أوزبكيّة شهيرة جداً شمال غرب أوزبكستان، منطقة خيوه المعروفة اليوم باسم خيۋه Xiva بالأوزبكيّة وكيڤا Chiwa بالألمانية.
هذه الشوربة اسمها في منطقتها خيوه ببساطة {شُربه} كما العربيّة، لأنها الشوربة التقليديّة في المنطقة وكلمة شُربه هي الكلمة البخاريّة المقابلة لشوربة العربيّة. أمّا بالأوزبكيّة المعاصرة فتُكتب {شورۋه sho’rva} وتختلف اللّفظة بين لهجات أوزبكستان المتنوّعة، لكن أعتقد أنّك أخذت الفكرة…
المهم، من تقاليد الأكل الأوزبكيّة أن تسبق وجبة الأكل دائماً زبدية شُربه، هذا التقليد عام في كل تركستان ومن آلاف السنين، بسبب إيمان الراعي قديماً أنّ خلاصة قوّة اللّحم والخضار تظهر في الشُربه في أثناء الطبخ، في حين أكل اللّحم والخضار نفسها هو تحصيل حاصل لأنها الجسد الميت. يعني، حتّى تتّحد روح المخلوق الذي أكله الراعي بروحه البشرية يجب أن يشرب شُربه أوّل، وبعدين يملأ البطن ويُسكت الجوع بأكل الجوامد.
هذه الفرضيّة دخلت العبادات المصريّة بالمناسبة أيّام حكم الپطالمة الإغريق، فنشر الإغريق في القرن الثالث قبل الميلاد عبادة {سيراپِس Σέραπις (شراب)} الشافي، وأطلق عليه الناس بالقبطية تسمية {عُزيراپِ ⲟⲩⲥⲉⲣϩⲁⲡⲓ (عُزيرَ آپ} وكذلك نقشن اسمه في المعابد بالهيروگليفية {وزير-خپ} وكلّها تعني شراب الربّ.
بسبب هذه التقاليد القديمة بأكل الشُربه نجد في أوزبكستان تنوّعاً بالكثير من أنواع من الشُربات، ولكلّ مدينة تقريباً شُربتها الخاصّة بها. وأحياناً لكلّ قرية، حسب المواد التي تنتجها أرض القرية. وشُربة خيوه مميّزة بالنفَس الطويل اللازم لطبخها.

تتكوّن شُربه خيوه ببساطة من لحم وبصل وجزر وبطاطا وبندورة (طماطم)، من دون إضافة أي دهون إضافية ولا بهارات ولا ملح. ويمكن أن يكون اللّحم لحم غنمة أو حصان، حسب المتوفّر، ومن الناس من يصنعها اليوم بلحم بقر كذلك؛ لكن الأصول غنم أو خيل. ويبدأ الطبخ بغسل هذه المكوّنات وغمرها بالماء من دون تقطيعها، ممكن تقشير البصل لكن عدا ذلك لا تقطّع ولا حبّة خضار واحدة. تُنقع جميها كاملة مع شقف لحم كبيرة بالماء، وتُسلق على أهدأ وأقل حرارة ممكنة، وتُترك مغطاة ساعات.
من تقاليد شُربه خيوه أنّها كلّما سُلقت لوقت أطول كلّما تحسّن طعمها أكثر وصارت أطيب. لهذا السبب يمكن أن تمتدّ فترة السلق على الهادي ستّ ساعات، عشر ساعات، أنت وصبرك. ومن الناس من يتركها يوم ويومين على النار ودائماً الحرارة على أضعف مستوى. إذ كانت العادات تركها على الوجاق أو مدفئة البيت، فهي متّقدة بكلّ حال في فضل الشتاء.
ومن تقاليد بيوت الخيوارزميّين اليوم سلق الشُربة بكمّيات كبيرة، تكفّي شهراً مثلاً، وحفظها في الجمّادة (الفرزير). وتسحب منها الناس كل يوم علبة يسخننّها من جديد ويشربنها قبل الوجبة.
كان من تقاليد الناس زمان أن تشرب الشُربة فقط قبل الأكل، يعني ماء سلق المكوّنات، من دون أكل المكوّنات نفسها… نفس العادات الألمانيّة والفرنسيّة والإنگليزيّة اليوم. ثمّ تُترك المكوّنات المسلوقة للفقراء أو لخدم البيت؛ إذا كان فيه خدم. سرياً على الاعتقاد القديم، أنّ الخلاصة في الحساء؛ والجوامد حشو بطن فقط. في ألمانيا يسمّي الناس هذه الجوامد بالخضار الميتة totes Gemüse (توتس گيمُوزه)
لهذا السبب صار المفهوم الشائع والتقليدي أنّ زبديّة الغنيّ والمقتدر فيها شوربة من ماء السلق فقط، في حين زبدية الفقير فيها اللّحم مفروم مع بقيّة الخضراوات مفرومة كذلك، وتكون طريّة جدّاً من السلق… هكذا كانت التقاليد. ولهذا السبب، شكل زبديّة الشوربة الأوزبكيّة يساعد على رفعها باليد والشرب منها مباشرة، مثل الطاسة الصغيرة، ولا يشرب أحد الشوربة بالملعقة.

زمان ما كان من بطاطا ولا بندورة (طماطم) في أوزبكستان، فكانت شُربة خيوه عبارة عن لحم وجزر وبصل فقط، والأساس هو شرب مرق اللّحم منكّهاً بنكهة الجزر والبصل؛ جذور الأرض… لاحقاً حوالي القرن 19 وصلت تركستان البطاطا والبندورة (الطماطم) وصارت من مكوّنات الشوربات المحلّية.
لكن، في مدينة خيوه من المعيب إضافة ملح وبهارات للشُربة، ممكن إضافة الملح للأكل في غير وجبات. لكن، ليس للشُربة التي تقدّم في بداية الوجبة، لأنّ المفروض أن نأخذ فوائدها من دون سموم ولا شوائب… هكذا ببساطة يرى المطبخ البخاري الملح والبهارات، سموم وشوائب.
شخصيّاً أحبّ أن أصنع هذه الشُربة، وأصنعها كثيراً من عشرين سنة، ونادراً ما أضيف لها بندورة (طماطم). لكن ممكن أن أضيف فيها ورق كرفس. وآكلها مستمتعاً على طريقة الفقراء. أفرم الخضار قبل إضافتها في الماء وأسلقهنّ معاً، وأستمتع بهنّ مع بعض. وفي بعض المرّات أفرمهنّ بالخلّاط اليدوي بعد السلق، للتسلية، وتخرج شُربة ظريفة وسميكة لشربها بالمگ.
ماذا تعرف شوربات من مطبخك مثلها لشوربة خيوه؟





اترك رد