تمهيد في أركيولوجيا المعتقد
لا يُعدّ البحث في أصول أسماء الشهور بحثاً لغويّاً وحسب، بل هو حفرٌ في طبقات التاريخ الديني والاجتماعي للمنطقة. يجمع شهر “أيّار” أو “مايو” بين دفّتيه إرثاً يمتدّ آلاف السنين، يبدأ من شعائر عبادة الشمس الأولى في سهول النهرين، ويمرّ بعروش ملوك “حَنِرَبّات” و”إيميسة”، ليحطّ رحاله في معابد روما العسكرية، قبل أن يعود ليصافح رياح “الصَبا” في الذاكرة العربية.
يهدف هذا المقال إلى تقديم سرديّة شاملة تستقصي كلّ تفصيل تاريخي ولغوي ورد في الوثائق، لربط “روح أيّار” بجذورها المشرقية القديمة.
الجذور السحيقة: ثنائية “مَي” و “مو”
بدأت علاقة الإنسان بتقديس قوى الطبيعة مع بواكير عصر الزراعة في العراق قبل نحو 14 ألف سنة، حيث عظّمت الناس الشمس ووقّرتها. وتطوّر هذا التقديس حتى استقرّ اسمها على “مَي” قبل سبعة آلاف سنة، لتكون القطب المقابل لـ “مو” ربّ المياه والقمر.
وحافظت عبادة الشمس على وجودها في المشرق العربي وحوض المتوسّط دون انقطاع، حتى تحوّل سكّان المنطقة إلى الديانة المسيحية في القرن الخامس للميلاد (قرنين قبل الهجرة)، وكانت الديانة الميثرانية آخر ديانة شمسية كبرى في بلاد العرب قبل هذا التحوّل.
مملكة حَنِرَبّات: البوتقة الميتّانية
قبل 3500 سنة، نشأت في المنطقة الممتدّة بين شمال سوريا المعاصرة وتركيا مملكة عظيمة عرفناها دوليّاً باسم “مملكة ميتّاني”، وهو اسم مُحوّر عن صيغتها الحثّية “مي إت تا ني”. أمّا اسمها المحلّي فكان “حَنِرَبّات” 𒄩𒉌𒃲𒁁، وتحدّث أهلها اللّغة الحورية (حُرّيه أي المدنية)، وهي لغة من بنات المورية القديمة تميّزت بكونها لغة أهل البوادي خلافاً للغات الحضر.
عاشت هذه المملكة نحو ثلاثة قرون، وامتدّت سلطانها من “أشّور” شرقاً حتى كامل “كيليكيا” غرباً، ومن منابع الفرات شمالاً حتى “أوگاريت” جنوباً. وتمتّعت بعلاقات طيّبة بالمملكة المصرية آنذاك، وتصاهر العرشان بالزواج، إذ كانت حدود النفوذ المصري تنتهي عند مشارف أوگاريت في وادي العاصي.
حافظت حَنِرَبّات على عبادة الشمس “مَي” وفق التقاليد السومرية القديمة، لكنّها أضافت إليها مذاهب وفلسفات جديدة. ويشير علماء الأديان إلى أنّ الديانة الهندوسية الحالية انطلقت جذورها من هذا البلد وعاصمته “واشوكاني”، تاركةً في الهندوسية عبادة الربّ “سوريا” सूर्य (الشمس) والربّ “ميترا” मित्रः حامي الحقيقة ونظام الحياة. وبرغم زوال المملكة الميتّانية خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، استمرّت ديانتها عبر الشعوب الإيرانية وعرب شمال سوريا، واندمجت عبادة ربّ حَنِرَبّات “مَي” في الأديان المحلّية، وتحوّرت أسماؤها ومعانيها.
في فقه اللّغة: “ميثرا” امتدادٌ لـ “مَي” وليس مجرّد عقد
يقودنا تتبّع الجذر التاريخي لاسم “ميثرا” في حاضنته الميتّانية الأولى إلى إعادة النظر جذريّاً في التفسيرات اللّغوية الشائعة -كتفسير المستشرق أنطوان مييه- التي جرّدت الاسم من كينونته المادية وحصرته في معنى “العقد” أو “الميثاق” الاجتماعي، في سعي إلى إسنادها إلى تأصيل هندي بدل موطنها الطبيعي شرق المتوسّط وغرب آسيا. فالشواهد التاريخية في مملكة حَنِرَبّات تؤكّد أن بناء الاسم جاء عبر إضافة لواحق لغوية لاسم الشمس المعبودة “مَي”. فالجذر “مَي” الذي عُبد شمس مؤنثة في سومر والجزيرة العليا، هو ذاته النواة التي تشكّل منها اسم “ميثرا”.
إنّ العلاقة بين “مَي” و”ميثرا” ليست علاقة اشتقاق مجازي، بل هي تحوّل مورفولوجي (صرفي) مباشر؛ حيث تحوّلت “مَي” الأنثى إلى “ميثرا” أو “مَيتا” لتمثيل الشمس بصفة المذكّر. ويتجلّى هذا الترابط بوضوح في تنوّع الصيغ الصوتية التي حفظتها الذاكرة الدينية للمنطقة: “ميچه”، “ميشا”، “ميتا”، و”ميترا”. فجميع هذه الأسماء ليست إلّا تنويعات لحن تدور في فلك الجذر الشمسي “مَي”، وتصف ذات الجوهر: الشمس الملتهبة وشعاع الفجر البرتقالي.
وعليه، فإن “ميثرا” الميتّاني، الذي ورثه الهندوس والرومان، لم يكن مجرّد “حارس للحقيقة” بصفة معنوية كما تذهب التفسيرات الحديثة، بل كان تجسيداً فيزيائيّاً لـ “الشمس الحارسة”، وعيناً لـ “مَي” التي تراقب العهود من عليائها. هذا الفهم يعيد لاسم “ميثرا” أصالته المشرقية ابن شرعي لاسم “مَي”، ويفسّر لماذا بقي هذا الاسم، حتى عند الرومان، مرتبطاً بدلالات الضوء، والحرارة، وإنضاج المحاصيل، والمياه العذبة، وهي صفات لا يمكن استقاؤها من معنى “العقد” الجامد، بل من طبيعة الشمس الحية.
“مَي” في إيميسة: سيّدة الشمس وحامية المدينة
في العصور اللّاحقة، ارتبط اسم مدينة “إيميسة” (حمص) ومدينة “ميسان” في العراق ارتباطاً عضويّاً بإلهة الشمس “مَي”. بٌجّلت هذه الإلهة بصفتها حامية لإيميسة وتجسيداً للمعبودة الشمس، وصُوّرت غالباً شخصية أنثوية ذات سمات شمسية، مثل تاج من الأشعة أو قرص الشمس.
وفي بعض المجتمعات، ارتبطت “مَي” بالقمر أيضاً باسم “مه”، وعُبدت إلهة قمرية في منطقة “ماده” بعراق عجم (العراق الغربي)، لكنّها بقيت عموماً إحدى أقانيم ثالوث “بعل شاميم”.
كان لـ “مَي” شبكة من الكهنة والكاهنات يؤدّون الشعائر والتضحيات، وارتبطت عبادتها بالهوية السياسية والاجتماعية للمدينة. وانتشرت عبادتها لاحقاً خارج إيميسة لتصل أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وتماهت أحياناً مع الإلهة إيزيس أو الإغريقية آرتيميس.
التأصيل اللّغوي لاسم “مَي”
كُتب اسم إلهة الشمس “مَي” بصيغ متعدّدة أظهرت تنوّع اللّغات في تلك الحقبة:
- الآرامية: كانت لغة الحديث في إيميسة، وكُتب الاسم “ما” أو “مء” מא، وهي تعني “الماء”، وتقارن بالعربية “مَيّه” و”ماي” و”ماء”.
- الإغريقية: هُجّي الاسم Μα (ما) معادلاً للصيغة الآرامية.
- اللّاتينية: سُجّل الاسم بصيغ Maia أو Maja أو Maiestas.
- المصرية القديمة: ذُكرت باسم “سيّدة إيميسا”، وكُتبت بالهيروگليفية m3، وهي تشكيلة صوتية للآرامية מא.
تجدر الإشارة إلى أنّ عبادة مي الشمس بدأت سومرية، ثم تشكّلت ديانة مستقلّة في عهد الثورة الزراعية في الجزيرة العليا، فكانت حواضرها: أشُّر (الشرقاط)، نينوى (الموصل)، الرقّة، إميسان (حمص)، وميسان.
حماة وروما: المملكة التي غزت الإمبراطورية بديانتها
في القرن الثاني قبل الميلاد، وعقب وفاة الملك السلوقي “انطيوخوس الرابع الظاهر”، استقلّت حماة والساحل السوري وحكمتها أسرة عربية مكوّنة مملكة “حَماتا” (المحمية). كان اسم حماة آنذاك “إپيفينيا” Ἐπιφάνεια نسبة للملك انطيوخوس (إپيفانيس)، الذي دلّلها بعد عودته من إقامة 14 سنة في روما ومنحها امتيازات رومانية مكّنتها من الثراء.
خوفاً من خسارة هذه الامتيازات، انفصلت حماة عن السلوقيّين، وفي سنة 64 ق.م انضمّت بانقلاب عسكري محلّي إلى الجمهورية الرومانية كأوّل أرض مشرقية تفعل ذلك. تحوّلت فصائل الجيش الحموي إلى فرق نخبة رومانية، مثل “الفرقة الأساسية لرماة السهام الحمويّين” Sagittarii Hamiorum Cohors Prima، التي ذاع صيتها في أوروپا وشاركت في حكم بريطانيا بدءاً من سنة 122 م.
مي، الربّة العربية العظيمة للإمبراطورية الرومانية
الميثرانية: ديانة العسكر في قلب روما
نقل الحمويّون معهم ديانتهم إلى عموم الإمبراطورية، حيث كانت حماة تدين بديانتين: “سوريا” الشمس المؤنّثة، ونسختها الخاصّة من الميثرانية (الشمس بصفة المذكّر) التي ورثوها عن الميتّانيّين. وعُرف الإله المذكّر بأسماء “ميچه”، “ميشا”، “ميتا”، و”ميترا”.
نشر الحمويون الميثرانية في مختلف الألوية، فعُرفت باسم “ديانة العسكر”، وانتشرت في روما نفسها التي تضمّ اليوم آثار نحو 680 معبداً ميثرانيّاً. وكادت الميثرانية تصبح الديانة الرسمية للإمبراطورية لولا هزيمتها أمام المسيحية في الحرب الأهلية خلال القرن الرابع، التي انتهت بإبادة الميثرانية من روما. كان “مَيتا” أو “مَيترا” رمزاً للشمس، والعهد، والنور، واليمين، وحامي الحقيقة، وحارس المواشي، وربّ المطر ومياه السقاية.
الميثرانية في النسيج المدني: دين الإدارييّن والتجّار
لم تكن الميثرانية حكراً على حملة السيوف والرماح فحسب، بل تغلغلت بعمق في مفاصل الدولة الرومانية عبر طبقة “البيروقراطية الصغرى” التي كانت تدير شؤون الإمبراطورية اليومية. فإلى جانب الجنود، وجد هذا المعتقد أرضاً خصبة بين الموظّفين الإداريّين، والعبيد المحرّرين Libertini، وعبيد الإمبراطور الذين عملوا في الدواوين والمكاتب الحكومية الكبرى. كان هؤلاء يمثّلون “الطبقة الوظيفية” التي تمتلك مصلحة حقيقية في استقرار النظام الاجتماعي والسياسي القائم، ووجدوا في تراتبية الميثرانية الصارمة (بدرجاتها السبع) انعكاساً مثاليّاً للنظام الإداري الذي يخدمونه.
وأدّى التجّار السوريّون (الحمويّون والحماصنة في ذلك الوقت) دوراً محوريّاً في نقل هذه الديانة عبر مسارات التجارة البحرية، لا سيّما في الموانئ الاستراتيجية مثل “أوستيا” Ostia ميناء روما، حيث انتشرت المعابد الميثرانية بكثافة. ولم يكن هؤلاء مبشّرين بالمعنى التقليدي، بل حملوا معهم “ميثرا” إله للعهود والعقود والصدق، وهي قيم أساسية لنجاح التجارة والأعمال. وهكذا، تحوّلت المعابد الميثرانية (الكهوف المقدّسة Spelaeum) إلى ما يشبه “النوادي الاجتماعية المغلقة” أو النقابات المهنية (تيمپلُم Templum)، حيث يجتمع التجّار وموظفو الجمارك والإداريّون في أجواء من الثقة المتبادلة والولاء المشترك. إضافة إلى الحُرُم Fanum و الأقبية (الأروقة) Crypta.
أمّا على صعيد الأسرة والمجتمع العريض، فكانت الميثرانية تختلف جذريّاً عن المسيحية الناشئة آنذاك؛ إذ كانت ديانة “ذكورية” بامتياز تقصي النساء تماماً من شعائرها. هذا الإقصاء خلق واقعاً اجتماعيّاً فريداً داخل العائلة الواحدة؛ ففي حين كان ربّ الأسرة يغيب في “كهف ميثرا” ليشارك في ولائم الرجال المقدّسة، كانت نساؤه وبناته يمارسن شعائراً أخرى، غالباً ما توجّهت نحو الآلهة “إيزيس” أو “سيبيل” Cybele أو حافظن على عبادة آلهة البيت التقليدية.
وعلى عكس المسيحية التي اتُّهمت حينها “بتقويض العائلة” عبر استقطاب النساء وتغيير دينهن، كانت الميثرانية مقبولة اجتماعياً لأنّها لم تتدخّل في معتقدات نساء البيت ولم تسعَ لتغيير النسيج العائلي. كانت، في جوهرها، ديانة تحترم النظام العام، وتمنح أتباعها من غير العسكر شعوراً بالانتماء إلى “نخبة روحيّة” موازية للنخبة السياسية، دون أن تصطدم مع آلهة الدولة الرسمية أو تثير قلق السلطات الاجتماعية.
مايُس ومارس: اشتقاقات شمسية
نال الشهر الثاني في التقويم الروماني (قبل المسيحية) اسم “مايُس” نسبة لاسم “مَيترا”. وكذلك نال كوكب المريخ “مارس” اسمه من المصدر ذاته، إذ يتحوّل حامي الحقيقة إلهاً للحرب عند العدوان على الحقّ. وتشترك الأسماء: “مَيتا”، “ميچه”، “ميشا”، “مايس”، “مارس”، “ميتراس”، “دميترا” في ارتباطها بلون الشمس الملتهبة وشعاع الفجر البرتقالي المائل للصفرة.
أيّار العربي: شهر رياح الصَبا
أمّا اسم “أيّار” عند العرب، فله مصدر مختلف. تورد خمسة معاجم (الوسيط، المعاصرة، الرائد، لسان العرب، المحيط) أنّ أيّار هو الشهر الذي تهبّ فيه ريح “الصَبا”. واسم هذه الريح قديماً: “الإِيرِ”، “الأَيِّرِ”، “الأُورِ”، و”الأَوورِ”، وجاء “أيّار” على وزن “فعّال” أي “مثير الإِيرِ”.
تتّصف ريح “الإِيرِ” (الصَبا) بالاعتدال، فإن هبّت أوّل النهار مالت للبرودة لمرورها على مواضع باردة ليلاً، وتكون طيّبة جدّاً للعرب. وقتها قصير لأنّ شعاع الشمس يتبعها فيشعلها ويسخّنها حتى تعتدل. وهي النسيم السحري الذي يطيب النوم عليه، وتهبّ في الأسحار والغدوات. يعتقد بعض العرب أنّها “تصبو” إلى الكعبة وتستقبل القبلة، لذا سُمّيت الصَبا. وذكرت كتب التفسير أنّها الريح التي سخّرها الله للنبي سليمان (غدوّها شهر ورواحها شهر)، وهي التي نصر الله بها الرسول محمّداً في غزواته، مصداقاً للحديث: “نُصرتُ بالصَبا، وأُهلكت عاد بالدبور”.
المراجع والمصادر
- Alpass, Peter. The Religion of the Nabataeans: A Conspectus. Brill, 2013.
- Bagnall, Roger S., et al (Eds.). The Encyclopedia of Ancient History. Wiley-Blackwell, 2012.
- Ball, Warwick. Syria: A Historical and Architectural Guide. Interlink Books, 2011.
- Clauss, Manfred. The Roman Army and the Religion of Mithras. Oxford University Press, 2001.
- Kaizer, Ted. The Religious Life of Roman Syria. Franz Steiner Verlag, 2008.
- Kaizer, Ted (Ed.). The Variety of Local Religious Life in the Near East. Brill, 2008.
- Yuhong, Wu (Ed.). The Kingdom of Mitanni in Second Millennium Upper Mesopotamia. (Mitanni History Papers).
- The Oxford Handbook of Roman Syria. Oxford University Press, 2011.
- ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. (المواد: أير، صبا).
- الفيروزآبادي، مجد الدين. القاموس المحيط. (مادة: صبا).
- مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. (مادة: أيّار).
- Tornatore, Giuseppe (Director). The Legend of 1900. Medusa Film, 1998.





اترك رد