رسمة أمس السبت أخصّ بها مواليد شهر أيار مايو، ورسمت فيها روح أيّار كما أشعر بها، تقليداً لمشهد جميل من فيلم The Legend of 1900 الجميل.

وبينما يسمّي العرب الشهر باسم أيّار بسبب رياحه، سمّاه الروم مايو أو مايُس نسبة للإلهة الشمس مَي… ومَي هذه هي قلب اسم حمص القديم إميسه، أي بلد الشمس، الإلهية.
ابتداءً من بداية عصر الزراعة في العراق قبل نحو 14 ألف سنة، عبدت الناس الشمس، وقدّرتها ووقّرتها، حتى صار اسمها ”مَي“ قبل سبعة آلاف سنة، مقابلة لـ“مو“ ربّ المياه، القمر. واستمرّت عبادة الشمس في المشرق وحول المتوسط لم تنقطع إلى أن تحوّلت الناس جميعاً في هذه المنطقة إلى المسيحية في القرن الخامس، وآخر ديانة شمسية في بلادنا كانت الديانة الميثرانية.
قبل 3500 سنة نشأت في المنطقة ما بين شمال سوريا المعاصرة وتركيا مملكة نعرفها اليوم باسم مملكة ميتّاني، واسمها هذا تحوير عن اسمها باللّغة الحثّية ”مي إت تا ني“، أمّا اسمها المحلّي فكان حَنِرَبّات 𒄩𒉌𒃲𒁁 وتحدّث أهل هذا البلد اللّغة الحورية (حُرّيه أي المدنية) وهي لغة من بنات الأرمينية القديمة لكنّها تميّزت بأنّها لغة أهل المدن دوناً عن الرعاة. عاشت مملكة حَنِرَبّات الميتّانية نحو ثلاث قرون وامتدّت أراضيها من أشور شرقاً حتى كامل كيليكيا غرباً، ومن منابع الفرات شمالاً حتى أوگاريت جنوباً. وكانت هذه المملكة على علاقة طيّبة بالمملكة المصرية آنذاك، حتّى تناسبت أسرتي العروش بالزواج، إذ كانت حدود المملكة المصرية تنتهي في ذلك الوقت على مشارف أوگاريت في وادي العاصي.
المهمّ من الموضوع هو ديانة هذه المملكة الميتّانية حَنِرَبّات، التي استمرّت فيها شعوب المنطقة تعبد الشمس ”مَي“ على الديانة السومرية القديمة، لكن بمذاهب وفلسفات جديدة، والمثير في الموضوع هنا هو اعتقاد علماء الأديان بانطلاق الديانة الهندوسية الحالية من هذا البلد ومن عاصمة هذا البلد ”واشوكاني“ ما ترك في الهندوسية حتى اليوم عبادة الربّ ”سوريا“ सूर्य الربّ الشمس وكذلك الربّ ”ميترا“ मित्रः حامي الحقيقة ونظام الحياة.
زالت المملكة الميتّانية حَنِرَبّات خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، لكنّ ديانتها استمرّت في أشكال مختلفة عبر الشعوب الإيرانية والشعوب الساكنة في شمال سوريا، واندمجت عبادة ربّ حَنِرَبّات ”مَي“ في بعض الأديان المحليّة المختلفة كأحد فصولها وفلسفاتها، وتحوّرت معاني وأسماء ”مَي“ لأسماء مختلفة. كما نجد مثلاً تبجيل الإله ”ميثرا“ 𐬨𐬌𐬚𐬭𐬀 في الديانة الزرادشتية الأخمينية في بابل وفي عموم غرب آسيا. وهي الديانة نفسها التي استمرّت بشكل مختلف على الجانب الغربي من الفرات وحول المتوسط، فما هي؟
خلال القرن الثاني قبل الميلاد وبعد وفاة الملك السلوقي ”انطيوخوس الرابع الظاهر“ استقلّت حماة بوادي العاصي والساحل السوري عن السلوقيين وحكمتها أسرة عربية فصارت مملكة عربية تحت اسم مملكة حَماتا (أيّ المحمية)، وكان اسم مدينة حماة آنذاك ”إپيفينيا“ Ἐπιφάνεια أي الظاهرة أو الظاهرية على اسم الملك انطيوخوس الظاهر (إپيفانيس) Ἀντίοχος Ἐπιφανὴς، وكان هذا الملك قد أولى حماة عناية خاصّة ودلّلها بعد العودة من إقامة 14 سنة في روما، ثمّ منح فيها الكثير من الامتيازات للرومان، فآثرت حماة بعد وفاة الظاهر الانفصال عن المملكة السلوقية خشية خسارة هذه الامتيازات الرومانية فيها، التي مكّنتها من الإثراء والرخاء.
سنة 64 ق.م وقبل أيّ أرض على المشرق، انضمّت مملكة حماة إلى الجمهورية الرومانية بانقلاب عسكري محلّي، وصارت فصائل الجيش الحمويّ تمثّل فرق النخبة في القوات الرومانية في أوروپا وغرب شمال أفريقيا، ونزلت القوّات الحموية تحت عدّة فرق عسكرية كمثل فرقة ”ساچيتاريا حميورُم كورس پريما“ أي ”الفرقة الأساسية لرماة السهام الحمويّين“ التي ذاع صيتها في أوروپا بسبب دورها في حكم بريطانيا لمصلحة الرومان اعتباراً من سنة 122 بعد الميلاد.
علاقة الحموية العرب الخاصّة بروما تركت الكثير من الآثار الدينية والتأثيرات الثقافية ما بين الشعبين، إذ انتشرت الديانة الحموية آنذاك في عموم مناطق الإمبراطورية الرومانية، وحيثما حكمت أو تنفّذت أسرة أرستقراطية عسكرية حموية… كانت حماة آنذاك على ديانتين، إحداها هي ديانة ”سوريا“ الشمس المؤنّثة بالإضافة إلى نسختها الخاصة من الديانة الميثرانية، حيث عبدت الناس ميثرا ذاته الذي تركه الميتّانيون، الشمس بصفة المذكّر، لكن باسم مختلف هو ”ميچه“ و“ميشا“ و“ميتا“ و“ميترا“.
انضمام الحموية الباكر إلى الإمبراطورية الرومانية منحهم امتيازات قوية على أهل المشرق؛ بقيت في حظّهم حتّى نهاية الإمبراطورية الرومانية، حتّى كادت مدينة حماة تصبح العاصمة الرومانية في سوريا. ونشر الحموية ديانتهم الميثرانية في مختلف ألوية الإمبراطورية الرومانية دون ممانعة رومانية، ولقّبها الناس شيوعاً باسم ديانة العسكر، حتّى نجدها في مدينة روما نفسها التي بقي فيها حتى اليوم آثار نحو 680 معبد ميثراني (ميتراني). وكادت الميثرانية تتحوّل إلى الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية لولا انهزامهم مقابل أتباع المسيحية في الحرب الأهلية التي تبادلها الطرفان خلال القرن الرابع، والتي انتهت بقمع وإبادة الديانة الميثرانية من روما بشكل مطلق.
المهم، أنّ ”مَيتا“ و ”مَيترا“ هذا الذي عبده الحموية والرومان كان رمزاّ للشمس، هو العهد والنور واليمين، حامي الحقيقة، وحارس المواشي والمحاصيل، وربّ المطر ومياه السقاية العذبة بأنهارها وينابيعها. وعلى اسم مَيترا هذا نال الشهر الثاني من التقويم الروماني قبل المسيحية ”مايُس“ اسمه، ونال كذلك كوكب المريخ ”مارس“ اسمه، إذ أنّ حامي الحقيقة قد يتحوّل إلهً للحرب في زمن العدوان على الحقّ.
”مَيتا“ و ”ميچه“ و“ميشا“ و“مايس“ و“مارس“ و“ميتراس“ و“دميترا“ و“ميثراس“… دائماً بلون الشمس الملتهبة، لون شعاع الفجر البرتقالي المتحوّل إلى الصفرة.
لكن، ماذا عن أيّار؟ ما هو مصدر هذا الاسم لشهرنا هذا؟
في خمس معاجم عربية ورد تعريف أيّار بأنّه الشهر الذي تهبّ فيه ريح الصَبا، واسم هذه الريح العربي القديم حَسَبَ هذه المعجمات هو: الإِيرِ والأَيِّرِ والأُورِ والأَوورِ… ومنها أيّار على وزن فعّال، أي مثير الإِيرِ. والمعاجم العربية الخمس هي: قاموس المعجم الوسيط، اللّغة العربية المعاصرة، الرائد، لسان العرب، القاموس المحيط.
أمّا ريح الصَبا، الإِيرِ، فهي ريح قريبة من الاعتدال، فإن كان هبوبها في أوّل النهار كانت مائلة إلى البرد لأنّها تمرّ على مواضع باردة بردت بغياب الشمس عنها في اللّيل، بسبب حركة الغيوم المتوسطة المستمرّة في السماء… تارة تغطّي الشمس وتارة تتركها. وتكون الإِيرِ للعرب طيّبة جدّاً، إلّا أنّ زمانها قليل لأنّ شعاع الشمس يتبعها؛ فإذا طلعت الشمس أشعلتها، ولا تزال كذلك تمرّ قدّام الشعاع والشمس تلطّفها وتسخّنها حتى تصير معتدلة. وهي النسيم السحري الذي يلتذّ به الإنسان ويطيب النوم عليه، ويكون هبوب هذه الريح بالأسحار من اللّيل والغدوات من النهار.
يعتقد بعض العرب المسلمين أنّ ريح الإِيرِ هي التي تستقبل القبلة، فهي تحنّ إلى الكعبة وتصبو إليها فصار اسمها ريح الصَبا، ويكون ميقات مهبّها من مطلع أبراج الثريا إلى بنات نعش، وهي ريح طيبة النسيم. وقد أشارت كتب التفسير الإسلامي إلى أنّ ريح الصَبا هي التي سخّرها الله لنبيه سليمان؛ غدوها شهر ورواحها شهر، وكذلك فهي الرياح الّتي نصر الله بها رسوله محمّد في غزواته وفتوحاته. ففي الحديث أنّ رسول الله قال: (نُصرتُ بالصَبا، وأُهلكت عاد بالدبور).





اترك رد