تكمن إشكالية البحث في التاريخ العربي القديم غالباً في سيطرة السرديات الكلاسيكية التي تفصل فصلاً تعسفياً بين “تاريخ القبائل العربية” وبين “تاريخ الممالك الحضارية” في الهلال الخصيب. إذ يسود اعتقاد بأن قبائل مثل “جيس” (قيس) انحصر نشاطها في البداوة وخلاء شبه الجزيرة، منفصلةً عن الحواضر الكبرى مثل حمص وفينيقيا، مما يخلق فجوة معرفية تطمس هوية المكون البشري الذي بنى تلك الممالك.
وتنبع أهمّية هذا الموضوع من كونه يُعيد قراءة التاريخ استناداً إلى التأصيل اللّغوي والشواهد الأثرية، ليثبت أنّ هذا التحالف القبلي هو الوريث البيولوجي والسياسي للحضارة الفينيقية ولمملكة حمص (إميسه). هذه المقاربة لا تصحح النسب فحسب، بل تُعيد تعريف علاقة العرب بالإمبراطورية الرومانية، وتكشف الجذور العربية لمصطلحات عالمية للسيادة والقداسة.
مقدّمة
يتناول هذا المقال الجذور التاريخية واللّغوية لقبيلة “جيس” العربية، طارحاً فرضية مغايرة للسائد، مفادها أن هذا الحلف القبلي هو الامتداد الطبيعي لملوك “مملكة حمص” (فينيقيا) وسدنة ديانة الشمس.
يستعرض المقال الأدوار السياسية التي لعبها “الجيسيون” من العصر السلوقي وصولاً إلى سدة الحكم في روما، موضحاً عبر التحليل اللّغوي العلاقة بين اسم القبيلة وألقاب السيادة الرومانية (Gaius/گايُّس). كما يتتبّع المقال انتشار نفوذهم في حقب مختلفة، ليؤكد أنهم “جماجم العرب” وساداتهم الذين أداروا ممالك وإمارات محورية في حلب والموصل والأحواز، وليسوا مجرد بدوٍ رُحّل في هوامش التاريخ.
الجيس من العرب
قبيلة جيس العربية قبيلة كبيرة جدّاً وفروعها عديدة، وهم تحالف قبلي جمع أبناء عامر بن صعصعة، إحدى جمرات العرب. وهم جَمجمة من جماجم العرب، أي من ساداتهم. شرح ابن منظور في لسان العرب فقال: «وجماجم العرب رؤساؤهم، وكل بني أب لهم عزّ وشرف فهم جَمجمة. والجَمجمة: أربع قبائل، بين كل قبيلتين شأن.». ويُعتقد أنّ عرب الجيس هم رؤساء القيسيّين ما بعد الإسلام، إذ أنّ حلف الجيس هو أمراء أغلب دول القيسيّين عدا بني العبّاس. وفي بطون هذا الحلف نجد مثلاً:
- بني هلال ذائعي الصيت.
- بني كلاب أمراء الدولة المرداسيّة في حلب (القرن 11).
- بني نمير أمراء إمارة الرها؛ الدولة العلوية في ديار مضر (القرنين 10-11).
- بني كعب أمراء الخليج العربي وتجّار البحر، وأكبر صنّاع السفن في العالم خلال الفترة ما بين القرنين 10-18. وأحد سلالاتهم أمراء إمارة بني كعب الناصريّة في الأحواز (القرون 17-20).
- بني عقيل أمراء الموصل وحلب (القرنين 10-11).
وعلى خلاف ما يُعتقد، أنّ نشاط قبائل الجيس كان في خلاء شبه الجزيرة العربية فقط، ما قبل الإسلام. فإنّ من أصول وأفرع الجيس ملوك مملكة حِمْصَ. أكبر وأهمّ الممالك الدينية في العهد الروماني.
العهد السلوقي والحقبة الهلنستية
خلال الفترة السلوقية وما سبقها تبع أغلب العرب القيسيّين ديانة الشمس، في حين تبعت طيء ديانة القمر. قبل القرن العاشر قبل الميلاد كانت عاصمة ديانة الشمس (مي) المقدّسة آنذاك في مدينة الرقّة، التي فيها معبد داگون المقدّس، نفس المعبد الذي حجّ إليه الفينيقيّون ومن تبع ديانتهم من الإغريق من كلّ أنحاء البحر المتوسط.
في القرن العاشر قبل الميلاد خسر عبدة مي (الشمس) معبدهم المقدّس لمصلحة الدولة الأسوريّة الحديثة “مات أشُّر”، وانتقلت القداسة من بعدها إلى مدينتين تنافستا على ريادة ديانة الشمس، هنّ حِمْصَ في سوريا، ومدينة فرات ميسان (ميشان 𐭬𐭩𐭱𐭠𐭭) في العراق. وسبب التنافس كان ببساطة مساعي فريقين من العرب للحيازة على رئاسة ديانة الشمس، وهم الطيايا في ميسان، والجيس في حِمْصَ.
في حِمْصَ، وتحت سلطة السلوقيّين، نشأت في القرن الثالث قبل الميلاد مملكة إميسان الغربية (مملكة إميسه) برئاسة الفيلسوف يمليكو 𐡉𐡌𐡋𐡊𐡅 (توفّى 245 ق.م) الذي حمل في الإغريقية اسم يامبليخوس Ἰάμβλιχος بسبب انتشار مذهبه الفلسفي في كلّ أرجاء المملكة السلوقيّة وبين العديد من القبائل الإغريقيّة والفرنجيّة والتركيّة في البلقان. وانتشرت فلسفة يمليكو داعياً إلى عبادة إله الجبل 𐡁𐡋𐡄𐡀𐡂𐡀𐡋 والحجر الأسود المقدّس الذي أرسله إله الجبل من السماء، ثمّ أودعه العرب في معبد إله الجبل المقدّس في مدينة حِمْصَ.
عقب انهيار الدولة السلوقيّة في القرن الأوّل قبل الميلاد، استقلّت مملكة إميسان الغربيّة برئاسة سلالة شمس إگِرَم (شمسيغرام) الحمصيّة، التي استطاعت في سنة 46 ق.م الوصول إلى اتّفاق مع روما، منحها الحماية الرومانيّة، منعاً لضمّها إلى المملكة الأشكانيّة الناشئة على الشرق في العراق، بديلاً عن المملكة السلوقية. وبهذا حافظت مملكة حِمْصَ على استقلالها، ومكّن الرومان لعاصمتها قداستها الخاصة كسباً لعباد مي (الشمس) العرب من غير أتباع فرات ميسان الطيايا. وصعدت مكانتها حتّى صار الإمبراطور الروماني لا ينال شعبية كافية إن لم يتزوّج أميرة حمصيّة من بني شمسيغرام.
مملكة إميسان الغربية
اللّافت هنا أنّ ذكر مملكة حِمْصَ (إميسان الغربيّة) يأت في جميع التدوينات اللاتينية المعاصرة لها بصيغة مملكة فنيقيا أو فنيقيا. ما يجعل من مدينة حِمْصَ عاصمة لفنيقيا، التي عرفها العرب باسم مملكة إميسه أو مملكة الجيسيّين. وكانت منطقة حِمْصَ الإدارية قد بقيت على اسم فنيقيا حتّى نهاية العصر البيزنطي، حين تحوّلت إلى الإسلام، وغيّرت التنظيمات الإداريّة الإسلاميّة اسمها من محافظة فنيقيا إلى ولاية حِمْصَ. وهذا يعني ببساطة أنّ مملكة الجيس هي ذاتها بلاد الفنيقيّين، وهؤلاء هم نفسهم فنيقيّون وهم عرب.

في الواقع صعدت قداسة مدينة حمص والسلالة العربيّة من الجيس الحاكمة فيها، حتّى صارت الممالك تتسابق لمصاهرتها ومناسبتها حتّى ترضى عنها شعوبها. سواء أتحدّثنا عن الممالك المنضوية في حدود الإمبراطوريّة الرومانيّة أو التابعة لنفوذها، أو تحدّثنا عن الممالك التي جاورت الإمبراطوريّة الرومانيّة ونالت حمايتها دون الانضمام لها. وحتّى زنّوبيا 𐡡𐡶𐡦𐡡𐡩، حين أرادت في القرن الثالث الاستقلال بمملكة عربيّة عن روما، ادّعت نسباً إلى سلالة شمس إگِرَم الجيسيّة العربيّة، لكي تنال دعماً شعبيّاً من قبائل العرب في المشرق والمغرب.
أبناء شمس إگِرَم 𐡔𐡌𐡔𐡂𐡓𐡌 (شمسيغرام) هؤلاء كانوا من الجيس، سمّاهم العرب بالجيسيّين والجسياسيّين والجسّاسين والغسياسيّين والغسّاسين والغسيانيّين والغسّان. إحدى ملوكهم يمليكو الأوّل 𐡉𐡌𐡋𐡊𐡅 (حفيد يمليكو الفيلسوف، وتوفّى 31 ق.م) حمل لقب “فيلارخ العرب” أي بابا العرب المقدّس. هؤلاء الجيس سمّاهم الرومان الگَيُس Gaius وسمّاهم الإغريق غايوس أو گايُّس Γάϊος وكذلك قايّوس Κᾱ́ῐ̈ος و قَيس Κάης تحوير بصيغة نسبة عن الكلمة العربية القديمة قيّن التي تعني في الإغريقيّة والسلاڤيّة والتركيّة القديمة: ملك.
في ألقاب الجيس
ولا يُعرف بالضبط إن كانت قبيلة الجيس هي التي صعدت في مكانتها لدى هذه الشعوب حتّى صار اسمها مفردة تُستعمل بمعنى ملك. أم أنّ الجيس نالوا تسميتهم في الأساس تحويراً لكلمة قيّن (قيس في التغلبيّة) ليقولوا عن أنفسهم أنّهم الملوك. لكن، من الروائع أنّ الرومان وبعد تحوّل نظام الحكم في بلادهم عن الجمهوريّة إلى الإمبراطوريّة، صاروا يستعملون كلمة گَيُس Gaius بادئة للقب كلّ الأباطرة الرومان، بمعنى الجلالة.
شخصيّاً أعتقد أنّ لقب الجيسيّين الخاص بأبناء شمس إگِرَم 𐡔𐡌𐡔𐡂𐡓𐡌 (شمسيغرام)، هو مصدر كلمة جيسُس Jesus التي تُستعمل اليوم في اللّغة الإنگليزية لوصف المسيح. إذ أنّ جيسُس كان لقب قداسة ملك حِمْصَ (أيّاً كان الملك). الذي انتشر حيث كان الفنيقيّون ومن تبع ديانتهم في العهد الروماني. وكانت الصيغة الأصل للكلمة في كتاب Wycliffe المقدّس المكتوب بالإنگليزية القديمة في القرن 14 هو: Jhesus تحوّر إلى Jhesu ثمّ صار في الإنگليزية الحديثة Jesus.
الجيس في روما
في مطلع القرن الثالث وصل إلى سدّة الحكم في روما أمير حمصي اسمه أنطون Antoninus توّج باسم ديانته التي سعى إلى تحويل كلّ روما إليها إيلگبَلُس Elagabalus (إله-الجبلي). هذا الأمير كان من الجيس، من نسل ذات الملك الحمصي المؤسّس شمس إگِرَم (شمسيغرام)، وحفيد للفيلسوف يمليكو وعلى ديانته. بعد سنة من تنصيبه طلب الإمبراطور تغيير اسمه الملكي إلى مرقُس أُريليُس أنطونِنُس Marcus Aurelius Antoninus. ثمّ بعد وفاته صار يشار إليه في التدوينات اللاتينية باسم هيليوگبلُس Heliogabalus أي جبل الله. وهذا الإمبراطور إحدى الأمثلة على سَعَة انتشار سلطة الجيس وأملاكهم، حتّى وصل فرد منهم إلى عرش الإمبراطورية الرومانية.
بكلّ حال، في التراث العربي، الجيس هم من القبائل العدنانيّة، التي تعود بنسبها إلى قبيلة هوزان القيسيّة المضريّة. ونقول نسبها هذا لأنّها كذلك كانت من القبائل التي اعتمدت الدولة الأسوريّة الحديثة عليها في بناء جناح مهمّ من جيوشها، هو الجناح الذي استعملته نينوى في القرن 7 ق.م لفتح مصر وتغيير سلالتها. حتّى تغيّر اسم مصر كلّها في العهد الأخميني فصار: المُضريّة (مُضَرايا).
بقي أن أقول أنّ في التراث العربي من يعتقد بأنّ تحالف قبيلة الجيس يعود في نسبه إلى نبيّ الله إسماعيل بن نبيّ الله إبراهيم.
خلاصة القول
خلاصة القول، إنّ التتبّع الدقيق للمسار التاريخي والتحليل اللّغوي لاسم “جيس” وتفرعاته يكشف لنا عن هوية مركبة تتجاوز المفهوم العشائري البسيط. فنحن أمام سلالة ملكية (فينيقية/عربية) استطاعت عبر التاريخ التكيّف مع المتغيّرات السياسية الكبرى، من التحالف مع الدولة الآشورية، مروراً بحكم روما عبر سلالة “شمسيغرام”، وصولاً إلى تأسيس الإمارات العربية في العصر الإسلامي. وبهذا، نخلص إلى أنّ “فينيقيا” الهلنستية والرومانية لم تكن سوى مملكة “الجيس” العربية، وأنّ التاريخ الحضاري للمنطقة هو تاريخ متّصل الحلقات لأبناء هذه الأرض، سواء عُرفوا بملوك حمص أو بشيوخ قبائل قيس.
مراجع ومصادر
أولاً: المصادر العربية والمعاجم اللغوية
تُسند هذه المصادر المعلومات المتعلقة بتعريف “الجماجم”، ونسب القبائل (بني هلال، عقيل، نمير، كعب)، وتاريخ الإمارات العربية في العصر الإسلامي.
- لسان العرب — ابن منظور. (تحديداً مادة “جمم” لشرح مفهوم “جماجم العرب”).
- تاريخ ابن خلدون (كتاب العبر) — عبد الرحمن بن خلدون. (لتوثيق تاريخ الدول: المرداسية، العقيلية، وبني كعب).
- الكامل في التاريخ — ابن الأثير. (لتفاصيل إمارة بني عقيل والمرداسيين).
- جمهرة أنساب العرب — ابن حزم الأندلسي. (لتحقيق الأنساب القيسية والعامرية).
ثانياً: المصادر الكلاسيكية (الرومانية والإغريقية)
تُسند هذه المصادر المعلومات المتعلقة بمملكة حمص (إميسه)، سلالة “شمسيغرام” (Sampsigeramus)، الإمبراطور إيل جبل (Elagabalus)، والفيلسوف يمليكو.
- التاريخ الروماني (Roman History) — كاسيوس ديو (Cassius Dio). (المصدر الرئيس لفترة حكم الإمبراطور إيل جبل وأصوله الحمصية).
- تاريخ الإمبراطورية بعد ماركوس (History of the Empire from the Death of Marcus) — هيروديان (Herodian). (يصف طقوس “الحجر الأسود” في حمص وصعود السلالة الحمصية).
- الجغرافيا (Geographica) — سترابو (Strabo). (يذكر أمراء حمص العرب وعلاقتهم بالرومان).
- سير الفلاسفة والسفسطائيين (Lives of the Philosophers and Sophists) — يونابيوس (Eunapius). (للترجمة للفيلسوف يمليكو “Iamblichus”).
- دحض كل الهرطقات (Refutation of All Heresies) — هيبوليتوس الرومي (Hippolytus of Rome). (الذي استند إليه الكاتب في رسم خارطة فينيقيا/حمص).
ثالثاً: المصادر الأثرية واللغوية
تُسند المعلومات المتعلّقة بالنقوش، التسميات (يسوع/جيس)، والمصطلحات الإدارية (فينيقيا اللبنانية).
- المدونة الإدارية الرومانية (Notitia Dignitatum). (وثيقة تبين التقسيمات الإدارية، وتظهر فيها حمص ضمن مقاطعة “فينيقيا اللبنانية” Phoenice Libanensis).
- الكتاب المقدس (نسخة جون ويكليف 1382م). (التي ورد فيها اسم المسيح بصيغة Jhesus كما أشار المقال).
- نقوش بيستون (Behistun Inscription). (النقوش الأخمينية التي تذكر مصر باسم “مودرايا” Mudraya، وهو ما ربطه المقال بـ “مضر”).





اترك رد